الحديث العشرون:
حديثها أيضًا أنها كانت تقول: إِنَّ مِنْ نِعَمِ اللهِ عَلَيَّ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ جَمَعَ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ.
ثم ذكرت قصة عبد الرحمن السالفة.
وقولها: (بين سحري ونحري) السحر: الرئة، وقال الداودي: هو ما بين الثديين.
وقوله: (وبين يديه ركوة أو علبة) يشك عمر -يعني ابن سعيد- أحد رواته. والركوة: من الأدم، راؤها مثلثة كما سلف، والعلبة: قدح من خشب ضخم يحلب فيه، أو من جلود الإبل، أو أسفله جلد وأعلاه خشب مدور أو غصن أو جذور، وجمعه: علب وعلاب.
وقولها: (وأنا مسندة رسول الله ﷺ ) وقولها بعده (وهو مستند إلى صدري)، وفي حديث جابر بن عبد الله- عند ابن سعد- عن علي ﵁ أنه قال: قبض رسول الله ﷺ وأنا مسنده إلى صدري، وفي حديث عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده، لما ثقل رسول الله ﷺ في حجري، قلت: يا عباس أدركني؛ فإني هالك، فكان جدهما جميعًا أن أضجعاه.
وعن علي بن حسين: قبض ورأسه في حجر علي ﵁. وكذا قال الشعبي وابن عباس. قال أبو غطفان: فقلت له: إن عروة حدثني، عن عائشة ﵂ قالت: توفي رسول الله ﷺ بين سحري ونحري. فقال ابن عباس: أتعقل؟ والله لتوفي رسول الله ﷺ ، وإنه لمستند إلى صدر علي، وهو الذي غسله وأخي الفضل، وأبى أبي أن يحضر.
стр. 12987
وقال أنه ﵇ كان يستحي أن أراه حاسرًا (١).
وروى الحاكم في "إكليله" من حديث عمرو بن ثابت بن أبي المقدام، عن أبيه، عن جده العرنى، عن علي ﵁، قال: أسندت رسول الله ﷺ إلى صدري فسالت نفسه. ومن حديث أم سلمة: كان علي ﵁ آخرهم عهدًا به جعل يسارة فاه على فيه حتى قبض.
ومن حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ لما حضره الموت: "ادعو إلي حبيبي" فقلت: أدعو علي بن أبي طالب، فوالله ما يريد غيره. فلما رآه نزع الثوب الذي كان عليه ثم أدخله فيه، فلم يزل يحتضنه حتى قبض ويده عليه (٢).
الحديث الحادي بعد العشرين:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بلَالٍ، قال هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: وأَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أً نَّه ﷺ كَانَ يَسْأَلُ فِي مَرَضِهِ الذِي مَاتَ فِيهِ يَقُولَ: "أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ ". الحديث.
وإسماعيل هذا هو ابن أبي أويس، ومات سنة ست أو سبع وعشرين ومائتين، ومات شيخه سليمان سنة اثنتين أو سبع وسبعين ومائة بالمدينة. قال أبو حاتم في الأول: محله الصدق مغفل، وضعفه النسائي (٣).
الحديث الثاني بعد العشرين:
حديثها أيضًا: تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْتِي وَفِي يَوْمِي، وَبَيْنَ سَحْرِي
стр. 12988
وَنَحْرِي، الحديث. وهو بمعنى ما سلف.
الحديث الثالث بعد العشرين:
حديثها أيضًا: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَقْبَلَ عَلَى فَرَسٍ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ حَتَّى نَزَلَ، فَدَ خَلَ، الحديث.
وقد سلف في: فضائل الصديق (١).
والسنح بإسكان النون منازل بني الحارث بن الخزرج بعوالي المدينة، وقوله: (فتيمَّم رسول الله ﷺ ) أي قصده.
والحبرة: ثوب. وقيد ابن التين بالأخضر، قال: يستحب للموتى أن يسجوا به وربما كفنوا فيه.
وقوله: (فقبله وبكى) فيه: أنه لا بأس بتقبيل الميت والبكاء عليه بعد موته ما لم يعلن.
وقوله: (لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها) وقد أسلفنا أن المراد: ليس عليك بعد هذِه الموتة كرب مقبورًا، ولا عند نَشْرِك، ولا في الموقف، ولا في أحوال يوم القيامة كلها.
