← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 13021–13060 · переход к 13026.

стр. 13021

٤ - باب قَوْله تَعَالَى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة:٥٧] وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿الْمَنَّ﴾ صَمْغَةٌ. ﴿وَالسَّلْوَى﴾ طائر. ٤٤٧٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ". [٤٦٣٩، ٥٧٠٨ - مسلم: ٢٠٤٩ - فتح: ٨/ ١٦٣] حَدثنَا أَبُو نُعَيْمٍ، ثنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ سعِيدِ بْنِ زَيْدٍ: قَالَ النبى ﷺ : "الْكَمْأةُ مِنَ المَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ". قلت: تابعه شعبة عن عبد الملك، ذكره فى سورة الأعراف والطب (١). الشرح: المن: مثل الترنْجَبين (٢) فهو منٌّ مَحْض لم يَشُبْه عمل. وأثر مجاهد هذا أخرجه عبد، عن شبابة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح عنه (٣). قال قتادة: كان يسقط عليهم في مجلسهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس كسقوط الثلج، ثم يأخذ كل واحد منهم قدر ما يكفيه يومه ذلك، فإذا تعدَّاه فسد، ويأخذ يوم الجمعة ما يكفيه ليومه ويوم السبت (٤).

стр. 13022

والسلوى: طائر يشبه السمان. وقال الضحاك: هو السماني (١). وعبارة بعضهم أنه أكبر من العصفور (٢). وعن وهب: المن خبز الرقاق مثل الذرة أو مثل النَّقى، والسلوى طير سمين يأخذون منه من سبت إلى سبت (٣). وأغرب المؤرج فقال: السلوى: العسل (٤). لا جرم قال ابن عطية: إنه طير بإجماع المفسرين (٥). ثم الكلام على الحديث من وجوه: ويأتي في سورة الأعراف والطب، وأخرجه مسلم (٦) والترمذي والنسائي وابن ماجه (٧).

стр. 13023

أحدها: هذا الحديث يروى من طرق أخرى. قال الترمذي بعد أن أخرجه من حديث أبي هريرة: وفي الباب عن سعيد بن زيد وأبي سعيد وجابر. ثم أخرجه من حديث سعيد بن زيد وقال: حسن صحيح (١). وأخرجه النسائي من حديث شهر بن حوشب عن ابن عباس (٢)، وأخرجه أبو سهل أحمد بن محمد بن سهل القطان من حديث عائشة. وابن أبي عاصم في "الطب" من حديث بريدة وصهيب وجابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري. وعند الدارقطني من حديث ابن عيينة عن عبد الملك بزيادة: "من المن الذي أنزل على بني إسرائيل". ورواه عطاء بن السائب، عن عمرو بن حريث، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ . ووهم في قوله: عن أبيه، ولا يعلم لأبيه حريث صحبة، وقد قيل: إن سعيد بن زيد زَوْج أم عمرو بن حريث فكان عمرو ربيبه؛ فلذلك قال: حدثني أبي، وإنما روى عن سعيد بن زيد زوج أمه (٣). وسفيان المذكور هنا هو الثوري وإن كان ابن عيينة يروي أيضًا عن عبد الملك كما مر؛ لأن الدارقطني بيَّن الزيادة التي رواها ابن عيينة على حديث سفيان الثوري؛ لأن الغالب إذا أُطْلق سفيان، عن عبد الملك يكون الثوري، كذا ذكره أبو مسعود لما ذكر هذا الحديث.

стр. 13024

ولأبي نعيم من حديث رشدين بن سعد، عن معاوية بن صالح، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا: "ضحكت الجنة فأخرجت الكمأ" (١). الوجه الثاني: الكمأة: نبات معروف. وفي الترمذي من حديث شهر بن حوشب، عن أبي هريرة ﵁ أن ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: الكمأة جدري الأرض، فقال ﷺ : "الكمأة من المن" ثم قال: حسن (٢). وقد أوضحها ابن سيده وابن البيطار في "جامعه" وأبو حنيفة. وقيل: إنها إلى الغُبْرة والسواد. والكمأة جماعة على الأصح واحدها كمْء (٣)، وهو نادر؛ لأن حذف الهاء علامة للجمع إلا في هذا. ولها عدة أسماء ذكر ابن خالويه في كتاب "ليس" فوق العشرة منها بنات أوبر. وقال أبو عمرو: مثلها وأهمل اسمًا آخر. ذكرها كراع في "المنجد"، وذكر القزاز العرجون والفطر؛ لأن الأرض تنفطر عنها، وسمي أيضًا بنات الرعد؛ لأنها تكثر بكثرته. الثالث: ذهب أبو هريرة إلى ظاهره، روى الترمذي من حديث قتادة قال: حُدّثت أن أبا هريرة قال: أخذت ثلاثة أكمؤ أو خمسًا أو سبعًا فعصرتهن وجعلت ماءهن في قارورة وكحلت به جارية فبرئت (٤).

