عليه، وإن غصب الأموال وانتهك الحرم، فاختلف هل يقام عليه مع الآمر؟ فقال الأشعري مرة: نعم، ومرة: لا.
قيل: وليس في حديث معاوية ما يرد حديث عبد الله، وإنما أراد ﷺ أنهم أحق بهذا الأمر، ولم يرد أنه لا يوجد في غيرهم. وظاهر الحديث خلاف هذا؛ لأنه خبر لقوله: "لا يزال .. " إلى آخره، و"إن هذا الأمر في قريش .. " إلا آخره. يريد: لا يسمى غيرهم بالخليفة إلا من غلب وقهر، وإخباره صدق.
فصل في قريش واشتقاقهم:
قال الزبير عن عمه: أما بنو يخلُد بن النضر فهم في بني عمرو بن الحارث بن مالك بن كنانة، ومنهم قريش بن بدر بن يخلُد بن النضر، وكان دليل بني كنانة في تجارتهم، فكان يقال قدمت عير قريش، فسميت قريش به، وأبوه بدر صاحب بدر الموضع.
وعن غيره: قريش بن الحارث بن يخلد وابنه بدر الذي احتفر عين بدر، قال: وقد قالوا: اسم فهر بن مالك: قريش، (وما) (١) لم يلد فهو فليس من قريش، وقال عمي: فهو هو قريش اسمه، وفهر لقبه، وكذلك حدثني المؤملي، عن عثمان بن أبي سليمان في اسم فهر بن مالك أنه قريش، وعن ابن شهاب اسم فهو الذي أسمته أمه قريش، وإنما نبذته بهذا كما يسمى الصبي غرارة وشملة، وأشباه ذلك
قال: وقد أجمع النساب من قريش أن ولد فهر بن مالك قريش، وأن من جاوز فهرًا بنسبه فليس بقرشي قال: وقد ذكر هشام الكلبي أن النضر بن كنانة هو: قريش، وقال في موضع آخر: ولد مالك بن
стр. 11832
النضر فهرًا وهو جماع قريش.
قلت: وهذا هو المذكور في "جمهرته" و"جامعه" قال ابن عبد البر: وهو أصح الأقاويل في النسبة لا في المعنى الذي من أجله سميت قريش قريشًا، والدليل على صحته أنه لا يعلم اليوم قرشي في شيء من كتب أهل النسب ينتسب إلى أب فوق فهر، دون لقاء فهر، فلذلك قال أهل هذا الشأن مصعب والزبير وغيرهما أن فهرًا جماع قريش. وذكر أبو عبد الله العدوي أن جماع قريش كلها فهر والحارث ابنا مالك بن النضر. وعن الشعبي: النضر بن كنانة هو قريش، وهو قول ابن إسحاق وغيره كأنهم تمسكوا بحديث الأشعث بن قيس لما قال للنبي: ألستم منا؟ قال: "لا، نحن بنو النضر بن كنانة لا ننتفي من أبينا" (١) ذكره الواقدي.
وعن أبي عبيدة قال: منتهى من وقع عليه اسم قريش النضر فولده قريش دون سائر بني كنانة، فأما من كان من ولد كنانة فلا يقال لهم قريش. وفي تسميتها بذلك أقوال:
أحدها: لأنه كان يقرش عن خلة الناس وحاجتهم فيسدها بماله. والتقريش: التفتيش وكان بنوه يقرشون أهل الموسم عن الحاجة فيرفدونهم بما يبلغهم، فسموا بذلك من فعلهم، وقرشهم قريشًا!
ثانيها: لتجمعهم قال أبو عبيدة: سمي بنو النضر قريشًا لتجمعهم؛ لأن التقرش هو التجمع.
стр. 11833
ثالثها: للتجارة يتقارشون يتجرون، وفيه نظر؛ لأن قريشًا لم يجتمعوا حتى جمعهم قصي بن كلاب ولم يجمع إلا ولد فهر. ولما سأل عبد الملك بن مروان محمد بن جبير بن مطعم عن ذلك فأجابه بتجمعهم إلى الحرم بعد تفرقهم، فذلك الجمع التقرش فقال عبد الملك: ما سمعت بهذا، ولكني سمعت قصيًّا كان يقال له: القرشي، ولم يسم أحد قرشيًّا قبله (١). وقيل: جاء النضر يومًا إلى قومه في ثوب له فقالوا قد تقرش في ثوبه، وقيل: بل جاء إلى قومه فقالوا لما رأوه: كأنه جمل قريش. والقرش: الشديد.
وقال صاحب "النجم الثاقب" في فضائلهم عن ابن أبي الجهم: كان النضر يسمى القرشي. وقال أبو اليقظان: سموا بذلك لأنهم كانوا يتقرشون في البياعات، وقال الواقدي: لما جمع قصي قومه قيل له القرشي فهو أول من سمي بذلك (٢). وقال محمد بن سلام: لما جمع قصي قبائل النضر وحارب بهم خزاعة وغلب على الحرم سموا قريشًا؛ لاجتماعهم. قال الفضل بن عباس:
نَحن كنِّا خُضَّارَهَا من قريشٍ … وبنا سميت قريش قريشًا
وفيه قول آخر، قال ابن الأنباري: التقريش هو التحريش، ورده الزجاجي في "مختصر الزاهر" وقال: إنه ليس بمعروف؛ لأن المعروف في اللغة أن الترقش بتقديم الراء على القاف هو التحريش لا التقريش، قلت: وفي "المحكم" أقرش به، وقرش وشى وحرش (٣).
стр. 11834
وفيه قول آخر قال أبو عمر المطرز: قريش مأخوذ من القرش وهو رفع الأسنة على بعض؛ لأنهم أحذق الناس بالطعان.
وفيه قول آخر: قال ابن عباس فيما أخرجه ابن أبي شيبة: سموا بدابة في البحر تسمى قريشًا هى ملكة الدواب وسيدتها وأشدها، إذا وقفت وقفت، وإذا مشت مشت، فكذلك قريش سادات الناس، وأنشد:
وقُرَيشٌ هي التِي تسكُن البحـ … ـر به سمِّيَتْ قُرَيشٌ قريشًا
وفيه قول آخر: قال القزاز في "جامعه": إنه من تقرش الرجل إذا تنزه عن رذائل الأمور. وقول آخر قال ابن سيده: القرشية: حنطة صلبة في الطحن خشنة الدقيق (١)، فيحتمل أن تكون قريش منها لصلابتها وخشونتها وشدتها، أو من تقرش الشيء إذا أخذه أولاً فأولاً، وكذلك قريش يأخذون من ناوأهم بحسن تدبير ورفق، أو من أقرش الرجل إذا أخبره بعيوبه فكأنهم ينكرون المنكر ويعرفون المعروف.