وقال الداودي: لا يموت في قبره موتة أخرى كما قيل في الكافر والمنافق بعد أن ترد إليه روحه ثم يقبض، وقال قبله: أي لا يجمع الله عليك كرب هذا الموت، قد عصمك الله من عذابه ومن أهوال يوم القيامة، وقيل: أراد بذلك ردًا لقول من قال لم يمت رسول الله ﷺ ، وأشد من كان في ذلك عمر، وذلك أنه قال: ليبعثه الله فليقطعن أيدي رجال، فأخبر أبو بكر أنه مات، وليس يحيى ثم يموت، فيكون
стр. 12989
له موتتان، وقد عالج من الموت شدة، وقال: "إن للموت سكرات"، وقيل: أراد: موتك في موت شريعتك؛ يدل على ذلك قوله في الحديث: "من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات". وقول عمر ﵁: (ما هو إلا أن سمعت قوله في الحديث: من كان يعبد محمداً فإن محمدًا قد مات- أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تقلني رجلاي) أي: تحيرت ودهشت.
عن ابن الأعرابي: عقر الرجل ونحر: إذا تحير، ضبطه أبو الحسن بضم العين، وضبطه غيره بفتحها، وكذا هو في كتب أهل اللغة. وتقلني: تحملني، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا﴾ [الأعراف: ٥٧].
قوله: (وحتى هويت إلى الأرض) هوى بالفتح يهوي هويًا: سقط إلى أسفل، وهوِي يهوى: إذا أحب، وأهوى إليه بيده ليأخذه، وبتلاوة الصديق هذِه الآية: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ إلى قوله: ﴿الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، كان يسمى: أمير الشاكرين (١).
الحديث الرابع والخامس بعد العشرين:
حديثها وابن عباس ﵁: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَبَّلَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ مَوْتِهِ.
فيه ما تقدم وأنه لا بأس بتقبيله، وزاد: فقالت عائشة: لددناه في مرضه.
اللدود: أن يسقى الإنسان الدواء من أحد شقيه، ومنه لديدا الوداي: جانباه، وقيل: هو ما صب في وسط الفم، وقيل: ما صب في الحلق.
стр. 12990
وقوله: (لا يبقى في البيت أحد إلا لدّ) فيه مشروعية القصاص فيما يصاب به الإنسان عمدًا.
وفيه: أنه ﷺ ربما انتقم لنفسه، ويكون معنى حديث عائشة ﵂: إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها، أي: ما أصيب به في بدنه قد انتهكت به حرمة الله، وإن ترك الانتقام ترك الأموال.
وفيه: أن التأويل البعيد لا يعذر به صاحبه.
صَدْرِي، فَدَعَا بِالطَّسْتِ فَانْخَنَثَ فَمَاتَ، فَمَا شَعَرْتُ، فَكَيْفَ أَوْصَى إِلَى عَلِيً؟!
معنى الحديث: مال إلى أحد شقيه، وفيه: حديث النهي عن اختناث الأسقية، وهو أن تثنى أفواهها ليشرب منها، وسمي المخنث لانخناثه وتثنيه في مشيه وحركاته، وقيل: انخنث: استرخى.
وذكر بعده حديث طلحة: سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى ﵄: أَوْصَى النَّبِيُّ ﷺ ؟ فَقَالَ: لَا. فَقُلْتُ: كَيْفَ كُتِبَ عَلَى النَّاسِ الوَصِيَّةُ أَوْ أُمِرُوا بِهَا؟ قَالَ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللهِ. وسلف معناه.
وحديث عبد الله بن الحارث ﵁: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا عَبْدًا وَلَا أَمَةً، إِلَّا بَغْلَتَهُ البَيْضَاءَ .. الحديث وقد سلف.
وحديث حَمَّاد، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ رسول الله ﷺ جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ: وَاكَرْبَ أَبَاهْ. فَقَالَ لَهَا: "لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ اليَوْمِ". فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ: يَا أَبَتَاهْ، أَجَابَ رَبًّا دَعَاهْ، يَا أَبَتَاهْ، مَنْ جَنَّةُ الفِرْدَوْسِ مَأْوَاهْ، يَا أَبَتَاهْ، إِلى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ. فَلَمَّا دُفِنَ قَالَتْ فَاطِمَةُ: يَا أَنَسُ، أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ التُّرَابَ؟!
قال الخطابي: تكلم فيه غير واحد من أهل العلم، ويدخل فيهم أيضًا من لا يعد من أهل العلم، وهو إسحاق بن إبراهيم الموصلي فيما يعيب أصحاب الحديث في كتاب له، وزعم أنهم لا يعرفون معنى قوله: "ليس على أبيك كرب بعد اليوم" ثم قال: إنما كان كربه شفقة على أمته لما علم من وقوع الاختلاف والفتن بعده، قال: وهذا ليس بشيء، ولو كان كما قال لوجب انقطاع شفقته عن الأمة بعد موته، وشفقته دائمة على الأمة أيام حياته وباقية بعد وفاته؛ لأنه
стр. 12993
مبعوث إلى الغابرين قرنًا بعد قرن إلى قيام الساعة، وإنما هو ما كان يجده من كرب الموت وغيره، وكان بشرًا يناله الوصب، فيجد له من الألم مثل ما يجد الناس أو أكثر، وإن كان صبره عليه واحتماله أحسن، وقد روي عن عبد الله بن مسعود قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو محموم، فقلت: يا رسول الله، إنك توعك وعكًا شديدًا، قال: "أجل، إنا معشر الأنبياء يضاعف علينا البلاء كما يضاعف لنا الأجر" فالمعنى: لا يصيب بعد اليوم نصب ولا وصب يجد له كرباً إذا مضى إلى دار الكرامة (١).