стр. 13025

وذهب غيره إلى أنه يضاف إليه أدوية ثم يكحل به، وبه جزم الخطابي لا بحتا فإنه يؤذي العين ويقذيها (١). وقال ابن العربي: الصحيح أنه ينتفع بصورته في حال وبإضافته في أخرى (٢). وقيل: إن كان في العين حرارة فماؤها وحده، وإن كان لغير ذلك فمع غيره. وذكر ابن الجوزي أن الأطباء يقولون: أَكْلُ الكمأة يجلو البصر. وقيل: يؤخذ فيشق ويوضع على الجمر حتى يغلي ماؤها، ثم يؤخذ فيصير في ذلك الشق وهو فاتر فيكتحل به، ولا يجعل الميل في مائها وهي باردة يابسة. وقيل: أراد الماء الذي تنبت به، وهو أول مطر ينزل الأرض فتربى به الأكحال. ونقله عن سعيد أبو بكر بن عبد الباقي وقال: قاله لنا. الرابع: قد أسلفنا رواية الدارقطني: "إنها من المن الذي أنزل على بني إسرائيل". وأما الخطابي فقال: لم يرد الكمأة من نوع المن الذي أنزل على بني إسرائيل، وإنما معناه أنه شيء ينبت بنفسه من غير استنبات ومؤنة وتكلف له، فهو بمنزلة المن الذي كان ينزل عليهم فيكون قوتا لهم، وإنما نالت هذا الثناء؛ لأنها من الحلال الذي ليس في اكتسابه شبهة (٣)، وكذا قال الداودي يريد أنه ليس زريعة، إنما ينبت بماء السماء. وقيل: أراد أنه لم ينفع منٌّ في هذِه العين، حكاه ابن التين. قال: وفي رواية: "ماؤها شفاء من العين". وقيل: يريد: من داء العين، فحذف المضاف.

стр. 13026

٥ - [باب] ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ الآية [البقرة:٥٨] ﴿رَغَدًا﴾: وَاسِعا كَثِيرا. ٤٤٧٩ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِي، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ، فَبَدَّلُوا وَقَالُوا: حِطَّةٌ، حَبَّةٌ فِي شَعَرَةٍ". [انظر: ٣٤٠٣ - مسلم: ٣٠١٥ - فتح: ٨/ ١٦٤] حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِي، عَنِ ابن المُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ، فَبَدَّلُوا وَقَالُوا: حِطَّةٌ، حَبَّةٌ فِي شَعَرَةٍ". الشرح: هذا الحديث سلف في مناقب الأنبياء، ويأتي في سورة الأعراف (١)، وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي (٢). واختلف في هذِه القرية هل هي البلقاء أو الرملة أو بيت المقدس من باب حطة (٣)، وحطة: مغفرة، أو أريحاء أو قرية الجبارين بقية العمالقة ورأسهم عوج. أقوال.

стр. 13027

وقال مقاتل: هي إيلياء (١)، وكانت يومئذ من وراء البحر، سميت قرية؛ لأنها قرت، أي: اجتمعت بالفتح والكسر حكاها ابن سيده (٢). ومحمد هذا شيخ البخاري، زعم الجياني أن ابن السكن وحده نسبه ابن سلام. قال: والأشبه أنه ابن بشار أو ابن المثنى، وقد ذكرهما أبو نصر من جملة شيوخه عن ابن مهدي (٣). وعند الترمذي مصححًا: "دخلوا مزحفين على أوراكهم" (٤). أي: منحرفين. قال مجاهد: دخلوا على استهم إلى الجبل الذي تجلى عليه رب العزة وقالوا: حنطة (٥). فنتق فوقهم الجبل، فدخلوا سجدًا على حرف أعينهم إلى الجبل (٦)، ومعنى حطة: حط عنا خطايانا - كما سلف، أي: حطتنا حطة وأصلها النصب، رفعت لإفادة الإثبات. وقيل: قولوا: لا إله إلا الله (٧). وقال ابن عباس: أمروا أن يستغفروا الله (٨). وقوله: ("وقالوا: حطة حبة في شعرة") أي: حبة حنطة في شعرة الحطة وهو السفاء، وهو شوك الحنطة. وقيل: قالوا بالنبطية: هطا سمقاثا. أي: حنطة حمراء. وقال ابن مسعود: قالوا: حنطة حمراء مثقوبة فيها شعرة سوداء (٩).

стр. 13028

٦ - باب قَوْلُهُ: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾. [البقرة:٩٧] وَقَالَ عِكْرِمَة: جَبْرَ، وَمِيكَ، وَسَرَافِ: عَبْدٌ. إِيلْ: اللهُ. ٤٤٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ بَكْرٍ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَمِعَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ بِقُدُومِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهْوَ فِي أَرْضٍ يَخْتَرِفُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلاَّ نَبِي: فَمَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ طَعَامِ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ وَمَا يَنْزِعُ الْوَلَدُ إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمِّهِ؟ قَالَ: "أَخْبَرَنِي بِهِنَّ جِبْرِيلُ آنِفًا". قَالَ: جِبْرِيلُ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: ذَاكَ عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. فَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [البقرة:٩٧] أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامِ أَهْلِ الْجَنَّةِ: فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدَ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ نَزَعَتْ". قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ. يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ، وَإِنَّهُمْ إِنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَهُمْ يَبْهَتُونِي. فَجَاءَتِ الْيَهُودُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَيُّ رَجُلٍ عَبْدُ اللهِ فِيكُمْ ". قَالُوا: خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا، وَسَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا. قَالَ: "أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ". فَقَالُوا أَعَاذَهُ اللهُ مِنْ ذَلِكَ. فَخَرَجَ عَبْدُ اللهِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. فَقَالُوا: شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا. وَانْتَقَصُوهُ. قَالَ فَهَذَا الَّذِي كُنْتُ أَخَافُ يَا رَسُولَ اللهِ. [انظر: ٣٣٢٩ - فتح: ٨/ ١٦٥] ثم ساق قصة إسلام عبد الله بن سلام، وسلفت في باب: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ﴾ بعد باب: خلق آدم. ولغات جبريل سلفت أول الكتاب.

стр. 13029

والذي قال: هو عدونا. قيل: هو ابن صوريا (١)، وحكى الطبري خلافًا في سببه ليس هذا موضعه، وقيل: سببها أن قالوا: إن جبريل يطلعه على أسرارنا (٢)، وأنهم قالوا: أُمِر أن يجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا (٣). لعنهم الله. وقوله: (إن اليهود قوم بهت) أي: كذابون.

