(وقال) (١) هنا: ("قوموا إلى سيدكم") أو ("خيركم").
وفيه: فقال: "قضيت بحكم الله". وربما قال: "بحكم الملك".
وفيه: تشريف الرجل الصالح والتنبيه على معرفة فضيلته، وجواز القيام له بشرط أن لا يحبه له ولا يختاره، وقد قام ﵇ لغير واحد، وكانت فاطمة تقوم له ويقوم لها، وحديث: "من سره أن يتمتل له الرجال قيامًا" (٢) وروي "يستخيم" (٣) بالخاء كما قال ابن قتيبة، من خام يخيم إذا قام بمكانه، فالمراد من أقام: أراد أن يقام الرجال على رأسه كما يقام بمِن يدي الملوك والأمراء، بدليل رواية: "من سره أن يقوم له الرجال صفونًا" (٤) والصافن: الذي أطال القيام ورفع إحدى قوائمه ليستريح وقد سلف ذلك أيضًا في الجهاد واضحًا.
والذرية: بضم الذال كذا نحفظه، وقال أبو عبد الملك: هي بنصب الذال وتأويلها: النساء والصبيان. قال: وبالرفع النسل. واختلف في وزن ذُرية بالضم هل هي فُعْلِيَّة أو فُعْلِيْلَة. واختلف من قال بالثاني هل أصله من (ذر) فيكون أصله (ذُرُّورَة) فأبدلت إحدى الراءات ياء، [أو أصله] (٥) من (ذرأ)، فأبدل من الهمزة ياء.
стр. 12602
والملك: بكسر اللام وروي بفتحها وهو جبريل. وروي: "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة" (١). أي: سبع سماوات. كما جاء في الصحيح؛ لأنها رفعت بالنجوم، وفي رواية بذلك طرقني الملك سحرًا. وفي أخرى ذكرها صاحب "شرف المصطفى": أصبت حكم الله ورسوله.
الحديث السادس:
حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قَالَ: أُصِيبَ سَعْد يَوْمَ الخَنْدَقِ، رَمَاهُ رَجُل مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهُ: حِبَّانُ ابن العَرِقَةِ، رَمَاهُ في الأَكْحَلِ، الحديث.
وقد سلف مختصرًا في أوائل الصلاة في باب الخيمة في المسجد للمرضى وغيرهم (٢). وذكر فيه هنا أن بني قريظة نزلوا على حكم رسول الله ﷺ فرد الحكم إلى سعد، كذا هنا أنهم نزلوا على حكم رسول الله ﷺ فرده إلى سعد، والحديث قبله أنهم نزلوا على حكم سعد.
وفي "الأموال" لأبي عبيد: قيل لهم: انزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فأبوا واختاروا النزول على حكم سعد (٣). وقال ابن التين: لعله رد الحكم قبل نزولهم وكانوا من حلفاء قومه فرجوا أن يستبقيهم.
وقول سعد: (اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إلى أن أجاهدهم فيك .. ) إلى آخره. إما أن يكون أراد في ذلك الوجه، أو لحرب الذين ثابوا راجعين إلى المدينة كما فعلوا في أحد والأحزاب، أو أراد من ظاهرهم من أهل الكتاب، وإنما ضرب له الشارع خيمة في المسجد؛
стр. 12603
لئلا يفوته أكثر شأنه، وأنه يتولى غسله؛ لئلا يفوته كما فاته غسل حنظلة غسيل الملائكة، غسلوه بين السماء والأرض، فسئلت أمرأته فقالت: ألمَّ بي ثم خرج إلى القتال فاستشهد (١).
وقوله: (وإن كنت وضعت الحرب فافجرها) هو بوصل الألف وضم الجيم ثلاثي من فجر يفجر، فجعله ثلاثيًا متعديا وذلك جائز، وقد قرئ: (أو تَفجُر الأنهار خلالها تفجيرًا) فجعله ثلاثيًا بضم الجيم وفتح التاء (٢).
وقوله: (فانفجرت من لبته) اللبة: موضع القلادة من الصدر.
وقوله: (فلم يرعهم) أي: فلم يخفهم.
وقوله: (يغذو جرحه دمًا) أي: يسيل. وقال ابن سعد: مرت عليه عنز وهو مضطجع فأصابت الجرح بظلفها، فما رقأ حتى مات (٣).
وفي "السيرة": فلما مات أتى جبريل معتجرًا بعمامة من استبرق، فقال: "يا محمد من هذا الذي فتحت له أبواب السماء واهتز له العرش؟ " فقام ﷺ سريعًا، يجر إليه ثوبه فوجده قد مات، ولما حمل
стр. 12604
نعشه وجدوا له خفة، فقال: "إن له حملة غيركم" (١). وقال ابن عائذ فيه: لقد نزل سبعون ألف ملك شهدوا سعدًا ما وطئوا الأرض إلا يومهم هذا (٢).
ودعاء سعد هذا على قريش لعله يدخر له في الآخرة؛ لأن الله لم يضع حرب قريش، وحمله على بني قريظة خروج عن الظاهر؛ لأنه قال: (فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني له). وقيل: يحتمل أن يكون أراد في ذلك الوجه أداءً لحرب الذين ثابوا راجعين إلى المدينة كما فعلوا في أحد والأحزاب.
فائدة:
حبان بكسر الحاء المهملة ثم باء موحدة ثم ألف ثم نون، والعرقة: أمه هي بنت سعيد بن سعد بن سهم، سميت العرقة لطيب ريحها، وأبوه عبد مناف بن منقذ ذكره السهيلي (٣).
وابن الكلبي يقول فيه: حبان بن أبي قيس بن عاصم بن عبد مناف، وموسى بن عقبة يقول فيه: جبار بن قيس بالجيم والراء أحد بني العرقة.
الحديث السابع:
حديث البراء بن عازب ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يوم قريظة لِحَسَّانَ بن ثابت "اهْج المشركين، وإن جِبْرِيلُ مَعَكَ".
