الحديث السادس:
حديث عبد الله بن زيد بن عاصم: لما أفاء الله على رسول الله ﷺ يوم حنين قسم في الناس .. الحديث بطوله، والعالة: الفقراء، عال: إذا افتقر، يعيل.
الحديث السابع:
حديث أنس مثله سلف أيضًا في أواخر الخمس (١).
وقوله: (فجمعهم في قبة من أدم) جمع: أديم، وهو الجلد الذي تم دباغه.
قال السيرافي: لم يجمع فعيل على فعل إلا أديم وأدم، وأفيق وأفق، وقضيم وقضم، والقضم: الصحيفة، والأفق: الجلد الذي تم دباغه.
وقوله: (فقال: "إن قريشًا حديت عهد بجاهلية") كذا وقع. والوجه: حديثو، كما نبه عليه الدمياطي بخطه (٢).
الحديث الثامن: -بعد ما سلف-:
حديث أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: لَمَّا قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ قِسْمَةَ حُنَيْنٍ، قَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: مَا أَرَادَ بهذا وَجْهَ اللهِ. فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ وقَالَ: "رَحْمَةُ اللهِ عَلى مُوسَى، لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكثَرَ مِنْ هذا فَصَبَرَ". ثم ذكر بعده حديث أبي وائل أيضًا عنه قال: لما كان يوم حنين آثر النبي ﷺ ناسًا، أعطى الأقرع مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى ناسًا، فقال رجل: ما أريد بهذِه
стр. 12847
القسمة وجه الله. فقلت: لأخبرنَّ رسول الله ﷺ فقال: "رحمة الله على موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر".
وقد سلف في الخمس (١).
قوله: (قال رجل من الأنصار): هو غريب، وأما التميمي الذي قال له: اعدل. فهو ذو الخويصرة كما ذكره في الحديث، كما نبه عليه السهيلي (٢) -وهو غير ذي الخويصرة اليماني الذي بال في المسجد، وقال: اللهم ارحمني ومحمدًا (٣) - وقد سلف قريبًا في باب علامات النبوة أيضًا (٤). ويذكر عن ابن سعد كاتب الواقدي: أنه حرقوص بن زهير السعدي من سعد تميم، وكان لحرقوص هذا مشاهد كثيرة محمودة في حرب العراق مع الفرس أيام عمر، ثم كان خارجيًّا، ولقد قال ﷺ فيه: "إنه سيكون من ضئضئ هذا قوم تحتقرون صلاتكم إلى صلاتهم" وذكر صفة الخوارج (٥)، وليس ذو الخويصرة هذا هو ذو الثدية الذي قتله علي بالنهروان، ذلك اسمه نافع ذكره أبو داود (٦)، أي: مترجمًا له على من سماه حرقوصًا، والذي ذكره جماعة أنه حرقوص، وروي أن قائل ذلك كان أسود يوم خيبر، وقد أخبر ﷺ أنه لا يدخل النار من شهد بدرًا والحديبية حاشا رجلاً معروفًا منهم، قيل: هو حرقوص السعدي.
стр. 12848
فصل (١):
ينعطف على غزوة الطائف: لما خرج ﵇ من حنين يريد الطائف، وقدم خالد بن الوليد على مقدمته، وقد كانت ثقيف رموا حصنهم وأدخلوا فيه ما يصلحهم لسنةٍ، فلما انهزموا من أوطاس دخلوا حصنهم وأغلقوا عليهم وتهيأوا للقتال. وسار رسول الله ﷺ فنزل قريبا من حصنه وعسكر هناك، فرموا المسلمين بالنبل رميا شديدًا. كأنه رجل جراد حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة، وقتل منهم اثنا عشر رجلاً، فارتفع رسول الله ﷺ إلى موضع مسجد الطائف اليوم، وكان معه من نسائه أم سلمة وزينب، فضرب لهما قبتين، وكان يصلي بين القبتين حصار الطائف كله، فحاصرهم ثمانية عشر يومًا -كما سلف- ونصب عليهم المنجنيق، وهو أول ما رمى به في الإسلام، فيما ذكر ابن هشام.
قال ابن إسحاق: حتى إذا كان يوم الشدخة عند جدار الطائف، دخل نفر من أصحاب رسول الله ﷺ تحت دبابة (٢) ثم زحفوا إلى جدار الطائف؛ ليخرقوه فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار، فخرجوا من تحتها، فرمتهم ثقيف بالنبل، فقتلوا منهم رجالاً، فأمر ﵇ بقطع أعناب ثقيف فوقع الناس فيها يقطعون (٣).
стр. 12849
قال ابن سعد: ثم سألوه أن يدعها لله وللرحم، فقال ﵇: "إني أدعها لله وللرحم".
ونادى مناديه: أيما عبد نزل من حصن وخرج إلينا فهو حر. فخرج منهم بضعة عشر رجلاً -كما سلف- فأعتقهم رسول الله ودفع كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه (١)، فشق ذلك على أهل الطائف مشقة شديدة فاستشار ﵇ نوفل بن معاوية الديلي، فقال: "ما ترى؟ ". قال: ثعلب في جحر إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضرك.
فأمر رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب، فأذن في الناس بالرحيل فضج من ذلك الناس فقالوا: نرحل ولم تفتح علينا الطائف؟ فقال ﵇: "فاغدوا غدًا على القتال" فغدوا فأصابت المسلمين جراحات فقال ﵇: "إنا قافلون إن شاء الله" فسروا بذلك وأذعنوا، وجعلوا يرحلون ورسول الله ﷺ يضحك. وقال لهم: "قولوا: لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده" فلما ارتحلوا واستقلوا قال: "قولوا: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون" وقيل: يارسول الله، ادع الله على ثقيف. فقال: "اللهم اهد ثقيفا وائت بهم" (٢).
فائدة: استشهد بالطائف مع رسول الله ﷺ سعيد بن سعيد بن العاص، وعرفطة بن الحباب (٣)، وعبد الله بن أبي بكر الصديق، رمي بسهم فمات منه بالمدينة بعد وفاة رسول الله ﷺ ، وخلق.
стр. 12850
فصل:
خرج رسول الله ﷺ من الطائف إلى الجعرانة، وبها قسم غنائم حنين.
قال ابن سعد: ثم بعث رسول الله ﷺ هلال المحرم سنة تسع المصدقين يصدقون العرب، فبعث عيينة بن حصن إلى بني تميم، وبريدة بن الحصيب إلى أسلم وغفار وغيرهما، وأمر بأخذ العفو منهم وتوق كرائم أموالهم.
قال ابن إسحاق: بعث المهاجر بن أبي أمية إلى صنعاء، فخرج عليه العنسي وهو بها، وفرق صدقات بني سعد على رجلين: الزبرقان بن بدر على ناحية، وقيس بن عاصم على ناحية، والعلاء بن الحضرمي على البحرين، وبعث عليًّا على نجران؛ ليجمع صدقاتهم ويقدم عليه بجزيتهم.
ثم بعث عيينة بن حصن الفزاري إلى بني تميم في خمسين فارسًا من العرب ليس فيهم قرشي ولا أنصاري وكانوا فيما بين السُّقيا وأرض بني تميم في المحرم سنة تسع فغنموا، ورد إليهم فأسلموا، وأهلَّ خواصهم.
فصل:
قال ابن سعد: وسرية قطبة بن عامر إلى خثعم في صفر سنة تسع في عشرين رجلاً فغنمها، ثم سرية الضحاك بن سفيان الكلابي إلى بني كلاب في ربيع الأول سنة تسع، وسلفت سرية علقمة بن مُجزِّز، وكانت إلى الحبشة في شهر ربيع الآخر سنة تسع كما سلف، وسلفت سرية عليّ أيضًا وكانت إلى القُلْس: صنم طيء؛ ليهدمه في التاريخ المذكور فهدموه وغنموا، وفي السبي أخت عدي، وهرب عدي إلى الشام -كما سلف هناك.
стр. 12851
فصل:
وكانت سرية عكاشة بن محصن إلى الجناب: أرض عذرة وكانت في ربيع الآخر أيضًا سنة تسع (١).
فصل:
خبر كعب بن زهير مع رسول ﷺ وقصيدته المشهورة: بانت سعاد، كان بين رجوعه من الطائف وغزوة تبوك وقد ساقها ابن إسحاق بعدها (٢).
стр. 12852
٥٧ - باب السَّرِيَّةِ الَّتِي قِبَلَ نَجْدٍ
٤٣٣٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ سَرِيَّةً قِبَلَ نَجْدٍ، فَكُنْتُ فِيهَا، فَبَلَغَتْ سِهَامُنَا اثْنَىْ عَشَرَ بَعِيرًا، وَنُفِّلْنَا بَعِيرًا بَعِيرًا، فَرَجَعْنَا بِثَلَاثَةَ عَشَرَ بَعِيرًا. [انظر: ٣١٣٤ - مسلم: ١٧٤٩ - فتح: ٨/ ٥٦]
ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ ﵄ بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ سَرِيَّةً قِبَلَ نَجْدٍ، فَكُنْتُ فِيهَا، فَبَلَغَتْ سِهَامُنَا اثْنَي عَشَرَ بَعِيرًا، وَنُفِّلْنَا بَعِيرًا بَعِيرًا، فَرَجَعْنَا بِثَلَاثَةَ عَشَرَ بَعِيرًا.
هذا الحديث سلف في: الخمس وفي لفظ: أو أحد عشر بعيرًا (١).
وفي مسلم: ونفلوا بعيرًا بعيرًا، فلم يغيره رسول الله ﷺ . وفي أبي داود: فنفلنا أميرنا بعيرًا بعيرًا لكل واحد، فلما قدمنا لم يغير رسول الله ﷺ ما صنع (٢). وهذا هو المراد برواية: فنفلنا رسول الله ﷺ بعيرًا بعيراً (٣) بعيراً أي: أقرنا على ما نفلنا أميرنا.
وهذِه السرية ذكر ابن سعد أنها كانت في شعبان سنة ثمان (٤)، وأن الأمير: أبو قتادة، أرسله ﷺ إلى خضرة: أرض محارب بنجد، ومعه خمسة عشر رجلاً، فغنموا مائتي بعير وألفي شاةٍ وسبوا سبايا كثيرة وكانت غيبتهم خمس عشرة ليلة، وجمعوا الغنائم وأخرجوا الخمس فعزلوه وقسموا ما بقي على السرية (٥).
стр. 12853
قال ابن التين: وروي أنهم كانوا عشرة وأنهم غنموا مائة وخمسين بعيرًا وأنه ﷺ أخذ ثلاثين منها، قال: فلو كان النفل من خمس الخمس لم يعمهم ذلك، وقد ذكرنا ذلك أيضًا هناك.
стр. 12854
٥٨ - باب بَعْثِ النَّبِيِّ ﷺ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ
٤٣٣٩ - حَدَّثَنِي مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، وَحَدَّثَنِي نُعَيْمٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا أَسْلَمْنَا. فَجَعَلُوا يَقُولُونَ صَبَأْنَا، صَبَأْنَا. فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ مِنْهُمْ وَيَأْسِرُ، وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ أَمَرَ خَالِدٌ أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ؛ فَقُلْتُ: وَاللهِ لَا أَقْتُلُ أَسِيرِى، وَلَا يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي أَسِيرَهُ، حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرْنَاهُ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ". مَرَّتَيْنِ. [٧١٨٩ - فتح: ٨/ ٥٦]
ذكر فيه حديث سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا. فَجَعَلُوا يَقُولُونَ صَبَأْنَا .. الحديث.
وقد سلف قبل بدء الخلق (١) واضحًا.
قال الداودي: لم ير ﵇ القود في ذلك؛ لأنه تأول ولم يذكر فيه دية ولا كفارة؛ فإما أن يكون قبل نزول الآية أو شُبِّه على المحدث، أو سكت عنه؛ لعلم السامع، وقال الخطابي: إنما نقم ﵇ على خالد في استعجاله بشأنهم وترك التثبت في أمرهم إلى أن يستبرئ المراد من قولهم: صبأنا؛ لأن الصبأ مقتضاه الخروج من دين إلى دين، يقال: صبأ الرجل فهو صابئ إذا خرج من دين؛ ولذلك دعا المشركون نبينا
стр. 12855
- ﷺ الصابئ، وإنما تأول خالد في قولهم فيما يرى أنه كان مأمورًا بقتالهم إلى أن يسلموا، وقولهم: (صبأنا) يحتمل أن يكون معناه: خرجنا من ديننا إلى دين آخر غير الإسلام، فلما لم يصرحوا بالدخول في الإسلام نفذ خالد الأمر الأول في قتالهم إذ لم يجد شريطة حقن الدم بصريح الاسم، ويحتمل أنه إنما لم يكف عنهم من قبل أنه ظن إنما عدلوا عن اسم الإسلام إليه أنفة من الاستسلام والانقياد، فلم ير ذلك القول إقرارًا بالدين.
وقد روي أن ثمامة بن أثال لما أسلم دخل مكة معتمرًا، فقال له كفار قريش: أصبأت؟ فقال: لا، ولكن أسلمت. وهو مثل حديثه الآخر أنه بعثه ﷺ إلى أناس من خثعم، فاعتصموا بالسجود فقتلهم فوداهم النبي ﷺ بنصف الدية (١)، وإنما كان عذر خالد في هذا؛ لأن السجود لا تمحض دلالته على قبول الدين؛ لأن كثيرًا من الأمم يعظمون رؤساءهم بالسجود ويظهرون لهم الخضوع بأن يخروا على وجوههم. قال: وفيه دليل أن الكافر إذا لاذ بالصلاة لم يكن ذلك منه إسلامًا حتى يصف الدين قولاً بلسانه (٢). وقيل: لما قتل الله مسيلمة وقتل خالد بني جذيمة، قال له مالك بن نويرة وكان قد أسلم: ما قال صاحبك في كذا -يعني: رسول الله ﷺ فقال له خالد: وليس
стр. 12856
بصاحبك؟ فأمر به فقتل، فشكي ذلك منهم إلى أبي بكر، وأشار عليه عمر أن يقيد من خالد، فسكت عنه، فلما أكثر عليه، قال له أبو بكر: ليس ذلك عليه، هبه تأول فأخطأ.
وفيه دليل أن مفهوم الخطاب يجري مجرى الخطاب، وأن من تكلم بكلام في معنى كلام الإيمان يريد به الإيمان كان مؤمنًا. قاله الداودي؛ لأنه ﵇ لم يرض بصنع خالد وإنما عذره في ذلك. وقد أسلفنا عن الخطابي أن الكافر إذا لاذ بالصلاة لم يكن ذلك منه إسلامًا.
فصل:
أسلفنا هذِه السرية عند ابن سعد قبل حنين وأنها في شوال سنة ثمان، قال: وكانوا بأسفل مكة على ليلة ناحية يلملم وهو يوم الغميصاء بعد رجوع خالد من هدم العزى، أرسله ﷺ داعيًا إلى الإسلام لا مقاتلاً في ثلاثمائة وخمسين رجلاً من المهاجرين والأنصار وبني سليم، فخرجوا إليهم وعليهم السلاح، وكانوا أسلموا وبنوا المساجد وأذنوا وصلوا، فقال: ما هذا السلاح؟ قالوا: ظننا أنكم عدو، فقال: ضعوا السلاح، فوضعوه، فاستأسرهم وقتل منهم، فلما قتلهم أرسل ﵇ عليًّا يودي لهم قتلاهم وما ذهب منهم (١). وجذيمة هو ابن عامر بن مناة بن كنانة.
стр. 12857
٥٩ - [باب] سَرِيَّةُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيّ وَعَلْقَمَةَ بْنِ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ
وَيُقَالُ: إِنَّهَا سَرِيَّةُ الأَنْصَارِ.
٤٣٤٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ سَرِيَّةً فَاسْتَعْمَلَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، فَغَضِبَ فَقَالَ: أَلَيْسَ أَمَرَكُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُطِيعُونِي؛ قَالُوا: بَلَى. قَالَ فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا. فَجَمَعُوا، فَقَالَ: أَوْقِدُوا نَارًا. فَأَوْقَدُوهَا، فَقَالَ: ادْخُلُوهَا. فَهَمُّوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضًا، وَيَقُولُونَ: فَرَرْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنَ النَّارِ. فَمَا زَالُوا حَتَّى خَمَدَتِ النَّارُ، فَسَكَنَ غَضَبُهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ" [٧١٤٥، ٧٢٥٧ - مسلم: ١٨٤٠ - فتح: ٨/ ٥٨]
ذكر فيه حديث عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ سَرِيَّةً، فَاسْتَعْمَلَ عليها رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، فَغَضِبَ فَقَالَ: أَلَيْسَ أَمَرَكُمُ رسول الله ﷺ أَنْ تُطِيعُونِي؛ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا. فَجَمَعُوا، فَقَالَ: أَوْقِدُوا نَارًا. فَأوْقَدُوا، فَقَالَ: ادْخُلُوهَا. فَهَمُّوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضًا، وَيَقُولُونَ: فَرَرْنَا إِلَى رسول الله ﷺ مِنَ النَّارِ. فَمَا زَالُوا حَتَّى خَمَدَتِ النَّارُ، فَسَكَنَ غَضَبُهُ، فغضب رسول الله ﷺ فَقَالَ: "لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ، الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ".
هذِه القصة كذا ساقها البخاري. وأما ابن سعد فذكر أنه بلغ رسول الله ﷺ أن ناسًا من الحبش تراءاهم أهل جدة، فبعث إليهم علقمة بن مجزز في شهر ربيع الآخر سنة تسع في ثلاثمائة، فانتهى إلى جزيرة
стр. 12858
في البحر، فلما خاض البحر إليهم هربوا منه، فلما رجع تعجل بعض القوم إلى أهلهم فأذن لهم، فتعجل عبد الله بن حذافة فأمَّره على من تعجل، وكانت فيه دعابة، فنزلوا ببعض الطريق، (وأوقدوا) (١) نارًا يصطلون عليها، فقال: عزمت عليكم إلا تواثبتم في هذِه النار. فقام بعض القوم فتحجزوا حتى ظن أنهم واثبون فيها، فقال: اجلسوا إنما كنت أضحك معكم. فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "من أمركم بمعصية فلا تطيعوه" (٢).
وذكرها الحاكم في صفر، وزعم ابن إسحاق أن وقاص بن مجزز كان قُتِل يوم ذي قرد، فأراد أخوه الأخذ بثأره فاستأذن رسول الله ﷺ في هذِه السرية (٣).
وكانت سرية علي إلى الفُلس صنم لطيء ليهدمه في التاريخ المذكور في خمسين ومائة رجل من الأنصار على مائة بعير وخمسين فرسًا راية سوداء ولواء أبيض فهدمه، وحرقه وملئوا أيديهم من السبي والنعم والشاء، وفي السبي أخت عدي بن حاتم وهرب عدي إلى الشام، ووجد في خزانة الفلس ثلاثة أسياف: رسوب ومخذم واليماني، وثلاثة أدراع، واستعمل على السبي أبا قتادة، وعلى الماشية والرثة عبد الله بن عتيك فتركت الأسياف صفيًّا لرسول الله ﷺ وعزل الخمس وعزل آل حاتم فلم يقسمهم حتى قدم بهم المدينة (٤).
стр. 12859
وقوله: (فهموا .. إلى آخره) وفي رواية أخرى: هم بعضهم أن يدخل، وبعضهم قال: إنما فررنا من النار (١).
وفيه: أن التأويل الفاسد لا يُعذر به صاحبه؛ لأنهم علموا قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وقوله: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قاله الداودي.
ومعنى (خمدت) (٢): طفئ لهبها، وهو بفتح الميم.
وقوله: "لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة" أي: ذلك جزاؤهم لو فعلوا.
أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْكُمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ طَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ". [انظر: ١٣٩٥ - مسلم: ١٩ - فتح: ٨/ ٦٤]
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: طَوَّعَتْ: طَاعَتْ وَأَطَاعَتْ لُغَةٌ، طِعْتُ وَطُعْتُ وَأَطَعْتُ.
٤٣٤٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ أَنَّ مُعَاذًا ﵁ لَمَّا قَدِمَ الْيَمَنَ صَلَّى بِهِمِ الصُّبْحَ فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: لَقَدْ قَرَّتْ عَيْنُ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ.
زَادَ مُعَاذٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَرَأَ مُعَاذٌ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ سُورَةَ النِّسَاءِ، فَلَمَّا قَالَ: ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ [النساء::١٢٥] قَالَ رَجُلٌ خَلْفَهُ: قَرَّتْ عَيْنُ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ. [فتح: ٨/ ١٦٥]
ذكر فيه أحاديث:
أحدها:
حديث أبي بردة قَالَ: بَحَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا مُوسَى وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ وَبَعَثَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا على مخلاف قال: واليمن مخلافان، ثم قال: "يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا" فانطلق كل واحد منهما. إلى عمله .. الحديث بطوله.
والكلام عليه من وجوه:
أحدها:
المراد هنا بالمخلاف: الكورة من الإقليم. وقيل: المخلاف في لغة أهل اليمن- كالرستاق من الرساتق. وعبارة الخليل: إنه الكورة بلغة أهل اليمن (١)، وعبارة غيره إنه الإقليم، والجمع: مخاليف.
стр. 12863
ثانيها:
فيه أن العالم والواعظ والمقبول من قوله مأمور بألا يقنِّط الناس، وأن ييسر على المبتدئ في الإسلام ولا يفاجئه بالشدة.
ثالثها:
قول معاذ: (يا عبد الله بن قيس، أيم هذا؟) أصله: (أي)، أدخل عليها (ما) فأسقط الألف منها كما أسقط في قوله: لم هذا؟ وعم تسأل؟
وقال الخطابي: إنما سقطت كما قيل: إيش هذا: بإسقاط الياء، وأصله: أي شيء هذا؟ (١)
رابعها:
قوله: (هذا رجل كفر بعد إسلامه. قال: لا أنزل حتى يقتل. قال: إنما جيء به لذلك فانزل. فقال: لا أنزل حتى يقتل. فأمر به فقتل ثم نزل) ظاهره أنه لم يستتب، ومذهبنا وجوبها في الحال، ومذهب مالك استتابته ثلاثًا، فإن تاب وإلا قتل. وتقتل المرتدة عندنا وعند مالك خلافًا لأبي حنيفة (٢)، قال ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" (٣).
خامسها:
قوله: (كيف تقرأ القرآن؟ قال: أتفوقه تفوقًا) أي: أقرؤه حينًا بعد حين. مأخوذ من فواق الناقة وهو ما بين الحلبتين، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ [ص: ١٥] أي: مهل. وذكر الهروي عن أبي موسى
стр. 12864
أنه قال: أما أنا فأتفوقه تفوق اللَّقُوح. أي: لما (١) أقرأ جزئي مرة، ولكن أقرؤه شيئًا بعد شيء (٢). وكذا ذكره الجوهري بعد أن قال: فوقت الفصيل. أي: سقيته اللبن فواقًا، وتفوق الفصيل إذا شرب اللبن كذلك (٣).
سادسها:
قوله: (فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال: أنام أول الليل فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم، فأقرأ ما كتب الله لي فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي) كذا هو في الأصول (جزئي) بضم الجيم، وبخط الدمياطي لعله أربي وهو الوجه ولا يتعين ما ذكره (٤).
الحديث الثاني:
حديث خَالِد، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ، فَسَأَلَهُ عَنْ أَشْرِبَةٍ تُصْنَعُ بِهَا، فَقَالَ: "وَمَا هِيَ؟ ". قَالَ البِتْعُ وَالْمِزْرُ فَقُلْتُ لأَبِي بُرْدَةَ: مَا البِتْعُ؟ قَالَ: نَبِيذُ العَسَلِ، وَالْمِزْرُ: نَبِيذُ الشَّعِيرِ -فَقَالَ: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ". رَوَاهُ جَرِير وَعَبْدُ الوَاحِدِ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ.
стр. 12865
الحديث الثالث:
حَدَّثنَا مُسْلِمٌ، ثَنَا شُعْبَةُ، عن سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ بَعَثَ رسول الله ﷺ جَدَّهُ أَبَا مُوسَى وَمُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ، فَقَالَ: "يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا .. " الحديث، فقال أبو موسى: يا نبي الله إن أرضنا بها شراب من الشعير المزر، وشراب من العسل البتع، فقال: "كل مسكر حرام" ثم ذكر باقيه كما في الأول.
تَابَعَهُ العَقَدِيُّ وَوَهْبٌ، عَنْ شُعْبَةَ.
وَقَالَ وَكِيع وَالنَّضْرُ وَأَبُو دَاوُدَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
فيه وما قبله حجة على أبي حنيفة في تجويزه ما لا يبلغ بشاربه السكر مما عدا الخمر (١)، وبين في حديث جابر ﵁: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" (٢). وهو إجماع الصحابة كما نقله القاضي عبد الوهاب (٣)، وفي النسائي عن أبي موسى: أن المزر نبيذ الذرة (٤).
وفيه: نهي (٥) النبي ﷺ [عن] (٦) الجعة، والجعة نبيذ يتخذ من الشعير (٧).
стр. 12866
الحديث الرابع:
حَدَّثَنا عَبَّاسُ بْنُ الوَلِيدِ، فذكره إلى أبي مُوسَى ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلى أَرْضِ قَوْمِي باليمن، فَجِئْتُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مُنِيخٌ بِالأَبْطَح .. الحديث.
سلف ذكره في الحج: عن شيخه محمد بن يوسف، إلى أبي موسى فراجعه (١). قال الجياني: كذا رُويناه عن ابن السكن عباس بن الوليد يعني: النرسي. وفي رواية أبي أحمد: ثنا عباس. غير منسوب، وكذلك كان في كتاب أبي زيد إلا أنه قرأه عليهم: عياش -بالشين المعجمة- وليس بشيء، وإنما هو عباس بن الوليد. وليس في "الجامع" إلا هذا، وحديث في: علامات النبوة (٢). وكذا قال صاحب "المطالع": عباس هذا بالسين المهملة وهو النرسي، وذكر بعضهم فيه عن أبي أحمد أنه كان يقوله بالمعجمة، ولم يحك الأصيلي عنه، وعن أبي زيد أنه بالمهملة (٣). وأما الدمياطي فضبطه بالشين المعجمة ثم قال: هو أبو الوليد عياش بن الوليد الرقام البصري، مات سنة [ست و] (٤) عشرين ومائتين، روى عنه البخاري في مواضع، وروى أبو داود عن
стр. 12867
رجل (١) عنه. وقال في آخر علامات النبوة بعد أن ضبطه بالإهمال: أبو الفضل عباس، مات سنة ثمان وثلاثين (٢)، وابن عمه عبد الأعلى (٣) مات قبله سنة سبع وئلاثين ومائتين. ولما ذكره في: البيوع، في باب: النهي عن تلقي الركبان (٤)؛ ضبطه خطأ بالمعجمة (٥).
إذا عرفت ذلك، فأبو موسى ﵁ أهل بإهلال كإهلال رسول الله ﷺ ولم يعين شيئًا، فأمره بالطواف والسعي، ثم حل، و [عن] (٦) عائشة ﵂ أنهم خرجوا لا يرون إلا الحج، وكان ينتظر الوحي، فلما دنوا من مكة أمر من لم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة، وأقام من معه هدي على إحرامه حتى فرغ من الحج، وقال: "عمرتكم للأبد" (٧).
стр. 12868
وأما الفسخ فإن كان محفوظًا فهو خاص، وكذلك نهى عنه عمر وضرب عليه، وكان يستحب ترك القران؛ ليأتي بعملين فيكون أعظم لأجره، فحمل عليه قوم أنه كان ينهى عن التمتع، وليس كذلك، ويدل على صحة ذلك قوله: إن نأخذ بكتاب الله فقد أمر بالتمام، وإن نأخذ بفعل رسول الله ﷺ فلم يحل حتى نحر الهدي (١). فإنما نهى أن يفسخ الحج في العمرة.
الحديث الخامس:
حديث أبي معبد مولى ابن عباس -واسمه نافذ، مات سنة أربع ومائة- عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ .. الحديث، وفيه: "فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوك بِذَلِكَ .. " إلى آخره.
سلف في الزكاة في موضعين (٢).
ثم قال: (قال أبو عبد الله: طوعت: طاعت، وأطاعت لغة، طِعْتُ وطُعْتُ وأَطَعْتُ).
وقوله: "أطاعوا" ذكره ابن التين بلفظ "طاعوا بذلك" أي: انقادوا لك بذلك، يقال: هو طوعه إذا انقاد له، فإذا مضى لأمره فقد أطاعه، وإذا وافقه فقد طاوعه.
وفيه: أن الإمام يتولى أخذ الزكاة وأن من وجبت عليه الزكاة
стр. 12869
لا يأخذها، وأن لا تنقل، وتفرق في الموضع الذي جمعت فيه، وأنها إذا فرقت في جنس واحد من الثمانية أجزأ.
وقوله: "وإياك وكرائم أموالهم". هي جمع: كريمة، وهي: النفيسة.
الحديث السادس:
حديث عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ أَنَّ مُعَاذًا لَمَّا قَدِمَ اليَمَنَ صَلَّى بِهِمِ الصُّبْحَ فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: لَقَدْ قَرَّتْ عَيْنُ أُمَ إِبْرَاهِيمَ.
ثم قال: زَادَ مُعَاذٌ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ حَبيبٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرٍو: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ، فَقَرَأً مُعَاذٌ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ [سورة النساء] (١)، فَلَمَّا قَالَ: ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:: ١٢٥] قَالَ رَجُلٌ خَلْفَهُ: قَرَّتْ عَيْنُ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ.
معنى (قرت): بردت دمعها؛ لأن دمعة السرور باردة، بخلاف دمعة الحزن فإنها حارة؛ ولذلك يقال للمدعو له: أقرَّ الله عينه، وللمدعو عليه: أسخن الله عينه.
وقال ثعلب وغيره: معناه: بلغ أمنيته، فلا تطمع نفسه إلى من هو فوقه.
قال الداودي: وقائل هذا الكلام متكلم يعيد وجوبًا، والشارع لم يحلم بهذا حتى يوجبها؛ لقوله: "صلاتنا لا يصلح فيها شيء من كلام الناس" (٢).
стр. 12870
وروي أنه قرأ سورة الإخلاص، فقال المأموم كذلك فلم يأمره بالإعاة (١).
وذكر الشيخ أبو محمد، عن بعضهم أنه إذا قال: فعل الله بك يا فلان. فسدت صلاته، ولا يكون على هذا إعادة مثل قوله (كذلك) (٢): الله. ثم استغربه، وفي الرواية: لا بأس أن يقول: اللهم افعل بفلان.
التعقيب: أن يعقب الجيش بعد القفول ليصيبوا غرة من العدو، قاله الخطابي (١). وقال ابن فارس: التعقيب: غزاة بعد غزاة (٢). وقال الداودي: هو أن تبعث قومًا؛ ليبذل لهم قوم قد تقدم لهم الخروج في عمل آخر أو غزو ويخرجون في عقبهم.
واستدل به على جواز استعمال بني هاشم على الخمس، بخلاف حديث الفضل: أنهم لا يستعملون على الصدقات، ومن جوز جعله كالإجارة، فيجوز خمسًا كالفيء بخلاف من يأخذها منهم من غير مقابل.
الحديث الثاني:
حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا إِلَى خَالِد بن الوليد لِيَقْبِضَ الخُمُسَ وَكُنْتُ أُبْغِضُ عَلِيًّا، وَقَدِ اغْتَسَلَ، فَقُلْتُ لِخَالِدٍ: أَلَا تَرى إِلَى هذا؟! فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلى رسول الله ﷺ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "يَا بُرَيْدَةُ أتبْغِض عَلِيًّا؟ ". فَقُلْتُ: نَعَمْ. فقَالَ: "لَا تُبْغِضْهُ، فَإِنَّ لَهُ فِي الخُمُسِ أَكثَرَ مِنْ ذَلِكَ".
قوله: (وقد اغتسل) يريد أنه وقع على جارية صارت له في القسمة من الخمس، واعتذر عنه الشارع بأن له في الخمس أكثر من ذلك.
وقوله: (كنت أبغض عليًّا) لعله رأى منه ما ظن أنه تعدى فيه الحق فكرهه له، ففيه: الأمر بالمعروف على حسب ما تبين، وفيه: جواز القول فيمن يظن أنه قارف ذنبًا. وقد روي الحديث بأتم من هذا، قال بريدة: كنت في جيش فغنموا، فبعث أمير الجيش إلى رسول الله ﷺ أن ابعث من يخمسها، فبعث عليًّا ﵁، وفي السبي وصيفة من أفضل
стр. 12874
السبي فوقعت في الخمس، ثم خمس فصارت في أهل بيت رسول الله ﷺ ، ثم خمس فصارت في آل علي، فأتى ورأسه يقطر .. وذكر الحديث (١)، ففيه بيان قسمته لنفسه وإصابته قبل الاستبراء، والجواب أن ما يقسم بالولاية من الأشياء التي هي من هذا الجنس يجوز أن يقع ذلك ممن هو شريك فيه، كما يقسم الإمام بالإمامة الغنائم بين أهلها وهو منهم، ومنصوب الإمام في ذلك كالإمام، وأما الاستبراء فيحتمل أن تكون غير بالغة، وقد قال بعدمه في حقها غير واحد من
العلماء منهم: القاسم بن محمد وسالم والليث وأبو يوسف. ويحتمل أن تكون عذراء، وهو رأي ابن عمر وإن بلغت -ذكره كله الخطابي- وفيه: أن شهادة العدو ومن في قلبه شنآن ويبغض صاحبه غير مقبولة (٢).
الحديث الثالث:
حديث أبي سعيد الخدري: بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِذُهَيْبَةٍ فِي أَدِيمٍ مَقْرُوظٍ لَمْ تُحَصَّلْ مِنْ تُرَابِهَا، فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: بَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ، وَالأَقْرَع بْنِ حَابِسٍ، وَزيدِ الخَيْلِ، وَالرَّابِعُ إِمَّا عَلْقَمَةُ وَإِمَّا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: كُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بهذا مِنْ هؤلاء. فَبَلَغَ رسول الله ﷺ .. الحديث.
الذهيبة: واحدة الذهب يذكر ويؤنث، والتأنيث لغة أهل الحجاز، قاله القزاز. وقال ابن فارس ربما أنث (٣). وكذا قال الجوهري، قال: والقطعة: ذهبة، وتجمع على الأذهاب (٤).
стр. 12875
ونقدم الكلام عليه من وجوه:
أحدها: الذهيبة .. إلى آخره.
ومعنى مقروظ: مدبوغ بالقرظ، وهو شجر يدبغ بورقه، ولونه إلى الصفرة.
وقال الخليل: هو ورق السلم (١).
وقوله: (لم تُحَصّل من ترابها) أي: لم تخلص من تراب المعدن.
ثانيها:
عيينة بن بدر هو عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر بن عمرو [بن] (٢) جوية بن لوذان بن ثعلبة بن عدي بن فزارة -واسمه: عمرو، ضربه أخ له ففزره فسمي فزارة -واسم عيينة: حذيفة فأصابته لقوةٌ (٣) فجحظت عيناه، فسمي: عيينة، يكنى أبا مالك، وكان يقال لجده حذيفة: رب معد، وشهد عيينة والأقرع (٤) مع رسول الله ﷺ حنينًا، وقيل: إنهما شهدا الفتح. وكان عيينة من المنافقين ارتد بعد رسول الله ﷺ وبعثه خالد في وثاق إلى أبي بكر فأسلم وعفا عنه، وخارجة بن حصن أخوه، وابن أخيه الحر بن قيس بن حصن، أسلما في وفد فزارة بعد رجوع رسول الله ﷺ من تبوك، وكانوا بضعة عشر رجلاً.
стр. 12876
والأقرع بن حابس لقب واسمه فراس، وكان في رأسه قرع فلقب بذلك، [ذكر ذلك] (١) عن ابن دريد -وهو: ابن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع أخي نهشل، ابني دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك أخي سعد، ابني زيد مناة أخي عمرو، ابني تميم بن مر بن أُدْ بن طابخة. قدم في وفد تميم، فأعطاه رسول الله ﷺ يوم حنين مائة من الإبل -كما سلف في الخمس، وصعصعة بن ناجية بن عقال- جد الفرزدق الشاعر ابن همام بن غالب بن صعصعة- قدم فأسلم.
وعياض بن (حمار) (٢) بن سفيان، كذا نسبه ابن الكلبي وابن سعد (٣)، [روى] (٤) له مسلم.
وعلقمة هو: ابن علاثة بن عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، من المؤلفة وكان سيدًا في قومه حليمًا عاقلاً.
стр. 12877
وعامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب فارس بني عامر، وذكره وهم -كما قال الدمياطي- قال: لأنه مات كافرًا، وعمه أبو براء هو ملاعب الأسنة عامر بن مالك بن جعفر، ولبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر الشاعر.
ثالثها:
قوله: (فقام رجل غائر العينين) أي: غارت عيناه ودخلتا، فهو ضد الجاحظ، يقال: غارت عينه تغور غورًا فهي غائرة.
قوله: (مشرف الوجنتين) أي: ليس بسهل الخد، وقد أشرفت وجنتاه، أي: علتا على ما حوله، والوجنتان: العظمان المشرفان.
و (ناشز الجبهة): ناتئها، وكل ناتئ ناشز، وأخذ من: النشز، وهو ما ارتفع من الأرض، ومنه قوله تعالى: ﴿فَانْشُزُوا﴾ أي: ارتفعوا.
و (الجبهة): ما بين الجبين من الإنسان وهو الموضع الذي تمسه الأرض من السجود.
(كث اللحية): كثير شعرها، وقيل: لحية مجتمعة، قال الهروي في صفته ﵇: كث اللحية، يقال: الكثوثة فيها: أن تكون غير رقيقة ولا طويلة ولكن فيها كثافة، ورجل كث اللحية، وقوم كث (١).
وقوله: (محلوق الرأس) كانوا لا يحلقون رءوسهم ويفرقون شعورهم.
وقوله: (مشمر الإزار) شمره: رفعه عن الكعب.
رابعها:
قوله: (لعله يصلي) مفهومه قتل تاركها، وفيه خلاف مشهور.
стр. 12878
وقوله: ("لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس")، النقب من قولهم: نقب الحائط نقبًا: إذا فتح فيه فتحًا.
وقوله: (وهو مقف) أي: مُولٍّ، يقال: قفى الرجل القوم: إذا ولاهم قفاه، وقد أقفاه يقفهم إذا فعل ذلك فهو مقفٍ.
وقوله: ("يخرج من ضئضئ هذا") أي: أصله، يقال هو من ضئضئي صدف. أي: من أصل صدف. ومن ضوض صدف مثله.
وقال الداودي: من ضيضي هذا، أي: ممن يقول مقالته. وقيل: هو الولد والنسل، وهو الأصل. وقال ابن فارس: الضئضئ: كثرة النسل وبركته. ذكره في باب الضاد المعجمة (١)، وروي بالمهملة.
وقوله: ("يتلون كتاب الله رطبًا") قيل: سهلاً كما في الرواية الأخرى: (لينًا) (٢). وقال الخطابي: أي: واظب عليها فلا يزال لسانه رطبًا بها، ويكون أيضًا تحسين الصوت بالقراءة، ومن الثقافة والحذق بها فيجري لسانه بها ويمر عليها مرًّا لا (يغير) (٣) ولا يتكسر. كل هذِه الوجوه محتملة، وهذا شبيه بما روي من قوله: "من أراد أن يقرأ القرآن غصًّا كما أنزل فليقرأ بقراءة ابن أم عبد" (٤)، وقيل: يريد الذي لا شدة في صوته وهو لين رطب. وقيل: يريد أنه يحفظ ذلك حفظًا حسنًا.
стр. 12879
وقوله: ("لا يجاوز حناجرهم") أي: لا يرفع فيما يرفع من العمل الصالح.
وقيل: لم يتمكن في قلوبهم كثير شيء من اليقين به، وإنما يحفظونه بالألسن، وهي مقاربة الحناجر، فنسب إليها ما قاربها.
("ويمرقون من الدين") أي: الطاعة دون الملة.
وقوله: ("لأقتلنهم قتل ثمود") إن قلت: إذا كان قتلهم واجبًا فكيف منع خالدًا أن يقتله؟ فالجواب، كما قال الخطابي: إنما منعه لعلمه بأن الله سيمضي قضاءه فيه حتى يخرج من نسله من يستحق القتل لسوء فعله ومروقه من الدين، فيكون قتلهم عقوبة لهم، فيكون أدل على الحكمة وأبلغ في المصلحة (١).
الحديث الرابع: حديث جابر في إهلال علي، سلف في الحج سندًا ومتنًا (٢). وزاد هنا: (فقدم عليّ بسعايته)، وزاد في آخره: (فأهدى له عليٌّ هديًا). والمراد بالسعاية: ما أخذ من خالد.
ومعنى: (أهدى له هديًا): أعطاه شيئًا أهداه، ليس أنه أوجب هديًا ثم أعطاه له عليًّا، وإن كان الظاهر خلافه، ويحتمل أن يكون عليٌّ بدلاً من الضمير في (له) فيكون عليٌّ مخفوضًا على هذا، ذكره ابن التين.
الحديث الخامس:
حديث بَكْر أَنَّهُ ذَكَرَ لاِيْنِ عُمَرَ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ أَنَّ النبِيَّ ﷺ أَهَلَّ بعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ .. الحديث. وفيه: فَقَالَ ﷺ : "بِمَ أَهْلَلْتَ؟ فَإِنَّ مَعَنَا أهْلَكَ". قَالَ: أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رسول الله ﷺ . قَالَ: "فَأَمْسِكْ، فَإِنَّ مَعَنَا هَدْيًا".
стр. 12880
يريد بأهله فاطمة، فأعلمه إن كان أهل بعمرة أنها تحل له، فلما أخبره (أنه) (١) أمره بالإمساك عن الإحلال، وأن يجعل نيته عن الحج، وهو دال على أنه ﷺ لم يكن متمتعًا وإنما كان مفردًا أو قارنًا.
خاتمة: قال ابن سعد: بعث النبي ﷺ عليًّا إلى اليمن، يقال: مرتين. إحداهما في رمضان سنة عشر من مهاجره، وعقد له لواء وعممه بيده، وقال له: "امض ولا تلتفت ولا تقاتلهم حتى يقاتلوك" فخرج في ثلاثمائة فارس ففرق أصحابه وأتوا بنهب فجعل عليها بريدة بن الحصيب الأسلمي ثم لقي جمعهم، فدعاهم إلى الإسلام فأبوا، فقاتلهم ثم أسلموا فقسم الغنائم ثم وافى رسول الله ﷺ بمكة، وقد قدمها حاجًّا سنة عشر (٢). وذكر الدمياطي بعثه في هذِه السنة فأسلمت همدان كلها في يوم واحد، فكتب بذلك إلى رسول الله ﷺ ، فلما قرأ كتابه خرَّ ساجدًا، ثم جلس. فقال: "السلام على همدان". وتتابع أهل اليمن على الإسلام. ويشبه أن يكون ما ذكره هو السرية الأولئ والباقي الثانية.
وَلَتَشْهَدًا أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، أَوْ لأَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ. قَالَ: فَكَسَرَهَا وَشَهِدَ، ثُمَّ بَعَثَ جَرِيرٌ رَجُلاً مِنْ أَحْمَسَ يُكْنَى أَبَا أَرْطَاةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يُبَشِّرُهُ بِذَلِكَ، فَلَمَّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا جِئْتُ حَتَّى تَرَكْتُهَا كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ. قَالَ: فَبَرَّكَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى خَيْلِ أَحْمَسَ وَرِجَالِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ. [انظر: ٣٠٢٠ - مسلم: ٢٤٧٥، ٢٤٧٦ - فتح: ٨/ ٧٠]
الخلصة: بضم الخاء واللام -وقال ابن إسحاق: بفتحهما، كما أسلفناه في ترجمة جرير عن ابن هشام- صنم لدوس سيعبد في آخر الزمان، كما تبت في الحديث: "لا تقوم الساعة حتى تصطفق أليات نساء دوس وخثعم حول ذي الخلصة" (١) والخلصة في اللغة: نبات ينبت نبات الكرم طيب الريح تتعلق بالشجر، له حب كعنب الثعلب. وجمع الخلصة: خلص، وله ورق أغبر رقاق، وهو أحمر لا يؤكل ويرعى، قاله أبو عبيدة فيما ذكره المبرد. ولما وتر بامرئ القيس قيل: استقسم عنده بثلاثة أزلام: الزاجر والآمر والمتربص، فخرج له الزاجر فسب الصنم ورماه بالحجارة وقال: اعضض ببظر أمك. وذكر شعرًا، ذكره أبو الفرج الأصبهاني قال: فلم يستقسم عنده أحد -يعني: بعد [حتى] (٢) جاء الإسلام (٣).
ثم ذكر البخاري في الباب ثلاثة أحاديث كلها عن جرير:
أحدها:
قال: كَانَ بَيْتٌ فِي الجَاهِلِيَّةِ يُقَالُ لَهُ: ذُو الخَلَصَةِ وَالْكَعْبَةُ اليَمَانِيَةُ وَالْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ، فَقَالَ لِه ﵇: "أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الخَلَصَةِ؟ ".
وقد سلف في مناقب جرير واضحًا (١). قال الداودي: وقيل لها: اليمانية؛ لأنها كانت في اليمن. قال: ولعلها سميت شامية؛ لأن بابها يقابل الشام، وسموها الكعبة مضاهاة للبيت الحرام. وفي مسلم: وكان يقال له: الكعبة اليمانية (٢). أي: من أجله و (له) بمعنى من أجله لا تنكر في العربية. كما أسلفناه هناك.
وهذِه السرية كانت قبل وفاته ﵇ بشهرين أو نحوهما.
وأبو أرطاة رسول جرير، اسمه: حصين بن ربيعة بن الأزور بن سلمة بن مرة بن سعد أخي ذهل، ابني معاوية بن أسلم بن أحمس بن الغوث، أخي عبقر، والد علقة بن عبقر، ابني أنمار بن إراش، وأنمار أبو بجيلة وأبو خثعم أيضًا. وقيل: اسمه حسين بالسين، وكذا سماه مسلم في روايته (٣)، والأكثر بالصاد، ويقال: حصن، وقيل: ربيعة بن حصن، وقيل: ابن حسين. وفي كتاب أبي موسى: وقيل: أرطاة. وقيل: أبو أرطاة. وقيل: بقير.
وخثعم هو ابن أنمار بن إراش وإخوته لأبيه: الصور وعبقو وصهيبة وخزيمة وأشهل وسهل وطريف وحذيفة والحارث بنو أنمار، أمهم بجيلة بنت صعب، أخت باهلة، ولدت وحضنت لمعن بن مالك بن أعصر بن سعد بن قيس عيلان، وغطفان بن سعد، وعلي بن أعصر بن سعد.
стр. 12885
وأحمس هذا -بالحاء المهملة- هو أحمس بجيلة، وهو ابن الغوث بن أنمار بن إراش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ، وهو غير أحمس بن ضبيعة بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان.
وهما من: حمس الرجل: إذا سمع، وأيضًا: هاج وغضب، فهو حمس وأحمس، كرجل وأرجل، والأصل فيه الشدة، ومنه: حمست الحرب، وحمس الشيء: إذا اشتد، وكان يقال لقريش: الحمس أي: المتشددون في دينهم، ويقال لهم أيضًا: الأحاميس.
وفيه: بركة دعائه ﷺ ، وكذا ضربه يده في صدره؛ لينال بركة ذلك.
وقوله: ("ألا تريحني من ذي الخلصة؟ ") سببه كراهية أن يعبد غير الله.
وجرير هو ابن عبد الله بن جابر، وهو السَّليل بن مالك بن نصر بن ثعلبة بن جشم بن عويف بن خزيمة بن حرب بن علي. ويقال: عدي بن مالك بن سعد بن زيد بن قسر، وهو مالك بن عبقر بن أنمار بن إراش -بهمزة مكسورة كما أسلفناه في ترجمته- مات بقرقيسيا سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة أربع وخمسين بعد المغيرة بن شعبة.