стр. 13030

٧ - باب قَوْلِهِ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة:١٠٦] ٤٤٨١ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﵁: أَقْرَؤُنَا أُبَيٌّ، وَأَقْضَانَا عَلِيٌّ، وَإِنَّا لَنَدَعُ مِنْ قَوْلِ أُبَيٍّ؛ وَذَاكَ أَنَّ أُبَيًّا يَقُولُ لَا أَدَعُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]. [٥٠٠٥ - فتح: ٨/ ١٦٧] ذكر فيه عن حبيب -هو ابن أبي ثابت- عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: قَالَ عُمَرُ: أَقْرَؤُنَا أُبَيٌّ، وَأَقْضَانَا عَلِيٌّ، وَإِنَّا لَنَدَعُ مِنْ قَوْلِ أُبَيٍّ؛ وَذَاكَ أَنَّ أُبَيًّا يَقُولُ: لَا أَدَعُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]. كذا وقع هنا، والمعروف عن عمر أنه كان يقرؤها (أو ننساها) وكذا ذكره بعد في فضائل القرآن بالإسناد المذكور، رواه هناك صدقة بن الفضل، عن يحيى، عن سفيان. وهنا عن عمرو بن علي، عن يحيى به. ويأتي في فضائل القرآن أيضاً (١) وحبيب هذا كان مدلسًا فيما ذكره ابن حبان، مات سنة تسع عشرة ومائة (٢). ومعنى (﴿نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾): نغير حكمها. ومعنى (﴿نُنْسِهَا﴾): نؤخر، قرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح النون مع الهمز، والباقون بفتحها

стр. 13031

وكسر السين من غير همز (١)، وقرأ سعد بن أبي وقاص (تنسها) يعني: الخطاب (٢). ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ أرفق وأخف وأنفع ﴿مِثْلِهَا﴾ في الخفة والثواب، كنسخ بيت المقدس بالكعبة. وقول أُبي: (لا أدع شيئًا سمعته من رسول الله ﷺ ) إنما ذلك أن يسمع شيئًا ثم يسمع غيره، ثم يقرأ تلك السورة فلا يذكر فيها ما سمع ويواظب على ذلك ويقول: إن الآية قد نسخت، فنطق أُبي بما سمع ويأخذ هؤلاء بالنسخ، ولعله لا يخبره بالنسخ لا واحد ولا غيره ممن أنكر النسخ، وقالوا: إنه بلاء، وقد يحدث على الإنسان فن من فنون العلم يفوق به أصحابه، أو يرزق بخير ذلك الفن من التعرف ما لا يرزقه غيره وإن شاركه في ذلك غيره. فائدة: جعل هذا الحديث جماعة من مسند أُبَيٍّ: [أبو] (٣) مسعود والحميدي (٤) وابن عساكر، وخالف غيرهم فجعله من مسند عمر.

стр. 13032

٨ - [باب] قوله: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ [البقرة:١١٦] ٤٤٨٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "قَالَ اللهُ: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ: فَزَعَمَ أَنِّي لَا أَقْدِرُ أَنْ أُعِيدَهُ كَمَا كَانَ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّاي: فَقَوْلُهُ: لِي وَلَدٌ، فَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا". [فتح: ٨/ ١٦٨] ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "قَالَ اللهُ : كَذَّبَنِي ابن آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّاي: فَزَعَمَ أَنِّي لَا أَقْدِرُ أَنْ أُعِيدَهُ كَمَا كَانَ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّاي: فَقَوْلُهُ لِي وَلَد، فَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا". وهو من أفراده، وسلف في بدء الخلق (١). وأخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة مرفوعًا مثله (٢). والآية قرأها ابن عامر بلا واو، والباقون بثبوتها (٣)، وذكر الواحدي أن هذِه الآية نزلت في اليهود حين قالوا: عزير ابن الله، وفي نصارى نجران حين قالوا: عيسى ابن الله. وفي مشركي العرب حين قالوا: الملائكة بنات الله (٤).

стр. 13033

وقال الطبري: هم الذين منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه. وتأويل الآية: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ إلى قوله: ﴿فِي خَرَابِهَا﴾، ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا﴾ (١)

стр. 13034

٩ - [باب] قَوْلُهُ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] ﴿مَثَابَةً﴾ [البقرة: ١٢٥] يَثُوبُون: إليه: أي: يرجعون. ٤٤٨٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: وَافَقْتُ اللهَ فِي ثَلَاثٍ -أَوْ وَافَقَنِى رَبِّي فِي ثَلَاثٍ- قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوِ اتَّخَذْتَ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى؟ وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ الْحِجَابِ. قَالَ: وَبَلَغَنِي مُعَاتَبَةُ النَّبِيِّ ﷺ بَعْضَ نِسَائِهِ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ قُلْتُ: إِنِ انْتَهَيْتُنَّ أَوْ لَيُبَدِّلَنَّ اللهُ رَسُولَهُ ﷺ خَيْرًا مِنْكُنَّ. حَتَّى أَتَيْتُ إِحْدَى نِسَائِهِ، قَالَتْ يَا عُمَرُ، أَمَا فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا يَعِظُ نِسَاءَهُ، حَتَّى تَعِظَهُنَّ أَنْتَ؟! فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، سَمِعْتُ أَنَسًا، عَنْ عُمَرَ. [انظر: ٤٠٢ - مسلم: ٢٣٩٩ - فتح: ٨/ ١٦٨] ثم ساق حديث أنس ﵁، عن عمر ﵁: وَافَقْتُ ربي في ثَلَاثٍ. وقد سلف بطوله في باب ما جاء في القبلة من كتاب الصلاة (١). وما ذكره في تفسير ﴿مَثَابَةً﴾ هو قول مجاهد وقتادة كما ذكره عبد بن حميد في "تفسيره" والطبري عن ابن عباس وغيره (٢). وقيل (٣): من الثواب الحاصل لمن آمن فيكون المعنى: جعلت البيت إثابة أو

стр. 13035

بمنزلتها. وقرأ نافع وابن عامر بفتح الخاء على الخبر، والباقون بالكسر على الأمر (١). والمقام بفتح الميم: موضع القيام، فإن ضممت كان المراد الإقامة، وقد تستعمل كل منهما موضع الآخر كما نبه عليه ابن الجوزي. وقد أسلفت في الصلاة الخلاف في المقام ما هو في باب قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾.