قال سيبويه: ومما غلب على الحي قريش، وإن جعلت قريشًا اسم قبيلة فعربي (٢).
وقال الشاعر:
وَجَاءَتَ مِن أَبَاطِحِهَا قُرَيشٌ … كَسَيْلِ أَتِيِّ بِيشَةَ حيِنَ سَالَا
قال ابن سيده: عندي أنه أراد قريش غير مصروف؛ لأنه عنى القبيلة، ألا تراه قال: جاءت، فأنث، ويجوز أن يكون أراد وجاءت من أباطحها جماعة قريش، فأسند الفعل إلى الجماعة، فقريش على هذا مذكر اسم للحي، والنسب إليه قريشي على القياس وقرشي نادر (٣).
стр. 11835
فائدة:
كانت لقريش في الجاهلية مكارم منها: السقاية والعمارة والرفادة والعقاب والحجابة والندوة واللواء والمشورة والأشناق والقبة والأعنة والسفارة والإيسار والحكومة والأموال المحجرة، وكانوا ينتمون إلى الله وجيرانه وفيه يقول عبد المطلب بن هاشم.
نَحنُ إلَى الله في ذِمَّتِهِ … لَم نَزَلْ فِيهَا عَلَى عَهدِ إبْرَهَمْ
لم تَزَلْ لله فِينَا حُرمَةٌ … يَدفَعُ الله بهَا عنَّا النَّقَمْ
فائدة:
روى التاريخي بإسناده من حديث عبيدة، عن علي أنه قال: من كان سئل عن نسبنا فإنا نبي من أهل كوثَّى ربى، ومن حديث مجاهد عن ابن عباس أنه قال لقوم من تميم: أنتم نبط من أهل كوثى، إن أبا إبراهيم كان منها.
ومن حديث أبي العريان، عن ابن عباس ﵄ قال: إنا معاشر قريش حي من النبط من كوثى، وكوثى هذِه مكة. وقال الكلبي: كوثى جد إبراهيم أبو أمه نوبا بن كرنبا بن كوثى من بني أرفخشد وهو أول من جندب بهم كوثى. وعن قتادة قال: هاجر إبراهيم ولوط من كوثى إلى الشام، ومن كوثى إلى برتقبا ستة أميال، ومنها إلى القصر تسعة. يريد قصر ابن هبيرة.
فصل:
لما خرج البخاري الحديث الأول وهو حديث معاوية في الأحكام عن أبي اليمان، قال: تابعه نعيم عن ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري. ومتابعة نعيم هذِه رواها نعيم بن حماد في كتاب "الفتن"،
стр. 11836
وفيه أيضًا من حديثه عن أبي اليمان، عن جراح، عن أرطأة قال: بعد المهدي رجل من قحطان مثقوب الأذنين على سيرة المهدي، حياته عشرون سنة، ثم يموت قتيلًا بالسلاح، ثم يخرج رجل من أهل بيت أحمد حسن السيرة يفتح مدينة قيصر، وهو آخر أمير من أمة أحمد، ويخرج في زمانه الدجال، وينزل في زمانه عيسى (١). وفي لفظ: أمير العصب يمان (٢).
وفي لفظ: على يدي ذلك الخليفة اليماني الذي تفتح القسطنطينية ورومية (على يديه) (٣) ويخرج الدجال في زمانه، وعلى يديه يكون غزو الهند (٤).
وروى رشدين والوليد، عن ابن لهيعة، نا عبد الرحمن بن قيس بن جناب الصدفي، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: "يكون بعد المهدي القحطاني والذي بعثني بالحق ما هو دونه" (٥). وعن ابن عباس، وذكر الخلفاء ثم قال: ورجل من قحطان لا يرى مثلهم كلهم (صالح) (٦).
وعن عبد الله بن عمرو مثله قال: ورجل من قحطان، منهم من لا يكون إلا يومين (٧).
وعن كعب أن اليمن تجتمع لمبايعة رجل (منها) (٨) لقتال قرشي ظالم
стр. 11837
ببيت المقدس فبينا هم يقولون: نبايع فلانًا (ثم فلانًا) (١) إذ سمعوا صوتًا ما قاله إنس ولا جان: بايعوا فلانا -باسمه لهم- فإذا هو رجل قد رضوا به وقنعت به الأنفس ليس من ذي ولا ذو، وفي ولايته تقتل قضاعة بحمص وحمير (٢).
فصل:
أسلفنا أن قحطان أبو اليمن وهو يقطان بن عابر، ويقال: عيبر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، وهو أبو اليمن كلها وجِذْم نسبها وموئل حسبها ووالد العرب المتعربة إذ العرب ثلاث فرق: عاربة، ومتعربة، ومستعربة، فالأولى تسع قبائل من ولد إرم بن سام: عاد، وثمود، وأميم، وعسل، وطسم، وجديس، وعمليق، وجرهم، ووبار، والثانية بنو قحطان، والثالثة بنو إسماعيل. وزعمت العرب أن قحطان ولد يعرب، وإنما سميت العرب به، وأنه أول من تكلم بالعربية، ونزل أرض اليمن.
وزعم السهيلي أن اسم قحطان مُهَرِّم (٣) بن عابر، وقيل: هو ابن عبد الله أخو هود، وقيل: هو هود نفسه، فهو على هذا ابن إرم ابن سام. وكانوا أربعة إخوة: قحطان وقاحط ومقحط وفالغ قال: وقحطان أول من قيل له: أبيت اللعن، وأول من قيل له: عم صباحًا (٤).
стр. 11838
وقال ابن دحية: من قال إن قحطان من ولد هود فهو باطل، لقوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: ٥٠]، يعني: أخاهم في النسب، ثم قال: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨)﴾ [الحاقة: ٨] وهود من عاد، ولا ترى باقية لعاد، وإنما ادعت اليمن هودًا أبًا حين وقعت العصبية وفخرت مضر بأبيها إسماعيل، فادعت اليمن عند ذلك هودًا أبًا ليكون لهم أب في الأنبياء.
وذكر عبد الدائم القيرواني في كتابه "حُلى العُلى" أن قحطان هو الهميسع بن تيمن بن نبت بن إسماعيل قال: كذا نسبه الكلبي، وسائر اليمن يأبون ذلك وينسبونه إلى عابر.
قلت: الذي في "الجمهرة" و"الجامع" قحطان بن عابر فقط (١).
وفي "التيجان" لابن هشام كان قحطان خليفة أبيه هود ووصيه، وتوفي بمأرب، وأوصى إلى ابنه يعرب.