فائدة:
زاد أبو داود عن حماد: يا أبتاه من ربه ما أدناه. وروى المبارك بن فضالة، عن ثابت، ولفظه: قالت فاطمة: واكرباه، فقال: فقال: "إنه ليس على أبيك كرب بعد اليوم" (٢) وأخرج ابن ماجه بعضه في: الجنائز (٣).
٨٥ - باب وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ -
٤٤٦٤، ٤٤٦٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَبِثَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرًا.
الحديث ٤٤٦٤ [٤٩٧٨ - فتح: ٨/ ١٥٠]
الحديث ٤٤٦٥ [انظر: ٣٨٥١ - مسلم: ٢٣٥١ - فتح: ٨/ ١٥٠]
٤٤٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تُوُفِّيَ وَهْوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ مِثْلَهُ. [انظر: ٣٥٣٦ - مسلم: ٢٣٤١ - فتح: ٨/ ١٥٠]
ذكر فيه حديث عائشة وابن عباس ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَبِثَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ، وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرًا.
إن قلتَ: قد يعارضه ما ذكره أيضًا من حديث ابن عقبة: سمعت عمرو بن دينار، قلت لعروة: إن ابن عباس يقول: لبث النبي ﷺ بمكة بضع عشرة سنة (١). وذكر في الهجرة من حديث عكرمة وعمرو بن دينار، عنه: ثلاث عشرة (٢).
قلتُ: عنه أوجه:
أحدها: أن هذا من حيث حمي الوحي وتتابع، روايته الأخرى: من حين البعثة.
стр. 12996
ثانيها: أنه ﷺ أسر الوحي ثلاث سنين أو نحوها، ثم أمر بأن يصدع
بما يؤمر. قاله أهل السير.
ثالثها: أنه ابتدئ بالوحي بعد الرؤيا الصادقة التي كانت ستة أشهر بسنتين ونصف.
رابعها: أن إسرافيل وكل به ثلاث سنين كما سلف، ثم جاءه جبريل بالقرآن، وادعى الداودي أن المشهور عن ابن عباس ثلاث عشرة.
وذكر فيه أيضًا حديث عائشة: أَنَّه ﷺ تُوُفِّيَ وَهْوَ ابن ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ. وهو قول ابن شهاب
ورواية أنس عاش ستين (١)، وهو أقل ما قيل، وعن ابن عباس خمسًا وستين (٢)، وهو أكثر ما قيل، وقد أسلفنا ذلك في أول هذا
الشرح.
وفي باب: وفاة النبي ﷺ ، في: أحاديث الأنبياء أيضًا، وأما غسله وتكفينه والصلاة عليه فمحل بسطه كتب السير.
стр. 12997
٨٦ - باب
٤٤٦٧ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلَاثِينَ. [يَعْنِي صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ]. [انظر: ٢٠٦٨ - مسلم: ١٦٠٣ - فتح: ٨/ ١٥١]
ذكر فيه حديث عائشة ﵂: تُوُفِّيَ رسول الله ﷺ ودِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلَاثِينَ صَاعًا.
وقد سلف في الرهن (١) وغيره، وذكره البخاري هنا؛ ليعلم أنه من آخر أحواله.
خاتمة نختم بها ما ذكره البخاري:
روى ابن سعد في "طبقاته" بإسناد جيد، عن أنس ﵇: كانت عامة وصية رسول الله ﷺ حين حضره الموت: "الصلاة وما ملكت أيمانكم" حتى جعل يغرغر بها في صدره، وما كاد يفصح بها لسانه (١).
وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: آخر ما عهد به ﷺ أنه أوصى بالرهاويين وجعل يقول: "إن بقيت لا أدع بجزيرة العرب دينين" (٢)، وفي حديث علي بن عبد الله بن عباس أوصى بالدوسيين والداريين والرهاويين خيرًا (٣)، وعن جابر ﵁: أوصى قبل موته بثلاث: "ألا لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله".
وأخرجه مسلم أيضًا (٤)، وفي "مسند أحمد" من حديث أبي عبيدة بن الجراح: آخر ما تكلم به رسول الله ﷺ : "أخرجوا يهود الحجاز وأهل نجر ان من جزيرة العرب" (٥)، وفي "الإكليل": "اليهود والنصارى من الحجاز"، وروى سليمان بن طرخان: آخر ما تكلم به جلال الدين الرفيع: "فقد بلغت".
