يَنْقَلِبُ بِنَا فَيُطْعِمُنَا مَا كَانَ فِي بَيْتِهِ، حَتَّى إِنْ كَانَ لَيُخْرِجُ إِلَيْنَا الْعُكَّةَ التِي لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ، فَنَشُقُّهَا فَنَلْعَقُ مَا فِيهَا.
ذكر أبو هريرة بعض أمره وسكت عن لزومه إياه لما يعيش فيه، ويقال: سكت عن ذكر الاقتباس؛ لأنه عمل صالح خشي أن يدخله رياء.
وقوله: ((حين) (١) لَا آكُلُ الخَمِيرَ، وَلَا أَلْبَسُ الحَبِيرَ) الخمر: ما يجعل الخمر في عجينة من الخبز الأدم، والحبير -بالحاء المهملة-: الثياب المحبرة، كالبرود اليمانية ونحوها، قاله الخطابي (٢)، وقال الهروي: الحبير: ثياب يصنع باليمن، قال: وهي تستحب في الكفن، وقال ابن فارس: الثوب الحبير الجديد (٣).
وقوله: (كُنْتُ أُلْصِقُ بَطْنِي بِالْحَصبَاءِ مِنَ الجُوعِ). هو كقوله: كنت أخر ما بين البيت والمنبر، حتى يظن من رآني أني مجنون، وما بي جنون، ما بي إلا الجوع (٤).
ثم ذكر حديث الشَّعْبِيِّ، أَنَّ ابن عُمَرَ ﵄ كَانَ إِذَا سَلَّمَ عَلَى ابن جَعْفَرٍ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا ابن ذِي الجَنَاحَيْنِ.
سببه أن قطعت يداه في القتال؛ فجعلهما الله له جناحين في الجنة في البرزخ. وقول أبي هريرة ﵁ في الحديث قبله: (إنه كان خير الناس للمساكين) أي: لسخائه، ومن أشبه الشارع خَلقًا وخُلقًا، كيف
стр. 12112
لا يكون ذلك من شيمته، وكان ابنه أيضًا جوادًا حتا قال له الحسن والحسين: إنك مِتلاف. فقال: عودني ربي أن يُفضل على ما أفضل عن الناس.
стр. 12113
١١ - باب ذِكْرُ العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁ -
٣٧١٠ - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا ﷺ فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا. قَالَ: فَيُسْقَوْنَ. [انظر: ١٠١٠ - فتح: ٧/ ٧٧]
ذكر فيه حديث أَنَس ﵁ في استسقاء عُمَرَ ﵁، وقد سلف في بابه، وسنده ومتنه سواء (١).
وهو أبو الفضل العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، عم رسول الله ﷺ ، وكان أسن من رسول الله ﷺ بسنتين أو ثلاث، ولد قبل الفيل بثلاث سنين حضر بدرًا مُكرها، فأسر يوم بدر، ثم أسلم بَعْدُ، مات بالبقيع سنة اثنتين وثلاثين بالمدينة، وهو آخر من مات من أعمامه.
[انظر: ٣٦٢٤ - مسلم: ٢٤٥٠ - فتح: ٧/ ٧٨].
٣٧١٦ - فَقَالَتْ: سَارَّنِي النَّبِيُّ ﷺ فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ يُقْبَضُ فِي وَجَعِهِ الذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَبَكَيْتُ، ثُمَّ سَارَّنِي فَأَخْبَرَنِي أَنِّي أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِهِ أَتْبَعُهُ فَضَحِكْتُ. [انظر: ٣٦٢٤ - مسلم: ٢٤٥٠ - فتح: ٧/ ٧٨].
ثم ساق أربعة أحاديث (١):
أحدها:
حديث عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ فَاطِمَةَ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنَ رسول الله ﷺ ، وفي آخره: والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلى أن أصل من قرابتي.
ثانيها:
حديث ابن عُمَرَ ﵁، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ قَالَ: ارْقُبُوا مُحَمَّدًا ﷺ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ.
ثالثها:
حديث المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "فَاطِمَةُ بَضْعَة مِنِّي، فَمَنْ أَغْضَبَهَا فَقَدْ أَغْضَبَنِي".
стр. 12116
رابعها:
حديث عَائِشَةَ عن فاطمة ﵂ في بكائها ثم ضحكها. وقد سلف.
وتعليقه الأول: أسنده في أواخر باب: علامات النبوة من حديث عائشة ﵂، وسلف بلفظ: "أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة -أو- نساء المؤمنين" (١).
في إرسال فاطمة طلب ميراثها طلب الكفاف، وترك إضاعة المال، وأنها لم تكن علمت قوله: "لَا نُورَثُ".
وفيه: أنه ﷺ كان أبقى رباعه لقوت أهله في حياته ومماته، وما يعرض له من أمور المسلمين.
وفيه: أنه كان له في الخمس حظ.
وفيه: أن صدقة رباعه الوقف ليس أن تسأل للفقراء.
وفيه: أن لبني هاشم حقا في مال الله وهو من الفيء والخمس والجزية وشبه ذلك؛ ليتنزهوا عن الصدقة، (وتشهد) (٢) علي، إلى آخر الحديث ليس من هذا، إنما كان ذلك بعد موت فاطمة، وقد أتى به في موضع آخر.
وقوله: (لقَرَابَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي) يعني: أنه لا آلوهم فيما يجب لهم.