وفي "جامع" القزاز قال بعض النساب: قحطان بن أرفخشد بن سام بعد ذكر نسبه المذكور أولاً، فقد يقال: تعلقوا بظاهر حديث البخاري الآتي بعد، والسابق في الجهاد: "ارموا بني إسماعيل" (٢) فإنهم من الأزد ثم من قحطان، ولاشك أن العرب قد اختلطت بالصُّهُورية فالقحطانية أبناء لإسماعيل بالأمهات، والنزارية أبناء لقحطان بهن، كما نسب الله عيسى إلى آباء أمه فقال: ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَعِيسَى﴾ [الأنعام: ٨٤، ٨٥] وكذلك العلويون لا يقال لأحدهم إلا يا ابن رسول الله، وقد قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا
стр. 11839
أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠] على أن ابن عدي روى حديثًا ضعيفًا مرفوعًا: "العرب كلها من ولد إسماعيل إلا ( … ) (١) ".
وفي "لطائف المعارف" لأبي يوسف: ما على الأرض عربي إلا وهو من ولد إسماعيل إلا الأوزاع وحضرموت وثقيف. وذكر أبو علي بن مسكويه في "تجارب الأمم" عن يونس النحوي: ما ارتكض قحطان في رحم قط ولا جرى له ذكر على لسان أحد إلا بعد أن قصدوا لذلك، وهو غريب.
واشتقاقه من قولهم: شيء قحيط أي: شديد، وقيل: أصله الذي تعرفه العامة الشدة، كأن الأرض اشتدت عليهم فلم تنبت، وكأن السماء اشتدت عليهم فلم تمطر.
قال صاحب "المحكم": والنسبة إليه قحطاني على القياس.
(وقال غيره) (٢): القياس أقحاطي وكلاهما عربي فصيح (٣).
الحديث الثالث:
حديث أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قُرَيْشٌ وَالأَنْصَارُ وَجُهَيْنَةُ وَمُزَيْنَةُ وَأَسْلَمُ وَأَشْجَعُ وَغِفَارُ مَوَالِيَّ، لَيْسَ لَهُمْ مَوْلًى، دُونَ اللهِ وَرَسُولِهِ».
هذا الحديث ذكره أيضًا موقوفًا (٤) قريبا في باب ذكر أسلم بعد أن
стр. 11840
ذكره مرفوعًا بلفظ: "أسلم وغفار وشيء من مزينة وجهينة -أو قال: شيء من جهينة أو مزينة- خير عند الله -أو قال: يوم القيامة- من أسد وتميم وهوازن وغطفان" (١). وهو مرفوع عند مسلم وفي لفظ أيضًا عنده: "أسلم وغفار ومزينة ومن كان في جهينة -أو جهينة- خير من بني تميم وبني عامر والحليفين أسد وغطفان" (٢).
وللترمذي مصححًا: "والذي نفسي بيده لغفار وأسلم ومزينة ومن كان من جهينة، أو قال: جهينة ومن كان من مزينة -خير عند الله يوم القيامة من أسد وطيء وغطفان" (٣)، وفي لفظ: "وخير من بني عامر بن صعصعة" (٤).
فصل:
قريش قد عرفتها، والأنصار يريد بهم الأوس والخزرج ابني حارثة بن ثعلبة العنقاء بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة بن مازن، وهو جماع غسان بن الأزد، واسمه دِراء بالمد والقصر وكسر الدال وقد يفتح، ودرء على وزن درع.
قال ابن سيده في "عويصه": هو مصروف من قولهم أزدي إليَّ دراء يدا، وكان معطاء فكان الرجل يلقى الرجل فيقول: أزدي إليَّ دراء يدا. فكثر استعمالهم إياه حتى جعلوه اسمًا، والأصل أسدي بالسين فقلبوها زايا لتطابق الدال في الجهر. وقال الوزير في "أدب الخواص": يقول النسابون: إنما سمي الأسد أسدًا لكثرة إسدائه المعروف، وهذا اشتقاق لا يصح عند أهل النظر.
стр. 11841
والصحيح في اشتقاقه ما أخبرني به أبو أسامة عن رجاله قالوا: العسد والأزد والأسد هذِه الثلاث معناها القتل، قال: والأزد يكون أيضًا بمعنى العزد وهو النكاح.
وروينا في "الحلية" من حديث عبد السلام بن شعيب، عن أبيه، عن أنس مرفوعًا: "الأزد أسد الله في الأرض، يريد الناس أن يضعوهم ويأبى الله إلا أن يرفعهم، وليأتين على الناس زمان يقول الرجل: يا ليتني كان أبي أزديًّا، يا ليتني كانت أمي أزدية" هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، قال الترمذي: ووقفه أصح (١).
وقد يجيء في بعض الأنساب فلان الأزدي من أزد شنوءة، فلان الأزدي من أزد الحجرة، وفلان الأزدي من الأزد بن عمران بن عمرو، فيظن من لم يتبحر في علم النسب أن هؤلاء غير الأول لاختلاف العرف في كل اسم من هذِه الأسماء الثلاثة وليس كذلك.
وقد وهم فيه غير واحد من أئمة الحديث منهم السمعاني (٢)، والصواب أن الكل يرجع إلى المسمى بدراء بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وبعضهم يقول: مالك بن أدد بن زيد.
وفي الرشاطي عن يعقوب وأبي عبيد: بالسين أفصح من الزاي. وذكر ابن أبي خيثمة عن وهب بن جرير أنه قل ما ذكر الأزد إلا قال: الأسد بالسين، وكان فصيحًا. وقال يحيى بن معين: هما سواء وهي
стр. 11842
جرثومة من جراثيم قحطان وبابهم واسع، وفيهم قبائل وعمائر وبطون وأفخاذ كخزاعة وغسان وبارق والعتيك وغامد وشبهها. وأما الأزد بفتح العين ويقال: بفتح الألف وكسر الزاي فبطن في همدان ليسوا من هؤلاء، قال الوزير: منهم أبو روق صاحب التفسير.
وعند الترمذي من حديث عامر بن أبي عامر الأشعري عن أبيه مرفوعًا: "نعم الحي الأسد والأشعريون لا يفرون في القتال ولا يغلون، هم مني وأنا منهم" قال: فحدثت بذلك معاوية فقال: ليس كذا قال رسول الله، إنما قال: "هم مني وإلي" فقلت: ليس هكذا حدثني أبي، ولكنه حدثني قال: سمعت رسول الله: "هم مني وأنا منهم" قال: فأنت أعلم بحديث أبيك، ثم قال: حديث غريب (١).
فصل:
وجهينة ذكر ابن دريد أن الجهن: الغلظ في الوجه والجسم، وبه سمي جهينة (٢).
وقال أبو جعفر: قرأت على العباس بن المحتاج في كتاب علي بن قطرب: أما جهينة فإنا سمعنا جارية جهناة شابة. من ذلك كأنه تصغير جهانة مرخمًا.