стр. 13002
[بسم الله الرحمن الرحيم]
٦٥ - كتاب التفسير
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: اسْمَانِ مِنَ الرَّحْمَةِ، الرَّاحِمُ وَالرَّحِيمُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ كَالْعَلِيمِ وَالْعَالِمِ.
قوله: (هما اسمان) يريد: أنهما واحد في المعنى لا في الوزن، إذ الرحمن وزنه فعلان، قال ابن عباس ﵄: هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر، فالرحمن: الرقيق، والرحيم: العاطف على خلقه بالرزق (١).
стр. 13003
وقال غيره (١): الرحمن بجميع الخلق، والرحيم بالمؤمنين (٢)، يوضحه أن الرحمن لم يقع إلالله؛ ولهذا قدمه قبل الرحيم، وقيل: الرحيم أولئ من الراحم؛ لأنه ألزم في المدح، كأنها لازمة له غير مفارقة، والراحم لمن يرحم مرة واحدة، وأغرب أحمد بن يحيى حيث قال: الرحمن عربي، والرحيم عبراني (٣).
الشرح:
حديث أبي سعيد من أفراده، ويأتي في: التفسير في موضعين، وفضائل القرآن، وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه (١).
وخبيب أنصاري مدني يقال له السنحي (٢) وهو خال عبيد الله بن عمر العمري، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة، قاله ابن حبان (٣)، وما ذكره في سبب تسميتها أم الكتاب صالح لتسميتها الفاتحة، وأما من سماها أم الكتاب فلأن أم الشيء ابتداؤه وأصله، ومنه سميت أم القرى؛ لأن الأرض دحيت من تحتها (٤)، ولها عدة أسماء أخر موضعه كتب التفسير، وكره تسميتها بذلك الحسن وابن سيرين، حكاه القرطبي (٥)، وما ذكره من أن الدين الجزاء والحساب هو كذلك، وقد رواه الكشي (٦) في "تفسيره" بإسناد إلى مجاهد، ويطلق أيضًا على الطاعة والعبادة وغيرهما، والمعنى متقارب، وقيل: في قوله ﴿غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الوا قعة: ٨٦]، أي: مملوكين، ويخص بيوم الدين؛ لأنه لا مَلِكَ سواه إذ ذاك، ولا ملجأ إلا إليه، وادعى الداودي أن في حديث أبي سعيد تقديمًا وتأخيرًا.
قوله: "ألم يقل الله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ "، وقال مرة: كان قوله ﷺ في تفسير الحجر: "ما منعك أن تأتي" قبل أن يعلمه أبو سعيد
стр. 13006
أنه كان في الصلاة، ولا يظهر ذلك، وكأن أبا سعيد فهم الخطاب لمن هو خارج عن الصلاة إن استحضر ذلك، وهذا خاص به ﷺ ، وفيه: أن الأمر على الفور والعمل بالعموم.
والسؤرة بالهمز وعدمه.
ومعنى "أعظم": ثوابها. قال محمد بن علي بن الحسين: أولها ثناء، وأوسطها إخلاص، وآخرها مسألة. وفي "الموطأ": "سورة ما أنزل في التوراة ولا في الانجيل ولا في القرآن مثلها" (١).
وفيه: دلالة على فضيلة كلام الله تعالئ بعضه على بعض، وهو الصواب، وإن كان يحتمل أن يكون المراد أعظم نفعًا للمتعبدين؛ لأنه لا تجزئ صلاة إلا بها، ولذلك قيل لها: السبع المثاني كما سيأتي، ويوضحه قوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] والمراد بالخير العبادة. ذكره ابن بطال، قال: ويحتمل أن يكون أعظم بمعنى عظيم (٢).
وقوله: (قال: " ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ") قد يحتج به من لا يرى البسملة آية منها، والحمد: الثناء بجميل صفاته، والرب: المدبر. ﴿الْعَالَمِينَ﴾ كل موجود سوى الله.
وقوله: ("هي السبع المثاني والقرآن العظيم") هذا قول جماعة، وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير، أن السبع المثاني هي السبع الطوال: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس (٣).
стр. 13007
وذكر الحاكم على شرطهما عن ابن عباس أن السبع المثاني البقرة إلى آخر ما ذكر، وقال: الكهف بدل يونس (١).
وذكر الداودي عن غيره أنها البقرة إلى براءة. قال: وقيل: هي السبع التي تلي هذِه السبع، وقيل السبع: الفاتحة، المثاني: القرآن كما قال تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣].
وقوله: ("والقرآن العظيم") فيه دلالة على أنها القرآن العظيم وأن الواو هنا ليست بعاطفة، وقال الضحاك: القرآن العظيم: سائره (٢).
