← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 11796–11835 · переход к 11801.

стр. 11796

وقوله: " لا تقدموا عليه يريد: لأن مقامكم بالموضع الذي لا طاعون فيه أسكن لقلوبكم، وفيه المرأة والدار يعرفان بالشؤم فيوافق قدرًا من مكروه فيقع في الأنفس أن ذلك من سببهما. وسئل مالك عن البلد يقع فيه الموت وأمراض هل يكره الخروج إليه؟ قال: ما أرى بأسًا خرج أو أقام، قيل: فهذا شبه ما جاء به الحديث من الطاعون؟ قال: نعم (١). وحديث عائشة ﵂ المراد به ما لم يمت منه كما قاله الداودي، أما من مات منه فهو شهيد جزمًا. وذكر ابن جرير الخلاف عن السلف في الفرار من الوباء، وذكر عن أبي موسى الأشعري أنه كان يبعث بنيه إلى الأعراب من الطاعون، وعن الأسود بن هلال ومسروق أنه كان يفر منه. وعن عمرو بن العاصي أنه قال: (تفرقوا) (٢) في هذا الرجز في الشعاب والأودية ورءوس الجبال، فبلغ معاذًا فأنكره وقال: بل هو شهادة ورحمة ودعوة نبيكم (٣).

стр. 11797

وكان بالكوفة طاعون فخرج المغيرة منها (١)، فيما ذكره المدائني فلما كان في حصاص (٢) ابن عوف طعن فمات. وأما عمر فرجع من سرغ ولم يقدم عليه (٣)، وذلك لدفع الأوهام المشوشة لنفس الإنسان، وندم على رجوعه. وتأول من فر أنه لم ينه عن الدخول والخروج مخافة أن يصيبه غير المقدور، لكن مخافة الفتنة أن يظنوا أن هلاك القادم إنما حصل بقدومه، وسلامة الفار إنما كانت بفراره. وهذا من نحو النهي عن الطيرة. وعن ابن مسعود: هو فتنة على المقيم الفار فيقول: فررت فنجوت، وأما المقيم فيقول: أقصت فمت، وإنما فر من لم يأت أجله، وأقام من حضر أجله. وقالت عائشة ﵂: الفرار منه كالفرار من الزحف. ويقال: قلما فر أحد من الوباء فسلم، ويكفي من ذلك موعظة قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ الآية. قال الحسن: خرجوا حذرًا من الطاعون فأماتهم الله في ساعة واحدة، وهم أربعون ألفًا (٤)

стр. 11798

غريبة: وقع في كتاب أبي الفرج الأصبهاني: كانت العرب تقول: إذا دخل بلدًا وفيها وباء فإنه ينهق نهيق الحمار قبل دخولها، فإنه إذا فعل ذلك أمن من الوباء. فصل: إن قلت: عدم القدوم عليه تأديب وتعليم، وعدم الخروج إثبات التوكل والتسليم وهما ضدان، فأمره بالحذر عنه؟! قلت: أجاب ابن الجوزي أنه لما لم يؤمن على القادم عليه أن يظن أنه إذا أصابه أن ذلك على سبيل العدوى التي لا صنع (للمقدور) (١) فيها نهى عن ذلك، فكلا الأمرين يراد لإثبات القدر، وترك التعرض لما يزلزل الباطن. وقال بعضهم: إنه إنما نهي عن الخروج لأنه إذا خرج الأصحاء وهلك المرضى فلا يبقى من يقوم بأمرهم فخروج هؤلاء لا يقطع بنجاتهم، وهو قاطع بهلاك الباقين، والمسلمون كما جاء في الحديث "كالبنيان يشد بعضه بعضًا". وقال ابن العربي: الذي عندي أن الله أذن أن لا يتعرض أحد للحتوف - ولكن هو من باب الحذر الذي أذن فيه؛ لأن الله صانك أن لا تشرك به فتقول: لو لم أدخل لم أمرض (٢). فصل: قول أبي النضر السالف: ("لا يخرجكم) (٣) إلا فرارًا منه") كذا هو

стр. 11799

بالنصب، ويجوز رفعه، واستشكلهما القرطبي؛ لأنه لا يفيد بحكم، ظاهره أنه لا يجوز لأحد أن يخرج من الوباء إلا من أجل الفرار وهذا محال، وهو نقيض المقصود من الحديث، لا جرم قيده بعض رواة "الموطأ": الإفرار منه بهمزة مكسورة ثم فاء ساكنة يوهم أنه مصدر، وهذا ليس بصحيح؛ لأنه لا يقال: أفرَّ رباعيًا، وإنما: يقال: فر، ومصدره فرار ومفر، قال تعالى: ﴿أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ قال جماعة من العلماء: إدخال (إلا) فيه غلط، قال بعضهم: إنها زائدة كما تزاد (لا) في مثل قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ أي: أن تسجد، وقال بعض النحويين: (إلا) هنا للإيجاب؛ لأنها تعوض ما نفاه من الجملة، ونهاه عن الخروج، فكأنه قال: لا تخرجوا منها إذا لم يكن خروجكم إلا فرارًا، فأباح الخروج لغرض آخر. والأقرب أن تكون زائدة، والصحيح إسقاطها كما قد صح في الروايات الأخر (١). وقال القاضي عياض: خرج بعض محققي العربية لرواية النصب وجهًا فقال: منصوب على الحال، قال: فلفظة (إلا) هنا للإيجاب لا للاستثناء، قال: وتقديره لا تخرجوا (إذا) (٢) لم يكن خروجكم إلا فرارًا منه (٣). فائدة: الطاعون وزنه فاعول من الطعن غير أنه عدل عن أصله، ووضع دالًّا على الموت العام بالوباء، وهي قروح تخرج في الجسد فتكون في المراق أو الآباط أو الأيدي أو الأصابع وسائر البدن، ويكون معه

стр. 11800

ورم وألم شديد وتخرج تلك القروح مع لهب، ويسود ما حوله أو يخضر أو يحمر حمرة بنفسجية كدرة، ويحصل معه خفقان القلب والقيء. وقال الخليل: الوباء هو الطاعون (١)، وقيل: هو كل مرض عام يقع بكثير من الناس نوعًا واحدًا، بخلاف سائر الأوقات فإن أمراضهم فيها مختلفة، فقالوا: كل طاعون وباء، وليس كل وباء طاعونًا، وجمعه طواعين. ونقل ابن التين عن الداودي أنه حبة تخرج في الأرفاغ، وفي كل طي في الإنسان ثم قال: والصحيح أنه كالوباء. الحديث العاشر: حديث عائشة ﵂: أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ المَرْأَةِ المَخْزُومِيَّةِ التِي سَرَقَتْ، (فَقَالُوا) (٢): مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ الله ﷺ ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ الله ﷺ ؟ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ الله؟! " .. الحديث ويأتي في موضعه بعد (٣). وايمن جمع يمين، ثم كثر في كلامهم فحذفوا النون كما حذفوا من لم يكن، فقالوا: لم يك. وقيل: هي إيم الله بكسر الهمزة، واختلف في ألف ايمن هل هي ألف وصل أو ألف قطع. واسم هذِه المرأة فاطمة بنت الأسود ابن عبد الأسد بنت أخي أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد، وكان ذلك في غزوة الفتح وقتل أبوها كافرًا يوم بدر، وكان حلف ليكسرن

стр. 11801

حوض رسول الله ﷺ ، فقاتل حتى وصل إليه، فأدركه حمزة وهو يكسره، فقتله، فاختلط دمه بالماء (١). الحديث الحادي عشر: حديث ابن مسعود ﵁: سَمِعْتُ رَجُلًا قَرَأَ، وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ خِلَافَهَا، فَجِئْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الكَرَاهِيَةَ، وَقَالَ: "كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ، لَا تَخْتَلِفُوا، فَإِنَّ مَنْ كانَ قَبْلَكُمُ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا". وقد سلف في الإشخاص والملازمة (٢)، وفيه النهي عن الاختلاف في القراءات، وأن لا يقول أحد لشيء قرئ: ليس هو كذا. الحديث الثاني عشر: حديث شقيق قال: قَالَ عَبْدُ الله: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأَنْبيَاءِ ضرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ، وَهْوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ". ويأتي في استتابة المرتدين (٣)، وأخرجه مسلم (٤)، وابن ماجه (٥). وسيدنا رسول الله ﷺ هو الحاكي والمحكي عنه، وكأنه أوحي إليه بذلك قبل وقوع قصته يوم أحد، ولم يعين له ذلك النبي ﷺ فلما وقع له ذلك تعين أنه (هو) (٦) المعنيُّ بذلك، نبه عليه القرطبي (٧).