وقال الأزهري في "تهذيبه" عن أحمد بن يحيى: جهينة تصغير جهنة، وهي مثل جهمة من الليل، أبدلت الميم نونًا، وهي القطعة من سواد نصف الليل (٣).
стр. 11843
وفي "نوادر" أبي على الهجري: جهن الشيء يجهن جهونًا: إذا قرب من موت وغير ذلك، والجمع أجهان، والجهن الرزية في البحر غير متصلة بالبر مقدار غلوة، وإذا اتصلت الرزية إلى البر فهي شعب بفتح الشين مثل القبيلة، وهو: ابن زيد بن ليث بن سود -بضم السين المهملة وسكون الواو ثم دال مهملة- بن أسلم بضم اللام.
قال ابن حبيب: هذا، وأسلم بن القياتة بن غافوت الشاهد بن عك، وأسلم بن تدول بن تيم اللات بن رفيدة، هذِه الثلاثة مضمومة اللام، وكل ما عداها فهو أسلم بفتح اللام. وأخطأ أبو علي القالي حيث قال: كل ما في العرب أسلم فهو بالفتح إلا أسلم بن الحاف بن قضاعة (١).
قلت: وبالضم أيضًا عبد الله بن سلمة بن أسلم بن عمر، قلت: وأسلم بن الحاف ويقال: الحافي بن قضاعة، واسمه عمرو بن مالك بن عمرو بن مرة بن زيد بن مالك بن حمير بن سبأ، وقيل: قضاعة بن مالك بن عمرو بن زيد، وقيل: ابن مالك بن مرة بن عمرو بن زيد بن مرة بن مالك. وقيل: عمرو بن مالك بن ربيعة بن زيد بن مالك بن حمير بن سبأ.
وأما قول أبي عبيد البكري في كتابه "فصل المقال في شرح الأمثال": أهل العلم بالنسب مجمعون على أن معد بن عدنان ولد من المعصيين قضاعة وقنصًا ونزارًا وإيادًا.
وقال في كتابه "معجم ما استعجم": قضاعة اسمه عمرو بن معد بن عدنان (٢). فغير جيد، وقد قال ﷺ : "قضاعة هو ابن مالك بن حمير" (٣) وقاله علماء النسب كذلك.
стр. 11844
فصل:
ومزينة ينتسب إليها خلق من الصحابة، وأتباعهم وهي بنت كلب بن وبرة (١) بن ثعلب بن حلوان بن عمران بن الحافي بن قضاعة. وقيل: هي ابنة الحارث بن طابخة. وعلى الأول النسابون وهي أم عثمان وأوس بن عمرو بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وأولادهما ينسبون إلى مزينة، وهي تصغير مزنة، وهي السحابة البيضاء كما قاله ابن دريد، والجمع مزن.
وذكر أبو حاتم عن أبي زيد أن العرب تقول: فلان يتمزن على قومه أي يتفضل عليهم (٢).
وفي "المحكم" مزنه مزنًا: مدحه، وابن مزنة: الهلال (٣).
فصل:
وأسلم في خزاعة وهو ابن أفصى -وهو خزاعة- بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد.
وفي مذحج أسلم بن أواس الله بن سعد العشيرة بن مذحج، وفي بجيلة أسلم بن عمرو بن لؤي بن رهم بن معاوية بن أسلم بن أحمس بن الغوث، فالله أعلم من أراد رسوله بقوله.
ولابن أبي شيبة عن خفاف قال: صلى بنا رسول الله ﷺ فلما رفع رأسه من الركعة الأخيرة قال: "أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها" ثم
стр. 11845
أقبل فقال: "إني لست أنا أقول هذا، ولكن الله قاله" (١).
فصل:
وأشجع هو: ريث بن غطفان بن سعد بن قيس غيلان بن مضر، وهو من الشجع وهو الطول، يقال: رجل أشجع وامرأة شجعاء، والأشجع: العقد الثاني من الأصابع والجمع أشاجع، والأشجع من الرجال الذي كأن به جنونًا من جرأته. ومن قال: الأشجع الممسوس فقد أخطأ، واللبؤة الشجعاء هي الجريئة والجسور، ذكره ثابت في "دلائله".
فصل:
وغفار من غفر إذا ستر، كما قال ابن دريد (٢)، وهو ابن مليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وأما الحكم بن عمرو الغفاري الصحابي فهو من ولد نعيلة بن مليل أخي غفار ينسب إلى أخي جده، وكثيرًا ما تصنع العرب ذلك إذا كان أشهر من جده. وفي كتاب الكلبي وولد العتر بن معاذ بن عمرو بن الحارث بن معاوية بن بكر بن هوازن الغفار أهل بيت بمصر، وغفار غير مصروف؛ لاجتماع التعريف والتأنيث.
فصل:
هذِه القبائل كانوا في الجاهلية خاملين لم يكونوا كبني تميم وعامر وأسد وغطفان، ألا ترى قول الأقرع بن حابس الآتي لرسول الله ﷺ : إنما بايعك سراق الحجيج من أسلم وغفار ومزينة. فلما سبقت هذِه القبائل أولئك بالإسلام وحسن بلاؤهم فيه شرفوا بذلك وفضلهم الله
стр. 11846
على غيرهم من سادات العرب ممن تأخر إسلامه كما شرف بلالًا وعمارًا وشبههما على صناديد قريش، وكأن هذا التفضيل كان جوابًا لمن احتقر هذِه القبائل مطلقًا.
فصل:
وقوله ("موالي") نقل ابن التين عن الشيخ أبي الحسن أنه قال: (موالي) بتخفيف الياء وروي بتشديدها كأنه أضافهم إليه، وتحقيق القول فيهم إما أن يكتب موال بغير ياء، أو يضيفهم إلى نفسه فشدد الياء، وأما ياء مخففة، فلعله على نية الوقف، قال الداودي: أراد من أسر منهم لم يجر عليه رق، ولا ولاء.
وقيل: قال لهم موالي؛ لأنهم ممن بادر الإسلام ولم يسبوا فيرقوا كغيرهم من قبائل العرب، وقال يونس: هم أولياء الله مثل: ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] قال: والموالي العصبة ومنه قول زكريا: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ [مريم: ٥] والمولى الناصر وغير ذلك.
فصل:
البخاري روى هذا الحديث فقال: أبو نعيم، ثنا سفيان، عن سعد، قال أبو عبد الله: وقاله يعقوب بن إبراهيم، ثنا أبي، عن أبيه حدثني عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة ﵁.