وقوله: (ارْقُبُوا مُحَمَّدًا ﷺ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ). أوصى بذلك الناس، قال ابن فارس: (أرقبت الحائط والمطر) (٣).
стр. 12117
المرقب: المكان المشرف العالي يقف عليه الرقيب (١).
وروي أنه ﷺ أصبح يوما خاثرًا، فقيل له في ذلك: فقال: "رأيت أمتي تقتل حُسينًا" (٢).
فائدة:
بنت سيدنا تكنى: أم أبيها؛ أنكحها على بعد وقعة أحد بنت خمس عشرة سنة وخمسة أشهر ونصف. وكان سن عليٍّ ﵁ يومئذ إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر، ماتت بعد سيدنا رسول الله ﷺ بستة أشهر على الأصح، وقيل: بثلاثة قاله مالك. بنت إحدى وعشرين أو سبع أو ثمان، وقيل: خمس وثلاثين، وترجمتها موضحة في دارجال العمدة".
٣٧٢١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ المُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا لِلزُّبَيْرِ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ: أَلَا تَشُدُّ فَنَشُدَّ مَعَكَ؟ فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ، فَضَرَبُوهُ ضَرْبَتَيْنِ عَلَى عَاتِقِهِ، بَيْنَهُمَا ضَرْبَةٌ ضُرِبَهَا يَوْمَ بَدْرٍ. قَالَ عُرْوَةُ: فَكُنْتُ أُدْخِلُ أَصَابِعِي فِي تِلْكَ الضَّرَبَاتِ أَلْعَبُ وَأَنَا صَغِيرٌ. [٣٩٧٣، ٣٩٧٥ - فتح: ٧/ ٨٠]
هو أبو عبد الله الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزم ابن قصي بن كلاب بن مرة القرشي الأسدي ابن عمته صفية، واحد العشرة، واحد أعلام السابقين البدريين، هاجر الهجرتين، وصلى القبلتين، وأسلم وهو ابن ست عشرة، وكان أول من سل سيفًا في سبيل الله، قال أبو الثناء: وأول من استحق الثلث في الإسلام كان ﷺ يضرب له من المغانم أربعة أسهم سهمان لفرسه، وسهم له، وسهم من سهام ذي القربى، ونزلت الملائكة على زيه يوم بدر، وكان له ألف مملوك يستغل خراجهم كل يوم ويتصدق به، وحكم رسول الله ﷺ على قاتله بالنار (١)، قتله عمر بن جرموز بغيا وظلما، كما أسلفته في الجهاد ابن أربع وستين سنة، وسلف هناك حديث جابر.
("وحواري الزبير")، والكلام على الحواري، ويأتي بعد، قيل: سموا حواريين؛ لأنهم يفضلون عند عيسى، وكذلك الزبير عند رسول الله ﷺ مختص بفضل، وسمي خير الحواري؛ لأنه أشرف الخيرة، وقيل: كانوا قصارين.
стр. 12120
ثم ذكر البخاري في الباب أحاديث أربعة:
أحدها:
حديث هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَرْوَانُ بْنُ الحَكَمِ قَالَ: أَصَابَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رُعَافٌ شَدِيدٌ سَنَةَ الرُّعَافِ، حَتَّى حَبَسَهُ عَنِ الْحَجِّ وَأَوْصَى، إلى أن قال في الزبير: إِنَّهُ لَخَيْرُهُمْ مَا عَلِمْتُ، وَإِنْ كَانَ لأَحَبَّهُمْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ .
وفي رواية بعده: أما والله لتعلمون أنه خيركم (١).
قال الداودي: يشبه أن يكون أحسنهم خلقا، وظاهره (أنهم) (٢) أفضلُهم، وهذا يبين قول ابن عمر ﵄: ثم نترك أصحاب النبي ﷺ بعد عثمان لا نخير بينهم (٣)، أن ذلك لم يكن قول جميعهم.
ثانيها:
حديث جَابِرٍ ﵁: «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا، وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ بْنُ العَوَّامِ». سلف في الجهاد مكررة (٤).
ثالثها:
حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كُنْتُ يَوْمَ الأَحْزَابِ جُعِلْتُ أَنَا وَعُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فِي النِّسَاءِ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا بِالزُّبَيْرِ عَلَى فَرَسِهِ. الحديث.
стр. 12121
وفيه: أنه أتى بخبر بني قريظة، وأنه لما رجع جمع له رسول الله ﷺ بين أبويه فقال: "فداك أبي وأمي".
يوم الأحزاب كان سنة أربع وهو يوم الخندق (١)، وعند انصرافه كانت بنو قريظة. قيل: لم يجمع الشارع بين أبويه إلا له ولسعد (٢)، وإنما كان يقول: "فداك أبي"، وليس بذلك.
وكان عُمْرُ عبدِ الله بن الزبير يومئذ سنتين وأشهر، ولا يذكر أن أحدًا عَقَل دون هذا السن في الحديث الصحيح؛ لأنه ولد في السنة الثالثة من الهجرة، وقيل: كانت الأحزاب سنة خمس فعمره ثلاثة أعوام وأشهر على هذا.