стр. 11802

قال ابن التين: وفيه أنه كان يرجو إنابتهم كاستغفار إبراهيم لأبيه، ودعاء نوح قومه، فلما تبين لابنه أن أباه لا يؤمن تبرأ منه، ولما أخبر الله نوحًا أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، ودعا رسول الله ﷺ على قريش حين عتوا وسمى قومًا قتلوا يوم بدر (١). وقال: "كيف يفلح قوم دمَّوا وجه نبيهم" فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، (٢) فعلم أن منهم من يؤمن. وقال: ﴿عَسَى الله أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ [الممتحنة: ٧] قال ابن عباس: وذلك تزويجه ﷺ لأم حبيبة بنت أبي سفيان (٣). الحديث الثالث عشر: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّ رَجُلًا كَانَ قَبلَكُمْ رَغَسَهُ اللهُ مَالاً، فَقَالَ لِبَنِيهِ لَمَّا حُضِرَ: أَيَّ أَبِ كنْتُ لَكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرَ أَبٍ. قَالَ: فَإِنِّي لَمْ أَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فَإِذَا مُتُّ فأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اسْحَقُونِي، ثَمَّ فَرُّونِي فِي يَوْمِ عَاصِفٍ. فَفَعَلُوا، فَجَمَعَهُ الله ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ؟ قَالَ: مَخَافَتُكَ. فَتَلَقَّاهُ بِرَحْمَتِهِ". وَقَالَ مُعَاذٌ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادةَ قال سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَبْدِ الغَافِرِ، سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وقد سلف الكلام عليه قريبًا في ثاني حديث في هذا الباب، أعني

стр. 11803

باب ما ذكر عن بني إسرائيل (١)، ويأتي في الرقاق (٢) والتوحيد (٣)، وأخرجه مسلم (٤). و ("رغسه") براءمهملة مفتوحة ثم غين معجمة ثم سين مهملة ثم هاء أي: كثر ماله، فالرغس البركة والنماء والخير، ورجل مرغوس: كثير الخير، ورغسه الله: أكثر ماله وبارك له، وتقول: كانوا قليلاً فرغسهم الله أي: كثرهم، وروي (راسه الله) وهو غلط كما قاله ابن التين، فإن صح فهو بشين معجمة، والريش والرياش: المال. وقيل: رغس كل شيء أصله، فكأنه جعل له أصلاً من كل مال. وقوله: ("في يوم عاصف") أي: عاصف ريحه. وقوله: ("فتلقاه") هو بالقاف عند أبي ذر، قال ابن التين: ولا أعلم للفاء وجهًا إلا أن يكون أصله من تلففته رحمته، أي: كفرته وغشيته فلما اجتمع ثلاث فاءات أبدلت الآخرة (ألفًا) (٥). ثم ذكر البخاري بعده حديث حذيفة وعقبة مثله وسلفا. وفيه ("ثم أوروا نارًا") أي: اقدحوا وأشعلوا، وفيه: ("فذروني في اليم في يوم حار أو راح") كذا للمروزي والأصيلي وأبي ذر (حاز) بتشديد الزاي المعجمة يحز بحره وبرده، وعند أبي الهيثم (حار) (٦) بالراء، وأشار بعضهم إلى تفسيره بالشدة أي: بشدة ريحه.

стр. 11804

وجاء في بعض الروايات "في يوم حان" بالنون، وللنسفي (حار أو راح) على الشك قاله عياض، ورواه البخاري بعده عن عبد الملك، وقال ("في يوم راح") واقتصر ابن التين على رواية (حان) بالنون، ثم نقل عن ابن فارس: (الحنون) (١): ريح [تحن] (٢) كحنين الإبل (٣)، قال: فعلى هذا يقرأ "في يوم حان" بتشديد النون يريد حان ريحه، وتبعه بعض شيوخنا فاقتصر عليه في شرحه وأهمل ما ذكرناه. ثم ذكر البخاري بعده حديث أبي هريرة ﵁: "كانَ رجل يُدَايِنُ النَّاسَ .. " الحديث من طريقين عنه، وقد سلف قريبًا تأويله، وفي البيوع أيضًا (٤). ثم ذكر حديث عبد الله بن عمر ﵄: "عُذِّبَتِ امْرَأة فِي هِرَّةٍ .. " وقد سلف أيضًا (٥). وحديث أبي مسعود ﵁: "إنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ: إِذَا لَمْ تَسْتَحِي فاصنع مَا شِئْتَ". أخرجه عن آدم ثنا شعبة، عن منصور سمعت ربعيًا يحدث عن أبي مسعود فذكره، وهذا هو المحفوظ، ورواه ابن سعد عن منصور، عن ربعي، عن حذيفة (٦).

стр. 11805

قال الدارقطني: وكذا رواه أبو مالك الأشجعي عن ربعي، وروي عن ربعي، عن حذيفة قوله (١). وذكر الطرقي أن عبد الله بن مسلمة لم يسمع من شعبة غير هذا الحديث (٢) وسيأتي أيضًا في الأدب (٣). ومعنى الحديث: أن الحياء أمره ثابت منذ زمان النبوة الأولى، فإنه ما من نبي إلا وقد ندب إلى الحياء وبعث عليه، ولم يُبَدَّل فيما بُدِّل منها. وذلك أنه أمر قد علم صوابه، وبان فضله، ولم ينسخ فيما نسخ من شرائعهم. وقوله: ("فاصنع ما شئت") هو أمر معناه الخبر -يقال: استحى يستحي، واستحيا يستحيي- لأن المستحي ينقطع بحيائه عن المعاصي، وإن لم تكن له بقية. وحكوا فيه أوجهًا: أحدها: إذا لم تستحي من العتب وتخشى العار، فافعل ما تحدثك به نفسك قبيحًا كان أو حسنًا، لفظه أمر، ومعناه التوبيخ. الثاني: أن يحمل (على) (٤) الأمر على بابه، تقول: إذا كنت آمنًا في فعلك أن تستحي منه بجريك على الصواب، وليس من الأفعال التي يستحى منها فاصنع ما شئت، وعبارة ابن التين: إذا لم ترتكب ما تستحي منه مما ينهى عنه فاصنع ما شئت.