فيه: فضل ظاهر له.
стр. 12605
فصل:
لم يُقتل من النساء في هذِه الغزوة إلا امرأة واحدة، واسمها نباتة، كما وجد بخط السلفي وبخط غيره (بنانة) (١) كانت ألقت رحى على خلاد بن سويد فقتلته. واستدل به السهيلي على قتل المرتدة (٢)، فرد عليه من خالف فيه، وهذِه كان قتلها قصاصًا.
فصل:
وكان بعث بنو قريظة إلى رسول الله ﷺ أن ابعث لنا أبا لبابة بن عبد المنذر نستشيره في أمرنا، فقالوا: أترى أن ننزل على محمد؟ قال: نعم. وأشار بيده إلى حلقه إنه الذبح ثم تاب الله عليه بعد ذلك، ثم نزلوا بعدُ على حكم رسول الله ﷺ ، ثم فوض إلى سعد، وكان ﵇ قد جعل سعدًا في خيمة لامرأة من [أسلم] (٣) يقال لها: رفيدة كانت تداوي الجرحى.
واختلف في قدرهم، فقال ابن عباس: كانوا سبعمائة وخمسين (٤)(٥) وعند موسى بن عقبة: ستمائة مقاتل. وللنسائي عن جابر: أربعمائة (٦)، وقال السهيلي: كانوا [ستمائة أو سبعمائة] (٧)، والمكثر يقول: ما بين
стр. 12606
الثمانمائة إلى التسعمائة (١).
فصل:
كان الحكم في بني قريظة أن كل من أثبت قتل، وخمست غنائمهم وهو أول فيء وقعت فيه السهمان، وخمس، واصطفى لنفسه ريحانة بنت عمرو.
وأنزل الله في أمر الخندق وبني قريظة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿قديرًا﴾ الأحزاب: ٩ - ٢٧].
فصل:
لما بعث صاحب دومة الجندل إلى رسول الله ﷺ ببغلة، وجبة من سندس، جعل أصحاب رسول الله ﷺ يعجبون من حسن الجبة، فقال ﵇: "لمناديل سعد بن معاذ في الجنة -يعني- أحسن من هذا"، وسلف ذلك في مناقبه أيضًا (٢).
فصل:
استشهد يوم بني قريظة خلاد بن سويد الحارثي المطروح عليه الرحى كما سلف، زاد ابن عائذ: ومنذر بن محمد أحد بني جَحجَبَا، ومات أبو سنان بن محصن الأسدي، ورسول الله ﷺ يحاصر بني قريظة فدفن في مقبرتهم.
٤١٣٧ - وَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِر: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِنَخْلٍ فَصَلَّى الْخَوْفَ. [انظر: ٤١٢٥ - مسلم:٨٤٣ - فتح: ٧/ ٤٢٦]
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَزْوَةَ نَجْدٍ صَلَاةَ الْخَوْفِ. وَإِنَّمَا جَاءَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَيَّامَ خَيْبَرَ. [انظر: ٤١٢٥ - مسلم: ٨٤٣ - فتح: ٧/ ٤٢٦]
اعلم أن ابن إسحاق ذكر غزوة ذات الرقاع بعد بني النضير، وغزوة بني النضير عنده في ربيع الأول على رأس خمسة أشهر من وقعة أحد، قال: ثم أقام بعد غزوة بني النضير شهر ربيع -وقال الوقشي: الصواب: شهري ربيع وبعض جمادى- ثم غزا نجدًا يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان في سنة أربع (١)، ثم ذكر بعدها بدرًا الآخرة، ثم دومة الجندل، ثم الخندق، ثم بني قريظة (٢)، وذكرها أبو معشر بعد الخندق وقريظة.
و (محارب خصفة): هو محارب بن خصفة بن قيس عيلان بن ثعلبة بن سعد بن ذبيان أخي قيس وأنمار ابني بغيض أخي أشجع ابني ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مضر أخي ربيعة ابني نزار.
وقوله: (من بني ثعلبة من غطفان) كذا في نسخة الأصيلي عن أبي أحمد وصوابه: وبني ثعلبة كما جاء بعد ذلك في حديث بكر بن سوادة حدثني زياد بن نافع، عن أبي موسى، عن جابر حدثهم: صلى النبي ﷺ بهم يوم محارب وثعلبة. وفي رواية القابسي: خصفة بني ثعلبة.
قال الجياني: وكلامه وهم، والصواب: محارب خصفة وبني ثعلبة بواو العطف، وهم بنو ثعلبة بن سعد بن ذبيان بن بغيض
стр. 12611
ابن ريث بن غطفان (١).
وقوله: (محارب خصفة). أراد التمييز؛ لأن محارب في العرب جماعة، وهذا ابن خصفة، فأراد تمييزه بأبيه من بين أولئك، وقال ابن سعد: ذات الرقاع كانت في المحرم على رأس سبعة وأربعين شهرًا من مهاجره ليلة السبت لعشر خلون منه في أربعمائة، وقيل: في سبعمائة من أصحابه (٢)، وعند البيهقي: أو ثمانمائة (٣). وحديث أبي موسى يدل على أنها بعد خيبر؛ لأن قدومه كان بخيبر مع جعفر، فكيف حضر هذِه الغزوة وهي قبلها بمدة، وخيبر سنة سبع أو ست كما قال مالك (٤)(٥) وهو حديث مشكل مع صحته، وما ذهب إليه أحد من أهل السير أي أنها بعد خيبر كما نبه عليه الدمياطي [وقال] (٦) البيهقي: إن كان الواقدي حفظ أنها سميت ذات الرقاع لجبل فيه بقع فيشبه أن تكون الغزوة التي شهدها أبو موسى وأبو هريرة وابن عمر غير هذِه (٧).
