يأخذ مقدار حصته من الدية.
وفيه تصريح بالنسخ المستفاد من الآية، وهو نسخ حكم بحكم القتل في بني إسرائيل إلى تخيير من له الدم.
وقوله: (فالعفو أن يقبل الدية) دال على أن التخيير عنده للأولياء لا للقاتل، وقد روي غيره، وهي مسألة خلاف لأهل العلم: هل الواجب القود، والدية بدل عنه عند سقوطه، أو أحد الأمرين لا بعينه؟ وهما قولان للشافعي. أصحهما أولهما. هو خلاف أيضا هل التخيير للولي أو للقاتل؟ والمشهور عنه الأول (١).
وفي "تفسير مقاتل" أن حكم أهل الإنجيل العفو ولا قصاص ولا دية. وتقتل الجماعة بالواحد، خلافًا لداود (٢). وحكي عن [ابن] (٣) الزبير وجابر والزهري (٤). وروى جويبر عن الضحاك: قال رسول الله ﷺ : "لا يقتل اثنان بواحد" (٥) وهذا كما ترى: ضعيف منقطع.
стр. 13059
وفي "رءوس المسائل" للقرافي إحدى الروايتين: إذا قتلت الجماعة رجلًا، يقتل واحد منهم، ويجب على الباقين الدية، وهو مذهبنا إذا قتل بعضهم أخذ حصة الباقين من الدية وتوزع على عدد رءوسهم (١).
قال الفراء: الآية نزلت في حيَّين من العرب كان لأحدهما طول على الآخر في الكثرة والشرف؛ فكانوا يتزوجون نساءهم بغير مهر؛ فقتل الأوضع من الحيَّين من الشريف قتلى، فأقسم الشريف ليقتلن الذكر بالأنثى، والحر بالعبد، وأن يضاعفوا الجراحات؛ فأنزل الله هذا على نبيه، ثم نسخت بـ ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٢). وحكاه النحاس عن ابن عباس.
وعنه: كان الرجل لا يقتل بالمرأة، ولكن يقتل الرجل بالرجل، والمرأة بالمرأة؛ فنزلت: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٣).
وقال السدي: نزلت في فريقين وقعت بينهما قتلى فأمر رسول الله ﷺ أن يقاد بينهما؛ ديات النساء بديات الرجال، وديات الرجال بديات النساء (٤).
стр. 13060
وقال علي والحسن: إنه على التراجع، إذا قتل رجل امرأة كان أولياء المرأة بالخيار بين قتله وأداء نصف الدية، وفي عكسه بالخيار بين قتلها وأخذ نصف الدية أو الدية كاملة. هاذا قتل رجل عبدًا؛ فإن شاء سيده قتله وأخذ بقية الدية بعد ثمن العبد، وفي عكسه: إن شاءوا قتلوه وأخذوا بقية الدية، وإن شاءوا أخذوا الدية (١).
وقيل: إن الآية معمول بها يقتل الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى با لأنثى، ويقتل الرجل بالمرأة، وعكسه، والحر بالعبد وعكسه. لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾، ولقول رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم" (٢) وهو قول الكوفيين في العبد خاصة إلا عبد نفسه، خلافًا للنخعي فيه (٣).
وعند أبي داود عن ابن عباس ﵄ كانت النضير أشرف من قريظة، فكان إذا قتل رجل من قريظة رجلا من النضير قتل به، وإذا قتل رجل من النضير رجلًا من قريظة ودي بمائة وسق، فلما بعث رسول الله ﷺ قتل رجل من النضير رجلًا من قريظة فقالوا: بيننا وبينكم رسول الله فأتوه، فنزلت: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ (٤) [المائدة: ٤٢]. وقالت طائفة: الآية مبينة للحكم، النوع مع النوع فقط لا لأحدهما مع الآخر فهي محكمة.
стр. 13061
فائدة:
أصل القصاص المماثلة والمساواة.
قوله: (﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] قَتَلَ بَعْدَ قَبُولِ الدِّيَةِ). وقال قتادة: يقتل ولا تؤخذ منه الدية (١).
ثم ذكر حديث الرُبَيِّع، وقد سلف في: الصلح، ويأتي في: الديات (٢)، وفي سورة المائدة (٣).
وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه (٤).
وهو دال على جواز أخذ الدية في العمد، وذكر عبد بن حميد عن علي ﵁: كان الرجل في الجاهلية إذا قتل قتيلًا جاء قومه يصالحون بالدية فيجيء القاتل وقد أمن على نفسهِ فيعمد ولي المقتول فيقتله، ثم يطرح إليهم الدية (٥).