قال الداودي: وروي أن أسماء هاجرت وهي متم قد قربت ولادتها، فإما أن تكون تأخرت هجرتها، أو هو اختلاف فيكون ابن الزبير يوم بني قريظة ابن أربع سنين إلا أشهرًا. قال: وكان ابن الزبير أول مولود ولد للمسلمين بالمدينة بعد الهجرة، وكان قد أبطأ ذلك عليهم حتى خافوا أن يهودَ سحرتهم، فلما ولد فرحوا بذلك، ثم ولد بعده للأنصار النعمان بن بشير (٣)، وكان يوم اليرموك في خلافة عمر ﵁ وكان معه يوم بدر فرس، وقيل: فرسان، ولم يكن في المسلمين فارس غير ثلاثة: الزبير والمقداد وأبو مرثد الغنوي.
١٤ - باب ذِكْرِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ ﵁ -
وَقَالَ عُمَرُ تُوُفِّيَ رسول الله ﷺ وَهْوَ عَنْهُ رَاضٍ.
٣٧٢٢، ٣٧٢٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: لَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ تِلْكَ الأَيَّامِ التِي قَاتَلَ فِيهِنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ غَيْرُ طَلْحَةَ وَسَعْدٍ. عَنْ حَدِيثِهِمَا. [٤٠٦٠، ٤٠٦١ - مسلم: ٢٤١٤ - فتح: ٧/ ٨٢]
٣٧٢٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: رَأَيْتُ يَدَ طَلْحَةَ التِي وَقَى بِهَا النَّبِيَّ ﷺ قَدْ شَلَّتْ. [٤٠٦٣ - فتح: ٧/ ٨٢]
هذا سلف (١) ثم ساق عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: لَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ تِلْكَ الأَيَّامِ التِي قَاتَلَ فِيهِنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ غَيْرُ طَلْحَةَ وَسَعْدٍ. عَنْ حَدِيثِهِمَا.
وعَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: رَأَيْتُ يَدَ طَلْحَةَ التِي وَقَى بِهَا النَّبِيَّ ﷺ قَدْ شَلَّتْ.
الشرح:
هو أبو محمد طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب. أحد العشرة، واحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام وأحد الستة أصحاب الشورى، والخمسة الذين أسلموا على يد الصديق.
أمه: الصعبة بنت عبد الله أخت العلاء بن الحضرمي، من المهاجرات ضرب له النبي ﷺ بسهم واحد يوم بدر وكان غائبًا بالشام، وأبلى يوم أحد بلاءً عظيمًا سماه رسول الله ﷺ : "طلحة الجود"، و"طلحة الخير"،
стр. 12124
و"طلحة الفياض" (١)؛ لكثرة بذله للأموال، وفتى قريش ومن خواصه -كما قال أبو الثناء- أنه ﷺ كان إذا لم يره قال: "ما لي لا أرى الصبيح المنبلج الفصيح" (٢)، ولم يثبت معه يوم أحد غيره (٣).
وقال المبرد: حدثني التوزي قال: كان يقال لطلحة بن عبيد الله: طلحة الطلحات (٤)، قال المبرد: وكان يوسف بالهمام يعني: في إقدامه روى عنه بنوه وغيرهم: كان أول من قتل يوم الجمل، سنة ست وثلاثين، بالبصرة، عن أربع وستين، أو اثنتين أو ثمان وخمسين، أو خمس وسبعين أصابَهُ سهم غريب فقطع من رجله عرق النسا، فشج حتى نزف فمات، وخلف مالاً جزيلًا ثلاثين ألف ألف. وفي الصحابة من اسمه طلحة نحو العشرين.
ومعنى قوله: (لَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي ما فِي بَعْضِ تِلْكَ الأَيَّامِ) يريد: يوم أحد.
وشلت: بفتح الشين، تشل ذكره ثعلب (٥)، وهو كما قال الشَّنْتَمريُّ: بطلان اليد أو الرجل من آفة تعتريها، وليس معناه قطعت كما ذكره ابن
стр. 12125
سيده (١)، وقال الزمخشري: إذا امترخت، وقال كراع في "مجرده" هو تقبض في الكف، وأصله من شَلِلْتُ على فَعِلْتُ، بكسر العين، قال ابن درستويه: والعامة تقول: شُلت بالضم وهو خطأ، وقال اللحياني: إنه قليل (٢)، قال ابن الأعرابي: إنها لغة رديئة، وسأل (أبو) (٣) موسى الحامض ثعلبًا؛ فقال: كيف نرده إلى ما لم يسم فاعله، قال يقول: أشلت.
وفي "أيمان العرب" لثعلب: أشل الله عشرة، وأشلت عشرة، يقال: شَل، وشُل، وعل، وال من الشك وعل، أي: جن، قال الأخفش: أحسب ثعلبا جرى على هذِه المزاوجة الكلام؛ لأن تقدمه وشل، وكذلك الذي يليه، وقال ابن سيده في "عويصه": أشللت يده بالألف، وقيل: إنما قطع إصبعه.
وكان ﷺ لما انحاز إلى الجبل يوم أحد انحاز معه طلحة واثنا عشر رجلاً من الأنصار، فلحقهم المشركون فاستأذنه طلحة في القتال فلم يأذن له، واستأذنه رجل من الأنصار فأذن له، فقاتل القومَ وأشغلهم بالقتال وقتًا من النهار، والنبي ﷺ ذاهب بمن معه فقتل الأنصاري، ثم لحقوهم فاستأذنه طلحة فأبى، واستأذنه أنصاري آخر فأذن له، إلى أن قتل اثنا عشر رجلا، ولحق رسول الله ﷺ وطلحة بالجبل فاتقى عنه بيده، فقطعت إصبعه، فقال: حس، فقال ﷺ : "لو ذكرت الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون" (٤).