стр. 13036

١٠ - [باب] قَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ الآية [البقرة: ١٢٧] القواعد: أساسه. واحدتها: قاعدة. قلت: وقال الكسائي: الجدر. ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ واحدتهن قاعد. أي: بإسقاط هاء التأنيث؛ لأنها قعدت عن الحيض (١). ٤٤٨٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أَلَمْ تَرَىْ أَنَّ قَوْمَكِ بَنَوُا الْكَعْبَةَ وَاقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: "لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْر". فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا أُرَى رَسُولَ اللهِ ﷺ تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ، إِلاَّ أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ. [انظر: ١٢٦ - مسلم: ١٣٣٣ - فتح: ٨/ ١٧٠] ثم ساق حديث مالك، عن الزهري، عن سالم، عن (عبد الله بن) (٢) محمد بن أبي [بكر]، عن (عبد الله بن) (٣) عمر، عن عائشة ﵂ في الاقتصار على قواعد إبراهيم.

стр. 13037

سلف في الحج في باب: فضل مكة (١). قال الطبري: اختلف في القواعد أَحْدَثاها أم كانت قديمة قبلهما، بناه آدم، أو أهبط به إلى الأرض، ثم رفع أيام الطوفان، فرفع إبراهيم قواعده، وقال آخرون: بل كان موضع البيت ربوة حمراء كهيئة القبة، فبناه إبراهيم على أركان أربعة في الأرض السابعة. وعن ابن عباس: وضع البيت على أركان الماء على أربعة أركان قبل أن تخلق الدنيا بألفي عام. ثم اختلف أهل التأويل في الذي رفع القواعد بعد إجماعهم على أن إبراهيم كان ممن رفعها، فقال بعضهم: رفعها إبراهيم وإسماعيل جميعًا، وقال آخرون: بل رفعها إبراهيم وكان إسماعيل يناوله الحجارة، وبناها من خمسة أجبل: حراء، وثبير، والطور، ولبنان، وجبل الخمر: جبل بالشام. وفي رواية: من جبل زيتا، وقال آخرون: بل الرافع إبراهيم وحده، وإسماعيل يومئذ طفل صغير (٢). وقوله: (﴿تَقَبَّلْ مِنَّا﴾) أي: يقولان: ربنا، وهي قراءة أُبي وابن مسعود فيما قيل (٣)، وقيل: قائله إسماعيل وحده، حكاه الطبري (٤).

стр. 13038

١١ - [باب] قوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة:١٣٦] ٤٤٨٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لأَهْلِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا ﴿آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ﴾ [البقرة:١٣٦] الآيَةَ. [٧٣٦٢، ٧٥٤٢ - فتح: ٨/ ١٧٠] ذكر فيه حديث أبي هريرة ﵁ كَانَ أَهْلُ الكِتَابِ يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَيُفَسّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لأَهْلِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُم ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة:١٣٦] الآية. هو من أفراده ويأتي في الاعتصام (١) والتوحيد (٢). وسبب الإمساك عن ذلك كونهم حرَّفوا بعضًا وكتموا بعضًا، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ الآية [آل عمران: ١٨٧] كتموا ما أنزل إليهم في محمد. وهذا الحديث أصل في وجوب التوقف في كل مشكل من الأمور والمعلوم، فلا يقضى عليه بجواز ولا بطلان ولا بتحليل ولا تحريم، وقد أمرنا أن نؤمن بالكتب المنزلة على الأنبياء، إلا أن اليهود والنصارى حرَّفوا وبدَّلوا، ولا نعلم ما يأتون به صحيح أو محرف مبدل. فوجب التوقف عن تصديق ذلك وتكذيبه.

стр. 13039

وعلى هذا المعنى كان توقف السلف عن بعض ما أشكل عليهم من الأحكام وتعليقهم القول فيه، كما سئل عثمان ﵁ عن الجمع بين الأختين بملك اليمين، فقال: أحلتهما آية وحرمتهما آية (١)، وكما سئل ابن عمر ﵄ عن رجل نذر أن يصوم كل يوم إثنين فوافق ذلك يوم عيد، فقال: أمر الله بالوفاء بالنذر ونهى رسوله عن صيام يوم العيد (٢)، فهذا مذهب من سلك طريق الورع منهم، وإن كان غيرهم قد اجتهدوا واعتبروا معاني الأصول فرجحوا أحد المذهبين على الآخر، وإليه ذهب أكثر الفقهاء، وكأن معنى حرم ذلك أن المراد بإحدى الاثنتين بيان ما حرم علينا أو تفصيله، والمراد بالأخرى مدح المؤمنين على حسن الانقياد لما أمروا به والانتهاء عما نهوا عنه من غير تفصيل ولا تعيين؛ ولأن إحدى الاثنتين أخص في المعنى، وهو قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ والأخرى أعم، وهي ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فقضوا بالأخص على الأعم.