واختلف لم سميت أم القرآن مثاني؟ على أقوال:
أحدها: لأنها تثنى في كل ركعة فريضة ونافلة، قاله قتادة (٣).
ثانيها: لأنه يثنى فيها على الله؛ لأن في الحمد ثناءً عليه (٤).
ثالثها: لأنها استثنيت لهذِه الأمة لم تنزل على من قبلها (٥).
رابعها: لتثنية نزولها (٦).
стр. 13008
خامسها: لأن الفرائض والقصاص (١) تثنى فيها (٢).
فائدة:
الفاتحة مكية (٣). وقيل: مدنية (٤). وقيل: نزلت مرتين فيها، وقيل: نصفها مكي ونصفها مدني. حكاه أبو الليث السمرقندي في "تفسيره" (٥).
فائدة:
أبو سعيد بن المعلى قيل: اسمه رافع. وليس كذلك، فإنه قتل ببدر. قال ابن عبد البر: وأصح ما قيل فيه: الحارث بن نفيع بن المعلى بن لوذان الأنصاري الزرقي، له حديثان، وليس له في البخاري غير هذا الحديث. وقيل: أوس، وقيل: أبو سعيد بن أوس (٦).
стр. 13009
مات سنة أربع وسبعين عن أربع وثمانين سنة (١)، وابنه سعيد قاضي المدينة. تابعي، وأعمام أبي سعيد: راشد ورافع وهلال وأبو قيس بنو المعلى، شهدوا بدرًا وقتل رافع يومئذ، قتله عكرمة، ولم يذكر ابن إسحاق منهم سواه، وأخوهم عبيد قتله عكرمة أيضًا يوم أحد شهيدًا، ونفيع أسلم قبل قدومه ﷺ المدينة، وضربه رجل من مزينة حليف الأوس فقتله وهو ببطحان من أجل ما كان بين الأوس والخزرج، وكان أول قتيل في الإسلام في الأنصار، حكاه كله ابن الكلبي.
стр. 13010
٢ - باب ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]
٤٤٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا قَالَ الإِمَامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فَقُولُوا: آمِينَ. فَمَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَة؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". [انظر: ٧٨٠ - مسلم: ٤١٠ - فتح: ٨/ ١٥٩]
ذكر فيه حديث أَبِيِ هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النبي ﷺ قَالَ: "إِذَا قَالَ الإِمَامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فَقُولُوا: آمِينَ. فَمَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلَائِكَةِ؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
هذا الحديث سلف في: الصلاة سندًا ومتنًا وزيادة متابعة، وقد أسلفنا هناك خلافًا في تأمين الإمام عن مالك، والمشهور عنه المنع. وفي آمين خمس لغات سلفت، أفصحها وأشهرها المد مع التخفيف.
قال ابن درستويه: ولم يروه أحد عن رسول الله ﷺ إلا كذلك. وفي "صحيح ابن حبان" من حديث عدي بن حاتم رفعه: "اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضلال" (١)(٢) وأخرجه الطبري عن رجل له صحبة، وكذا قاله ابن عباس وجماعة (٣).
стр. 13011
ويوضحه قوله في اليهود: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾ [آل عمران: ١١٢] وفي النصارى: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ [المائدة: ٧٧]، وقرئ شاذًا: (غيرَ) بالنصب حكاها ابن جرير (١).
واختلف في الغضب من الله، فقيل: إنه إحلال عقوبته بمن غضب عليه، إما في دنياه وإما في آخرته. وقيل: إنه ذم منه لهم ولأفعالهم. وقيل: إنه صفة له (٢).
стр. 13012
(٢) سُورَةُ البَقَرَةِ
هي مدنية كلها إلا أربع آيات: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾، و ﴿الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾، و ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾، و ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾، وقيل (١): إنها أول سورة أنزلت بالمدينة إلا قوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾، وآيات الربا، وقيل: إنها مكية. وحديث يوسف بن ماهك، عن عائشة ﵂: ما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده (٢). وقوى الأول وسيأتي في البخاري.
حدثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا هِشَامٌ، ثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ بن مالك ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: ثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ، ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَجْتَمِعُ المُؤْمِنُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ أَبُو النَّاسِ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ .. " الحديث.
ويأتي في: التوحيد (١) وخبر الواحد (٢).
وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه (٣).
وذكر بعضهم أن البخاري روى عن خليفة هذا في عشرة مواضع مقرونًا ومفردًا، والغالب إذا أفرده ذكره بصيغة: قال لي. فقيل: هو بمنزلة التحديث على رأي من يراه، وقيل بل هو على سبيل المذاكرة.