стр. 12126
وقال سعد: رأيت يوم أحد رجلين أحدهما عن يمين رسول الله ﷺ والآخر عن يساره، عليهما ثياب بيض يقاتلان قتالا شديدًا، لم أرهما قبل ولا بعد، يعني ملكين.
فائدة:
دعا طلحة يومًا أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ إلى طعام، فدعا خادمه فأبطأ عليه، ثم دعاه فقال: لبيك، فقال له طلحة: لا لبيك، فقال أبو بكر: ما سرني أن أقولها، وإن لي نصف الدنيا، وقال عثمان مثله، وإن لي حُمُر النعم.
ومر علي بطلحة قتيلا فنزل إليه، وقال: أضحى أبو محمد معفرًا في التراب، يعز عليَّ، إلى الله أشكو عُجَري وبُجَري غريبًا بهذه البلدة، ثم قال:
فتى كان يدنيه الغنى من صديقه … إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر
وجمع له ما كان في ذلك من المال، فجاء ابنه عمران فأجلسه إلى جنبه، ورحب به وسهل، ودفع إليه المال، وقال: إنما حفظته عليكم، وأرجو أن أكون أنا وأبوك على سرر متقابلين.
فائدة:
قوله (عن حديثهما) أي أخبراني ذلك يعني: أبا عثمان، وهو النهدي.
عبيدة بن الحارث- وفارس الإسلام -زاد أبو الثناء- وأنه ﷺ لعن من قدح في نسبه، وأنه لزم بيته في الفتنة، وأمر بأهله أن لا يخبروه بشيء من أخبار الناس، وكان سابع سبعة في الإسلام.
أمه: حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، شهد بدرًا والمشاهدَ، كان أحد الستة أولي الشورى، وكان مجاب الدعوة، مشهورًا بذلك، وأحد الفرسان، مات في قصره بالعقيق، ودفن بالبقيع، سنة خمس وخمسين- على الأصح- أو ست أو سبع، أو ثمان وهو أشهر وأكثر عن بضع وسبعين أو ثمانين، وأوصى أن يكفن في جبة صوف قاتل فيها يوم بدر، قيل: إن تَرِكَتَه مائتا ألف وخمسون ألفًا.
ثم ذكر البخاري في الباب حديث سَعِيدِ بْنَ المُسَيَّبِ قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدًا يَقُولُ: جَمَعَ لِي رسول الله ﷺ أبَوَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ.
ثانيها:
حديث عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَأَنَا ثُلُثُ الإِسْلَامِ.
ثالثها:
حديث سَعِيدِ بْنِ المُسَيبِ، عن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: مَا أَسْلَمَ أَحَدٌ إِلَّا فِي اليَوْمِ الذِي أَسْلَمْتُ فِيهِ، وَلَقَدْ مَكَثْتُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وإِنِّي لَثُلُثُ الإِسْلَامِ.
تابعه -يعني: ابن أبي زائدة- أبو أسامة ثنا هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص عن سعيد.
وهذه المتابعة أسندها يعني: في باب إسلامه.
стр. 12129
رابعها:
حديث قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدًا ﵁ يَقُولُ: إِنِّي لأَوَّلُ الْعَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَكُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا لَنَا طَعَامٌ إِلاَّ وَرَقُ الشَّجَرِ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا يَضَعُ الْبَعِيرُ أَوِ الشَّاةُ، مَا لَهُ خِلْطٌ، ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِي عَلَى الإِسْلَامِ، لَقَدْ خِبْتُ إِذًا وَضَلَّ عَمَلِي. وَكَانُوا وَشَوْا بِهِ إِلَى عُمَرَ، قَالُوا: لَا يُحْسِنُ يُصَلِّي.
وقد أسلفنا في ترجمة الصديق ﵁ حديث عمار: رأيت النبي ﷺ وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان، وأبو بكر (١)، وفيه منافاة لقوله: (مَكَثْتُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَإِنّي لَثُلُثُ الإِسْلَامِ). قال ابن التين: إن تكن الروايتان محفوظتين، فلم يعلم سعد إلا رسول الله ﷺ وأبي بكر ولم يعلم سعد بعمار، ويحتمل أن يريد سعد ثلاثة غير رسول الله ﷺ ، ويحتمل أن يكون ﷺ أحدهم، أو يريد سعد من الرجال الأحرار.
ومعنا: (تعزرني على الإسلام) أي: تؤذيني، ومنه التعزير الذي هو التأديب على الريبة، والمعنى: تعلمني الصلاة، وتعيرني بأني لا أحسنها.
وقوله: (وَشَوْا بِهِ) قال ابن فارس: وَشى كلامه إذا كذب ونم (٢)، وقال ابن عرفة: لا يقال لمن نم: واشٍ، حتى يغير الكلام، ويلونه، ويجعله ضروريًّا، ويزين منه ما يشاء.
وجمعه لأبويه له قد سلف مثله في حق الزبير (٣).