قلت: قد قال أبو معشر: إنها كانت بعد الخندق وقريظة. وقال ابن عقبة: لا ندري متى كانت غزوة ذات الرقاع قبل بدر أم بعدها أم فيما بينها وبين أحد أم بعد أحد.
стр. 12612
فصل:
واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاري ويقال: عثمان بن عفان فيما قال ابن هشام (١)، وهي غزوة ذات الرقاع وسميت بذلك؛ لأنهم رقعوا فيها راياتهم، ويقال: ذات الرقاع شجرة بذلك الموضع، وقيل: لأن أقدامهم نقبت فكانوا يلفون عليها الخرق، وسيأتي من حديث أبي موسى (٢)، وقال الداودي: لرقع الصلاة فيها.
وقال ابن حبان في "سيرته": لأن الجبل كان فيه سواد وبياض (٣). وقيل: بل الجبل الذي نزلوا عليه أو الأرض كانت أرضه ذات ألوان تشبه الرقاع فلقي بها جمعًا من غطفان فتقارب الناس ولم يكن بينهم حرب، وقد خاف الناس بعضهم بعضًا، حتى صلى ﵇ صلاة الخوف كما سيأتي، ثم انصرف بهم، قال ابن سعد: وكان ذلك أول ما صلاها (٤).
وحكى ابن التين قولاً آخر: أن أول ما صلاها في بني النضير. ثم ساق إلى ابن إسحاق من حديث جابر أن رجلاً من بني محارب يقال له: غورث -أي: بالغين المعجمة، وبالمهملة أيضًا- قال لقومه من غطفان ومحارب: ألا أقتل لكم محمدًا؟ فذكر أخذ السيف وإضمامه ومنعه الله منه، فأنزل الله ﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ﴾ الآية [المائدة: ١١] (٥).
وقد رواه من حديث جابر أيضًا أبو عوانة وفيه: فسقط السيف من يده، فأخذه رسول الله ﷺ ، وقال: "من يمنعك مني؟ " فقال: كن خير
стр. 12613
آخذ، قال: "تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ " قال: لا، ولكن أعاهدك أني لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلى سبيله، ثم جاء. قومه، فقال: جئتكم من عند خير الناس (١).
ووقع في [ … ] (٢) قيل هذا لدعثور بن الحارث من بني محارب، وأن جبريل دفع في صدره، فوقع السيف من يده، ثم أسلم، ثم جاء قومه يدعوهم إلى الإسلام، ونزلت الآية السالفة، والظاهر أن الخبرين واحد وقد قيل: إن هذِه الآية نزلت في أمر بني النضير، والله أعلم.
وفي انصرافه ﵇ من هذِه الغزوة أبطأ جمل جابر بن عبد الله فنخسه بيده الكريمة فانطلق فاشتراه، ثم رده وثمنه. وقال ابن سعد: قالوا: قدم قادم المدينة بجلب له، فأخبر أصحاب رسول الله ﷺ أن أنمار وثعلبة قد جمعوا له الجموع، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فخرج إليهما -كما سلف- فمضى حتى أتى محالهم بذات الرقاع، فلم يجد في محالهم إلا نسوة، وبعث رسول الله ﷺ جعال بن سراقة بشيرًا بسلامته وسلامة المسلمين، قال: وغاب خمس عشرة ليلة (٣).
وفي "الأوسط" للطبراني عن إبراهيم بن المنذر قال محمد بن طلحة: كانت غزوة ذات الرقاع تسمى غزوة الأعاجيب (٤). وسيأتي آخر الباب عن أبي هريرة ﵁ قال: صليت مع رسول الله ﷺ في غزوة
стр. 12614
نجد صلاة الخوف، وقدومه عام خيبر (١)، وقال ابن عمر: غزوت مع رسول الله ﷺ قبل نجد فذكر صلاة الخوف وإجازته عام الخندق، وقد سلف ما فيه في باب صلاة الخوف (٢).
ثم ذكر البخاري عن عبد الله بن رجاء فقال: وقال عبد الله بن رجاء: أنا عِمْرَانُ القطان، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ أَنَّ النَّبِي ﷺ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فِي الخَوْفِ فِي الغَزْوَةِ السَّابِعَةِ، غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ.
وأخرجه مسلم أيضًا، ثم قال: وقال ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ يعني: صلاة الخوف بذي قرد- وسلف في الصلاة (٣).
وقال بكر بن سوادة: حَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، أَنَّ جَابِرًا حَدَّثَهُمْ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ مُحَارِبٍ وَثَعْلبَةَ .. الحديث.
وأبو موسى هذا ذكر أبو مسعود الدمشقي أنه علي بن رباح اللخمي، وقيل: إثه أبو موسى الغافقي واسمه: مالك بن عبادة وله صحبة. والقول الأول أولى كما قاله المزي (٤).
ثم قال: وَقَالَ ابن إِسْحَاقَ: سَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ كَيْسَانَ، سَمِعْتُ جَابِرًا: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى ذَاتِ الرِّقَاعِ مِنْ نَخْلٍ فَلَقِيَ جَمْعًا مِنْ غَطَفَانَ، فَلَمْ يَكُنْ قِتَالٌ، وَأَخَافَ الئاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَصلَّى النَّبِيُّ ﷺ رَكْعَتَيِ الخَوْفِ.
стр. 12615
وهذا أخرجه ابن إسحاق كذلك (١).
ثم قال: وَقَالَ يَزِيدُ: عَنْ سَلَمَةَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ القَرَدِ.
قلت: هذا أسنده في باب: غزوة ذي قرد، عن قتيبة، عن حاتم، عن يزيد هو: ابن أبي عبيد، كما ستعلمه (٢).
قال البيهقي: وذكر ابن إسحاق بعد غزوة ذات الرقاع غزوة ذي قرد، والذي لاشك فيه أنها كانت بعد الحديبية -كما يأتي من عند البخاري بعد- وحديث سلمة ينطق بذلك (٣) قلت: وقرد ماء في شعب، وهي غزوة الطائف في ربيع الأول سنة ست بعد غزوة بني لحيان ناحية عسفان بليال.