وقال ابن طاهر: لم يرو عنه البخاري إلا حديثًا واحدًا في الدعوات وهو ابن خياط الحافظ أبو عمرو شباب العصفري، صدوق، مات سنة أربعين ومائتين (٤). قيل: علمه الأشياء كلها كالآنية والسوط (٥). وقيل: أسماء الملائكة (٦). وقيل: أسماء الأشياء ومنافعها.
стр. 13015
وقوله في الحديث عن آدم: ("لست هناكم") يريد أنه لم يخبر أن له ذلك.
وقوله: ("حتى أستأذن على ربي")، وفي رواية: "في داره" (١) فمعناه: داره التي خلقها لعباده كما قيل: بيت الله الكعبة والمساجد.
وقوله: ("ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود"، قال أبو عبد الله: "إلا من حبسه القرآن" يعني قول الله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾) أي: في حق الكافرين والمنافقين.
وقال في رواية أخرى: "فأمر الملائكة أن يخرجوا قومًا من النار" وهذا لا يخالف فيه، قد يؤمرون [أن] (٢) يخرجوهم بشفاعة سيدنا رسول الله ﷺ .
стр. 13016
٢ - باب
قَالَ مُجَاهِدٌ: (إِلَى شَيَاطِينِهِمْ) [البقرة: ١٤]: أَصْحَابِهِمْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ. ﴿مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ اللهُ جَامِعُهُمْ. ﴿عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا. قَالَ مُجَاهِدٌ (بِقُوَّةٍ) [البقرة: ٦٣] يَعْمَلُ بِمَا فِيهِ.
هذا كله أخرجه عبد بن حميد، عن شبابة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (١). وقال السدي في ﴿شَيَاطِينِهِمْ﴾: رءوسهم في الكفر (٢)، وشيطان مشتق من شاط إذا بعد. والمراد: جامعهم يوم القيامة ليعاقبهم. وقيل: أي يصيبهم متى شاء. وعن مجاهد في قوة: بجد (٣)، وقيل: بكثرة درس.
ص: وقال أبو العالية ﴿مَرَضٌ﴾: شك، أي: نفاق. ﴿صِبْغَةَ﴾: دين، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾: عبرة لمن بقي. ﴿لَا شِيَةَ﴾: لا بياض.
وما أسنده في ﴿صِبْغَةَ﴾ هو قول قتادة أيضًا (٤)، وقال مجاهد: أي: فطرة الله (٥) وقال الكسائي: هو إغراء، أي: الزموا تطهير الله بالإسلام، لا ما تفعله اليهود والنصارى. وقيل: هي الختان، اختتن إبراهيم فجرت الصبغة على الختان لصبغهم الغلمان في الماء.
стр. 13017
وقوله: (﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ عبرة لمن بقي). المعنى: لما بين يدي الصبغة من ذنوبهم، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ من يعمل مثلها، فخاف العامل أن يمسخ به، فالضمير للعقوبة. وقال ابن عباس: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ لمن حضر معهم. ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾: لمن أتى من بعدهم (١).
﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾: أمة محمد أن ينتهكوا حرمة الله فيصيبهم ما أصاب السبت (٢).
وقال مجاهد: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ ما قد مضى من خطاياهم ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ ويعني: أهلكوا بها (٣).
وقال قتادة: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ من ذنوبهم، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ من صيدهم الحيتان (٤).
وما ذكره في ﴿شِيَةَ﴾ لا بياض. وقيل: لا لون فيها يخالف جلدها، وقيل: لا بياض ولا سواد، وكل نحو الأقل (٥).
(ص): وقال غيره: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ يُولونكم. وهو قول أبي محمد (٦). وقيل: يضرونكم في العذاب مرة كذا، ومرة كذا، كما يفعل بالإبل السائمة. والمعنى: يسومونكم على سوء العذاب، أي: يذيقونكم أشده.
стр. 13018
(ص): (﴿ابْتَلَى﴾): اختبر، وقيل: امتحن.
(ص): (﴿الْوَلَايَةُ﴾ -مفتوحة- مصدر الولاء، وهي الربوبية. وإذا كسرت الواو؛ فهي الإمارة). هو كما قال. وذكر في سورة "الكهف" الولاية: مصدر ولي، وهناك موضعه
(ص): (قال بعضهم: الفوم: الحبوب التي تؤكل كلها فوم).
قلت: قال ابن عباس: إنها البر بعينه (١). وقال مجاهد وغيره: هو الخبز (٢). وقال الضحاك: هو الثوم (٣) في قراءة عبد الله (٤).
وقيل: هو نبت الثاقاء.
(ص): (﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾: أخلفتم). هو كما قال.
ص: (وقال قتادة: ﴿فَبَاءُوا﴾: انقلبوا). قلت: وقيل: رجعوا، وهو بمعناه.
(ص): (﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾: يستنصرون. ﴿شَرَوْا﴾: باعوا). هو كما قال.