قال أبو مسعود: كذا أخرجه البخاري وحمل حديث يعقوب، عن أبيه، عن صالح بن كيسان على متن حديث الثوري عن سعد، ورواية يعقوب تخالف رواية سفيان بن سعيد في المتن والإسناد؛ لأن الثوري يرويه عن سعد، عن الأعرج؛ كما ذكره البخاري عنه في باب (ذكر) (١)
стр. 11847
أسلم مفصولًا. ويعقوب إنما يرويه عن أبيه، عن صالح، عن الأعرج باللفظ الذي ذكره من طريقه، ولا يرويه عن أبيه إبراهيم، عن أبيه سعد، عن الأعرج كما ذكره البخاري عقب حديث الثوري. قلت: لكن جد يعقوب معروف (بالرواية) (١) عن [صالح] (٢) والأعرج، فيجوز أن يكون رواه عن هذا تارة كما ذكره البخاري، وعن هذا أخرى كما رواه مسلم (٣).
الحديث الرابع:
حديث جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: قَالَ مَشَيْتُ أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إلى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْطَيْتَ بَنِي المُطَّلِبِ وَتَرَكْتَنَا، وَإِنَّمَا نَحْنُ وَهُمْ مِنْكَ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ. فَقَالَ ﵇: «إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو المُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ». وسلف في الخمس واضحًا (٤).
قال البخاري: وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي أَبُو الأَسْوَدِ مُحَمَّدٌ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: ذَهَبَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ مَعَ أُنَاسٍ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ إلى عَائِشَةَ، وَكَانَتْ أَرَقَّ شَيْءٍ عليهم لِقَرَابَتِهِمْ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وذكره إثره أطول منه متصلاً، حدثنا عبد الله بن يوسف، نا الليث، فذكره وفيه: أن عبد الله بن الزبير قال: ينبغي أن يؤخذ على يدي عائشة، وأنها قالت: علي نذر إن كلمته. ورواه أبو نعيم، عن أبي أحمد، عن قتيبة بن سعيد ثنا الليث
стр. 11848
فذكره. ورواه البخاري في الأدب أيضًا عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، حدثني عوف بن مالك بن الطفيل -وهو ابن أخي عائشة لأمها- عن عائشة أنها حدثت أن ابن الزبير قال في بيع أو عطاء أعطته عائشة: والله لتنتهين عائشة أو لأحجرن عليها، فلما بلغها قالت: علي نذر إن كلمته .. الحديث (١).
فصل:
بنو زهرة تقرب من النبي ﷺ من جهتين، هم أخواله وهم (من) (٢) قريش، والزهريون هم بنو زهرة، واسمه المغيرة بن كلاب بن مرة، فيما ذكره الكلبي. وقال: كان يقال: صريحًا قريش ابنا كلاب. ووقع في "الصحاح" و"معارف ابن قتيبة" أن زهرة امرأة ينسب إليها ولدها دون الأب (٣)، وهو غريب.
وقال ابن دريد: وزهرة فعلة من الزهر وهو الأرض وما أشبهه، ويكون من الشيء الزاهر وهو المضيء، من قولهم: أزهر النهار إذا أضاء (٤).
فصل:
قال الداودي: وإنما ذكر ها هنا قول عثمان وجبير لذكر قرابتهم من رسول الله ﷺ ، وذكر أن هاشمًا والمطلب وعبد شمس جد عثمان كانوا إخوة أبوهم عبد مناف.
وقوله: ("شيء واحد") كذا في الرواية: وذكره ابن التين بحذف
стр. 11849
الواو، وقال: كذا في أكثر الروايات قال: وقيل ما يستعمل (أحد) إلا في النفي تقول: ما جاءني أحد، وتقول في الإثبات: قد جاءني واحد.
وفيه: أن الفيء لرسول الله ﷺ يضعه حيث شاء.
فصل:
وقول عائشة ﵂: (وددت أني جعلت حين حلفت عملًا أعمله فأفرغ منه) تريد أن النذر المبهم يحتمل أن ينطلق على أكثر مما فعلت؛ لأنها نذرت إن كلمت ابن الزبير فاقتحم عليها الحجاب وأرسل إليها بعشر رقاب فأعتقتهم ثم لم تزل تعتقهم حتى بلغت أربعين ثم قالت: (وددت .. ) إلى آخره، فلو كان شيئًا معلومًا كانت متيقنة بأنها أدته وبرئت ذمتها.
ومشهور مذهب مالك أن النذر المجهول ينعقد وتلزمه به كفارة يمين (١). وقال الشافعي مرة: يلزمه أقل ما يقع عليه الاسم، وقال مرة: لا ينعقد (٢). وقد صح في مسلم: "كفارة النذر كفارة اليمين" (٣) وروي: "من نذر نذرًا ولم يسمه فعليه كفارة يمين" (٤) ولعله لم يبلغها.
فصل:
كيف استجازت عائشة ﵂ هذا مع منع الشارع الهجران فوق ثلاث؟ ولعلها تأولت إن بلغها.
стр. 11850
٣ - باب نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ
٣٥٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ عُثْمَانَ دَعَا زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدَ بْنَ العَاصِ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوهَا فِي المَصَاحِفِ، وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ، فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ. [٤٩٨٤، ٤٩٨٧ - فتح: ٦/ ٥٣٧]
ذكر فيه حديث أَنَسٍ أَنَّ عُثْمَانَ دَعَا زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدَ بْنَ العَاصِي، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوهَا فِي المَصَاحِفِ، وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ القُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُم وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ، فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّمَا نزَلَ بِلِسَانِهِمْ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ.
هذا الحديث يأتي في فضائل القرآن في موضعين كما ستعلمه.
قال الداودي: يعني ما اختلفوا فيه من الهجاء ليس الإعراب. وخالف أبو الحسن فقال: أراد الإعراب. ولا يبعد إرادتهما، ألا ترى أن لغة أهل الحجاز: (ما هذا بشرًا) ولغة تميم (بشر).
وكان حفظ القرآن على عهد رسول الله ﷺ زيد وأبو دجانة الأنصاري وأبي بن كعب ومعاذ. قال الداودي: فأرسل عثمان إلى النفر المسمين، وأخذ من حفصة المصحف على أن يعيده إليها، وأمرهم أن يكتبوه على ما ذكر. والذي في البخاري أن الرهط الثلاثة قرشيون، بخلاف ما سلف عن الداودي.
وقوله: (فاكتبوه بلسان قريش) لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] وقيل: إن زيدًا وهؤلاء النفر الثلاثة
стр. 11851
سعيد بن العاصي وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن اختلفوا يومئذ في التابوت فقال زيد: التابوه. وقال سعيد وعبد الله: التابوت، فترافعوا إلى عثمان فقال: اكتبوه بلسان قريش (١).