стр. 13040

١٢ - [باب] ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ الآية [البقرة:١٤٢] ٤٤٨٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، سَمِعَ زُهَيْرًا، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا -أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا- وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَإِنَّهُ صَلَّى -أَوْ صَلاَّهَا- صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ صَلَّى مَعَهُ، فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ وَهُمْ رَاكِعُونَ قَالَ: أَشْهَدُ بِاللهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ. فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَكَانَ الَّذِي مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ قِبَلَ الْبَيْتِ رِجَالٌ قُتِلُوا، لَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [انظر: ٤٠ - مسلم: ٥٢٥ - فتح: ٨/ ١٧١] ذكر فيه حديث البراء ﵁ أَنَّ النبي ﷺ صَلَّى إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا. الحديث. سلف في الإيمان في باب: الصلاة من الإيمان (١)، وسلف مختصرًا أيضًا في باب: التوجه نحو القبلة (٢) وكان تحويل القبلة قبل بدر، ولم يقتل أحد قبل بدر إنما مات قبل التحويل البراء بن معرور في صفر، قبل مقدم رسول الله ﷺ المدينة، وأبو أمامة أسعد بن زرارة مات ومسجد رسول الله ﷺ يبنى بعد الهجرة بستة أشهر، نبه عليه الدمياطي بخطه قبالة قوله: وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول قبل البيت رجال قتلوا، والمراد بالناس في الآية اليهود، وعند الطبري أهل الكتاب، وقيل: المنافقون (٣).

стр. 13041

والسفهاء: جمع سفيه، والسفيه: الخفيف العقل، من قولهم: ثوب سفيه إذا كان خفيف النسج، وقال المؤرج: السفيه: البهات الكذاب المتعمد خلاف ما يعلم، وقال قطرب: هو الجهول الظلوم، وقال المفسرون: ومعنى ﴿سَيَقُولُ﴾، قال: جعل المستقبل موضع الماضي دلالة على استدامة ذلك وأنهم مستمرون عليه، ومعنى ﴿وَلَّاهُمْ﴾: يوليهم و ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾: بَيّنٌ واضح أي: حيث أمر أن يصلي فهو طريق مستقيم، وأسلفنا هناك أن القبلة حولت في العصر، وقيل: الظهر، وقيل: في الصبح، ذكره الداودي وهو غريب، نعم بلغ أهل قباء وهم في الصبح.

стр. 13042

١٣ - [باب] قَوْله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ الآية [البقرة: ١٤٣] ٤٤٨٧ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ رَاشِدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ وَأَبُو أُسَامَةَ -وَاللَّفْظُ لِجَرِيرٍ- عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، وَقَالَ أَبُو أُسَامَة، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ. فَيَقُولُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ نَعَمْ. فَيُقَالُ لأُمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ. فَيَقُولُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ. فَتَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ". ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] فَذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وَالْوَسَطُ: الْعَدْلُ. [انظر: ٣٣٣٩ - فتح: ٨/ ١٧١]. ذكر فيه حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَقُو: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ. فَيَقُولُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ نعَمْ. فَيُقَالُ لأمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ. فَيَقُولُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ. فَتَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ". ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣، وَالْوَسطُ: العَدْلُ. وفيه: أن الله تعالى يقيم الحجة يوم القيامة، ومنه: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ [النحل: ١١١] وسؤاله تعالى نوحًا عن البلاغ وهو أعلم من باب التنبيه على أمته كما قال لعيسى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ [المائدة: ١١٦] وذكر في حديث آخر تمام الحديث.

стр. 13043

قال: "يقول قوم نوح: كيف تشهدون علينا ونحن أول الأمم؟ فتقولون: نشهد أن الله بعث إلينا رسولًا، وأنزل علينا كتابًا وكان فيما أنزل علينا خبركم". وقوله: (والوسط: العدل)، أي؛ لأن أحمد الأشياء أوسطها، ومنه: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم: ٢٨] أي: خيارهم. وقال ابن جرير: الوسط: العدل والخيار (١)، وأنا أرى أنه في هذا الموضع بمعنى الجزء الذي هو بين الطرفين، مثل وسط الدار، وأرى أن الله تعالئ إنما وصفهم بذلك لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلو فيه كالنصارى ولا هم أهل تقصير فيه كاليهود.

стр. 13044

١٤ - [باب] قَوْله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ الآية [البقرة: ١٤٣] ٤٤٨٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ بَيْنَا النَّاسُ يُصَلُّونَ الصُّبْحَ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ إِذْ جَاءَ جَاءٍ فَقَالَ أَنْزَلَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قُرْآنًا أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَة، فَاسْتَقْبِلُوهَا. فَتَوَجَّهُوا إِلَى الْكَعْبَةِ. [انظر: ٤٠٣ - مسلم: ٥٢٦ - فتح: ٨/ ١٧٣] ذكر فيه حديث ابن عمر ﵄: بَيْنَا النَّاسُ يُصَلُّونَ الصُّبْحَ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ إِذْ جَاءَ جَاءٍ فَقَالَ: قد أُنزلِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قرآن أَنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبِلُوهَا. فَتَوَجَّهُوا إِلَى الكَعْبَةِ. هذا الحديث سلف في الصلاة، والآية جواب لقولهم: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ والمعنى: أن قريشًا كانت تألف الكعبة، فأراد الله أن يمتحنهم بغير ما ألفوه؛ ليظهر من يتبع الرسول ممن لا يتبعه، والمعنى: إلا ليعلم ذلك علم مشاهدة وأن من أنكر علمه كفر، وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ قال ابن عباس: يعني: تحويل القبلة (١)، فالتقدير: وإن (٢) كان التحويل لكبيرة.

стр. 13045

١٥ - [باب] قَوْله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٥] ٤٤٨٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمْ يَبْقَ مِمَّنْ صَلَّى الْقِبْلَتَيْنِ غَيْرِى. [فتح: ٨/ ١٧٣] ذكر فيه عن أنس ﵁: قَالَ: لَمْ يَبْقَ مِمَّنْ صَلَّى القِبْلَتَيْنِ غَيْرِي. الذي صلوا إليها هم المهاجرون (١) الأولون وهم السابقون، وقاله أنس في آخر عمره، فإنه عُمِّر كما سلف، وقد عدد ابن منده آخر من مات بالأمصار، وآخر من مات مطلقًا أبو الطفيل عامر بن واثلة، قال البراء: كان النبي ﷺ يحب أن يتوجه نحو الكعبة، فأنزل الله هذِه الآية (٢).