ثم ساق أحاديث:
أحدها:
حديث أَبِي مُوسَى ﵁: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزَاةٍ وَنَحْنُ سِتَّةُ نَفَرٍ بَيْنَنَا بَعِيرٌ نَعْتَقِبُهُ، فَنَقِبَتْ أَقْدَامُنَا وَنَقِبَتْ قَدَمَاي وَسَقَطَتْ أَظْفَارِي، وَكُنَّا نَلُفُّ عَلَى أَرْجُلِنَا الخِرَقَ، فَسُمِّيَتْ غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ لِمَا كُنَّا نَعْصِبُ مِنَ الخِرَقِ عَلَئ أَرْجُلِنَا، وَحَدَّثَ أَبُو مُوسَى بهذا ثُمَّ كَرِهَ ذَاكَ، قَالَ: مَا كُنْتُ أَصْنَعُ بِأَنْ أَذْكُرَهُ. كَأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ عَمَلِهِ أَفْشَاهُ. وقد سلف.
وهو الذي ينبغي الاعتماد عليه في تسميتها بذات الرقاع؛ لأن الراوي أعرف بذلك.
стр. 12616
ونقبت أقدامنا- بكسر القاف- وذلك لمشيهم حفاة، فقد نقبت الأرض بعض أقدامهم، وسقطت أظفارهم، يقال: نقب البعير - بالكسر- رق خفه.
وقوله: (كأنه كره) إلى آخره. وجهه أن فعل كتم الخير أولى من إظهاره، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]
الحديث الثاني:
حديث صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، عَمَّنْ شَهِدَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ. فذكر صفتها.
وهو في مسلم أيضًا، وهذا الشاهد هو سهل بن أبي حثمة كما ذكره بعد.
وقَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي صَلَاةِ الخَوْفِ.
وَقَالَ مُعَاذٌ: حَدَّثنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِنَخْلٍ. فَذَكَرَ صَلَاةَ الخَوْفِ.
تابعه الليث عن هشام، عن يزيد بن أسلم أن القاسم بن محمد حدثه قال: صلى النبي ﷺ في غزوة بني أنمار.
قال البيهقي، بعد ذكره عن البخاري هذا: ورويناه عن الواقدي في قصة الرجل الذي أخبر بالمدينة أن أنمار وثعلبة قد جمعوا لكم جموعًا، فيحتمل أن تكون هذِه الصلاة صلاها أيضًا في هذِه الغزوة وإنما خالف بينها وبين ما روينا عن جابر في صلاتين، لاختلاف الحال به فيهما (١). قال: وقول من قال: عن أبي الزبير، عن جابر: (بنخل) يوهم أنها وغزوة
стр. 12617
ذات الرقاع واحدة، ومنهما خرج إلى عسفان، كما أشار إليه ابن إسحاق واختلاف الروايات في كيفية صلاة الخوف، لاختلاف الأحوال به في صلاته -والله أعلم كيف كان- والمقصود معرفة كيفية صلواته.
الحديث الثالث:
حديث سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ في صلاة الخوف.
وهو في مسلم أيضًا، ثم ساقه من حديث صالح بن خوات، عن سهل أيضًا.
ثم ساقه من حديث صالح، عن سهل حدثه قوله.
الحديث الرابع:
حديث ابن عُمَرَ ﵄ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ قِبَلَ نَجْدٍ، فَوَازَيْنَا العَدُوَّ فَصَافَفْنَا لَهُمْ. وقد سلف في بابه.
ثم ساقه من حديث ابن عمر أيضًا.
الحديث الخامس: وقد سلف.
والعضاه: شجر من شجر البوادي كالطلح والعوسج، الواحدة عِضَة، الهاء أصلية، وقيل: عِضَهَة، وقيل: عِضَاهَة، فحذفت الهاء الأصلية كما حذفت في الشفة، ثم ردت في العضاه كما في الشفاه وقد يقال: عضة مثل عزة، ثم تجمع على عزوات، وتقرأ العضاه بالهاء وقفًا ووصلاً؛ لأن جمعه جمع تكسير وليست بجمع السلامة مثل الشفاه والمياه.
ثم قال: وقال أبان -هو ابن يزيد العطار- ثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر، قال: كنا مع رسول الله ﷺ بذات الرقاع. فذكر القصة وسماه مشركًا، فتهدده أصحاب رسول الله ﷺ ، وأقيمت
стр. 12618
الصلاة، وصلى بطائفة ركعتين، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فكان لرسول الله ﷺ أربع ركعات وللقوم ركعتان.
وقال مسدد، عن أبي عوانة، عن أبي بشر: اسم الرجل غورث بن الحارث وقاتل فيها محارب خصفة. وقال أبو الزبير، عن جابر: كنا مع رسول الله ﷺ بنخل، وإنما جاء أبو هريرة إلى رسول الله أيام خيبر. انتهى ما أورده.
وقصة غورث أسلفناها، وما ذكره عن مسدد أخرجه سعيد بن منصور، عن أبي عوانة، عن أبي بشر، عن سليمان بن قيس -يعني: اليشكري الثقة، عن جابر كما سلف، وزاد بعد قوله: من عند خير الناس: فلما حضرت الصلاة .. فذكر الحديث إلى أن قال: فكان لرسول الله ﷺ أربع ركعات وللقوم ركعتين ركعتين (١)، وأخرجه البيهقي من حديث عارم محمد بن الفضل وعاصم بن علي عن أبي عوانة (٢). وتعليق أبان (٣) أخرجه البيهقي من حديث عفان عنه به (٤)،
وتعليق أبي الزبير سلف من حديث هشام عنه، وأسنده الطيالسي عن هشام (٥).
تنبيهات على ألفاظ وقعت في أحاديث الباب:
وقد أوضحنا صلاة الخوف، وأحكامها في الصلاة.
стр. 12619
قوله في حديث أبي موسى: (ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه) وفيه قول آخر أنهم كانوا ثمانية، وقيل: كانوا أكثر. مشوا حفاة لم يكن لهم إبل، فألقوا الرقاع على أرجلهم.
وقوله في حديث صالح: (وجاه العدو) هو بضم الواو وكسرها، أي: صلوا وجوههم تلقاء وجوههم.
وقوله: (ثم ثبت جالسًا، ثم أتموا لأنفسهم، لم يسلم بهم) هو اختيار مالك -كما حكاه البخاري، كما سلف (١) - وبه قال الشافعي وأصحابه، وقال بذلك مرة؛ لحديث القاسم بن محمد، وهو نحو الأول، إلا أنه ذكر فيه: أن الإمام يسلم ولا ينتظر أن تقضي الطائفة الثانية. وأخذ أشهب مرة بحديث ابن عمر أن الطائفة تمضي إلى مواجهة العدو. وقيل: تقضي، فإذا صلى بالثانية وقضت قضت الأولى بعدها. وحمل عليه ابن حبيب، أنهما يقضيان معًا. وليس في البخاري كذلك، إنما قال: (ثم قام هؤلاء فقضوا ركعتهم. وقام هؤلاء فقضوا ركعتهم).
وفيه -في بعض أحاديث ابن عمر- أن الثانية تقضي، ثم تصلي بعدها الأولى. وذكر عن أشهب قول آخر أن الأولى تأتي بالركعة الثانية والطائفة الثانية وجاه العدو، فإذا انصرفت الأولى وقفت وجاه العدو، ثم قضت الطائفة الثانية ركعتها الثانية.
وذكر أبو عبد الملك قولاً آخر أنه بالخيار عما ورد من الأحاديث؛ فإن كانوا في الحضر، فالمشهور أنهم يصلون خلافًا لعبد الملك، واحتج بقوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء:١٠١]، فإن كانت رباعية فاختلف
стр. 12620
هل يثبت في الجلسة الأولى وينتظر الثانية جالسًا، وإن كانت مغربًا يصلي بفرقة ركعتين وبالثانية ركعة، وهو أفضل من عكسه -في الأظهر عندنا- واستشكل ابن التين رواية جابر السالفة: فكانت لرسول الله ﷺ أربع ركعات وللقوم ركعتان. وقال: إن فيه نظرًا؛ لأنهم كانوا في سفر، وإن قلنا: إن المسافر بالخيار فيكف يصلي لكل طائفة ركعتين، وهو يصلي أكثر من المأمومين.
وهذا إنما قاله جابر راوي الحديث أن الإمام يصلي ركعتين والمأموم كل طائفة ركعة، ويأتي أن القصر في عدد الركعات. وبه قال الحسن وطاوس، والذي روي هنا خلافه.
قلت: لا إشكال بل يحمل على أنهم صلوا ركعتين، ثم كملوا ولهذا قال: ثم تأخروا، والأخرى كذلك.
ربيعة بن حارثة بن عمرو مزيقياء. ووقع في "سيرة ابن حبان" أن المصطلق اسمه: سعد بن عمرو، والمعروف ما ذكرناه، وخالف ابن سعد فقال: هي في شعبان سنة خمس يوم الإثنين لليلتين خلتا منه، والخندق بعدها عنده، في ذي القعدة من السنة (١). وكذا ذكره الواقدي (٢).
قال الحاكم في "إكليله": وهو أشبه من قول ابن إسحاق. وذكرها أبو معشر أيضًا قبل الخندق، ونزلت فيها آية التيمم. وما ذكره البخاري عن موسى بن عقبة، قد ذكر البيهقي في "دلائله" بإسناده عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، أنها كانت في شعبان سنة خمس، قال: ورويناه عن قتادة أيضًا، والواقدي (٣). وقد خرج البخاري أن ابن عمر غزاها مع رسول الله ﷺ (٤). وما ذكره عن النعمان، عن الزهري أسنده البيهقي، عن النعمان ومعمر أيضًا، عنه، عن عروة، عن عائشة. قال البيهقي: وإليه ذهب أهل المغازي محمد بن يسار، ومحمد بن عمر الواقدي (٥).
واعلم أن ابن إسحاق ذكر بعد ذات الرقاع غزوة بدر الآخرة، ثم دومة الجندل -كما أسلفناه- سميت بدومة بن إسماعيل؛ لأنه نزلها. ثم الخندق وبعدها غزوة بني قريظة. وذكر ابن سعد بعدها سرية محمد بن مسلمة إلى القرطاء، ثم سرية عبد الله بن عتيك لقتل أبي رافع بن أبي الحقيق (٦).
стр. 12623
وذكر ابن إسحاق إسلام عمرو بن العاصي وخالد بن الوليد، ثم ذكر غزوة ذي قرد -بفتح القاف والراء. وحكى السهيلي عن أبي علي ضمهُما (١). ويقال لها: غزوة الغابة- وسرية سعيد بن زيد إلى العرنيين في شوال سنة ست عند ابن سعد (٢).
فصل:
قتل النبي ﷺ من بني المصطلق وسبى جويرية بنت الحارث، وأعتقها وتزوجها، وكانت الأسرى أكثر من سبعمائة، فطلبتهم منه ليلة دخل بها فوهبهم لها.
فائدة:
المصطلق مفتعل من الصلق: وهو رفع الصوت. والمريسيع ماء لخزاعة، بينه وبين الفرع نحو يوم، وبين الفرع والمدينة ثمانية برد، وهو من قولهم: رسعت عين الرجل، إذا دمعت من فساد، وهو فساد الأجفان، وقد رسع الرجل فهو أرسع، وفيه لغة أخرى: رسَّع ترسيعًا فهو مُرسِّع ومُرسِّعة، وقد ترسَّعت عينه أيضًا ترسيعًا.
ثم ذكر البخاري حديث أبي سعيد الخدري، وحديث جابر.
أما حديث أَبُي سَعِيدٍ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ، فَأَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ سَبْي العَرَبِ، فذكر حديث العزل.
وفيه: فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: "مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا، مَا مِنْ نَسَمَةٍ
كائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ إِلَّا وَهْيَ كائِنَةٌ".
стр. 12624
حقيقة العزل: أن يجامع، فإذا قارب الإنزال نزع قصد الإنزال خارجه، وعندنا أن الأولى تركه، وهو جائز في الحرة والأمة بالإذن وعدمه، وقطع الرافعي في الأمة بالجواز، وقال: لا خلاف فيه، وصاحب "البحر" حكى الخلاف فيه رعاية لحق الولد.
وحاصل الخلاف في الحرة ثلاثة أوجه: ثالثها: يجوز بالإذن وهو قول مالك، واعتبر إذن موالي المرأة ولم يعتبره في التسرِّي.
واختلف هل كانوا أهل كتاب، فقال الأصيلي: كانوا عبدة أوثان، وإنما أباح ﵇ وطأهن قبل نزول: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [لبقرة: ٢٢١]، وقال الداودي: كانوا أهل كتاب؛ ولذلك لا نحتاج إلى إسلامهن قبل الوطء، والأول أولى؛ لقوله: (فأصبنا سبيًا من سبي العرب) وهذا الحديث في قوله: "ما عليكم أن لا تفعلوا" استدل به على الإباحة والمنع، وأنه إلى النهي أقرب، وقال المبرد: معناه: لا بأس عليكم أن تفعلوا، ومعنى (لا) الثانية ظرفًا، وحجة من منع حديث مسلم أنه ﵇ سئل عنه، فقال: "إنه الوأد الخفي" (١).
وقوله: ("ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة") أي: قد جفَّ القلم بكل ما يكون، فيؤخذ منه أن الولد يكون مع العزل؛ ولهذا لو قال: وطئت وعزلت، حرم عليه النفي، قال شمر: النسمة: كل فى دابة فيها روح، والنسم: الروح، والتقدير: ما من ذي نسمة. ويراد بها الذكر والأنثى، وقال القزاز: كل إنسان نسمة، ونفسه نسمة.
وأما حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ غَزْوَةَ
стр. 12625
نَجْدٍ. قد سلف في الغزوة قبلها (١).
وقوله فيه: (فشامه) أي: رده في الغمد، وهو من الأضداد، يقال: شامه إذا سلَّه، وشامه إذا رده في غمده، وإنما لم يواجهه؛ لأنه كان يستميلهم بذلك ليرغبهم في الدخول في الإسلام.
و (العضاه) سلف في الغزوة قبلها. وحكى أبو حنيفة خلافًا فيه: هل هي ذات الشوك، أو العظام من الشجر أجمع؟
وقال الفراء: النحويون على الأول، ورأينا العرب على الثاني، وقال أبو الهيثم: الزيتون والنخل من العضاه، وقيَّدها بعضهم بالشجرة الطويلة، وفي "المحكم": ويجمع أيضًا: عضون (٢).
стр. 12626
٣٣ - باب غَزْوَةُ أَنْمَارٍ
٤١٤٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُرَاقَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيِّ قَال: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي غَزْوَةِ أَنْمَارٍ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ، مُتَوَجِّهًا قِبَلَ الْمَشْرِقِ مُتَطَوِّعًا.
ذكر فيه حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيِّ ﵄ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي غَزْوَةِ أَنْمَارٍ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ، مُتَوَجِّهًا قِبَلَ المَشْرِقِ مُتَطَوِّعًا.
وقد سلف في الصلاة من غير هذا الوجه عن جابر، وسلف الكلام عليه (١).
عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ ﵂ وَعِنْدَهَا حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يُنْشِدُهَا شِعْرًا، يُشَبِّبُ بِأَبْيَاتٍ لَه، وَقَالَ:
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ … وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِل.
فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: لَكِنَّكَ لَسْتَ كَذَلِكَ. قَالَ مَسْرُوقٌ: فَقُلْتُ لَهَا: لِمَ تَأْذَنِينَ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْكِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. [النور:١١]. فَقَالَت: وَأَيُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِنَ الْعَمَى. قَالَتْ لَهُ: إِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ -أَوْ يُهَاجِي- عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . [٤٧٥٥، ٤٧٥٦ - مسلم: ٢٤٨٨ - فتح: ٧/ ٤٣٦]
يريد بما ذكر من قوله: بمنزلة كذا: أنهما واحد، وقال ابن فارس: أفك إذا كذب، إفكًا وأفكته: صرفته، أفكا -يعني بفتح الهمزة والفاء (١) - وقال الهروي: النجس (٢): كل شيء يستقذر، فإذا قلت: نجس ينجس، كسرت النون وأسكنت الجيم، قال ابن عديس: على الإتباع. وقيل: الأول أسوأ الكذب. وعبارة ابن فارس شيء نَجَس، ونَجِس (٣)، مثل ما في الأصل، وقال ابن عديس في "باهره": الأفك بفتح الهمزة وسكون الفاء، وعلئ كسرها مصدر أفك الرجل يأفك إفكًا إذا كذب، وبكسر الهمزة: الكذب، وبضمهما جمع أَفُوك وهو الكثير الكذب.
ثم ساق البخاري حديث الإفك بطوله، وقد أسلفناه في الشهادات، ولنذكر هنا ما لم يسبق.
قولها: (فخمرت وجهي بجلبابي) أي: سترته بثوبي.
стр. 12634
وقولها: (ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه) أي: الذي أيقظها به، وما أحسن قول الحسن: كيف ثحكم بالرجل يخلو بأمِّه؟ قالوا: حسنًا، قال: فكذلك كان ينبغي أن يُظنَّ بعائشة وصفوان.
وقولها: (وأهوى حتى أناخ راحلته) أي: أسرع، وأصله: مال وأخذ، وأهوى إليه إذا مال وأخذ.
وقولها: (وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي سلول) كبر -بكسر الكاف- أي: معظمه، وعبد الله هذا هو ابن أبي مالك بن الحارث بن عبيد بن مالك بن سالم الحبشي بن غنم بن عوف بن الخزرج، وسلول (١) أم أبيه امرأة من خزاعة.
وقوله: (وقال عروة: أخبرت أنه كان يشاع ويتحدث به عنده، فيقره ويستمعه ويشتوشيه). القَرُّ: صب الكلام في الأذن.
و (يستوشيه): يستدعيه ويستخرجه، قال ابن التين: يقال: هو يشي حديثه، أي: يكذب فيه وينمُّ. وقال ابن عرفة: ولا يقال لمن نمَّ: واشٍ؛ حتى يغير الكلام ويلوِّنه، فيجعله دروبًا، ويزين منه ما يشاء. وقيل: يستوشي الحديث: يستخرجه بالبحث والمسألة، كما يستوشي الرجل جري الفرس، وهو ضربه جنبه بعقبه، ويحركه ليجري، يقال: أوشى فرسه واستوشاه، وقال الداودي: يستوشيه: يزيد فيه على ما قال غيره، فكأنه سوى بين: وشى واستوشى. وقد سلف شيء من ذلك في الشهادات أيضًا.
وقوله: (قال عروة: لم يسم من أهل الإفك أيضًا إلا حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش في ناس آخرين لا علم
стр. 12635
لي بهم غير أنهم عصبة كما قال تعالى) قال ابن فارس: العصبة: نحو العشرة (١)، وقال الداودي: هم ما فوق العشرة إلى الأربعين، وقال بعض أهل اللغة: من العشرة إلى الأربعين، وقيل العصبة: الجماعة.
وقوله: (وإن كبر ذلك يقال: عبد الله بن أبي) تمامه: وإن تولى كبر ذلك.
وقوله: (قال عروة: وكانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان وتقول: إنه الذي قال:
فإن أبي ووالده وعرضي … لعرض محمد منكم وقاء)
العرض هنا: النفس، وقيل: الحسب، وقال ابن فارس: ويقال: هو كل موضع يعرق من الجسد، ويقال: العرض: الجلد والريح الطيبة كانت أو خبيثة (٢). وقيل: الأعراض: سلف الإنسان وقيل: ونفسه.
و (نقهت): أفقت كما سلف هناك بفتح القاف وكسرها. قال ابن التين: والفتح قول أهل اللغة، وأما بالكسر، أي: فهم. قلت: ويقال: نقه نقهًا ونقوهًا إذا صح وهو في عقب علته، أنقهه الله فهو ناقه.
وقولها: (وأمرنا أمر العرب الأول) هو بضم الهمزة وتخفيف الواو، وبفتح الهمزة وتشديد الواو.
وقوله: (وقام رجل من الخزرج وكانت أم حسان بنت عمه من فخذه) الفخذ بسكون الخاء وبكسرها دون العنفقة، وفوق البطن.
стр. 12636
وقوله: (من ثقل القول) الثقل ضد الخف، بكسر الثاء وإسكان القاف، قاله ابن التين.
فائدة:
ما وقع في "إكليل الحاكم" من أن عائشة ﵂ لما رآها صفوان أتاها ببعيره وأقسم عليها لتركبنَّ فأبت إلا أن تكون ردفه، وأن عليًّا دخل على رسول الله ﷺ وقال: إن عائشة جاءت ردف صفوان، فقال ﷺ : "لا تدخلن عليَّ" فخرجت تبكي، وإن أباها لم يئوها ولا غيره، فلم تزل تدعو حتى نزلت براءتها. منقطع وضعيف.
أخرى: قال البيهقي: من قال: إن الإفك كان بالمريسيع، إن كان محفوظا فيشبه أن يكون جرح سعد بن معاذ لم ينفجر حتى كان بعد المريسيع، وحديث الإفك؛ لقول سعد: يا رسول الله: أنا أعذرك من ابن أبي، وذكر ابن منده أن سعدًا مات بالمدينة سنة خمس، وسلف أن بني المصطلق كانت في شعبان سنة خمس، فكأن سعدًا مات بعد شعبان من هذِه السنة (١).
فائدة أخرى:
قول زينب: (أحمي سمعي وبصري)، هو مأخوذ من الحمى، تقول: أحميه من المأثم أن يريه ما لم ير قط، يقال: حميت الحمى أحميه حميًّا، وذكر غير واحد أنه ﵇ تزوج زينب بنت جحش خلال ذي القعدة سنة خمس، فكانت غزوة بني المصطلق في السنة من شعبان كما مرَّ.
وحكى ابن عبد البر: عن أبي عبيدة أنه تزوج منها في سنة ثلات (٢).
стр. 12637
وعلى هذا القول يصح اجتماعها في حديث الإفك الواقع في غزوة بني المصطلق.
قال الدمياطي: والصحيح أنه في ذي القعدة سنة أربع.
فائدة أخرى:
قول عائشة: (إن الرجل الذي قيل له ما قيل ليقول: سبحان الله، والذي نفسي بيده ما كشفت من كنف أنثى قط، قالت: ثم قتل بعد ذلك في سبيل الله)
في مسلم: (عن كنف) (١) بدل (من كنف) بفتح النون: الستر، والمراد هنا ثوبها الذي هو كنفها، كنى عن الجماع، ومنه يقال: هو في كنف الله وحفظه، والكنف أيضًا: الجانب وناصيتا كل شيء كنفاه.
وقول عائشة فيما ذكره بعد: (كان على مسلِّما في شأنها) بكسر اللام، وقال ابن التين: وضبط بفتحها أيضًا، والمعنى متقارب، قال: وروي: مسيئًا. وهذا فيه بُعد. وهذا الحديث رواه معمر، عن الزهري، قال لي الوليد بن عبد الملك: أبلغك أن عليًّا كان فيمن قذف عائشة ﵂؟ قلت: لا، ولكن قد أخبرني رجلان من قومك: أبوسلمة بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث (٢) أن عائشة قالت لهما كان علي مسلِّمًا في شأنها.
ورواه ابن أبي خيثمة، عن ابن معين، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري قال: كنت عند الوليد فقال: الذي تولى كبره هو علي بن أبي طالب. قال: فقلت: أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير
стр. 12638
وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله، كلهم عن عائشة أن الذي تولى كبره عبد الله بن أبي، قال: وما كان جرمه؟ قال: قلت: أخبرني شيخان من قومك فذكرهما كما سلف عن عائشة ﵂ قالت: كان مسيئًا فيَّ (١).
ثم ذكر البخاري أيضًا حَدَّيث مَسْرُوقِ بْنِ الأَجْدَعِ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ رُومَانَ - وَهْيَ أُمُّ عَائِشَةَ قَالَتْ: بَيْنَا أَنَا قَاعِدَةٌ أَنَا وَعَائِشَةُ إِذْ وَلَجَتِ امْرَأةٌ مِنَ الأَنْصَارِ .. الحديث.
وقول مسروق بن الأجدع: (حدثتني أم رومان) صريح في سماعه منها، وقد أسلفنا [بيان] (٢) إدراكها في مناقب الأنبياء في باب قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ﴾ الآية.
قال الواقدي والزبير: توفيت في ذي الحجة سنة ست، ونزل رسول الله ﷺ قبرها واستغفر لها.
قال أبو عمر: رواية مسروق عنها مرسلة (٣). وقال المقدسي: قد روي الحديث عنه عن ابن مسعود عنها وهو الأشبه بالصواب ووقع لإبراهيم الحربي أنه كان يسألها وهو ابن خمس عشرة سنة، ومات مسروق وله ثمان وسبعون سنة. وأم رومان أقدم من كل من حدث (عنهم) (٤) مسروق، وتعقبه الحافظ أبو بكر الخطيب فقال: كيف خفي هذا عليه وأم رومان ماتت على عهد رسول الله ﷺ سنة ست في ذي الحجة كما أرخه هو وأبو حسان الزيادي.
стр. 12639
وقال محمد بن سعد: توفي مسروق سنة ثلاث وستين (١)، وذكر الفضل بن عمرو أن عمره حين مات ثلاث وستون سنة (٢)، فيكون له عند وفاة أم رومان ست سنين، انتهى.
ومسروق أيضًا ولد باليمن ولم يقدم المدينة إلا بعد وفاة رسول الله ﷺ ، إما في خلافة أبي بكر أو بعدها.
وقد روى الإمام أحمد حديث مسروق هذا من طريق علي بن عاصم وأبي جعفر [الرازي] (٣)، عن حصين، عن أبي وائل، [عن مسروق] (٤) عن أم رومان (٥)، ولم يقولا فيه حدثني ولا سمعت، ورواه أبو سعيد الأشج، عن محمد بن فضيل، وقال فيه: عن مسروق قال: سُئلت أم رومان وهي أم عائشة، فذكرت القصة قال المهلب: وهذا أشبه مما رواه البخاري، ولعل التصريح بالسماع جاء فيه عن حصين، فإنه اختلط في آخر عمره.
وقال الداودي: في رواية أبي وائل عن مسروق، عن أم رومان بعض الوهم؛ لأن أم مسطح قرشية، وهي [قد] (٦) قالت: (بينا أنا قاعدة أنا وعائشة إذ ولجت امرأة من الأنصار). وقد سلف ذلك أيضًا هناك.
وقولها: (فانصرف -تعني: رسول الله ﷺ ولم يقل شيئًا، فأنزل الله عذرها). خلاف قول عائشة: ما رام مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى نزلت براءتها.
стр. 12640
ثم ذكر البخاري عن عَائِشَةَ ﵂ أنها كَانَتْ تَقْرَأُ: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ وَتَقُولُ: الوَلْقُ: الكَذِبُ. قال ابن أبي مليكة: وكانت أعلم بذلك من غيرها؛ لأنه نزل فيها
قراءة عائشة من ولق، والولق استمرار اللسان بالكذب ومن قرأ (تلقَّونه) أي: تنقلونه، والولق ساكنة اللام.
ثم ذكر البخاري أيضا عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ذَهَبْتُ أَسُبُّ حَسَّانَ عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂ فَقَالَتْ: لَا تَسُبَّهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وَقَالَتْ عَائِشَةُ: اسْتَأذَنَ النَّبِيَّ ﷺ فِي هِجَاءِ المُشْرِكِينَ، قَالَ: "كيْفَ بِنَسَبِي؟ ". فقَالَ: لأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ العَجِينِ.
معنى (ينافح): يذب بلسانه عنه، وأصل النفح الذب وأكثر ما يقال ذلك فيما كان منه عن بعد، وقد يكون النفح أيضًا من رمح الدابة إذا رمحت بحد حافرها.
ثم ذكر أيضا عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: دَخَلْت عَلى عَائِشَةَ وَعِنْدَهَا حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يُنْشِدُهَا شِعْرًا يُشَبِّبُ بِأَبْيَاتٍ لَهُ، وَقَالَ:
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ … وَتُصْبحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الغَوَافِلِ.
معنى (يشبب) تقدم ذلك في أول شعره، (حصان) -بفتح الحاء- بينة الحصن، وأصل الإحصان: المنع وينطبق علئ أمور منها: العفة ويقال للعفيفة: محصنة وللمتزوجة كذلك، وقال ثعلب: لا يقال للمتزوجة إلا بالفتح خاصة (١).
وفرس حِصان -بكسر الحاء- وهو الفرس العتيق وقيل هذا أصله واستعمل لكل ذكر من الخيل.