(ص): (﴿رَاعِنَا﴾: من الرعونة. إذا أرادوا أن يحمقوا إنسانًا، قالوا: راعنا). قلت: أو أرعنا سمعك؛ فاسمع بها ونسمع منك (٥).
(ص): ﴿لَا يَجْزِي﴾: لا يغني. ﴿خُطُوَاتِ﴾: من الخطو). والمعنى: آثاره.
стр. 13019
٣ - [باب قَوْلُهُ تَعَالَى]: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]
٤٤٧٧ - حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ؟ قَالَ: "أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهْوَ خَلَقَكَ". قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: "وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ". قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: "أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ". [٤٧٦١، ٦٠٠١، ٦٨١١، ٦٨٦١، ٧٥٢٠، ٧٥٣٢ - مسلم: ٨٦ - فتح: ٨/ ١٦٣]
ذكر فيه حديث عبد الله: سَأَلْتُ النَّبِي ﷺ : أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ؟ قَالَ: "أَنْ تَجْعَلَ لله نِدًّا وَهْوَ خَلَقَكَ". قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "أَن تَقْتُلَ وَلَدَكَ مخافة أَنْ يَطْعَمَ مَعَك". قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "أَنْ تُزَانِي حَلِيلَةَ جَارِكَ".
الشرح:
هذا الحديث يأتي في سورة الفرقان.
وأخرجه في الأدب، والمحاربين، والديات، والتوحيد.
وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي (١) وابن ماجه.
والنِّد: ما كان مثل الشيء يضاده في أموره. والنديد: النِّد. قاله الخليل (٢). وأيّ هنا مشدد منون. قال ابن الجوزي: كذا سمعته من أبي محمد بن الخشاب. قال: ولا يجوز إلا تنوينه؛ لأنه اسم معرب [غير] (٣) مضاف.
стр. 13020
وتزاني: تفاعل من الزنا. معناه: أن يزني بها برضاها. والحليلة -بالحاء المهملة-: الزوجة لأنها تحل له، وهو يحل لها؛ لكونها تحل معه، أو لأن كلًّا منهما يحل أزرة الآخر، وهي أيضًا عرسه وقعيدته وبيته وغير ذلك.
ولما كان الشرك أعظم الذنوب بدأ به؛ لأنه جحد التوحيد، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، ثم ثناه بالقتل، وهو عند أصحابنا. ثاني الشرك، ثم الزنا؛ لأنه سبب لاختلاط الأنساب، لاسيما مع حليلة الجار؛ لأن الجار محله الذب عنه، وعن حريمه، فإذا قابله بالزنا كان من أقبح الأشياء.
وفيه: ذم البخل؛ لأنه أداه إلى قتل ولده مخافة الأكل معه.
стр. 13021
٤ - باب قَوْله تَعَالَى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة:٥٧]
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿الْمَنَّ﴾ صَمْغَةٌ. ﴿وَالسَّلْوَى﴾ طائر.
٤٤٧٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ". [٤٦٣٩، ٥٧٠٨ - مسلم: ٢٠٤٩ - فتح: ٨/ ١٦٣]
حَدثنَا أَبُو نُعَيْمٍ، ثنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ سعِيدِ بْنِ زَيْدٍ: قَالَ النبى ﷺ : "الْكَمْأةُ مِنَ المَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ".
قلت: تابعه شعبة عن عبد الملك، ذكره فى سورة الأعراف والطب (١).
الشرح:
المن: مثل الترنْجَبين (٢) فهو منٌّ مَحْض لم يَشُبْه عمل.
وأثر مجاهد هذا أخرجه عبد، عن شبابة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح عنه (٣).
قال قتادة: كان يسقط عليهم في مجلسهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس كسقوط الثلج، ثم يأخذ كل واحد منهم قدر ما يكفيه يومه ذلك، فإذا تعدَّاه فسد، ويأخذ يوم الجمعة ما يكفيه ليومه ويوم السبت (٤).
стр. 13022
والسلوى: طائر يشبه السمان.
وقال الضحاك: هو السماني (١). وعبارة بعضهم أنه أكبر من العصفور (٢). وعن وهب: المن خبز الرقاق مثل الذرة أو مثل النَّقى، والسلوى طير سمين يأخذون منه من سبت إلى سبت (٣). وأغرب المؤرج فقال: السلوى: العسل (٤). لا جرم قال ابن عطية: إنه طير بإجماع المفسرين (٥).
ثم الكلام على الحديث من وجوه:
ويأتي في سورة الأعراف والطب، وأخرجه مسلم (٦) والترمذي والنسائي وابن ماجه (٧).
стр. 13023
أحدها:
هذا الحديث يروى من طرق أخرى.
قال الترمذي بعد أن أخرجه من حديث أبي هريرة: وفي الباب عن سعيد بن زيد وأبي سعيد وجابر. ثم أخرجه من حديث سعيد بن زيد وقال: حسن صحيح (١). وأخرجه النسائي من حديث شهر بن حوشب عن ابن عباس (٢)، وأخرجه أبو سهل أحمد بن محمد بن سهل القطان من حديث عائشة.
وابن أبي عاصم في "الطب" من حديث بريدة وصهيب وجابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري.
وعند الدارقطني من حديث ابن عيينة عن عبد الملك بزيادة: "من المن الذي أنزل على بني إسرائيل". ورواه عطاء بن السائب، عن عمرو بن حريث، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ . ووهم في قوله: عن أبيه، ولا يعلم لأبيه حريث صحبة، وقد قيل: إن سعيد بن زيد زَوْج أم عمرو بن حريث فكان عمرو ربيبه؛ فلذلك قال: حدثني أبي، وإنما روى عن سعيد بن زيد زوج أمه (٣).
وسفيان المذكور هنا هو الثوري وإن كان ابن عيينة يروي أيضًا عن عبد الملك كما مر؛ لأن الدارقطني بيَّن الزيادة التي رواها ابن عيينة على حديث سفيان الثوري؛ لأن الغالب إذا أُطْلق سفيان، عن عبد الملك يكون الثوري، كذا ذكره أبو مسعود لما ذكر هذا الحديث.
стр. 13024
ولأبي نعيم من حديث رشدين بن سعد، عن معاوية بن صالح، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا: "ضحكت الجنة فأخرجت الكمأ" (١).
الوجه الثاني:
الكمأة: نبات معروف. وفي الترمذي من حديث شهر بن حوشب، عن أبي هريرة ﵁ أن ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: الكمأة جدري الأرض، فقال ﷺ : "الكمأة من المن" ثم قال: حسن (٢). وقد أوضحها ابن سيده وابن البيطار في "جامعه" وأبو حنيفة.
وقيل: إنها إلى الغُبْرة والسواد. والكمأة جماعة على الأصح واحدها كمْء (٣)، وهو نادر؛ لأن حذف الهاء علامة للجمع إلا في هذا. ولها عدة أسماء ذكر ابن خالويه في كتاب "ليس" فوق العشرة منها بنات أوبر. وقال أبو عمرو: مثلها وأهمل اسمًا آخر. ذكرها كراع في "المنجد"، وذكر القزاز العرجون والفطر؛ لأن الأرض تنفطر عنها، وسمي أيضًا بنات الرعد؛ لأنها تكثر بكثرته.
الثالث:
ذهب أبو هريرة إلى ظاهره، روى الترمذي من حديث قتادة قال: حُدّثت أن أبا هريرة قال: أخذت ثلاثة أكمؤ أو خمسًا أو سبعًا فعصرتهن وجعلت ماءهن في قارورة وكحلت به جارية فبرئت (٤).
стр. 13025
وذهب غيره إلى أنه يضاف إليه أدوية ثم يكحل به، وبه جزم الخطابي لا بحتا فإنه يؤذي العين ويقذيها (١). وقال ابن العربي: الصحيح أنه ينتفع بصورته في حال وبإضافته في أخرى (٢).
وقيل: إن كان في العين حرارة فماؤها وحده، وإن كان لغير ذلك فمع غيره. وذكر ابن الجوزي أن الأطباء يقولون: أَكْلُ الكمأة يجلو البصر. وقيل: يؤخذ فيشق ويوضع على الجمر حتى يغلي ماؤها، ثم يؤخذ فيصير في ذلك الشق وهو فاتر فيكتحل به، ولا يجعل الميل في مائها وهي باردة يابسة. وقيل: أراد الماء الذي تنبت به، وهو أول مطر ينزل الأرض فتربى به الأكحال. ونقله عن سعيد أبو بكر بن عبد الباقي وقال: قاله لنا.
الرابع:
قد أسلفنا رواية الدارقطني: "إنها من المن الذي أنزل على بني إسرائيل". وأما الخطابي فقال: لم يرد الكمأة من نوع المن الذي أنزل على بني إسرائيل، وإنما معناه أنه شيء ينبت بنفسه من غير استنبات ومؤنة وتكلف له، فهو بمنزلة المن الذي كان ينزل عليهم فيكون قوتا لهم، وإنما نالت هذا الثناء؛ لأنها من الحلال الذي ليس في اكتسابه شبهة (٣)، وكذا قال الداودي يريد أنه ليس زريعة، إنما ينبت بماء السماء. وقيل: أراد أنه لم ينفع منٌّ في هذِه العين، حكاه ابن التين. قال: وفي رواية: "ماؤها شفاء من العين". وقيل: يريد: من داء العين، فحذف المضاف.