стр. 13046

١٦ - [باب] قوله: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ إِلَى: ﴿الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥] ٤٤٩٠ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ بَيْنَمَا النَّاسُ فِي الصُّبْحِ بِقُبَاءٍ جَاءَهُمْ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَأُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ أَلَا فَاسْتَقْبِلُوهَا. وَكَانَ وَجْهُ النَّاسِ إِلَى الشَّأْمِ فَاسْتَدَارُوا بِوُجُوهِهِمْ إِلَى الْكَعْبَةِ. [انظر: ٤٠٣ - مسلم: ٥٢٦ - فتح: ٨/ ١٧٤] ذكر فيه حديث ابن عمر ﵄ المذكور في الباب قبله.

стр. 13047

١٧ - [باب] قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ الآية. [البقرة: ١٤٦] ٤٤٩١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا. وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّأْمِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ. [انظر: ٤٠٣ - مسلم: ٥٢٦ - فتح: ٨/ ١٧٤] ذكر فيه حديث ابن عمر أيضًا. قال قتادة والضحاك: أي: يعرفون أن القبلة هي الكعبة، أي: قبلة الأنبياء كمعرفتهم أبناءهم. (١) وقال الواحدي: نزلت في مؤمني أهل الكتاب؛ عبد الله بن سلام وأصحابه كانوا يعرفون رسول الله ﷺ وصفته في كتابهم كما يعرف ولده إذا رآه، قال ابن سلام: لأنا كنت أشد معرفة برسول الله ﷺ مني بابني، فقال له عمر: وكيف ذاك؟ قال: لأني أشهد أن محمدًا رسول الله حقًا يقينًا وأنا لا أشهد بذلك لابني؛ لأنني لا أدري ما أحدثت النساء، فقال له عمر: وفقك الله (٢). وقال الزمخشري: أي: يعرفون الرسول بخلته فلا يشتبه عليهم كما لا يشتبه أبناؤهم عليهم، وأضمر الرسول ولم يتقدم ذكره؛ لأن الكلام نزل عليه، وفي هذا الإضمار تفخيم وأنه لشهرته معلوم بغير إعلام، وقيل: الضمير للعلم أو القرآن أو لتحويل القبلة.

стр. 13048

وقوله: (﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾) ويشهد للأول، وخص الأبناء؛ لأنهم أعرف وأشهر لصحبة الآباء (١). وفي "تفسير مقاتل" قال حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف وكعب بن أسيد وابن صوريا وكنانة ووهب بن يهوذا وأبو رافع لرسول الله ﷺ : لم تطوفون بالكعبة، حجارة مثبتة؟ فقال ﵇: "إنكم لتعلمون أن الطواف بالبيت حق وأنه هو القبلة مكتوب في التوراة والإنجيل" فنزلت. وقوله: (﴿الْمُمْتَرِينَ﴾) أي: الشاكين. حذر الله نبيه أن يأخذ بقلبه شيئًا من قولهم.

стр. 13049

١٨ - [باب] قوله: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ إلى ﴿قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٤٨] ٤٤٩٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ ﵁ قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ -أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ- شَهْرًا، ثُمَّ صَرَفَهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ. [انظر: ٤٠ - مسلم: ٥٢٥ - فتح: ٨/ ١٧٤] ذى فيه حديث البراء: صليتُ مَعَ النَّبيِّ ﷺ نحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ -أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ- شَهْرًا، ثُمَّ صَرَفَهُ نَحْوَ الكعبة. وقد سلف قريبًا (١).

стр. 13050

١٩ - [باب] قوله: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية [البقرة: ١٤٩] شَطْرُهُ: تِلْقَاؤُهُ. ٤٤٩٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ بَيْنَا النَّاسُ فِي الصُّبْحِ بِقُبَاءٍ إِذْ جَاءَهُمْ رَجُلٌ فَقَالَ: أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، فَأُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبِلُوهَا. وَاسْتَدَارُوا كَهَيْئَتِهِمْ، فَتَوَجَّهُوا إِلَى الْكَعْبَةِ وَكَانَ وَجْهُ النَّاسِ إِلَى الشَّأْمِ. [انظر: ٤٠٣ - مسلم: ٥٢٦ - فتح: ٨/ ١٧٥] ذكر فيه حديث ابن عمر السالف أيضًا، وشطره: قصده ونحوه.

стр. 13051

٢٠ - [باب] قوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ﴾ الآية [البقرة: ١٥٠] ٤٤٩٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ بَيْنَمَا النَّاسُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ بِقُبَاءٍ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبِلُوهَا. وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّأْمِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْقِبْلَةِ. [انظر: ٤٠٣ - مسلم: ٥٢٦ - فتح: ٨/ ١٧٥]. ذكر فيه حديث ابن عمر ﵄. قال مجاهد: هم مشركو العرب، وقولهم: راجعت قبلتنا (١)، وقد أجيبوا عن هذا بقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾. وقيل: المعنى: لئلا يقولوا لكم قد أمرتم باستقبال الكعبة ولستم ترونها، فلما قال: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ زال هذا، وقيل: هو يتعلق بما قبله، وزعم أبو عبيدة أن (إلا) هنا بمعنى الواو (٢) وهو خطأ عند حذاق النحاة (٣)، والقول أنه استثناء أبين، أي: لكن الذين ظلموا منهم، فإنهم يحجون. قال الداودي: أمر الناس أن يستقبلوا المسجد الحرام، وصلى ﵇ إلى الكعبة وهو داخل المسجد، فمن في مكة خارجه يستقبل المسجد، ومن كان خارجها فالحرم، وهو كله مسجد، وقال بعض الناس: إن من