стр. 12130
١٦ - باب ذِكْرُ أَصْهَارِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْهُمْ أَبُو العَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ
٣٧٢٩ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، أَنَّ المِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ قَالَ: إِنَّ عَلِيًّا خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ، فَسَمِعَتْ بِذَلِكَ فَاطِمَةُ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَزْعُمُ قَوْمُكَ أَنَّكَ لَا تَغْضَبُ لِبَنَاتِكَ، هَذَا عَلِيٌّ نَاكِحٌ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ يَقُولُ: «أَمَّا بَعْدُ أَنْكَحْتُ أَبَا العَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ، فَحَدَّثَنِي وَصَدَقَنِي، وَإِنَّ فَاطِمَةَ بَضْعَةٌ مِنِّي، وَإِنِّى أَكْرَهُ أَنْ يَسُوءَهَا، وَاللهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللهِ عِنْدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ». فَتَرَكَ عَلِيٌّ الخِطْبَةَ.
وَزَادَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنْ مِسْوَرٍ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، وَذَكَرَ صِهْرًا لَهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ إِيَّاهُ فَأَحْسَنَ، قَالَ: «حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي، وَوَعَدَنِي فَوَفَى لِي». [انظر: ٩٢٦ - مسلم: ٢٤٤٩ - فتح: ٧/ ٨٥]
ثم ذكر خِطبة علي ﵁ بنت أبي جهل، وما قاله النبي ﷺ .
أبو العاصي بن الربيع هو ابن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي العبشمي كان يقال له: جرو البطحاء، وفي اسمه أقوال: لقيط، أو مهشم، أو هشيم، أو مقسم، وهو أثبت، قال الزبير: أو ياسر، أو القاسم.
أمه: هالة بنت خويلد بن أسد أخت خديجة، وكان مؤاخيًا لرسول الله ﷺ مصافيًا وشكر رسول الله ﷺ مصاهرته، وأثنى عليه خيرًا -كما ذكره في الباب- مات في ذي الحجة سنة اثنتي عشرة، ويقال: إنه استشهد في بعض المغازي، ثم أحرق بالنار حتى صار فحمة.
стр. 12131
وزوجه هي زينب، أول ولده كما قال الكلبي. وقال السراج: ولدت سنة ثلاثين من مولد سيدنا رسول الله ﷺ .
فصل:
وبنت أبي جهل: جميلة، وقيل: جويرية، ولما قال ﷺ فيها ما قال.
قال عتاب بن أسيد: أنا أريحكم منها، فتزوجها فولدت له عبد الرحمن المقتول يوم الجمل، وكان لأبي جهل بنت أخرى يقال لها: الحفناء، كانت تحتَ سهيل بن عمرو، وزعم الميداني وابن السكيت، وغيرهما أن التي كانت تحت سهيل بن عمرو اسمها صفية، وسماها الحاكم في "إكليله" جويرية، وسمى ابن طاهر المقدسي مخطوبة عليٍّ: العوراء.
وفي غير هذِه الرواية قال ﷺ : "ولست أحرم ما أحل الله فلا آذن إلا أن يشاء ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي" (١)، وهذا يقال: إنه شرط.
والخطبة: بكسر الخاء، قوله: (وَذَكَرَ صِهْرًا) يدل على أن الصهر يطلق على الزوج، وقد سلف، وترجمة البخاري (أصهار)، ولم يأت إلا باثنين، نظيره: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ والاثنان يحجبانها من الثلث إلى السدس عند الأكثرين.
فصل:
ادعى الشريف الموسوي في "غزواته": أن حديث خِطبة على لابنة أبي جهل موضوع، ولا نرى سماعه؛ لثبوته في "الصحيح" من حديث المسور كما ستعرفه قريبا، وأخرجه الترمذي عن عبد الله بن الزبير وصححه (٢).
стр. 12132
فائدة:
قوله: "بَضْعَةٌ مني" بفتح الباء الموحدة، وللحاكم: "مضغة -بالميم- يقبضني ما يقبضها، ويبسطني ما يبسطها"، ثم قال: صحيح الإسناد (١).
وله على شرط الشيخين: "ولا أحسبها إلا تحزن -أو- تجزع" (٢).
وأن المذكور في بني عبد شمس هو أبو العاصي، والله أعلم.
و (زيد) هو أبو أسامة زيد بن حارتة بن شراحيل الكلبي، مولى رسول الله ﷺ ، وهو أول من أسلم من الموالي، وأحد من بادر إلى الإسلام، فأسلم من أول يوم، وشهد بدرًا وأُحدًا والمشاهد وكان من الأمراء الشهداء، ومن الرماة المذكورين، له حديثان قال ابن عمر: ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]: وذكره الله باسمه في القرآن، مات في غزوة مؤتة.
وذكر أبو عبيد القاسم بن سلام والجاحظ في "الهاشميات" أن قريشًا كانت لمحبتها في قصي تسمي أولادها باسمه، وأنه ﷺ لما تبنى مولاه سماه زيدًا، وأما ابن إسحاق وغيره فأنشدوا لأبيه حارثة حين فقده ولم يدر أين مكانه:
بكيت على زيد ولم أدر ما فعل … أحي فيرجى أم أتى دونه الأجل (١)
وكان البعث الذي بعث فيه أسامة أرسله إلى يُبْنَا فَهَدَم فيها وأحرق، وكان وجّهه قبل مرضه الذي توفي فيه ثم مرض فقال له أسامة: إن بدني لا يقوى أن أمضي على هذِه الحال، فأذن له في التربص فتوفي رسول الله ﷺ فأراد الصحابة أن يمسك أبو بكر ذلك الجيش، فقال: ما كنت لأَحُل آخر عقد عقده رسول الله ﷺ بأول عقد أعقده أنا، وأمره بالخروج فقال له: ما تأمر. قال: الأمر ما أمرك به رسول الله ﷺ فكلما استشاره في شيء قال: الأمر ما أمرك به رسول الله ﷺ .