стр. 11806

ثالثها: معناه الوعيد أي: أفعل ما شئت تجازى به لقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾. رابعًا: لا يمنعك الحياء من فعل الخير، خامسها: أنه على طريق المبالغة في الذم، أي: تركك الحياء أعظم مما تفعله. ثم ذكر بعده حديث ابن عمر ﵄: "بَيْنَمَا رَجُل يَجُرُّ إِزَارَهُ مِنَ الخُيَلَاءِ خُسِفَ بِهِ، فَهْوَ يَتَجَلْجَلُ فِي الأَرْضِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ". تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ. يعني: تابع يونس، عن الزهري، عن سالم، عنه، وأخرجه النسائي في الزينة (١)، وأخرجه هو والنسائي من طريق أبي هريرة ﵁ أيضًا (٢) ووقع في ابن عساكر من أن النسائي أخرجه من طريق سالم، عن ابن عمر، عن أبي هريرة، والذي وجد فيه عن سالم عن أبي هريرة. والخيلاء: التبختر والإعجاب، وهو كقوله: "لا ينظر الله إلى من جر إزاره" (٣) فإن اختال مع قصر ثيابه دخل في هذا الوعيد، لا أن جر الإزار هو الموجب للوعيد. ومعنى يتجلجل: يتحرك في الأرض، والجلجلة حركة مع صوت، أي: يسوخ فيها حين يخسف به، قاله النضر بن شميل، وقال ابن دريد: كل شيء خلطت بعضه ببعض فقد جلجلته (٤)، وقال ابن فارس: جلجلت

стр. 11807

الشيء إذا حركته بيدك (١)، وقيل: يتجلجل يهوي، وقيل: التجلجل أن يسيخ في الأرض مع اضطراب شديد وتدافع من شق إلا شق (٢)، وزعم بعضهم أن هذا الرجل قارون. فائدة: عبد الرحمن بن خالد هذا هو أبو خالد الفهمي مولى الليث بن سعد من فوق، روى عنه الليث، وكان واليًا لهشام على مصر سنة ثماني عشرة وعزل سنة تسع عشرة، وتوفي سنة سبع وعشرين ومائة (٣). وشيخ البخاري بشر بن محمد: هو أبو محمد المروزي، مات سنة أربع وعشرين ومائتين. ثم ذكر بعده حديث أبي هريرة ﵁: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد كل أمة أوتوا الكتاب .. " الحديث سلف في الصلاة (٤). ومعناه نحن آخر الأنبياء، وأول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع، وأول من يدخل الجنة. وبعض أصحابه أول خصمين يوم القيامة، قال على: أنا أول من يجثو للخصام يوم القيامة، يعني: أنه يأتي هو وحمزة وعبيدة بن الحارث وشيبة وعتبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة وهم الذين تبارزوا يوم بدر يوم الفرقان، وفيهم أنزلت ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ (٥)

стр. 11808

الآية [الحج: ١٩] ورأى النبي ﷺ أبا دجانة يتبختر بين الصفين في قتال العدو فقال: "إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموضع" (١) ومعنى ("بيد"): غير، يقال: هو كثير المال بيد أنه بخيل، وبمعنى إلا، وبمعنى لكن. فائدة: في إسناده وهيب وهوابن خالد بن عجلان أبو بكر مات سنة خمس وستين ومائة، ثم ذكر فيه حديث معاوية الذي في الباب، وهو الحديث الثالث منه، فراجعه.

стр. 11809

٦١ - كتاب المناقب ١ - باب قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] وَقَوْلُهُ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. وَمَا يُنْهَى عَنْ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ. الشُّعُوبُ: النَّسَبُ البَعِيدُ، وَالْقَبَائِلُ دُونَ ذَلِكَ. ٣٤٨٩ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْكَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ ﵄ ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾ قَالَ: الشُّعُوبُ القَبَائِلُ العِظَامُ، وَالْقَبَائِلُ: الْبُطُونُ. [فتح: ٦/ ٥٢٥] ٣٤٩٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ؟ قَالَ: «أَتْقَاهُمْ». قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ؟. قَالَ: «فَيُوسُفُ نَبِيُّ اللهِ». [انظر: ٣٣٥٣ - مسلم: ٢٣٧٨ - فتح: ٦/ ٥٢٥]

стр. 11810

٣٤٩١ - حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا كُلَيْبُ بْنُ وَائِلٍ قَالَ: حَدَّثَتْنِي رَبِيبَةُ النَّبِيِّ ﷺ زَيْنَبُ ابْنَةُ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: قُلْتُ لَهَا أَرَأَيْتِ النَّبِيَّ ﷺ أَكَانَ مِنْ مُضَرَ؟ قَالَتْ: فَمِمَّنْ كَانَ إِلاَّ مِنْ مُضَرَ؟ مِنْ بَنِي النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ. [٣٤٩٢ - فتح: ٦/ ٥٢٥] ٣٤٩٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا كُلَيْبٌ، حَدَّثَتْنِي رَبِيبَةُ النَّبِيِّ ﷺ -وَأَظُنُّهَا زَيْنَبَ- قَالَتْ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُقَيَّرِ وَالْمُزَفَّتِ. وَقُلْتُ لَهَا: أَخْبِرِينِي: النَّبِيُّ ﷺ مِمَّنْ كَانَ؟ مِنْ مُضَرَ؟ كَانَ قَالَتْ فَمِمَّنْ كَانَ إِلاَّ مِنْ مُضَرَ، كَانَ مِنْ وَلَدِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ. [٣٤٩١ - فتح: ٦/ ٥٢٥] ٣٤٩٣ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ، خِيَارُهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِى الإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا، وَتَجِدُونَ خَيْرَ النَّاسِ فِي هَذَا الشَّأْنِ أَشَدَّهُمْ لَهُ كَرَاهِيَةً». [٣٤٩٦، ٣٥٨٨ - مسلم: ٢٥٢٦ - فتح: ٦/ ٥٢٥] ٣٤٩٤ - «وَتَجِدُونَ شَرَّ النَّاسِ ذَا الوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ، وَيَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ». [٦٠٥٨، ٧١٧٩ - مسلم: ٢٥٢٦ - فتح: ٦/ ٥٢٥] ٣٤٩٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا المُغِيرَةُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ، مُسْلِمُهُمْ تَبَعٌ لِمُسْلِمِهِمْ، وَكَافِرُهُمْ تَبَعٌ لِكَافِرِهِمْ». [مسلم: ١٨١٨ - فتح: ٦/ ٥٢٥] ٣٤٩٦ - «وَالنَّاسُ مَعَادِنُ، خِيَارُهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا، تَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ أَشَدَّ النَّاسِ كَرَاهِيَةً لِهَذَا الشَّأْنِ حَتَّى يَقَعَ فِيهِ». [انظر: ٣٤٩٣ - مسلم: ٢٥٢٦ - فتح: ٦/ ٥٢٦] ثم ساق من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾ قال: الشعوب: القبائل العظام، والقبائل: البطون.

стр. 11811

الشرح: ما ذكره من أن الشعوب: النسب البعيد يريد مثل مضر وربيعة، هذا قول مجاهد (١) والضحاك (٢)، وواحد الشعوب شعب بفتح الشين، مثل كعب -كما قاله في "الموعب"- وعن ابن الكلبي بالكسر، وقال الهجري في "نوادره": لم يسمع ذلك فصيحًا. وما ذكره عن ابن عباس ﵄ في القبائل أنها البطون ذُكر عنه أيضًا أنها الأفخاذ (٣). والذي ذكره أهل اللغة أن الشعوب مثل مضر وربيعة، والقبائل دون ذلك مثل قريش، وتميم واحدتها قبيلة، ثم العمائر واحدتها عمارة، ثم البطون واحدتها بطن، ثم الأفخاذ واحدها فخذ -سكن خاءه ابن فارس (٤) وكسرها غيره- ثم الفصائل واحدتها فصيلة، ثم العشائر واحدتها عشيرة، وليس بعد العشيرة حيٌّ يوصف. وقد أسلفنا عن الجواني أنه قسم العرب إلى عشر طبقات فبدأ بالجذم ثم الجمهور ثم الشعب ثم القبيلة ثم العمارة ثم البطن ثم الفخذ ثم العشيوة ثم الفصيلة ثم الرهط. وقال ابن خالويه في كتاب "ليس": الغاز دون الجذم وفوق الشعب. في "الكامل" للمبرد: المغازي بزاي مكسورة. وذكر بعضهم بعد العشيرة الذرية والعترة والأسرة.