وهذا كما ذكر الداودي أنه أراد الاختلاف في الهجاء، ولا يبعد أن يريدهما جميعًا كما سلف. قال الداودي: وكان لقريش موال من جلة العلماء، منهم سليمان بن يسار مولى ميمونة، قال الحسن بن محمد بن الحنفية: سليمان عندنا أفهم من ابن المسيب. ومنهم أسلم وابناه، ونافع، وعبد الله بن دينار، بنو المنكدر، وربيعة، وأبو الزناد، وآل الماجشون في فريق من العلماء، وأما الإمارة فهي في قريش خاصة دون مواليها.
стр. 11852
٤ - باب نِسْبَةِ اليَمَنِ إِلَى إِسْمَاعِيلَ
مِنْهُمْ أَسْلَمُ بْنُ أَفْصَى بْنِ حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ مِنْ خُزَاعَةَ.
٣٥٠٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ﵁ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَسْلَمَ، يَتَنَاضَلُونَ بِالسُّوقِ، فَقَالَ: «ارْمُوا بَنِى إِسْمَاعِيلَ، فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا، وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلَانٍ». لأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ، فَأَمْسَكُوا بِأَيْدِيهِمْ، فَقَالَ: «مَا لَهُمْ؟». قَالُوا وَكَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَ بَنِي فُلَانٍ؟ قَالَ: «ارْمُوا وَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ». [انظر: ٢٨٩٩ - فتح: ٦/ ٥٣٧]
ثم ذكر حديث سلمة خَرَجَ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَسْلَمَ، يَتَنَاضَلُونَ بِالسُّوقِ، فَقَالَ: "ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ، فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا .. "
وقد سلف قريبًا مع الكلام عليه (١). قيل: كان عمرو بن عامر بأرض مأرب وكان لهم سد يصعد به الماء من واديهم فيسقي جنتهم، وكانت المرأة منهم تخرج بمكتلها على رأسها ومغزلها في يدها فترجع وهو ملآن تمرًا من غير اجتناء، فبطروا النعمة فقالوا: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: ١٩]، قال الله تعالى: ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ فبعث الله على سدهم الجرذ فجعل يحفر فيه وكان جرذًا أعمى.
فلما رأى ذلك عمرو قال لبنيه: إذا جلس الناس إلى -وكان الناس يغشون مجلسه ويستشيرونه- فإذا أمرت أصغركم بشيء فلا يلتفت إلى قولي (ثم آمره ثلاثًا فلا يلتفت إلى قولي فأنتهره) (٢) فإذا فعلت فليرفع
стр. 11853
يده ويلطمني ولا ينكر منكم أحد، ففعل فنكس من حضر رءوسهم إذ لم يروا بنيه أنكروا، فقال: يصنع بي هذا أصغر ولدي بحضرتكم فلا تنكرون وحلف ليرحلن، فكان ذلك سبب ما أراد الله للأنصار من خير (١).
فائدة:
معنى يتناضلون: يترامون بالسهام، يقال: فضل فلان فلانًا في المراماة إذا غلبه (٢).
ذكر البخاري فيه أربعة أحاديث:
أحدها:
حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنِ الحُسَيْنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ، أَنَّ أَبَا الأَسْوَدِ الدِّيلِيَّ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهْوَ يَعْلَمُهُ إِلاَّ كَفَرَ، وَمَنِ ادَّعَى قَوْمًا لَيْسَ لَهُ فِيهِمْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». ويأتي في الأدب.
وأخرجه مسلم أيضًا.
الشرح:
شيخ البخاري أبو معمر اسمه: عبد الله بن عمرو المقعد.
وأبو الأسود اسمه: ظالم بن عمرو بن سفيان بن عمرو بن حَلْبَس بن يعمر بن نفاثة بن عدي بن الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وقيل: سارق بن ظالم. وقيل عكسه، ولاه ابن عباس قضاء البصرة في خلافة علي ﵁، قال ابن سعد: خرج ابن عباس من البصرة واستخلفه عليها وأقره عليُّ (١).
ومعنى الكفر هنا: كفر الحق وستره بما ارتكب من الباطل. وقال الداودي: يقارب الكفر من عظم جرمه والنار جزاؤه إن جوزي.
وفي حديث آخر: "من ترك قتل الحيات خشية الثأر فقد كفر" (٢).
стр. 11856
والكفر صنفان، بالله وهو الأصل، وبالفرع كالكفر بالقدر وشبه ذلك، ولا يخرج بهذا عن الإسلام (١).
قال القتبي: كما يقال للمنافق آمن، ولا يقال مؤمن (٢).
و [قال الهروي] (٣): سمعت الأزهري، وسئل عمن يقول بخلق القرآن أنسميه كافرًا؟ فقال: الذي يقوله كفر، وأعيد عليه السؤال ثلاثًا كل ذلك يقول مثل ما قال، ثم قال آخرها: قد يقول المسلم كفرًا (٤).
قلت: فمن اعتقد إباحة ذلك واستحلاله فهو كافر، فإن لم يعتقده فيقاربه كما مر عن الداودي، أو كفر نعمة الله وإحسانه وحق الله، ومنه "ويكفرن العشير" (٥) وغالبًا إنما يفعل هذا الجاهل لخبثة نسب أبيه، فيرى الانتساب إليه عارًا في حقه، ولاشك أنه محرم.
ومعنى "يتبوأ مقعده من النار": ينزل منزله (٦) منها، أو فليتخذ منزلة منها وهو دعاء أو خبر بلفظ الأمر، ومعناه هذا جزاؤه إن جوزي كما سلف، وقد يوفق للتوبة فيسقط ذلك عنه بالآخرة. فأما في الدنيا فإن
стр. 11857
جماعة قالوا: إذا كذب على رسول الله ﷺ لا تقبل (توبته) (١)، والمختار قبولها (٢).
الحديث الثاني:
حديث وَاثِلَةَ بْنَ الأَسْقَعِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الفِرَى أَنْ يَدَّعِيَ الرَّجُلُ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوْ يُرِىَ عَيْنَهُ مَا لَمْ تَرَ، أَوْ يَقُولُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا لَمْ يَقُلْ».
وأخرجه البخاري في التعبير من حديث ابن عمر ﵁ مرفوعًا: "أفرى الفرى أن يري الرجل عينيه ما لم يريا" (٣).
стр. 11858
والفرى بكسر الفاء، جمع فرية وهي الكذب والبهتة والدهش، يقال: فرى فلان بكذا إذا خلقه، يفري فريًا بكسر الفاء، وفرى يفري فَرى، وفرى الشيء إذا قطعه لإصلاحه، وأفراه إذا أفسده، وهو هنا الكذب مثل: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ [الشورى: ٢٤] أي: اختلق (١).
والمعنى: أشد الكذب إخبار الرجل أنه رأى في المنام ما لم يره، وذلك لأن المنام جزء من الوحي، فكأنه يخبر أن الله ألقى إليه ما لم يلقه.