وما ذكر أن بعثه إلى يُبنا هو قول الداودي، وقال الشيخ أبو محمد في "جامعه": كان إلا مؤتة من أرض الشام، ويهريق بها دمًا، وهو غريب.
стр. 12135
وقوله: "إن تطعنوا". قد سلف في قول بعضهم -فيما حكاه ابن فارس-: أنه بفتح العين في طعن القول وبضمها في طعن الرمح (١).
وقوله: "إن كان لخليقًا" أي: هو ممن يقدر ذلك فيه أي: حقيق به، والإمارة بكسر الهمزة: الولاية.
والقائف: الذي يحسن الأشباه في الناس وهو مجزز بالجيم، وتكرار زاي، وأبعد من قاله بالحاء، وحكي فتح الزاي الأولى، والصواب الكسر؛ لأنه جز نواصي العرب.
وهو ابن الأعور بن جعدة بن معاذ بن عتوارة بن عمرو بن مدلج الكناني المدلجي، ودخوله على عائشة ﵂ إما قبل نزول الحجاب أو بعده، وكان من وراء الحجاب.
وقوله: (وأعجبه وأخبر به عائشة) لعله لم يعلم أنها علمت ذلك أو أخبرها، وإن كان علم بعلمها تأكيد الخبر، أو نسي أنها علمت ذلك وشاهدته معه، والرواية الآخرى أنه دخل عليها مسرورا تبرق أسارير وجهه، فقال: "ألم تسمعي ما قال مجزز؟! " فذكره (٢).
فصل:
وفيه: العمل بالقائف، والحجة على من منعها.
стр. 12136
١٨ - باب ذِكْرُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ
٣٧٣٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ المَخْزُومِيَّةِ، فَقَالُوا: مَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلاَّ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، حِبُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ . [انظر: ٢٦٤٨ - مسلم: ١٦٨٨ - فتح: ٧/ ٨٧]
٣٧٣٣ - وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: ذَهَبْتُ أَسْأَلُ الزُّهْرِيَّ عَنْ حَدِيثِ المَخْزُومِيَّةِ فَصَاحَ بِي، قُلْتُ لِسُفْيَانَ: فَلَمْ تَحْتَمِلْهُ عَنْ أَحَدٍ؟ قَالَ: وَجَدْتُهُ فِي كِتَابٍ كَانَ كَتَبَهُ أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا النَّبِيَّ ﷺ ؟ فَلَمْ يَجْتَرِئْ أَحَدٌ أَنْ يُكَلِّمَهُ، فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَقَالَ: «إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ، لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ لَقَطَعْتُ يَدَهَا». [انظر: ٢٦٤٨ - مسلم: ١٦٨٨ - فتح: ٧/ ٨٧]
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ المَخْزُومِيَّةِ، فَقَالُوا: مَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلاَّ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
ثم ساقه عنها من طريق آخر.
أسامة كنيته أبو زيد، وأبو محمد وأبو حارثة ابن زيد بن شراحيل، الكلبي. الحب بن الحب ومولاه، وابن حاضنته ومولاته أم أيمن.
ومن خصائصه: تأميره على جيش كان فيهم أبو بكر (١) وعمر، وكان عمره إذ ذاك عشرين سنة فأقل لما أرسله أبو بكر ﵁ على ناحية البلقاء،
стр. 12137
وشهد مع أبيه مؤتة، وكان أنجزه مدة ثم تحول إلى المدينة، مات بوادي القرى، وقيل: بالمدينة سنة أربع وخمسين، وقيل: سنة أربعين ابن خمس وخمسين سنة، وهو من الأفراد في الصحابة.
وفيه: فضل ظاهر لأسامة، وأنه يسمى الحب، واهتمام المرء بأهله.
وقوله: "كان بنو إسرائيل إذا سرق فيهم الشريف تركوه" يعني: أحدثوا ذلك بعد إيمانهم.
وفيه: ترك الرحمة بمن وجب عليه الحدود.
فائدة:
السارقة هي فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وعمها: أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال.
أحدها:
حديث المَاجِشُونُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: نَظَرَ ابْنُ عُمَرَ يَوْمًا وَهْوَ فِي المَسْجِدِ إِلَى رَجُلٍ يَسْحَبُ ثِيَابَهُ فِي نَاحِيَةٍ مِنَ المَسْجِدِ، فَقَالَ: انْظُرْ مَنْ هَذَا؟ لَيْتَ هَذَا عِنْدِي. قَالَ لَهُ إِنْسَانٌ: أَمَا تَعْرِفُ هَذَا يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ أُسَامَةَ، قَالَ: فَطَأْطَأَ ابْنُ عُمَرَ رَأْسَهُ، وَنَقَرَ بِيَدَيْهِ فِي الأَرْضِ، ثُمَّ قَالَ: لَوْ رَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَحَبَّهُ. يعني: من أجل والده أسامة.