стр. 11812

قال صاحب "المنتهى": الشعب ما تشعب من قبائل العرب والعجم، والشعوب الأمم المختلفة، فالعرب شعب، وفارس شعب، والروم شعب، والترك شعب. وفي الحديث: أن رجلاً من الشعوب أسلم (١). يعني: من العجم. وعن الزبير بن بكار: القبائل، ثم الشعوب، ثم البطون، ثم الأفخاذ، ثم الفصائل. وفي "المحكم" الشعب: هو القبيلة نفسها (٢)، وقد غلبت الشعوب بلفظ الجمع على جيل العجم. وقال الأزهري في "تهذيبه": أخذت القبائل من قبائل الرأس لاجتماعها (٣). وقال الجوهري: قبائل الرأس هي القطع المشعوب بعضها إلى بعض، تصل بها الشعوب (٤). وقال الزجاج: القبيلة من ولد إسماعيل كالسبط من ولد إسحاق، سموا بذلك ليفرق بينهما، ومعنى القبيلة من ولد إسماعيل معنى الجماعة، يقال لكل واحد: قبيلة، ويقال لكل جمع على شيء واحد: قبيل، أخذ من قبائل الشجرة وهو أغصانها (٥). وذكر ابن الهبارية في كتابه "ذلك المعالي" أن القبائل من ولد عدنان مائتان وسبع وأربعون قبيلة، والبطون من ولده مائتان وأربعة وأربعون بطنًا، والأفخاذ خمسة عشر فخذًا غير أولاد أبي طالب.

стр. 11813

فصل: وقوله: ﴿لِتَعَارَفُوا﴾ قال مجاهد: ليقال: فلان ابن فلان (١)، وقرأ ابن عباس: (لتعرفوا أن). وأنكره بعض أهل اللغة، قال: لأنه (٢) خلقهم ليتعارفوا في الأنساب، ولم يخلقهم ليعرفوا أن أكرمهم عند الله أتقاهم، وقيل: يجوز أن يكون معناه لأن أكرمكم، وكسر إن أحسن؛ لأن الكلام تم، ثم أعلمهم بأرفعهم منزلة عنده، فقال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ كما روي: "إذا كان يوم القيامة واستوى الناس في صعيد واحد نادى مناد من قيل العرش ليعلمن اليوم أهل الموقف من أولى بالكرم، ليقم المتقون" ثم تلا رسول الله ﷺ هذِه الآية (٣). فصل: وقوله تعالى: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ قال عكرمة: المعنى واتقوا الأرحام أن تقطعوها. وقال إبراهيم: هو من قولك: أسألك بالله وبالرحم (٤)، وهذا على قراءة الخفض، وأُنكر؛ لأنه عطف على الخافض من غير إعادة حرف الجر، وقيل: هو قسم. و ﴿رَقِيبًا﴾ حافظًا.

стр. 11814

وقوله: (وما يُنهى عنه من دعوى الجاهلية)، سيأتي قريبًا له باب معقود. ثم ذكر البخاري في الباب خمسة أحاديث: أحدها: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ؟ قَالَ: "أَتْقَاهُمْ). قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هذا نَسْأَلُكَ؟. قَالَ: "فَيُوسُفُ نَبِيُّ اللهِ"، وقد سلف. والنبي ﷺ أتقى الناس، ويوسف نبي رسول صديق، وإبراهيم نبي رسول خليل، وإسحاق ويعقوب نبيان، فهم أربعة أنيياء في نسق، لا نعلم أربعة في نسق غيرهم، نبه عليه ابن التين. الحديث الثاني: حديث كليب بن وَائِلٍ حَدَّثَتْنِي رَبيبَةُ النَّبِيِّ ﷺ زينَبُ بنت أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: قُلْتُ لَهَا: أَرَأَيْتِ النَّبِيَّ ﷺ أَكَانَ مِنْ مُضَرَ؟ قَالَتْ: فَمِمَّنْ كَانَ إِلَا مِنْ مُضَرَ؟! مِنْ بَنِي النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ. الحديث الثالث: حديث كليب أيضًا حَدَّثَتْنِي رَبِيبَةُ النَّبِيّ ﷺ وَأَظُنُّهَا زيْنَبَ- قَالَتْ: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُقَيَّرِ وَالْمُزَفَّتِ. وَقُلْتُ لَهَا: أَخْبِرِينِي: النَّبِيُّ ﷺ مِمَّنْ كَانَ؟ مِنْ مُضَرَ كَانَ؟ قَالَتْ: فَمِمَّنْ كَانَ إِلَّا مِنْ مُضَرَ؟ كَانَ مِنْ وَلَدِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ. (النضر أبو قريش في قول الجمهور كما أسلفناه أول الكتاب، وهو النضر بن كنانة) (١) بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.

стр. 11815

وروي أنه ﷺ قال: "لا يعلم ما بعد عدنان إلا كاهن أو متخرص" (١)، وقال ابن دحية في "مجمعه": أجمع العلماء أنه ﷺ إنما انتسب إلى عدنان ولم يتجاوزه، وأجمعوا أن عدنان بلا شك من ولد إسماعيل. فصل: في النهي عن سب مضر، قال ابن حبيب؛ يعني بإسناده إلى ابن عباس ﵄ قال: مات أدد والد عدنان، وعدنان، ومعد، وربيعة، ومضر، وقيس عيلان، وتميم، وأسد، وضبة، على الإسلام، على ملة إبراهيم، فلا تذكروهم إلا بما يذكر به المسلمون. وعن سعيد بن المسيب أنه ﷺ قال: "لا تسبوا مضر فإنه كان مسلمًا على ملة إبراهيم" (٢). وعند الزبير بن أبي بكر (٣) من حديث ميمون بن مهران عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: "لا تسبوا مضر ولا ربيعة فإنهما كانا مسلمين" (٤)، وقال ﷺ : "إذا اختلف الناس فالحق مع مضر" (٥).

стр. 11816

وروي أنه ﷺ قال: "إن الله -جل وعز- اختار من العرب هذا الحي من مضر" (١)، وسمع ﷺ قائلًا يقول: إنّي امْرُؤ حِمْيَرِي حينَ تَنْسُبُنِي … من رَبِيعَة أجدادي وَلَا مُضَر فقال: "ذلك أبعد لك من الله ورسوله" (٢). وعند ابن الأثير: "صار أصعر لخدك وأصغر لجدك". ومن حديث عمرو بن عبيد، عن الحسن عند الزبير مرفوعًا: "لا تسبوا مضر فإنه قد أسلم". فصل: في اشتقاقه: قال ابن الأنباري: مضر يجوز أن يكون اشتقاقه من قولهم: ذهب دم فلان خضرًا مضرًا أي باطلاً، وعند القزاز: هو إتباع، وعند الرشاطي عن إسماعيل بن القاسم قولهم: خضرًا مضرًا هو بمعنى نضرًا، أبدلوا النون بميم لقرب المخرج. قال محمد بن عبد الرزاق: أما أنا فلا أراه إلا من البياض إلا أن دمه ذهب خضرًا يعني ناعمًا أي: نعم فيه أصحابه فلم يكدر عليهم، مضرًا أي: أبيض، لم يقتل فيه أحد فيحمر دمه.