ففيه: تحريم دعوى ما ليس له من كل شيء سواء تعلق به حق لغيره أم لا، وأنه لا يحل لأحد أن يأخذ ما حكم له الحاكم إذا كان لا يستحقه (٢).
فائدة:
في إسناده حريز -وهو بالحاء المهملة ثم راء مهملة (٣) ثم مثناة تحت ثم زاي- وهو ابن عثمان رحبي (٤) حمصي، مات سنة ثلاث وستين ومائة، ومولده سنة ثمانين عام الحجاف، والنصري الراوي عن واثلة -بالنون- عبد الواحد بن عبد الله.
стр. 11859
الحديث الثالث: حديث أَبِي جَمْرَةَ -بالجيم- قَالَ: سَمِعْتُ ابن عَبَّاسٍ ﵁ .. سلف في الزكاة (١).
الحديث الرابع:
حديث ابن عمر ﵁ "ألَا إِنَّ الفِتْنَةَ هَا هُنَا -يُشِيرُ إِلَى المَشْرِقِ- مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ". سلف أيضًا (٢).
ابْنُ أَبِى يَعْقُوبَ. شَكَّ- قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ أَسْلَمُ وَغِفَارُ وَمُزَيْنَةُ - وَأَحْسِبُهُ: وَجُهَيْنَةُ- خَيْرًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ وَبَنِي عَامِرٍ وَأَسَدٍ وَغَطَفَانَ، خَابُوا وَخَسِرُوا». قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «وَالَّذِى نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهُمْ لَخَيْرٌ مِنْهُمْ». [انظر: ٣٥١٥ - مسلم: ٢٥٢٢ - فتح: ٦/ ٥٤٢]
٣٥٢٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ أَسْلَمُ وَغِفَارُ وَشَيْءٌ مِنْ مُزَيْنَةَ وَجُهَيْنَةَ -أَوْ قَالَ: شَيْءٌ مِنْ جُهَيْنَةَ أَوْ مُزَيْنَةَ- خَيْرٌ عِنْدَ اللهِ -أَوْ قَالَ يَوْمَ القِيَامَةِ- مِنْ أَسَدٍ وَتَمِيمٍ وَهَوَازِنَ وَغَطَفَانَ. [مسلم: ٢٥٢١ - فتح: ٦/ ٥٥٠]
ذكر فيه ستة أحاديث:
أحدها:
حديث أبي هريرة ﵁: "قُرَيْشٌ وَالأَنْصَارُ .. " إلى آخره. سلف في مناقب قريش قريبًا.
الحديث الثاني:
حديث نافع عن عبد الله ﵁: "غِفَارُ غَفَرَ اللهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللهُ، وَعُصَيَّةُ عَصَتِ الله وَرَسُولَهُ". وأخرجه مسلم أيضًا.
الثالث:
حديث أبي هريرة ﵁ أيضًا بمثله ولم يذكر عصية وأخرجه مسلم أيضًا وشيخ البخاري في (الأول) (١) محمد بن غرير الزهري هو بضم الغين المعجمة، وهو محمد بن غرير بن الوليد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، سكن صفة سمرقند.
وشيخه في الثاني (٢) محمد. قيل: هو ابن سلام. وقيل: هو ابن
стр. 11862
(أبي) (١) يحيى (٢).
الرابع:
حديث أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ جُهَيْنَةُ وَمُزَيْنَةُ وَأَسْلَمُ وَغِفَارُ خَيْرًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ وَبَنِي أَسَدٍ، وَمِنْ بَنِي عَبْدِ اللهِ بْنِ غَطَفَانَ، وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ؟ ". فَقَالَ رَجُلٌ: خَابُوا وَخَسِرُوا.
فَقَالَ: "هُمْ خَيْرٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، وَمِنْ بَنِي أَسَدٍ، وَمِنْ بَنِي عَبْدِ اللهِ بْنِ غَطَفَانَ، وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ".
الخامس:
حديث محمد بن أبي يعقوب -وهو محمد بن عبد الله بن أبي يَعْقُوبَ الضبي البصري- قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّمَا بَايَعَكَ سُرَّاقُ الحَجِيجِ مِنْ أَسْلَمَ وَغِفَارَ وَمُزَيْنَةَ -وَأَحْسِبُهُ: وَجُهَيْنَةَ ابن أَبِي يَعْقُوبَ. شَكَّ- قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ أَسْلَمُ وَغِفَارُ وَمُزَيْنَةُ -وَأَحْسِبُهُ: وَجُهَيْنَةُ- خَيْرًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ وَبَنِي عَامِرٍ وَأَسَدٍ وَغَطَفَانَ، خَابُوا وَخَسِرُوا". قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُمْ لَخَيْرٌ مِنْهُمْ".
стр. 11863
ويأتي في النذور، ومسلم في الفضائل، والترمذي في المناقب (١)، وقال: حسن صحيح.
السادس:
حديث أبي هريرة ﵁ موقوفًا أسلم وغفار، وقد سلف الكلام على ذلك، وهذا الموقوف (٢) أخرجه مسلم من حديث إسماعيل ابن علية، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة مرفوعًا.
ودعاؤه لأسلم وغفار قيل: لأن دخولهما في الإسلام كان سلمًا من غير حرب، وكانت غفار تزن (٣) بسرقة الحاج، فأحب ﷺ أن يمحو عنهم تلك السبة وأن يعلم أن ما قد سلف مغفور لهم، وأما عصية فهم الذين قتلوا القراء ببئر معونة (٤)، وقيل: إنما ذكر أسلم وغفار ومن ذكر معهم لسابقتهم في الإسلام، وما كان فيهم من رقة القلوب ومكارم الأخلاق، والقوم الذين فضلوا عليهم لم يكونوا كذلك؛ لأنهم كانوا أهلًا له، وقد أريد بهذا أكثر القوم، وكان أسد خزيمة حلفاء بني أمية وشهد منهم بدرًا
стр. 11864
سبعة عشر رجلاً وقتل عبد الله بن جحش يوم أحد وهو ابن أميمة عمة رسول الله، وأخته زينب بنت جحش التي زوَّجها الله رُسولَه بعد زيد.
فصل:
تميم هو (ابن مرَّ) (١) بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر (٢)، مشتق -كما قال ابن دريد- من الشدة والصلابة (٣). وقال المفجع في "منقذه": يربوع وتميم بطنان في عذرة.
قال النابغة ليزيد بن الصعق:
جَمِّعْ مِحَاشَكَ يا يزيد فإنَّنِي … أَعْدَدْتُ يَرْبُوعًا لَكُمْ وَتَمِيْمًا (٤)
قال الشيخ أبو بكر عاصم في "شرح الأشعار الستة" (٥): لم يرد النابغة تميم بن مر، وإنما أراد تميمة بن (شبة) (٦) بن عذرة بن سعد (٧)، فرخم في غير النداء.