ومحمد هذا روى عن أبيه، وعنه عبد الله بن دينار وجمع، ثقة قليل الحديث، مات في خلافة الوليد بن عبد الملك، روى له الترمذي حديثًا في مرضه (١)، والنسائي في "خصائص علي ﵁" (٢).
ثانيها:
حديث أبي عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄، حَدَّثَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُهُ وَالْحَسَنَ، فَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَحِبَّهُمَا فَإِنِّي أُحِبُّهُمَا».
ويأتي في فضل الحسن وهو من أفراده، وأخرجه النسائي (٣).
وفيه: فضل ظاهر لأسامة والحسن.
ثالثها:
حديث: وَقَالَ نُعَيْمٌ: عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي مَوْلًى لأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ. أَنَّ الحَجَّاجَ بْنَ أَيْمَنَ ابْنِ أُمِّ أَيْمَنَ، وَكَانَ أَيْمَنُ ابْنُ أُمِّ أَيْمَنَ أَخَا أُسَامَةَ لأُمِّهِ، وَهْوَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَرَآهُ ابْنُ عُمَرَ لَمْ يُتِمَّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ فَقَالَ: أَعِدْ.
стр. 12140
يعني: لعدم إتمامه إياه.
ففيه: وجوب الإعادة على تارك ذلك، ونعيم هو ابن حماد بن معاوية بن الحارث بن سلمة بن مالك أبو عبد الله الخزاعي المروزي الأعور، الرفاء، الفارض، سكن مصر، ومات بـ (سُرَّ مَنْ رَأى) مسجونا في المحنة، سنة ثمان وعشرين ومائتين، وقيل: سنة تسع (١).
وأم أيمن هي بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصين بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان، وتعرف بأم الظباء مولاة رسول الله ﷺ وخادمته ورثها عن أبيه، وقيل: عن أمه، وقال: "أم أيمن أمي بعد أمي" (٢). وكان رسول الله في ﷺ يزورها وأبو بكر وعمر من بعده، خلف عليها زيد بن حارثة بعد عبيد فولدت له أسامة.
وعُبيد هو ابن عمرو بن بلال بن أبي الحرباء بن قيس بن مالك بن ثعلبة بن جشم بن مالك بن سالم الحبشي، قاله الكلبي، وكان أبو عمر يقول: أيمن بن عبيد الحبشي استشهد يوم حنين، ثبت مع رسول الله ﷺ ، ولم ينهزم (٣).
ثم رواه البخاري فقال: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَمِرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ إِذْ دَخَلَ الحَجَّاجُ بْنُ أَيْمَنَ فَلَمْ يُتِمَّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ .. الحديث.
وهو الفقيه الإمام، أحد الأعلام، أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب، شهد الخندق.
وأمه زينب بنت مظعون، وقال ابن حبان: رائطة بنت مظعون (١)، كثير التتبع للآثار، سُمَّ سنة أربع وثلاث وسبعين، وقد نيف على الثمانين.
وقوله: (وكنت غلاما شابًّا، أعزب) ولأبي ذر: (عزبًا)، وهو الذي ذكر أهل اللغة أنه لا أهل له.
وفيه: النوم في المسجد.
وقوله: (المطوية) أي: المبنية، وقرنا البئر اللتان يعمل عليهما الخشبة التي فيها البكرة.
وقوله: (لن ترعْ) هي لغة لبعض العرب تجزم بلن قال القزاز: ولا أحفظ في ذلك شاهدًا.
ذكر فيه حديث أبي الدرداء، واسمه عويمر في فضلهما، أما عمار فهو ابن ياسر أبو اليقظان، أمه سمية عُذِّبَا في الله.
وأمه أول شهيدة في الإسلام طعنها أبو جهل بحربة في قُبَلها، وقتل عمار بصفين، وقد جاوز.
وحذيفة هو أبو عبد الله حذيفة بن اليمان بن حسيل بن جابر بن عمرو حليف بني عبد الأشهل، صاحب سر رسول الله ﷺ وقيل: اليمان لقب جدهم جروة بن الحارث، قال الكلبي: لأنه أصاب دمًا في قومه فهرب إلى المدينة، وحالف بني عبد الأشهل، فسماه قومه اليمان، مات سنة ست وثلاثين على الأصح، وترجم له البخاري ترجمة وحده فيما سيأتي فقال: باب ذكر حذيفة بن اليمان العبسي كما ستعلمه، وفيه فضل أبي الدرداء.
وقوله: (أليس عندكم ابن أم عبد صاحب النعلين والوساد والمطهرة؟!)، يقول: عندكم من لا تحتاجون معه إلى عالم.
وقوله: (صاحب النعلين .. ) إلى آخره. قال الداودي: أي لم يكن له من إيجاب إلا ذلك لتخليه من الدنيا، وأنكر ذلك عليه من قال: المراد بالمناقب ما كان مع رسول الله ﷺ .
وقوله: (الذي أجاره الله من الشيطان، يعني: على لسان نبيه) يعني: قوله ﷺ : "ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار" (١)، يعني: والله أعلم- حين أكرهوه على الكفر بسبه ﷺ .
وقوله: (صاحب سر رسول الله ﷺ الذي لا يعلمه غيره) يعني: حذيفة، وذلك أنه أسر إليه سبعة عشر رجلاً من المنافقين.