стр. 11817

وقال ابن سيده: سمي مضرًا؛ لأنه كان مولعًا بشرب اللبن الماضر -أي: الحامض- وقيل: سمي بذلك لبياضه (١)، وقال ابن دحية: لأنه كان يضير بالقلوب لحسنه وجماله، وكان على دين إسماعيل، وعند التاريخي عن ابن هرمة: هذا البناء الذي في نقب الروحاء هو قبر مضر بن نزار، وعند القتبي: هو من المضيرة، وهو شيء يصنع من اللبن (٢)، والعرب تسمي الأبيض أحمر فلذلك قيل: مضر الحمراء، وقيل: بل أوصى له أبوه بقبة حمراء، وعند العسكري: هو أول من سن حداء الإبل، وكان أحسن الناس صوتًا، فلما وقع عن النجيب فانكسرت يده، كان يقول: وا يداه وا يداه. فصل: وعلم النسب علم جليل، يتعين الاعتناء به، وقد صح من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم" قال الحاكم: صحيح الإسناد (٣). وجعل ابن حزم من فرضه أن يعلم أن سيدنا محمد بن عبد الله القرشي الهاشمي هو المبعوث إلى الجن والإنس بدين الإسلام الذي كان بمكة، ورحل منها إلى المدينة، فمن شك فيه أهو قرشي أو يماني أو تميمي أو أعجمي فهو كافر إلا أن يكون جاهلاً فيتعلم، ومنه أن يعلم أن الخلافة لا تجوز إلا في ولد فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، وأن يعرف كل من يلقاه بنسب في رحم محرمة ليتجنب ما حرم عليه، وأن يعرف كل من يتصل به برحم يوجب ميراثًا أو صلة أو نفقة أو عقدًا أو حكمًا.

стр. 11818

قال: ومن فروض الكفاية معرفة أسماء أمهات المؤمنين وأكابر الصحابة من المهاجرين والأنصار الذين حبهم فرض، فمن لم يعرف أنساب الأنصار لم يعرف إلى من يحسن، ولا عمن يتجاوز، وهذا حرام، ومعرفة من يجب له حق في الخمس من ذوي القربى، ومعرفة من يحرم عليه الصدقة ممن لا حق له فيه، وكل ذلك جزء من علم النسب، وقد صح بطلان قول من قال: إن علم النسب علم لا ينفع وجهل لا يضر، وقد أقدم قوم فنسبوه إلى رسول الله ﷺ -وهو باطل، وقد كان ﷺ يتكلم في النسب بقوله: "نحن بنو النضر بن كنانة" (١)، وذكر أفخاذ الأنصار إذ فاضل بينهم، فقدم بني النجار، ثم بني عبد الأشهل، ثم بني الحارث، ثم بني ساعدة (٢). وذكر بني تميم، وبني عامر بن صعصعة، وغطفان، وأخبر أن مزينة وجهينة وأسلم وغفار أخير منهم يوم القيامة (٣). وأخبر أن بني العنبر بن عمرو بن تميم من ولد إسماعيل. ونسب الحبش إلى أرفدة (٤). ونادى قريشًا بطنًا بطنًا (٥).

стр. 11819

وكل هذا يبطل ما روي عن بعض الفقهاء من كراهية الرفع في الأنساب إلى الآباء من أهل الجاهلية. ثم أسند عن عمر: تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحاكم (١)، وأخرجه أبو نعيم من حديث العلاء بن خارجة المدني (٢) مرفوعًا (٣). وعن سعد بن أبي وقاص: قلت: يا رسول الله، من أنا؟ قال: "أنت سعد بن أبي وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة، من قال غير هذا فعليه لعنة الله" (٤). وكان عمر وعثمان وعلي به علماء. وقوله ﷺ لحسان: "اذهب إلى أبي بكر ليخلص لك نسبي" (٥) يكذب قول من نسب إليه أن علم النسب علم لا ينفع لأنه لا يصح، وكل ما ذكرناه صحيح مشهور، وما فرض عمر وعثمان وعلي الدواوين إذ فرضوه إلا على القبائل ولولا علمهم بالنسب ما أمكنهم ذلك، وكان ابن المسيب وابنه محمد والزهري من أعلم الناس بالأنساب في جماعة من أهل الفضل والفقه والإمامة كالشافعي وأبي عبيد (٦). ولذا قال ابن عبد البر: لعمري ما أنصف القائل: إنه لا ينفع؛ لأنه بين نفعه لأشياء، منها: قوله ﷺ : "كفر بالله ادعاء نسب لا يعرف، وكفر بالله

стр. 11820

تبرؤ من نسب وإن دق" (١)، وروي عن أبي بكر مثله (٢)، وقال ﷺ : "من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلا غير مواليه فعليه لعنة الله" (٣)، وقد روي من الوجوه الصحاح عن رسول الله ما يدل على معرفته بأنساب العرب. قلت: وفي الترمذي مصححًا من حديث عبد الله بن عمرو: خرج رسول الله ﷺ وفي يده اليمنى كتاب وفي اليسرى كتاب، فقال: "هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم" (٤)، وأخرجه الرشاطي من حديث ابن عمر بمثله وفيه: "أسماؤهم وأنسابهم". فصل: ذكرت في الحديث النهي عن الدباء وغيره لتأتي بالحديث على وجهه، وقد أسلفنا بيان ذلك، ولا بأس بإعادته لبعد العهد به. فـ (الدباء) جمع دباءة وهي: القرعة وهي ممدودة في أشهر اللغات، وذكر القزاز في "جامعه" أيضًا أنها قصرت في لغة. و (الحثتم) قال أبو عبيد: جرار خضر كانت تحمل فيها إلى المدينة الخمر (٥).

стр. 11821

و (المقير) هو: المزفت وهو ما طلي داخله بالزفت، ولم يذكر هنا النقير وهو خشب كانوا ينقرونه، فيجعلون منه أوعية ينتبذون فيها، وعلة النهي إسراع الإسكار في هذِه الأمور، وقيل: لإضاعة المال ثم نسخ. الحديث الرابع: حديث أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه -، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ، خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا، وَتَجِدُونَ خَيْرَ النَّاسِ فِي هَذَا الشَّأْنِ أَشَدَّهُمْ لَهُ كَرَاهِيَةً، وَتَجِدُونَ شَرَّ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ، الَّذِى يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ، وَيَأْتِى هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ». هذا الحديث أخرجه مسلم بتمامه في الفضائل، وفي الأدب بقصة ذي الوجهين (١). (وقوله: "الناس معادن" يوضحه الحديث الآخر: "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة") (٢). الشرح: (وقوله: ("الناس معادن كمعادن الذهب والفضة") (٣) وجه التمثيل اشتمال المعادن على جواهر مختلفة من نفيس وخسيس، كذلك الناس من كان شريف الأصل في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شرفًا فإن تفقه وصل إلى غاية الشرف.

стр. 11822

وكانت لهم أصول في الجاهلية يستنكفون عن كثير من الفواحش، قال الزبير: كنا في الجاهلية في ملك قابط (١) تكفينا أحلامنا، فبقيت تلك الأخلاق في إيمانهم مع ما زادهم الإسلام. وقوله: ("أشدهم له كراهية") يعني: الإمارة، من نالها من غير مسألة أُعين عليها، ومن نالها عن مسألة وكل إلى نفسه، وهذا في الأكثر وربما أخذها من هو أهل لها من غير أن يعطاها، أخذ الراية خالد من غير إمرة. وقال ﷺ : "أخذها سيف من سيوف الله" (٢). وروي عن عمر أنه قال: لأن أقدم فتضرب عنقي -إلا أن تتغير لي نفسي عند الموت- أحبُّ إليَّ من أَلِيَ على قوم فيهم أبو بكر (٣). وقوله: ("تَجدُونَ خير النَّاسَ") وفي رواية: "من خير الناس" وهو لبيان جنس الخير، كأنه قال: تجدون أكره الناس في هذا الأمر من خيارهم، ويصح على مذهب الكوفيين أنها زائدة، والكراهة بسبب علمه بصعوبة العدل فيها، والمطالبة في الأخرى. وقال الخطابي: معناه إذا وقعوا فيها لم يجز أن يكرهوها؛ لأنهم إذا أقاموا فيها كارهين ضيعوها (٤). وقوله: ("خِيَارُهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلَامِ إِذَا فَقْهُوا") ومثله: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" (٥).