стр. 13052

بَعُدَ عن مكة يستقبل ما يحاذيها إلى جهة المشرق أو المغرب، وكأنه يرى أن لو خط من البيت خطًّا إلى جهة المشرق أو خطًّا إلى جهة المغرب، ثم يستقبل كل من وراء الخط من أي الجهتين كان ذلك الخط، وهو معنى قول مالك، وروي نحوه عن عمر، وإليه ذهب النووي كما سلف في بابه، واحتج بقوله ﵇: "لا يستقبل أحدكم القبلة بغائط أو بول، ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا" وقال: فدل أن الصلاة لا تكون إلى شرق أو غرب، قال: فصلاة أهل الجهات التي تقارب مكة من كل جهة تدل على خلاف هذا القول.

стр. 13053

٢١ - [باب] قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ١٥٨] شَعَائِرُ: عَلَامَاتٌ، وَاحِدَتُهَا: شَعِيرَةٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الصَّفْوَانُ الْحَجَرُ. وَيُقَالُ الْحِجَارَةُ [الْمُلْسُ] الَّتِي لَا تُنْبِتُ شَيْئًا، وَالْوَاحِدَةُ: صَفْوَانَةٌ بِمَعْنَى الصَّفَا، وَالصَّفَا لِلْجَمِيعِ. ٤٤٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ: أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللهِ ﵎: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] فَمَا أُرَى عَلَى أَحَدٍ شَيْئًا أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: كَلاَّ لَوْ كَانَتْ كَمَا تَقُولُ كَانَتْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا، إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي الأَنْصَارِ، كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ، وَكَانَتْ مَنَاةُ حَذْوَ قُدَيْدٍ، وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] [انظر: ١٦٤٣ - مسلم: ١٢٧٧ - فتح: ٨/ ١٧٥]. ٤٤٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ عَنِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَقَالَ: كُنَّا نَرَى أَنَّهُمَا مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا كَانَ الإِسْلَامُ أَمْسَكْنَا عَنْهُمَا، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. [البقرة: ١٥٨]. ثم ساق حديث هشام عن أبيه، قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ: أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللهِ ﵎: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ .. الحديث. سلف في الحج وكذا حديث أنس الذي بعده، وزعم بعضهم فيما حكاه ابن العلاء في "أحكامه" ووهاه، نسخ هذِه

стр. 13054

الآية بقوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة: ١٣٠] أي: إن قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ إِذْن من الله وإباحة، وتخيير في الفعل والترك. وقوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ عزم وجزم وأمر باتباع ملته في جميع مناسك الحج وهذا منها. ومعنى شعائر: ما ذكره من أعلام الله التي تدل على طاعته، وهي ما كان من موقف أو سعي أو ذبح. وشعيرة بمعنى مشعرة (١)، والصفا مقصور: مكان مرتفع عند باب المسجد الحرام، وهو أنف من جبل أبي قبيس، وهو الآن درج فوقه أزج كإيوان (٢)، كان عليه صنم على صورة رجل يقال له: إساف بن عمرو، وعلى المروة صنم على صورة امرأة تدعى نائلة -وعكس مقاتل- بنت ذئب، ويقال: بنت سهيل، زعموا أنهما زنيا في الكعبة فمسخا فوضعا على الصفا والمروة للاعتبار، فلما طالت المدة عبدا. وقال عياض: حولهما قُصَي فجعل أحدهما ملاصق الكعبة والآخر بزمزم، وقيل: جعلهما بزمزم ونحر عندها، فلما فتح رسول الله ﷺ مكة كسرهما. وفي "فضائل مكة" لرزين: لما زنيا لم يمهلهما الله أن يفجرا فيها فمسخهما فأخرجهما إلى الصفا والمروة، فلما كان عمرو بن لحي نقلهما إلى الكعبة ونصبهما على زمزم فطاف الناس بالكعبة وبهما (٣). والصفا واحد، والمثنى صفوان، والجمع أصفاء.

стр. 13055

وقوله: (الحجارة الملس التي لا تنبت شيئًا) يعني أن الأخر التي يكون فيها طرف يأخذ التراب تنبت، وكذلك التي يكون فيها الشقوق. وقوله: (والواحدة صفوانة) يريد وا حدة صفوان، وأما واحدة الصفا، فصفاة. قاله ابن التين. والمروة: الحصاة الصغيرة قليلها مروات وكثيرها مرو، مثل تمرة وتمرات وتمر، فقال الكفار: إنه حرج عليه أن يطوف بهما فأنزل الله الآية.

стр. 13056

٢٢ - باب قَوْلِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا﴾. [البقرة:١٦٥] أَضْدَادًا، وَاحِدُهَا نِدٌّ. ٤٤٩٧ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ كَلِمَةً وَقُلْتُ أُخْرَى، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ مَاتَ وَهْوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ نِدًّا دَخَلَ النَّارَ". وَقُلْتُ أَنَا: مَنْ مَاتَ وَهْوَ لَا يَدْعُو لِلَّهِ نِدًّا دَخَلَ الْجَنَّةَ. [انظر: ١٢٣٨ - مسلم: ٩٢ - فتح: ٨/ ١٧٦] ثم ساق حديث عبد الله ﵁: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ كلِمَةً وَقُلْتُ أُخْرى، قَالَ: "مَنْ مَاتَ وَهْوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ نِدًّا دَخَلَ النَّارَ". وَقُلْتُ أَنَا: مَنْ مَاتَ وَهْوَ لَا يَدْعُو لله نِدًّا دَخَلَ الجَنَّةَ. وقد سلف في أول الجنائز بمعناه ويأتي في النذور (١). وأخرجه مسلم والنسائي (٢). وما فسره في قوله: أندادًا. هو قول أبي عبيدة (٣)، وقال قتادة وغيره: الند: المِثلُ (٤). وما ذكره عبد الله يؤيده قوله ﷺ : "يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان" (٥).

стр. 13057

٢٣ - [باب] قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ إِلَى قَوْلِه: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] ﴿عُفِيَ﴾ [البقرة:١٧٨]: تُرِكَ. ٤٤٩٨ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا، قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ الْقِصَاصُ، وَلَمْ تَكُنْ فِيهِمُ الدِّيَةُ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى لِهَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] فَالْعَفْوُ: أَنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨] يَتَّبِعُ بِالْمَعْرُوفِ وَيُؤَدِّى بِإِحْسَانٍ، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَة﴾ [البقرة: ١٧٨] مِمَّا كُتِبَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ. ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] قَتَلَ بَعْدَ قَبُولِ الدِّيَةِ. [٦٨٨١ - فتح: ٨/ ١٧٦] ٤٤٩٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَاريُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "كِتَابُ اللهِ الْقِصَاصُ". [انظر: ٢٧٠٣ - مسلم: ١٦٧٥ - فتح ٨/ ١٧٧] ثم ساق حديث مجاهد سمعت ابن عباس يقول: كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ القِصَاصُ، وَلَمْ تَكُنْ فِيهِمُ الدِّيَةُ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى لهذِه الأُمَّةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨] فَالْعَفْوُ: أَنْ يَقْبَلَ الدّيَةَ فِي العَمْدِ ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ يَتَّبعُ بِالْمَعْرُوفِ وَيُؤَدِّي بِإِحْسَانٍ، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] مِمَّا كُتِبَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ. ومعنى ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾: قبول الدية من العمد. وقيل: هو فيمن قتل وله وليان، فعفا أحدهما فللآخر أن

стр. 13058

يأخذ مقدار حصته من الدية. وفيه تصريح بالنسخ المستفاد من الآية، وهو نسخ حكم بحكم القتل في بني إسرائيل إلى تخيير من له الدم. وقوله: (فالعفو أن يقبل الدية) دال على أن التخيير عنده للأولياء لا للقاتل، وقد روي غيره، وهي مسألة خلاف لأهل العلم: هل الواجب القود، والدية بدل عنه عند سقوطه، أو أحد الأمرين لا بعينه؟ وهما قولان للشافعي. أصحهما أولهما. هو خلاف أيضا هل التخيير للولي أو للقاتل؟ والمشهور عنه الأول (١). وفي "تفسير مقاتل" أن حكم أهل الإنجيل العفو ولا قصاص ولا دية. وتقتل الجماعة بالواحد، خلافًا لداود (٢). وحكي عن [ابن] (٣) الزبير وجابر والزهري (٤). وروى جويبر عن الضحاك: قال رسول الله ﷺ : "لا يقتل اثنان بواحد" (٥) وهذا كما ترى: ضعيف منقطع.

стр. 13059

وفي "رءوس المسائل" للقرافي إحدى الروايتين: إذا قتلت الجماعة رجلًا، يقتل واحد منهم، ويجب على الباقين الدية، وهو مذهبنا إذا قتل بعضهم أخذ حصة الباقين من الدية وتوزع على عدد رءوسهم (١). قال الفراء: الآية نزلت في حيَّين من العرب كان لأحدهما طول على الآخر في الكثرة والشرف؛ فكانوا يتزوجون نساءهم بغير مهر؛ فقتل الأوضع من الحيَّين من الشريف قتلى، فأقسم الشريف ليقتلن الذكر بالأنثى، والحر بالعبد، وأن يضاعفوا الجراحات؛ فأنزل الله هذا على نبيه، ثم نسخت بـ ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٢). وحكاه النحاس عن ابن عباس. وعنه: كان الرجل لا يقتل بالمرأة، ولكن يقتل الرجل بالرجل، والمرأة بالمرأة؛ فنزلت: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٣). وقال السدي: نزلت في فريقين وقعت بينهما قتلى فأمر رسول الله ﷺ أن يقاد بينهما؛ ديات النساء بديات الرجال، وديات الرجال بديات النساء (٤).

стр. 13060

وقال علي والحسن: إنه على التراجع، إذا قتل رجل امرأة كان أولياء المرأة بالخيار بين قتله وأداء نصف الدية، وفي عكسه بالخيار بين قتلها وأخذ نصف الدية أو الدية كاملة. هاذا قتل رجل عبدًا؛ فإن شاء سيده قتله وأخذ بقية الدية بعد ثمن العبد، وفي عكسه: إن شاءوا قتلوه وأخذوا بقية الدية، وإن شاءوا أخذوا الدية (١). وقيل: إن الآية معمول بها يقتل الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى با لأنثى، ويقتل الرجل بالمرأة، وعكسه، والحر بالعبد وعكسه. لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾، ولقول رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم" (٢) وهو قول الكوفيين في العبد خاصة إلا عبد نفسه، خلافًا للنخعي فيه (٣). وعند أبي داود عن ابن عباس ﵄ كانت النضير أشرف من قريظة، فكان إذا قتل رجل من قريظة رجلا من النضير قتل به، وإذا قتل رجل من النضير رجلًا من قريظة ودي بمائة وسق، فلما بعث رسول الله ﷺ قتل رجل من النضير رجلًا من قريظة فقالوا: بيننا وبينكم رسول الله فأتوه، فنزلت: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ (٤) [المائدة: ٤٢]. وقالت طائفة: الآية مبينة للحكم، النوع مع النوع فقط لا لأحدهما مع الآخر فهي محكمة.
следующие страницы →