وكذا قال الجاحظ في "حيوانه": يريد تميمة فحذف الهاء (٨). وعند الكلبي تميم بن حنبة بغير هاء في تميم، وكذا ذكره البلاذري ومن تبعه.
стр. 11865
٧ - باب ذِكْرِ قَحْطَانَ
٣٥١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاهُ». [٧١١٧ - مسلم: ٢٩١٠ - فتح: ٦/ ٥٤٥]
ذكر من حديث أبي الغيث -واسمه سالم مولى عبد الله بن مطيع العدوي- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاهُ".
وقد سلف في حديث عبد الله بن عمرو الذي أنكره معاوية (١).
وقوله: ("بعصاه") على المبالغة وأنه يعطى النصر، وسيأتي في الفتن، وأخرجه مسلم أيضًا.
المُهَاجِرِيِّ الأَنْصَارِيَّ. قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «دَعُوهَا فَإِنَّهَا خَبِيثَةٌ». وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ: أَقَدْ تَدَاعَوْا عَلَيْنَا؟ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ. فَقَالَ عُمَرُ: أَلَا نَقْتُلُ يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا الخَبِيثَ؟ لِعَبْدِ اللهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ».
الشرح:
يأتي أيضًا في التفسير وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي (١)، ومحمد شيخ البخاري هو ابن سلام فيما قيل (٢)، وبه جزم الدمياطي، وعند مسلم: قال سفيان: يرون أن هذِه الغزوة غزوة بني المصطلق وهي غزوة المريسيع.
إذا تقرر ذلك؛ فالكلام عليه من وجوه:
أحدها:
(ثاب) قال الداودي: معناه: خرج. والذي ذكره أهل اللغة أن ثاب يثوب إذا رجع. ومعنى (لعاب): يعلب بالحراب والدرق؛ لما فيه من القوة على التدرب بالحرب.
وقوله: (فكسع أنصاريًّا): أي ضرب دبره قاله الهروي (٣)، وقال ابن فارس: الكسع بالتخفيف أن تضرب بيدك على دبر شيء أو برجلك (٤)، وقيل: بقدمك. وقيل: بصدرها، وقال الداودي: كسع ضرب، وقيل: هو ضربك بالسيف على مؤخره، وفي "الموعب" كسعته بما ساءه إذا تكلم فرميته على إثر قوله بكلمة تسوؤه بها.
стр. 11868
ثانيها:
معنى (تداعوا): استعانوا بالقبائل يستنصرون بهم في ذلك.
والدعوى: الانتماء، وكان أهل الجاهلية ينتمون بالاستعانة إلى الآباء، ولا تكاد أكثر هذِه الأمة تنزع عن التداعي بالأنساب ويطعن بعضهم على بعض.
وقوله: (يال الأنصار) كذا هو في معظم نسخ البخاري بلام مفصولة في الموضعين، وفي بعضها بوصلها، وفي بعضها (يا آل) بهمزة ثم لام مفصولة (١)، واللام مفتوحة في الجميع وهي لام الاستغاثة (٢).
والصحيح -كما قال النووي- بلام موصولة، ومعناه أدعو المهاجرين وأستغيث بهم (٣).
وقوله: ("ما بال دعوى أهل الجاهلية؟ ") يقول: لا تداعوا بالقبائل ولا بالأحرار، وتداعوا بدعوة واحدة بالإسلام.
وقوله: ("فإنها خبيثة")، وفي رواية: "منتنة" أي قبيحة منكرة كريهة مؤذية؛ لأنها تثير الغضب على غير الحق والتقاتل على الباطل، وتؤدي إلى النار، كما جاء في الحديث الآخر: "من دعا بدعوى الجاهلية فليس منا وليتبوأ مقعده من النار" وتسميتها دعوى الجاهلية لأنها كانت من شعارهم كما سلف، وكانت تأخذ حقها بالعصبية، فجاء الإسلام
стр. 11869
بإبطال ذلك، وفصل القضايا بالأحكام الشرعية، إذا تعدى الإنسان على آخر حكم الحاكم بينهما وألزم كلا ما لزمه. ويتوجه للفقهاء في قوله: "من دعا بدعوى الجاهلية" بثلاثة أقوال -كما قال السهيلي:
أحدها: يجلد من استجاب لها بالسلاح خمسين سوطًا، اقتداء بأبي موسى الأشعري في جلده النابغة الجعدي خمسين سوطًا حين سمع: يال عامر، قال أبو الفرج الأصبهاني: وأخذ عصاه وجاء معينًا.
ثانيها: يجلد دون عشرة أسواط لنهيه ﷺ أن يجلد أحد فوق عشرة أسواط (١).
ثالثها: يوكل إلى اجتهاد الإمام على حسب ما يراه من سد الذريعة، وإغلاق باب الشر، إما بالوعيد، وإما بالسجن، وإما بالجلد.
فإن قلت: لم يُعاقبهما الشارع حين دعوا بها؟
قلت: قد قال: ("دعوها فإنها خبيثة أو منتنة") فقد أكد النهي، فمن عاد إليها بعد هذا (النهي) (٢) وجب أن يؤدب حتى يشم نتنها -كما فعل أبو موسى بالنابغة- إذ لا معنى لنتنها إلا سوء العاقبة، والعقوبة عليها (٣).
ثالثها:
عبد الله بن أُبَيٍّ، أكبر المنافقين، وهو الذي قال: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا، وكان زيد بن أرقم سمعه فبلغها عنه، فأنكر واحتج عنه أصحابه، وقالوا: لعل الغلام أوهم ففشيت المقالة في زيد فأنزل الله تصديقه، فمشى إليه النبي ﷺ بذلك ليقر به وفرحا بما قال.
стр. 11870
وعبد الله هو الذي تولى كبره في عائشة ﵂.
رابعها:
إنما منع (عمر) (١) أن يقتل عبد الله بن أبي؛ لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه كما ذكره فيه، وفيه سياسة للدين؛ لأنه يقال لمن يريد أن يسلم: لا تغرر بنفسك لئلا يدعى عليك كفر الباطن، وفيه النظر للعامة على الخاصة.
تنبيه:
مما ورد في النهى عن الافتخار ما أخرجه الترمذي محسنًا من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "لينتهين أقوام أن يفتخروا بآبائهم الذين ماتوا إنما هم جمر جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعل الذي يدهده الخراء بأنفه، إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي، أو فاجر شقي، الناس كلهم بنو آدم وآدم خلق من تراب" (٢).
خامسها:
قول سفيان: (يرون أن هذِه الغزوة غزوة بني المصطلق وهي غزوة المريسيع)، يخالفه ما رواه أبو داود والنسائي أنه كان في غزوة تبوك (٣)،