стр. 11823

وقال علي: الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع يميلون مع كل ناعق (١). الحديث الخامس: حديث أَبِى هريرة - رضى الله عنه - أيضًا: «النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ، مُسْلِمُهُمْ تَبَعٌ لِمُسْلِمِهِمْ، وَكَافِرُهُمْ تَبَعٌ لِكَافِرِهِمْ، وَالنَّاسُ مَعَادِنُ، خِيَارُهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا، تَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ أَشَدَّ النَّاسِ كَرَاهِيَةً لِهَذَا الشَّأْنِ حَتَّى يَقَعَ فِيهِ». الشرح: هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا. وقوله: ("النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي هذا الشَّأْنِ") يعني في الخلافة؛ لأن الناس في الجاهلية كانت قريش رءوسهم، فكذلك قالوا يوم السقيفة: نحن الأمراء. فيه: أن من شروط الإمامة الكبرى: أن يكون المتولي قرشيًّا، وهو إجماع ولا عبرة بمن شذ. وقوله: ("وَكَافِرُهُمْ تَبَعٌ لِكَافِرِهِمْ") لما كانت قريش عَنَدَت عن الإسلام أباه أكثر الناس ومالت معهم من قربت داره، وامتنع من بعدت داره، فلما فتح مكة وأسلموا إلا من قتل منهم دخل الناس في دين الله أفواجًا، ثم حورب من سواهم، ففتح الله على رسوله وعلى المؤمنين بعده. وقيل: معناه الإخبار عنهم فيما تقدم من الزمان أنهم لم يزالوا متبوعين وكانت العرب تقدم قريشًا.

стр. 11824

وقوله: ("وتَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ أَشَدَّهم كَرَاهِيَةً") قيل: أراد إذا وقعوا في الإمارة عن رغبة وحرص زالت عنهم فضيلة حسن الاختيار. وقيل: أراد أن خيار الناس من يكره الولاية حتى إذا وقع فيها زال معنى الكراهة، فلم يجز لهم أن يكرهوها؛ لأنهم إذا قاموا بها على كره ضيعوها.

стр. 11825

باب ٣٤٩٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ المَلِكِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] قَالَ: فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُرْبَى مُحَمَّدٍ ﷺ . فَقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلاَّ وَلَهُ فِيهِ قَرَابَةٌ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ: إِلاَّ أَنْ تَصِلُوا قَرَابَةً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ. [٤٨١٨ - فتح: ٦/ ٥٢٦] ٣٤٩٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مِنْ هَا هُنَا جَاءَتِ الفِتَنُ -نَحْوَ المَشْرِقِ- وَالْجَفَاءُ وَغِلَظُ الْقُلُوبِ فِي الفَدَّادِينَ أَهْلِ الوَبَرِ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِبِلِ، وَالْبَقَرِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ». [انظر: ٣٣٠٢ - مسلم: ٥١ - فتح: ٦/ ٥٢٦] ٣٤٩٩ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «الْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الغَنَمِ، وَالإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ». سُمِّيَتِ اليَمَنَ؛ لأَنَّهَا عَنْ يَمِينِ الكَعْبَةِ، وَالشَّأْمَ عَنْ يَسَارِ الكَعْبَةِ، وَالْمَشْأَمَةُ: المَيْسَرَةُ، وَالْيَدُ الْيُسْرَى: الشُّؤْمَى، وَالْجَانِبُ الأَيْسَرُ الأَشْأَمُ. [انظر: ٣٣٠١ - مسلم: ٥٢ - فتح: ٦/ ٥٢٦] ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] قَالَ: فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُرْبَى مُحَمَّدٍ ﷺ وقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلاَّ وَلَهُ فِيهِ قَرَابَةٌ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ: إِلاَّ أَنْ تَصِلُوا قَرَابَةً بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ. الشرح:

стр. 11826

اختلف في ذلك على أقوال: أحدها: محبة قرابة رسول الله ﷺ وهم أهل بيته من بني هاشم فمن بعدهم من أهل البيت. ثانيها: مودة قريش، وعبارة ابن التين في حكايته قيل: المراد على وفاطمة وولدهما ذكر ذلك عن رسول الله ﷺ ، وبه قال ابن عباس، قال عكرمة: كانت قريش تصل الرحم فلما بعث محمد قطعته، فقال: صلوني كما كنتم تفعلون. فالمعنى: لكن أذكركم قرابتي. ثالثها: مودة من يتقرب إلا الله وهو رأي الصوفية، ولا بعد في دخول الكل في الآية وهو راجع إلى الاعتقاد، وقال الضحاك نسختها ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾. قال ابن العربي: لم يكن رسول الله ﷺ إلا محرم عليه أن يأخذ (أجرًا على التبليغ) (١) قال: وظن بعضهم أنه استثناء منقطع إذ ليس المودة من الأجرة (٢). تم ذكر في الباب حديث أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مِنْ هَا هُنَا جَاءَتِ الفِتَنُ -نَحْوَ المَشْرِقِ- وَالْجَفَاءُ وَغِلَظَ القُلُوبِ فِي الفَدَّادِينَ أَهْلِ الوَبَرِ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِبِلِ وَالْبَقَرِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ". وسلف في بدء الخلق. وحديث أبي هُرَيْرَةَ ﵁: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "الْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي الفَدَّادِينَ أَهْلِ الوَبَرِ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الغَنَمِ، وَالإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ". قال أبو عبد الله: سُمِّيَتِ اليَمَنَ؛ لأَنَّهَا عَنْ يَمِينِ الكَعْبَةِ، وَالشَّأْمَ

стр. 11827

لأنها عَنْ يَسَارِ الكَعْبَةِ، وَالْمَشْأَمَةُ: المَيْسَرَةُ، وَالْيَدُ اليُسْرى: الشُّؤْمَى، وَالْجَانِبُ الأَيْسَرُ: الأَشْأَمُ. وقد سلف، وقد أخرجه مسلم في الإيمان أيضًا (١). ومراده بالسكينة في أهل الغنم أن أهلها أهل مسكنة وخضوع، وأهل الإبل متكبرون مختالون كما ذكر، وكانوا يستحقرون أصحاب الغنم. وقال الداودي: قوله: "والفخر والخيلاء في الفدادين" وهم، وإنما نسب إليهم الجفاء وهما في أصحاب الخيل.

стр. 11828

٢ - باب مَنَاقِبِ قُرَيْشٍ ٣٥٠٠ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَلَغَ مُعَاوِيَةَ -وَهْوَ عِنْدَهُ فِي وَفْدٍ مِنْ قُرَيْشٍ- أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَيَكُونُ مَلِكٌ مِنْ قَحْطَانَ، فَغَضِبَ مُعَاوِيَةُ، فَقَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالاً مِنْكُمْ يَتَحَدَّثُونَ أَحَادِيثَ لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ، وَلَا تُؤْثَرُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأُولَئِكَ جُهَّالُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَالأَمَانِيَّ الَّتِي تُضِلُّ أَهْلَهَا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ هَذَا الأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ، لَا يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ إِلاَّ كَبَّهُ اللهُ عَلَى وَجْهِهِ، مَا أَقَامُوا الدِّينَ». [٧١٣٩ - فتح: ٦/ ٥٣٢] ٣٥٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لا يَزَالُ هَذَا الأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ، مَا بَقِيَ مِنْهُمُ اثْنَانِ». [٧١٤٠ - مسلم: ١٨٢٠ - فتح: ٦/ ٥٣٣] ٣٥٠٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: مَشَيْتُ أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْطَيْتَ بَنِي المُطَّلِبِ وَتَرَكْتَنَا، وَإِنَّمَا نَحْنُ وَهُمْ مِنْكَ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ». [انظر: ٣١٤٠ - فتح: ٦/ ٥٣٣] ٣٥٠٣ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي أَبُو الأَسْوَدِ مُحَمَّدٌ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: ذَهَبَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ مَعَ أُنَاسٍ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ إِلَى عَائِشَةَ، وَكَانَتْ أَرَقَّ شَيْءٍ لِقَرَابَتِهِمْ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . [٣٥٠٥، ٦٠٧٣ - فتح: ٦/ ٥٣٣] ٣٥٠٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَعْدٍ ح. قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ الأَعْرَجُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «قُرَيْشٌ وَالأَنْصَارُ وَجُهَيْنَةُ وَمُزَيْنَةُ وَأَسْلَمُ وَأَشْجَعُ وَغِفَارُ مَوَالِيَّ، لَيْسَ لَهُمْ مَوْلًى، دُونَ اللهِ وَرَسُولِهِ». [٣٥١٢ - مسلم: ٢٥٢٠ - فتح: ٦/ ٥٣٣]

стр. 11829

٣٥٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ أَحَبَّ الْبَشَرِ إِلَى عَائِشَةَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ أَبَرَّ النَّاسِ بِهَا، وَكَانَتْ لَا تُمْسِكُ شَيْئًا مِمَّا جَاءَهَا مِنْ رِزْقِ اللهِ إِلاَّ تَصَدَّقَتْ. فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ عَلَى يَدَيْهَا. فَقَالَتْ أَيُؤْخَذُ عَلَى يَدَيَّ؟ عَلَيَّ نَذْرٌ إِنْ كَلَّمْتُهُ. فَاسْتَشْفَعَ إِلَيْهَا بِرِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَبِأَخْوَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ خَاصَّةً فَامْتَنَعَتْ، فَقَالَ لَهُ الزُّهْرِيُّونَ -أَخْوَالُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ وَالْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ-: إِذَا اسْتَأْذَنَّا فَاقْتَحِمِ الحِجَابَ. فَفَعَلَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا بِعَشْرِ رِقَابٍ، فَأَعْتَقَتْهُمْ، ثُمَّ لَمْ تَزَلْ تُعْتِقُهُمْ حَتَّى بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ. فَقَالَتْ: وَدِدْتُ أَنِّى جَعَلْتُ حِينَ حَلَفْتُ عَمَلاً أَعْمَلُهُ فَأَفْرُغَ مِنْهُ. [انظر: ٣٥٠٣ - فتح: ٦/ ٥٣٣] ذكر فيه أحاديث: أحدها: حديث الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ بَلَغَ مُعَاوِيَةَ -وَهْوَ عِنْدَهُ فِي وَفْدٍ مِنْ قُرَيْشٍ- أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِي يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَيَكُونُ مَلِكٌ مِنْ قَحْطَانَ، فَغَضِبَ مُعَاوِيَةُ، فَقَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالًا مِنْكُمْ يحدثون عن رسول الله ﷺ أَحَادِيثَ لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ، وَلَا تُؤْثَرُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأُولَئِكَ جُهَّالُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَالأَمَانِيَّ التِي تُضِلُّ أَهْلَهَا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ هذا الأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ، لَا يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ إِلَّا كَبَّهُ اللهُ عَلَى وَجْهِهِ مَا أَقَامُوا الدِّينَ". الشرح: هذا الحديث يأتي في الأحكام أيضًا كما ستعلمه، و (قحطان) أبو اليمن، وإنكار معاوية عليه؛ لأنه حمل حديثه على ظاهره، وقد

стр. 11830

يخرج قحطاني في ناحية من نواحي الإسلام متغلبًا لا خليفة ويحمل حديث معاوية على الأكثر، ولهذا قال: "الأمر في قريش" يعني: الخلافة. وقد ذكر البخاري بعد هذا حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه" (١). وفي الترمذي مصححًا وقفه: "الملك في قريش، والقضاء في الأنصار، والأذان في الحبشة، والأمانة في الأزد" يعني اليمن (٢). ومعنى: (ولا تؤثر) أي لا تروى، و (الأماني) بمعنى التلاوة وأنشدوا: تَمَنَّى كتابَ الله أوَّلَ ليله … وآخِرَهُ لَاقَى حِمَامَ المَقَادِر نبه عليه ابن الجوزي. وقال ابن التين: معناه: ولا تذكر، كأن المعنى: إياكم وقراءة ما في الصحف التي تؤثر عن أهل الكتاب ما لم يأت به الشارع، فكأن ابن عمرو قرأ التوراة ويحكي. عن أهلها، لا أنه حدث به عن الشارع، إذ لو حدث عنه لما استطاع أحد رده؛ لأنه لم يكن متهمًا. وقوله: ("إلا كتبه الله") هذا الفعل من الشواذ؛ لأن الفعل تعديه الهمزة وهذا الفعل ثلاثيه متعد ورباعيه لازم قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الملك: ٢٢]. وقوله: ("ما أقاموا الدين") قيل: يحتمل إن لم يقيموه فلا يسمع لهم. وقيل: يحتمل ألا يقام عليهم وإن كان لا يجوز بقاؤهم. ذكرهما ابن التين، قال: وقد أجمع على أنه إن دعا إلى كفر أو بدعة أنه يقام

стр. 11831

عليه، وإن غصب الأموال وانتهك الحرم، فاختلف هل يقام عليه مع الآمر؟ فقال الأشعري مرة: نعم، ومرة: لا. قيل: وليس في حديث معاوية ما يرد حديث عبد الله، وإنما أراد ﷺ أنهم أحق بهذا الأمر، ولم يرد أنه لا يوجد في غيرهم. وظاهر الحديث خلاف هذا؛ لأنه خبر لقوله: "لا يزال .. " إلى آخره، و"إن هذا الأمر في قريش .. " إلا آخره. يريد: لا يسمى غيرهم بالخليفة إلا من غلب وقهر، وإخباره صدق. فصل في قريش واشتقاقهم: قال الزبير عن عمه: أما بنو يخلُد بن النضر فهم في بني عمرو بن الحارث بن مالك بن كنانة، ومنهم قريش بن بدر بن يخلُد بن النضر، وكان دليل بني كنانة في تجارتهم، فكان يقال قدمت عير قريش، فسميت قريش به، وأبوه بدر صاحب بدر الموضع. وعن غيره: قريش بن الحارث بن يخلد وابنه بدر الذي احتفر عين بدر، قال: وقد قالوا: اسم فهر بن مالك: قريش، (وما) (١) لم يلد فهو فليس من قريش، وقال عمي: فهو هو قريش اسمه، وفهر لقبه، وكذلك حدثني المؤملي، عن عثمان بن أبي سليمان في اسم فهر بن مالك أنه قريش، وعن ابن شهاب اسم فهو الذي أسمته أمه قريش، وإنما نبذته بهذا كما يسمى الصبي غرارة وشملة، وأشباه ذلك قال: وقد أجمع النساب من قريش أن ولد فهر بن مالك قريش، وأن من جاوز فهرًا بنسبه فليس بقرشي قال: وقد ذكر هشام الكلبي أن النضر بن كنانة هو: قريش، وقال في موضع آخر: ولد مالك بن

стр. 11832

النضر فهرًا وهو جماع قريش. قلت: وهذا هو المذكور في "جمهرته" و"جامعه" قال ابن عبد البر: وهو أصح الأقاويل في النسبة لا في المعنى الذي من أجله سميت قريش قريشًا، والدليل على صحته أنه لا يعلم اليوم قرشي في شيء من كتب أهل النسب ينتسب إلى أب فوق فهر، دون لقاء فهر، فلذلك قال أهل هذا الشأن مصعب والزبير وغيرهما أن فهرًا جماع قريش. وذكر أبو عبد الله العدوي أن جماع قريش كلها فهر والحارث ابنا مالك بن النضر. وعن الشعبي: النضر بن كنانة هو قريش، وهو قول ابن إسحاق وغيره كأنهم تمسكوا بحديث الأشعث بن قيس لما قال للنبي: ألستم منا؟ قال: "لا، نحن بنو النضر بن كنانة لا ننتفي من أبينا" (١) ذكره الواقدي. وعن أبي عبيدة قال: منتهى من وقع عليه اسم قريش النضر فولده قريش دون سائر بني كنانة، فأما من كان من ولد كنانة فلا يقال لهم قريش. وفي تسميتها بذلك أقوال: أحدها: لأنه كان يقرش عن خلة الناس وحاجتهم فيسدها بماله. والتقريش: التفتيش وكان بنوه يقرشون أهل الموسم عن الحاجة فيرفدونهم بما يبلغهم، فسموا بذلك من فعلهم، وقرشهم قريشًا! ثانيها: لتجمعهم قال أبو عبيدة: سمي بنو النضر قريشًا لتجمعهم؛ لأن التقرش هو التجمع.

стр. 11833

ثالثها: للتجارة يتقارشون يتجرون، وفيه نظر؛ لأن قريشًا لم يجتمعوا حتى جمعهم قصي بن كلاب ولم يجمع إلا ولد فهر. ولما سأل عبد الملك بن مروان محمد بن جبير بن مطعم عن ذلك فأجابه بتجمعهم إلى الحرم بعد تفرقهم، فذلك الجمع التقرش فقال عبد الملك: ما سمعت بهذا، ولكني سمعت قصيًّا كان يقال له: القرشي، ولم يسم أحد قرشيًّا قبله (١). وقيل: جاء النضر يومًا إلى قومه في ثوب له فقالوا قد تقرش في ثوبه، وقيل: بل جاء إلى قومه فقالوا لما رأوه: كأنه جمل قريش. والقرش: الشديد. وقال صاحب "النجم الثاقب" في فضائلهم عن ابن أبي الجهم: كان النضر يسمى القرشي. وقال أبو اليقظان: سموا بذلك لأنهم كانوا يتقرشون في البياعات، وقال الواقدي: لما جمع قصي قومه قيل له القرشي فهو أول من سمي بذلك (٢). وقال محمد بن سلام: لما جمع قصي قبائل النضر وحارب بهم خزاعة وغلب على الحرم سموا قريشًا؛ لاجتماعهم. قال الفضل بن عباس: نَحن كنِّا خُضَّارَهَا من قريشٍ … وبنا سميت قريش قريشًا وفيه قول آخر، قال ابن الأنباري: التقريش هو التحريش، ورده الزجاجي في "مختصر الزاهر" وقال: إنه ليس بمعروف؛ لأن المعروف في اللغة أن الترقش بتقديم الراء على القاف هو التحريش لا التقريش، قلت: وفي "المحكم" أقرش به، وقرش وشى وحرش (٣).

стр. 11834

وفيه قول آخر قال أبو عمر المطرز: قريش مأخوذ من القرش وهو رفع الأسنة على بعض؛ لأنهم أحذق الناس بالطعان. وفيه قول آخر: قال ابن عباس فيما أخرجه ابن أبي شيبة: سموا بدابة في البحر تسمى قريشًا هى ملكة الدواب وسيدتها وأشدها، إذا وقفت وقفت، وإذا مشت مشت، فكذلك قريش سادات الناس، وأنشد: وقُرَيشٌ هي التِي تسكُن البحـ … ـر به سمِّيَتْ قُرَيشٌ قريشًا وفيه قول آخر: قال القزاز في "جامعه": إنه من تقرش الرجل إذا تنزه عن رذائل الأمور. وقول آخر قال ابن سيده: القرشية: حنطة صلبة في الطحن خشنة الدقيق (١)، فيحتمل أن تكون قريش منها لصلابتها وخشونتها وشدتها، أو من تقرش الشيء إذا أخذه أولاً فأولاً، وكذلك قريش يأخذون من ناوأهم بحسن تدبير ورفق، أو من أقرش الرجل إذا أخبره بعيوبه فكأنهم ينكرون المنكر ويعرفون المعروف. قال سيبويه: ومما غلب على الحي قريش، وإن جعلت قريشًا اسم قبيلة فعربي (٢). وقال الشاعر: وَجَاءَتَ مِن أَبَاطِحِهَا قُرَيشٌ … كَسَيْلِ أَتِيِّ بِيشَةَ حيِنَ سَالَا قال ابن سيده: عندي أنه أراد قريش غير مصروف؛ لأنه عنى القبيلة، ألا تراه قال: جاءت، فأنث، ويجوز أن يكون أراد وجاءت من أباطحها جماعة قريش، فأسند الفعل إلى الجماعة، فقريش على هذا مذكر اسم للحي، والنسب إليه قريشي على القياس وقرشي نادر (٣).

стр. 11835

فائدة: كانت لقريش في الجاهلية مكارم منها: السقاية والعمارة والرفادة والعقاب والحجابة والندوة واللواء والمشورة والأشناق والقبة والأعنة والسفارة والإيسار والحكومة والأموال المحجرة، وكانوا ينتمون إلى الله وجيرانه وفيه يقول عبد المطلب بن هاشم. نَحنُ إلَى الله في ذِمَّتِهِ … لَم نَزَلْ فِيهَا عَلَى عَهدِ إبْرَهَمْ لم تَزَلْ لله فِينَا حُرمَةٌ … يَدفَعُ الله بهَا عنَّا النَّقَمْ فائدة: روى التاريخي بإسناده من حديث عبيدة، عن علي أنه قال: من كان سئل عن نسبنا فإنا نبي من أهل كوثَّى ربى، ومن حديث مجاهد عن ابن عباس أنه قال لقوم من تميم: أنتم نبط من أهل كوثى، إن أبا إبراهيم كان منها. ومن حديث أبي العريان، عن ابن عباس ﵄ قال: إنا معاشر قريش حي من النبط من كوثى، وكوثى هذِه مكة. وقال الكلبي: كوثى جد إبراهيم أبو أمه نوبا بن كرنبا بن كوثى من بني أرفخشد وهو أول من جندب بهم كوثى. وعن قتادة قال: هاجر إبراهيم ولوط من كوثى إلى الشام، ومن كوثى إلى برتقبا ستة أميال، ومنها إلى القصر تسعة. يريد قصر ابن هبيرة. فصل: لما خرج البخاري الحديث الأول وهو حديث معاوية في الأحكام عن أبي اليمان، قال: تابعه نعيم عن ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري. ومتابعة نعيم هذِه رواها نعيم بن حماد في كتاب "الفتن"،
следующие страницы →