стр. 12145
قوله: (صاحب السواك). شك. المحدث، وهو: ابن مسعود صاحب السوار، وهو السرار، ويروى أنه ﷺ قال له: "إِذْنُكَ عَلَيَّ أَنْ يُرْفَعَ الحِجَابُ، وتَسْتَمِع سوادي" كذا عند مسلم (١)، وقراءة عبد الله: (والذكر والأنثى)، أنزل كذلك، ثم أنزل ﴿وَمَا خَلَقَ﴾ فلم يسمعه عبد الله ولا أبو الدرداء وسمعه سائر الناس وأثبتوه، وهذا كظن عبد الله أن المعوذتين ليستا من القرآن (٢).
стр. 12146
٢١ - باب مَنَاقِبُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرَّاحِ ﵁ -
٣٧٤٤ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا، وَإِنَّ أَمِينَنَا -أَيَّتُهَا الأُمَّةُ- أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ». [٤٣٨٢، ٧٢٥٥ - مسلم: ٢٤١٩ - فتح: ٧/ ٩٢]
٣٧٤٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ صِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَهْلِ نَجْرَانَ: «لأَبْعَثَنَّ - يَعْنِي: عَلَيْكُمْ، يَعْنِي: أَمِينًا - حَقَّ أَمِينٍ». فَأَشْرَفَ أَصْحَابُهُ، فَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ ﵁. [٤٣٨٠، ٤٣٨١، ٧٢٥٤ - مسلم: ٢٤٢٠ - فتح: ٧/ ٩٣]
ذكر فيه أَنَس ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا، وَإِنَّ أَمِينَنَا -أَيَّتُهَا الأُمَّةُ- أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ».
وحديث صِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ أنه ﷺ قال لأَهْلِ نَجْرَانَ: «لأَبْعَثَنَّ عَلَيْكُمْ، حَقَّ أَمِينٍ». فَأَشْرَفَ أَصْحَابُهُ، فَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ ﵁.
الشرح:
حديث أنس ﵁ يأتي في المغازي (١)، وخبر الواحد (٢)، وأخرجه مسلم والنسائي (٣).
واسم أبي عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن شبة بن الحارث بن فهو، أحد العشرة، مات بالشام سنة ثماني عشرة بالطاعون، عام عمواس قاله الداودي، وكان من زهاد الصحابة، لا يأخذ إلا أدنى ما يقوم بدنه، ولما خرج عمر إلى الشام لقيه أمراء
стр. 12147
الأجناد فكلما قرب منه أمير صرفه قبل وصوله، فلما أتاه أبو عبيدة نزلا فسلم بعضهما على بعض، ثم ركبا وتسايرا، فلما قربا من الموضع أراد أبو عبيدة أن ينزل في غير موضعه فقال: مل بنا إلى منزلك فأتاه فإذا بيت ليس فيه إلا وساد من أدم، حشوها ليف، وجونة فيها كسيرات شعير، فطرح الوساد، وقرب الجونة؛ فقال عمر: كل الناس غيرتهم الدنيا غيرك يا أبا عبيدة، عمر وآل عمر في طاعة أبي عبيدة، ودفع إليه عمر مائتي دينار فتصدق (١)، ودفع إلى معاذ مثلها فتصدق به، وقال لأبي عبيدة امرأته: أين الذي نلت؟ فقال لها: على ضابط أي: حافظ، فذهبت إلى عمر وقالت له: أجعلت على أبي عبيدة ضابطًا، فقال: لم أجعله، ولكن الحافظ عليه من الله، وقال أبو بكر في سقيفة بني ساعدة: قد رضيت لكم أحد هذين يعني أبا عبيدة وعمر (٢).
وقد نجران كان سنة تسع كما ذكره ابن سعد". وكانوا أربعة عشر رجلاً من أشرافهم، وكانوا نصارى فيهم العاقب وهو عبد المسيح، وأبو الحارث بن علقمة، وأخوه كوز (٣) والسيد وأوس وزيد (بن) (٤) قيس وشبَية (٥)، وخويلد وخالد وعمرو و (عبد) (٦)(٧) الله فلم يسلموا إذ ذاك، ثم لم يلبث السيد والعاقب إلا يسيرًا حتى رجعا إلى رسول الله
стр. 12148
- ﷺ فأسلما فذكره (١)، وستأتي له ترجمة في آخر المغازي.
فائدة:
لم يذكر البخاري مناقب عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف الزهري تمام العشرة، وكأنه لم ير شيئًا على شرطه، وذكر إسلام سعيد بن زيد فيما سيأتي، وجده عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن رياح القرشي العدوي أبو الأعور، أحد العشرة من السابقين الأولين تزوج أخت عمر، مات بالمدينة بعد الخمسين (٢).
صلة بن زفر الراوي عين حذيفة عبسي، كوفي، أبو بكر وأبو العلاء، مات زمن مصعب بن الزبير، قاله الواقدي، وقال خليفة: سنة اثنتين وسبعين (٣)، قال ابن أبي خيثمة: كان قلبه من ذهب. يعني: منوِّرًا.
стр. 12149
باب مناقب مُصْعَبِ بْنِ عُمَيرْ
نص له، ولم يذكر شيئًا، وكأنه لم ير شيئًا على شرطه، أو اكتفى بما ذكر عنه في الجنائز، وفي أحد فيما سيأتي أنه لم يجد شيئًا يكفن فيه غير برده (١).
وفيه: تقلله من الدنيا، وقد سلف هناك، وهو أحد السابقين، وهو مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي.