وَلَتَشْهَدًا أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، أَوْ لأَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ. قَالَ: فَكَسَرَهَا وَشَهِدَ، ثُمَّ بَعَثَ جَرِيرٌ رَجُلاً مِنْ أَحْمَسَ يُكْنَى أَبَا أَرْطَاةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يُبَشِّرُهُ بِذَلِكَ، فَلَمَّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا جِئْتُ حَتَّى تَرَكْتُهَا كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ. قَالَ: فَبَرَّكَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى خَيْلِ أَحْمَسَ وَرِجَالِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ. [انظر: ٣٠٢٠ - مسلم: ٢٤٧٥، ٢٤٧٦ - فتح: ٨/ ٧٠]
الخلصة: بضم الخاء واللام -وقال ابن إسحاق: بفتحهما، كما أسلفناه في ترجمة جرير عن ابن هشام- صنم لدوس سيعبد في آخر الزمان، كما تبت في الحديث: "لا تقوم الساعة حتى تصطفق أليات نساء دوس وخثعم حول ذي الخلصة" (١) والخلصة في اللغة: نبات ينبت نبات الكرم طيب الريح تتعلق بالشجر، له حب كعنب الثعلب. وجمع الخلصة: خلص، وله ورق أغبر رقاق، وهو أحمر لا يؤكل ويرعى، قاله أبو عبيدة فيما ذكره المبرد. ولما وتر بامرئ القيس قيل: استقسم عنده بثلاثة أزلام: الزاجر والآمر والمتربص، فخرج له الزاجر فسب الصنم ورماه بالحجارة وقال: اعضض ببظر أمك. وذكر شعرًا، ذكره أبو الفرج الأصبهاني قال: فلم يستقسم عنده أحد -يعني: بعد [حتى] (٢) جاء الإسلام (٣).
ثم ذكر البخاري في الباب ثلاثة أحاديث كلها عن جرير:
أحدها:
قال: كَانَ بَيْتٌ فِي الجَاهِلِيَّةِ يُقَالُ لَهُ: ذُو الخَلَصَةِ وَالْكَعْبَةُ اليَمَانِيَةُ وَالْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ، فَقَالَ لِه ﵇: "أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الخَلَصَةِ؟ ".
وقد سلف في مناقب جرير واضحًا (١). قال الداودي: وقيل لها: اليمانية؛ لأنها كانت في اليمن. قال: ولعلها سميت شامية؛ لأن بابها يقابل الشام، وسموها الكعبة مضاهاة للبيت الحرام. وفي مسلم: وكان يقال له: الكعبة اليمانية (٢). أي: من أجله و (له) بمعنى من أجله لا تنكر في العربية. كما أسلفناه هناك.
وهذِه السرية كانت قبل وفاته ﵇ بشهرين أو نحوهما.
وأبو أرطاة رسول جرير، اسمه: حصين بن ربيعة بن الأزور بن سلمة بن مرة بن سعد أخي ذهل، ابني معاوية بن أسلم بن أحمس بن الغوث، أخي عبقر، والد علقة بن عبقر، ابني أنمار بن إراش، وأنمار أبو بجيلة وأبو خثعم أيضًا. وقيل: اسمه حسين بالسين، وكذا سماه مسلم في روايته (٣)، والأكثر بالصاد، ويقال: حصن، وقيل: ربيعة بن حصن، وقيل: ابن حسين. وفي كتاب أبي موسى: وقيل: أرطاة. وقيل: أبو أرطاة. وقيل: بقير.
وخثعم هو ابن أنمار بن إراش وإخوته لأبيه: الصور وعبقو وصهيبة وخزيمة وأشهل وسهل وطريف وحذيفة والحارث بنو أنمار، أمهم بجيلة بنت صعب، أخت باهلة، ولدت وحضنت لمعن بن مالك بن أعصر بن سعد بن قيس عيلان، وغطفان بن سعد، وعلي بن أعصر بن سعد.
стр. 12885
وأحمس هذا -بالحاء المهملة- هو أحمس بجيلة، وهو ابن الغوث بن أنمار بن إراش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ، وهو غير أحمس بن ضبيعة بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان.
وهما من: حمس الرجل: إذا سمع، وأيضًا: هاج وغضب، فهو حمس وأحمس، كرجل وأرجل، والأصل فيه الشدة، ومنه: حمست الحرب، وحمس الشيء: إذا اشتد، وكان يقال لقريش: الحمس أي: المتشددون في دينهم، ويقال لهم أيضًا: الأحاميس.
وفيه: بركة دعائه ﷺ ، وكذا ضربه يده في صدره؛ لينال بركة ذلك.
وقوله: ("ألا تريحني من ذي الخلصة؟ ") سببه كراهية أن يعبد غير الله.
وجرير هو ابن عبد الله بن جابر، وهو السَّليل بن مالك بن نصر بن ثعلبة بن جشم بن عويف بن خزيمة بن حرب بن علي. ويقال: عدي بن مالك بن سعد بن زيد بن قسر، وهو مالك بن عبقر بن أنمار بن إراش -بهمزة مكسورة كما أسلفناه في ترجمته- مات بقرقيسيا سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة أربع وخمسين بعد المغيرة بن شعبة.
стр. 12886
٦٣ - [باب] غَزْوَةُ ذَاتِ السَّلَاسِلِ
وَهْيَ غَزْوَةُ لَخْمٍ وَجُذَامَ. قَالَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عُرْوَةَ: هِيَ بِلَادُ بَلِيٍّ وَعُذْرَةَ وَبَنِي الْقَيْنِ.
٤٣٥٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: "عَائِشَةُ". قُلْتُ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ: "أَبُوهَا". قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "عُمَرُ". فَعَدَّ رِجَالاً فَسَكَتُّ مَخَافَةَ أَنْ يَجْعَلَنِي فِي آخِرِهِمْ. [انظر: ٣٦٦٢ - مسلم: ٢٣٨٤ - فتح: ٨/ ٧٤]
ثم ساق حديث خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ بَعَثَ عَمْرَو بْنَ العَاصِي عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ .. الحديث.
وقد سلف في فضائل الصديق من هذا الوجه من حديث خالد الحذاء، عن أبي عثمان قال: حدثني عمرو بن العاصي أن النبي ﷺ بعثه على جيش ذات السلاسل: فأتيته .. الحديث (١)، وقد سلف هناك ضبطها وتاريخها واضحًا فراجعه.
و (أبو عثمان) هو: ابن مَل النهدي، أسلم في حياة رسول الله ﷺ وهو مخضرم.
ولخم وجذام قبيلتان من قحطان، وبلي وعذرة قبيلتان غيرهما وبنو القين قبيل بن تيم.
стр. 12887
وفيه: فضل ظاهر لأبي بكر وعمر وفضل لعائشة ﵂.
فصل:
وفي هذِه الغزوة تيمم أميرها عمرو بن العاصي خشية البرد، وقال له ﵇: "صليت بأصحابك وأنت جنب" (١) وقد ذكره البخاري معلقًا في التيمم (٢) كما أسلفنا الكلام عليه هناك، وذكر البيهقي في "دلائله" هنا بابًا في الجزور التي نحرت في هذِه الغزوة وما جرى لعوف بن مالك الأشجعي فيها، وإخباره ﵇ عوفًا بعلمه بها قبل أن يخبره عوف، من حديث عوف بن مالك الأشجعي من طريق ابن شهاب وغيره، وأنه أخذ منها جزءًا على قسمتها، وأن أبا بكر وعمر تقيآه وقالا: ما أحسنت حين أطعمتنا (٣).
ما ذكر له ما يكون إلا عن كتاب أو كهانة، والذي قاله ذو عمرو لا يكون إلا عن كتاب من كتب الله المتقدمة، وكان بعثه هذا في سنة إحدى عشرة، بعثه ﵇ إلى ذي الكلاع يدعوه إلى الإسلام، فأسلم.
ومعنى: (تأمرتم): تشاورتم. وذكر ابن عبد البر أن ذا عمرو وذا الكلاع أقبلا إلى رسول الله ﷺ مسلمين، ومعهما جرير بن عبد الله أرسله رسول الله ﷺ إليهما في قتل الأسود العنسي (١) وهو صحيح. وقيل: بل كان جرير معهما مسلمًا وافدًا على رسول الله ﷺ ، وكان الرسول إليهم جابر بن عبد الله في قتل الأسود فقدموا وافدين على رسول الله ﷺ فلما كانوا ببعض الطريق. قال ذو عمرو لجرير .. الحديث.
وذو الكلاع: اسمه اسميفع، وقيل: (سميفع) (٢) بغير همز، وقيل: أفع وهو حميري. يكنئ: أبا شرحبيل، وقيل: أبو شراحيل.
ذكر ابن عبد البر (٣) أنه أعتق عشرة آلاف بيت (٤).
وقال ابن دريد في "المنثور": كان ذو الكلاع ادعى الربوبية في الجاهلية، وإن إسلامه كان أيام عمر؛ لأنه ﵇ كتب له مع جرير، وجرير إنما قدم بعد وفاة رسول الله ﷺ .
٤٣٦٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا ﵁ يَقُولُ: غَزَوْنَا جَيْشَ الْخَبَطِ وَأُمِّرَ أَبُو عُبَيْدَةَ، فَجُعْنَا جُوعًا شَدِيدًا، فَأَلْقَى الْبَحْرُ حُوتًا مَيِّتًا، لَمْ نَرَ مِثْلَهُ، يُقَالُ لَهُ: الْعَنْبَرُ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ نِصْفَ شَهْرٍ، فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَظْمًا مِنْ عِظَامِهِ، فَمَرَّ الرَّاكِبُ تَحْتَهُ. فَأَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كُلُوا. فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "كُلُوا، رِزْقًا أَخْرَجَهُ اللهُ، أَطْعِمُونَا إِنْ كَانَ مَعَكُمْ". فَأَتَاهُ بَعْضُهُمْ ﴿بِعُضْوٍ﴾ فَأَكَلَهُ. [انظر: ٢٤٨٣ - مسلم: ١٩٣٥ - فتح: ٨/ ٧٨]
(سيف): بكر السين (١): شاطئه، وتدعى: سرية الخبط -كما ذكره البخاري بعدُ في حديث جابر- لأكلهم إياه، وكانت في رجب سنة ثمان فيما ذكره ابن سعد، وكانوا ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار فيهم عمر بن الخطاب، وعليهم أبو عبيدة، بعثهم إلى حي من جهينة بالقبلية مما يلي ساحل البحر وبينهما وبين المدينة خمس ليال، فأصابهم جوع شديد حتى أكلوا الخبط، وابتاع قيس بن سعد (جزرًا) (٢) فنحرها لهم وألقى لهم البحر حوتًا عظيمًا، فأكلوا منه ثم انصرفوا ولم يلقوا كيدًا (٣) وكانت غزوة ذات السلاسل قبلها في جمادى الآخرة من السنة على قول الحاكم وابن سعد (٤)، وكانت غزوة مؤتة قبلها في جمادى الأولى من السنة أيضًا.
ثم ساق البخاري في الباب أربعة أحاديث عن جابر:
أحدها:
حديث وهب بن كيسان عنه: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْثًا قِبَلَ السَّاحِلِ،
стр. 12892
وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ وَهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ فخرجوا، ففني زادهم، وجُمِعَ أزواد القوم، فَكَانَ مِزْوَدَيْ تَمْرٍ، فاقتاتوا تَمْرَة تَمْرَة، فَقُلْتُ -أي: قال وهب-: مَا تُغْنِي عَنْكُمْ تَمْرَةٌ؟! فَقَالَ: لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَنِيَتْ. ثُمَّ انْتَهَيْنَا إِلَى البَحْرِ، فَإِذَا حُوتٌ مِثْلُ الظَّرِبِ، فَأَكَلَ مِنْهَ القَوْمُ ثماني عَشْرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ أَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِضِلَعَيْنِ مِنْ أَضْلَاعِهِ فَنُصِبَا، ثُمَّ أَمَرَ بِرَاحِلَةٍ فَرُحِلَتْ، ثُمَّ مَرَّتْ تَحْتَهُمَا فَلَمْ تُصِبْهُمَا.
ثانيها:
من حديث عمرو بن دينار عنه: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ نرْصُدُ عِيرَ قُرَيْشٍ. إلى أن قال: فَأَلْقَى لَنَا البَحْرُ دَابَّةً يُقَالُ لَهَا: العَنْبَرُ، فَأَكَلْنَا مِنْهُا نِصْفَ شَهْرٍ وَادَّهَنَّا مِنْ وَدَكِهِ حَتَّى ثَابَتْ إِلَيْنَا أَجْسَامُنَا.
وفيه: فَعَمَدَ إِلَى أَطْوَلِ رَجُلٍ مَعَهُ وَأَخَذَ رَجُلاً وَبَعِيرًا فَمَرَّ تَحْتَهُ، قَالَ جَابِرٌ: وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ نَحَرَ ثَلَاثَ جَزَائِرَ، ثُمَّ ثلاثًا، ثُمَّ ثلاثًا، ثُمَّ إِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ نَهَاهُ.
ثالثها:
من حديث عمرو عنه، وفيه: فَأَكَلْنَا مِنْهُ نِصفَ شَهْرٍ، فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَظْمًا مِنْ عِظَامِهِ، فَمَرَّ الرَّاكِبُ تَحْتَهُ. وأَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كُلُوا. فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "كُلُوا، رِزْقًا أَخْرَجَهُ اللهُ، أَطْعِمُونَا إِنْ كَانَ مَعَكُمْ". فَأَتَاهُ بَعْضُهُمْ بِعُضوٍ فَأَكَلَهُ.
وهذا الحديث ذكره في الصيد والذبائح كما سيأتي (١)، ولمسلم من حديث أبي الزبير، عن جابر: فأكلنا منه شهرًا (٢)، وفي حديث وهب بن
стр. 12893
كيسان عنه عند الحاكم: اثني عشر يومًا (١).
وقال ابن التين: إحدى روايتي البخاري -نصف شهر أو (ثمانية عشر) (٢) ليلة- وهم، أو يتجاوز أحدهما لتقارب ذلك (٣).
وقوله: (الظرب). كذا هو في الأصول بظاء، وهو ما ذكره أهل اللغة أيضا. ووقع في بعض النسخ بالضاد، كما حكاه ابن التين، ثم نقل عن القزاز أن الظِّرْب -ساكن الراء-: جبل منبسط ليس بالعالي، وأن غيره قاله بكسرها: وهو الرابية. والضلع بكسر الضاد، وفتح اللام. وقوله: (فنصبا) صوابه: فنصبتا؛ لأن الضلع مؤنثة، نعم يجوز فيها؛ لأنه لا فرج لها. والودك بفتح الواو والدال.
و (ثابت أجسامنا): رجعت.
و (الخبط): الورق الذي يسقط من الشجر عند خبطك إياها. وقال الداودي: هو الورق الأخضر الرطب كانوا يأكلونه، فكان أحدهم يضع كما يضع البعير، والخبط من علف الإبل.
ونهيُ أبي عبيدة عن نحر الجزائر؛ خوفًا من أن يبقوا بغير حمولة،
стр. 12894
وكان نحرها من ماله أطعمهم إياها -كذا في كتاب ابن التين- والظاهر أنه قيس بن سعد بن عبادة (١)، وبه صرح الدمياطي بخطه في الذبائح. وقول أبي عبيدة: (كلوا) اعتبارًا بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ وأكل الشارع منه في المدينة دال على أنه لم يبح لهم أكله للضرورة.
ففيه: الرد على من منع الطافي فطعامه ما طفا أو ألقاه إلى الساحل، وكذا حكم سائر حيوان البحر على اختلاف أصنافها إلا ما يعيش في بر وبحر على ما استثناه أصحابنا كالضفدع والسرطان والحية، وعند المالكية خلاف في احتياج الضفدع إلى الذكاة (٢).
стр. 12895
٦٦ - [باب] حَجُّ أَبِي بَكْرٍ بِالنَّاسِ فِي سَنَةِ تِسْعٍ
٤٣٦٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ بَعَثَهُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَوْمَ النَّحْرِ فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ: لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ. [انظر: ٣٦٩ - مسلم: ١٣٤٧ - فتح: ٨/ ٨٢]
٤٣٦٤ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ كَامِلَةً بَرَاءَةٌ، وَآخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ خَاتِمَةُ سُورَةِ النِّسَاءِ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء:١٧٦]. [٤٦٠٥، ٤٦٥٤، ٦٧٤٤ - مسلم:١٦١٨ - فتح:٨/ ٨٢]
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ بَعَثَهُ فِي الحَجَّةِ التِي أَمَّرَهُ عليها رسول الله ﷺ قبْلَ حَجَّةِ الوَدَاعِ فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ: أن ألَا يَحُجّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفن بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ.
وحديث أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ قَالَ: آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ كَامِلَةً بَرَاءَةٌ، وَآخِرُ آية نَزَلَتْ خَاتِمَةُ سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦].
أما حديث أبي هريرة فسلف في الحج (١)، وأما حديث البراء فيأتي في التفسير ولم يذكر (كاملة) ولفظه هناك: آخر سورة نزلت: [﴿بَرَاءَةٌ﴾] (٢) وَاخر آية نزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾. واعترض الداودي على قوله: (كاملة) وقال: إنه ليس بشيء، إنما أنزلت شيئًا بعد شيء.
стр. 12896
وقال ابن عباس -فيما ذكره النحاس- في آخر سورة نزلت: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ وسيأتي في التفسير في آخر سورة البقرة عن ابن عباس أن آخر آية نزلت آية الربا (١).
قال الداودي: يقال: إن الصِّدِّيق حج في تلك السنة في ذي القعدة؛ لأن قريشًا كانوا صيروا حجهم عامين في ذي الحجة وعامين في ذي القعدة. وفرض الحج في السنة العاشرة التي حج فيها رسول الله ﷺ . والمشهور خلاف ما ذكره، وقد ذكرناه في بابه.
стр. 12897
٦٧ - [باب] وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ
٤٣٦٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي صَخْرَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ الْمَازِنِيِّ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ قَالَ: أَتَى نَفَرٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا بَنِي تَمِيمٍ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا. فَرِيءَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، فَجَاءَ نَفَرٌ مِنَ الْيَمَنِ، فَقَالَ: «اقْبَلُوا الْبُشْرَى إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ". قَالُوا: قَدْ قَبِلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ. [انظر:٣١٩٠ - فتح: ٨/ ٨٣]
من هنا بدأ البخاري بالوفود، وذكر فيه حديث عمران بن حصين قال: قَالَ أَتَى نَفَرٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا بَنِي تَمِيمٍ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا. فَرُؤِيَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ فَجَاءَ نَفَرٌ مِنَ الْيَمَنِ فَقَالَ: "اقْبَلُوا الْبُشْرَى إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ". قَالُوا: قَدْ قَبِلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ.
هذا الحديث سلف نحوه من طريق أبي موسى في باب غزوة الطائف (١).
وفيه: ما كان عليه أهل اليمن من رقة القلوب، وقد شهد لهم الشارع بأنهم ألين قلوبًا وأرق أفئدة.
قال الداودي: وقيل: إنه قال هذا القول وهو في جهة وادي القرى والمدينة ومكة بجنب اليمن، وهذا إنما ذكره العلماء في قوله: "الايمان يمان" (٢) نبه عليه ابن التين.
وحديث عبد الله بن الزبير: قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ عَلَى رسول الله ﷺ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمِّرِ القَعْقَاعَ بْنَ مَعْبَدِ بْنِ زُرَارَةَ. وقَالَ عُمَرُ: بَلْ أَمِّرِ الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا أَرَدْتَ إِلَّا خِلَافِي. قَالَ عُمَرُ: مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ. فَتَمَارَيَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَنَزَلَ فِي ذَلِكَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] حَتَّى انْقَضَتْ.
وكان اختلاف أبي بكر وعمر قبل قوله ﵇ لعمر حين قارع أبا بكر: "هل أنتم تاركوا لي صاحبي، إن الله بعثني بالبينات والهدى فقال أبو بكر: صدقت، وقلتم: كذبت" (١) فعرفت الناس له ذلك بعد، وذهب أبو بكر إلى أن القعقاع كان أرق من الأقرع، وذهب [عمر] (٢) إلى أن الأقرع أجرأ من القعقاع، وكل أراد خيرًا قال عمر: وكنت أخشى من أبي بكر بعض الجد.
وقوله: (فنزل في ذلك … ) الآية المذكورة. زاد في التفسير: فما كان عمر يسمع رسول الله ﷺ بعد هذِه الآية حتى يستفهمه، ولم يذكر ذلك عن أبيه، يعني: أبا بكر (٣). وقال الحسن: ذبح قوم قبل صلاة رسول الله ﷺ يوم النحر فأمرهم أن يعيدوا ذبحًا آخر، ونزلت الآية، وقال قتادة: ذكر لنا أن قومًا قالوا [لو] (٤) نزل في كذا وكذا، وصنع كذا وكذا؛ فكره الله ذلك وقدَّم فيه (٥).
وقوله: (وإنا أخبرنا أنكِ تصليهما) كذا هو في الأصول، يعني: الركعتين بعد العصر واعترض ابن التين فقال الصواب: تصليهما؛ لأنه فعل مستقبل للقرينة المخاطبة، مرفوع على أصله.
وفيه: حجة للشافعي على قضائها بعد العصر خلافًا لمالك (١).
وفيه: بعث السرايا واغتسال المشرك، وقد سلف حكمه، وقال ابن القاسم: إذا اغتسل قبل الإسلام، وكان قد أجمع على الإسلام؛ فإنه يجزئه (١). يريد أثه وقع في قلبه المعرفة بالله وبرسالة رسوله.
ومعنى صبوت: خرجت من دين إلى دين آخر.
وقوله: (إن تقتل تقتل ذا دم، ادعى الداودي أن المراد: ذمة وعهد ووفاء. قال: وفيه: أن ثلاثة أيام بلاغ في العذر. وفيه: الأمر بإطلاق الأسير قبل إسلامه بغير فداء ولا شرط.
الحديث الثاني:
حديث ابن عباس ﵄ في قصة مسيلمة، وقد سلف سندًا ومتنًا في باب: علامات النبوة (٢).
وقوله: ("هذا ثابت يجيبك عني") أي: إن كان عندك كلام تتكلم به جاوبك فيه عما تريده، وأسلفنا هناك أن مسيلمة بكسر اللام، وهو أبو هارون بن ثمامة أو يمامة، وكناه الأخطل المتنبئ أبا أمامة بن كثير الحقير، ادّعَى النبوة وعمَّر، وكان كاهنًا أصيفر، أخينس وأتى بترهات وأباطيل، أحل ما لا يحل، أُنَزِّه شرحي هذا وسماع أذني عنه.
و (العنسي) بالنون كما سلف، واسمه الأسود -كما ذكره البخاري بعد- ابن كعب، ولقبه: عبهلة، أي: أمره لا يرد، وذو الخمار أيضًا، إما لأنه اسم شيطانه، أو لأنه كان يخمر وجهه.
وعنس هو زيد بن مالك، وهو مذحج بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ. خرج العنسي بصنعاء، وعليها
стр. 12906
المهاجر بن أبي أمية، وكان أول ما ضل به عدو الله أن مرَّ بحمار فعثر لوجهه، فادعى أنه سجد له، ولم يقم الحمار حتى قال عدو الله: شأ (١) فقام، وقتل بغمدان، حمل رأسه وسلبه إلى رسول الله ﷺ . قال ابن إسحاق: ومنهم من يقول: كان ذلك في خلافة أبي بكر والله أعلم.
وقد أوضح الواقدي حاله في كتاب "الردة" ومن ترهاته: والمايسات ميسا والداوسات دوسًا. وكان لا يغتسل ولا يصلي ويتعاطى المنكر، وقتل عليها.
الحديث الثالث:
حديث أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِخَزَائِنِ الأَرْضِ، فَوُضِعَ فِي كَفِّي سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ .. " الحديث، سلف معناه فيما مضى
الحديث الرابع:
حَدَّثنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، سَمِعْتُ مَهْدِيَّ بْنَ مَيْمُونٍ سَمِعْتُ أَبَا رَجَاءٍ العُطَارِدِيَّ يَقُولُ: كُنَّا نَعْبُدُ الحَجَرَ، فَإِذَا وَجَدْنَا حَجَرًا هُوَ خْيَرُ مِنْهُ أَلْقَيْنَاهُ وَأَخَذْنَا الآخَرَ، فَإِذَا لَمْ نَجِدْ حَجَرًا جَمَعْنَا جُثْوَةً مِنْ تُرَابِ، ثُمَّ جِئْنَا بِالشَاةِ فَحَلَبْنَاهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُفْنَا بهِ، فَإِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَجَبٍ قُلْنَا: مُنَصِّلُ الأَسِنَّةِ. فَلَا نَدَعُ رُمْحًا فِيهِ حَدِيدَةٌ وَلَا سهْمًا فِيهِ حَدِيدَةٌ إِلَّا نَزَعْنَاهُ وَأَلْقَيْنَاهُ شَهْرَ رَجَبٍ.
стр. 12907
وَسَمِعْتُ أَبَا رَجَاءٍ العطاردي يَقُولُ: كُنْتُ يَوْمَ بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ غُلَامًا أَرْعَى الإِبِلَ عَلَى أَهْلِي، فَلَمَّا سَمِعْنَا بِخُرُوجِهِ فَرَرْنَا إِلَى النَّارِ إِلى مُسَيْلِمَةَ الكَذَّابِ.
أبو رجاء هذا اسمه عمران بن ملحان، أسلم في حياة رسول الله ﷺ ولم يره، وروى عن عمر وعلي وعدَّة، وكان عالمًا عاملاً معمرًا، نبيلاً من القراء، مات سنة سبع أو ثمان ومائة.
والجثوة بضم الجيم: القطعة من التراب، وجمعها: جثًا.
معنى: (منصل الأسنة) بالنون: نازعها، يقال: أنصلت الرمح: نزعت نصله، ونصلته: جعلت له نصلاً. ونصل السهم: خرج، فهو من الأضداد، وكانوا لا يقاتلون في الأشهر الحرم؛ تعظيمًا لها.
وقوله: (وهي أم عبد الله) صوابه: أم ولد عبد الله بن عامر لا أمه، كما نبه عليه الدمياطي (١)، و (عامر) شقيق أروى -أم عثمان بن عفان وغيره- أمهم أم حكيم بنت عبد المطلب بن هاشم، وعامر والحارث وعبيس وأروى أولاد كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس.
وذكره ابن التين بلفظ: وكان تحته، ثم قال: صوابه وكانت. والعنسي بالنون، وضبطه ابن التين بإسكان النون وبفتحها، ولم يحك في التفسير سوى الإسكان، فقال: به قرأناه.
وقوله: ("وضع في يدي سواران من ذهب، ففظعتهما وكرهتهما").
يقال: فظع (٢) الأمر بالضم فظاعة فهو فظيع، أي: شديد شنيع، جاوز المقدار، وكذلك أفظع الأمر فهو مفظع، وأفظع الرجل على ما لم يسم فاعله، أي: نزل به أمر عظيم، وأفظعت الشيء واستفظعته: وجدته فظيعًا (٣)، والمعنى على هذا: وجدتهما فظيعين.
فَاستَشْرَفَ لها أَصْحَابُ رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَالَ: "قُمْ يَا أَبا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرَّاحِ". فَلَمَّا قَامَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هذا أَمِينُ هذِه الأمّةِ".
ثم ساق حديث صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: جَاءَ أَهْلُ نَجْرَانَ إِلَى رسول الله ﷺ فَقَالُوا: ابْعَثْ لنَا رَجُلاً أَمِينًا .. الحديث.
وسلف في مناقبه، وقال ههنا: (فاستشرف لها الناس) وقال هناك: (فاستشرف أصحابه).
ثم ذكر حديث أَنَسٍ: "إِنَّ لكلِ أُمَّةٍ أمينًا .. " الحديث، سلف أيضًا هناك.
الشرح:
كان أهل نجران أهل كتاب، والسيد والعاقب: علماؤهم وملوكهم. ذكر ابن سعد أنه ﵇ (كتب) (١) إلى أهل نجران، فخرج إليه وفدهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم، فيهم: العاقب -وهو عبد المسيح من كندة- وأبو الحارث بن علقمة -رجل من ربيعة- وأخوه (كوز) (٢)، وأوس والسيد ابنا الحارث، وزيد بن قيس (٣) وشيبة (٤) وخويلد، وخالد وعمرو وعبيد الله، وفيهم ثلاثة نفر يتولَّون أمرهم:
стр. 12912
العاقب أميرهم وصاحب مشورتهم والذي يصدرون عن رأيه، وأبو الحارث أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدارسهم. والسيد، وهو صاحب رحالهم، ويقدُمُهم كوز وهو يقول:
إليك تعدو قلقًا وضينها (١)
معترضًا في بطنها جنينها
مخالفًا دين النصارى دينها
ودخلوا المسجد وعليهم ثياب الحبرة وأردية مكفوفة بالحرير، فقاموا يصلون في المسجد نحو الشرق، فقال ﵇: "دعوهم" ثم أتوا رسول الله ﷺ فأعرض عنهم ولم يكلمهم، فقال لهم عثمان: ذلك من أجل زيكم. فانصرفوا بزيِّهم ذلك، ثم غدوا عليه بزي الرهبان، فسلموا، فرد عليهم ودعاهم إلى الإسلام، فأبوا وأكثروا الكلام واللجاج بينهم، وتلا عليهم القرآن وقال: "إن أنكرتم ما أقول لكم فهلم أباهلكم" فانصرفوا على ذلك.
فغدا عبد المسيح ورجلان من ذوي رأيهم فقالوا: قد بدا لنا أن لا نباهلك، فاحكم علينا بما أحببت نعطك ونصالحك، فصالحهم على ألفي حلة، ألف في رجب، وألف في صفر، أو قيمة ذلك من الأواقي، وعلى عارية ثلاثين درعًا، وثلاثين رمحًا، وثلاثين بعيرًا، وثلاثين فرسًا إن كان باليمن كيد، ولنجران وحاشيتهم جوار الله وذمة
стр. 12913
محمد ﷺ النبي، على أنفسهم (وملائهم) (١) وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وبيعهم، ولا يغير أسقف عن سقيفاه، ولا راهب عن رهبانيته، ولا واقف عن وقفانيته، وأشهد على ذلك شهودًا، منهم: أبو سفيان، والأقرع بن حابس، والمغيرة بن شعبة، ورجعوا إلى بلادهم فلم يلبث السيد والعاقب إلا يسيرًا حتى رجعا إلى رسول الله ﷺ (فأسلما) (٢) وأقام أهل نجران على ما كتب لهم حتى قبض رسول الله ﷺ . فلما ولي أبو بكر كتب بالوصاة بهم، ثم أصابوا ربًا فأخرجهم عمر من أرضهم، وكتب لهم: هذا ما كتب عمر أمير المؤمنين لنجران، من سار منهم أنه آمن بأمان الله، لا يضرهم أحد من المسلمين؛ وفاءً لهم بما كتب رسول الله ﷺ وأبو بكر. أما بعد: فمن وقعوا به من أمراء الشام وأمراء العراق فليوسعهم من جريب الأرض، فما اعتملوا من ذلك فهو لهم صدقة، وعقب لهم بمكان أرضهم، لا سبيل عليهم لأحد ولا مغرم.
أما بعد: فمن حضرهم من رجل مسلم فلينصرهم على من ظلمهم فإنهم أقوام لهم الذمة، وجزيتهم عنهم متروكة أربعة وعشرين شهرًا بعد أن تقدموا، ولا يكلفوا إلا من ضيعتهم التي اعتملوا غير مظلومين ولا معنوف عليهم. شهد عثمان بن عفان ومعيقيب، فوقع ناس منهم بالعراق فنزلوا النجرانية التي بناحية الكوفة (٣).
فصل:
العقب هنا: الذرية، وقيل: كل الورثة.
مرتين، وهذا قد أسلفته بسنده في أبواب الكفالة (١).
وقوله: (أدوأ من البخل) ضبطه الدمياطي بخطه بالهمز، وقال ابن التين فيه: غير مهموز؛ لأنه من دوى (٢). والبخل -بضم الباء وإسكان الخاء، وبفتحهما- وهو: أن يمنع المرء ما وجب عليه فلا يؤديه.
عَبْدُ اللهِ: مَا أَقْرَأُ شَيْئًا إِلاَّ وَهُوَ يَقْرَؤُهُ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى خَبَّابٍ وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ: أَلَمْ يَأْنِ لِهَذَا الْخَاتَمِ أَنْ يُلْقَى؟ قَالَ: أَمَا إِنَّكَ لَنْ تَرَاهُ عَلَيَّ بَعْدَ الْيَوْمِ. فَأَلْقَاهُ. رَوَاهُ غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ. [فتح: ٨/ ١٠٠]
ثم ساق أحاديث:
أحدها:
حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ قَالَا: ثنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، ثنَا ابن أَبِي زَائِدَةَ، [عَنْ أَبِيهِ] (١)، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَدِمْتُ أَنَا وَأَخِي مِنَ اليَمَنِ، فَمَكَثْنَا حِينًا مَا نُرى ابن مَسْعُودٍ وَأُمَّهُ إِلَّا مِنْ أَهْلِ البَيْتِ؛ مِنْ كَثْرَةِ دُخُولِهِمْ وَلُزُومِهِمْ لَهُ.
هذا الحديث سلف في مناقب عبد الله بن مسعود بإسناد آخر ولم يذكر أمه (٢) -وسقط من نسخة أبي زيد شيخا البخاري، وابتدأ الإسناد بقوله: (حدثنا يحيى بن آدم) والصواب ثبوتهما (٣) - وأمه أم عبد بنت عبد ودّ بن سواء بن قريم (٤)، وأمها: هند بنت عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب.
وفيه: فضل ابن مسعود وأمه.
стр. 12919
ثانيها:
حديث أبي موسى، وقد سلف في الخمس.
وقوله: (لَمَّا قَدِمَ أَبُو مُوسَى أَكْرَمَ هذا الحَيَّ مِنْ جَرْمٍ) يريد أنه نزل على الرية (١).
ثالثها:
حديث عمران بن حصين: جَاءَتْ بَنُو تَمِيمٍ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "أَبْشِرُوا … " الحديث، سلف قريبًا في باب: وفد بني تميم (٢).
رابعها:
حديث أبي مسعود: "الإِيمَانُ هَا هُنَا -وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى اليَمَنِ- وَالْجَفَاءُ وَغِلَظُ القُلُوبِ فِي الفَدَّادِينَ، عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِبِلِ مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ".
وسلف في مناقب قريش مع طريق آخر من حديث أبي هريرة (٣).
خامسها:
حديث ابن أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ رسول الله ﷺ قَالَ: "أَتَاكُمْ أَهْلُ اليَمَنِ، هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً وَأَلْيَنُ قُلُوبًا، الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ".
قَالَ غُنْدَرٌ: قال شُعْبَة: عَنْ سُلَيْمَانَ: سَمِعْتُ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ رسول الله ﷺ .
стр. 12920
سادسها:
حديث أَبِي الغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (قَالَ) (١): "الايمَانُ يَمَانٍ، وَالْفِتْنَةُ ههنا، ههنا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ".
سابعها:
حديث أبي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ -أيضًا، عَنِ رسول الله ﷺ قَالَ: "آتَاكُمْ أَهْلُ اليَمَنِ، أَضْعَفُ قُلُوبًا وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً، الفِقْهُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ".
وفيه: ثناء على أهل اليمن؛ لمبادرتهم إلى الدعوة وإسراعهم إلى قبول الإيمان، وفي قوله: "الحكمة يمانية" ثناء على الأنصار، ومعنى الحكمة: الفقه كقوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٢٩] قال أهل التأويل: يعني الفقه، وأكثر فقهاء الصحابة الأنصار، ذكره كله الخطابي، قال: ووصف الأفئدة بالرقة، والقلوب باللين، وذلك أنه يقال: إن الفؤاد غشاء القلب، فإذا رق نفذ القول وخلص إلى ما وراءه، وإذا غلظ تعذر وصوله إلى داخله، فإذا صادف القلب لينًا علق به وتجمع فيه (٢).
قلت: وقيل: أراد بقوله: "الإيمان يمان" أن ابتداء الإيمان من اليمن؛ لأن مكة يمانية، وهي مولد رسول الله ﷺ ، وهو قول أبي عبيد، وقيل: كان ﵇ حين قال هذا بتبوك، والمدينة حينئذٍ بينه وبين اليمن، وهو يريد مكة والمدينة. وقيل: أراد الأنصار؛ لأنهم يمانيون.