واختلف العلماء فيمن قتل بعد أخذها على قولين: أحدهما أنه كمن قتل ابتداء إن شاء قتله وإن شاء عفا عنه وعذابه في الآخرة، وهو قول جماعة منهم مالك والشافعي (٦).
والثاني: عذابه القتل ولا يمكِّن الحاكم الولي من العفو، قاله قتادة وعكرمة والسدي (٧) وغيرهم.
стр. 13062
وفي أبي داود من حديث الحسن عن جابر ﵁، ولم يسمع منه أنه ﷺ قال: لا أعفو عمن قتل بعد أخذ الدية (١).
وروي مرسلًا عن الحسن (٢) وكأنه أشبه. قال أبو الليث: معناه عندنا: أنه إذا طلب الولي القتل، فأما إذا عفا عنه الثاني وتركه جاز عفوه؛ لأنه قتل بغير حق فكان كالقاتل الأول؛ لأنه لو عفا عنه جاز ذلك فكذلك الثاني (٣).
ثم ذكر حديث ابن عمر ﵄ قال: كَانَ عَاشُورَاءُ يَصُومُهُ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ قَالَ: "مَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَصُمْهُ".
وأخرجه مسلم والنسائي (١).
وحديث عائشة ﵂ كَانَ عَاشُورَاءُ يُصامُ قَبْلَ رَمَضَانَ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ قَالَ: "مَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ".
وذكر بعده حديثًا آخر عنها: وقد سلفا في الصوم (٢).
وذكر حديث عبد الله قال: دَخَلَ عَلَيْهِ الأَشْعَثُ وَهْوَ يَطْعَمُ فَقَالَ: اليَوْمُ عَاشُورَاءُ! فَقَالَ: كَانَ يُصَامُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ رَمَضانُ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ تُرِكَ، فَادْنُ فَكُلْ.
وقد ذكره في أيام الجاهلية.
стр. 13065
٢٥ - [باب] قَوْلِهِ: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ إلى ﴿تَعْلَمون﴾ [البقرة:١٨٤]
وَقَالَ عَطَاءٌ: يُفْطِرُ مِنَ الْمَرَضِ كُلِّهِ كَمَا قَالَ اللَّه. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَإِبْرَاهِيمُ: فِي الْمُرْضِعِ وَالْحَامِلِ إِذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا أَوْ وَلَدِهِمَا؛ تُفْطِرَانِ ثُمَّ تَقْضِيَانِ. وَأَمَّا الشَّيْخُ الْكَبِيرُ إِذَا لَمْ يُطِقِ الصِّيَامَ؛ فَقَدْ أَطْعَمَ أَنَسٌ بَعْدَ مَا كَبِرَ عَامًا أَوْ عَامَيْنِ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا خُبْزًا وَلَحْمًا وَأَفْطَرَ. قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤] وَهْوَ أَكْثَرُ.
٤٥٠٥ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ، هُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْمَرْأَةُ الْكَبِيرَةُ لَا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا، فَلْيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا. [فتح: ٨/ ١٧٩]
ثم ساق حديث عَطَاءٍ، عن إسحاق، أنا روح، ثنا زكريا بن إسحاق، ثنا عمرو بن دينار، عن عطاء.
سَمِعَ ابن عَبَّاسٍ يَقْرَأُ: ﴿وَعَلَى الذِينَ يُطَوَّقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. قَالَ ابن عَبَّاسٍ: لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ، هُوَ الشَّيْخُ الكَبِيرُ وَالْمَرْأَةُ الكَبِيرَةُ لَا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا، فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا.
الشرح:
معنى (معدودات): قضى مثلها إذا أفطرها وفي التتابع خلاف، ونقل ابن التين عن مالك وأصحابه أنه يفرقها إن شاء، قال:
стр. 13066
وقيل: إن أفطرها متتابعة قضاها كذلك، وإن كانت متفرقة قضاها كذلك، وهذِه الآية منسوخة، بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وكذا بينه سلمة كما ستعلمه، وأبعد من قال: إن الهاء في (يطيقونه) تعود إلى الفدية إذ لا ذكر لها. وقيل: معناها كمعنى (يُطوّقونه)، أنهم يتكلفون الصوم على مشقة. وقد أوضحنا ذلك في بابه فراجعه منه.
стр. 13067
٢٦ - [باب] ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ الآية [البقرة: ١٨٥]
٤٥٠٦ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَرَأ: فِدْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ. قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ. [انظر: ١٩٤٩ - فتح: ٨/ ١٨٠]
٤٥٠٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَة، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٥] كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِىَ، حَتَّى نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا. [مسلم:١١٤٥ - فتح: ٨/ ١٨١] قال أبو عبد الله: مَاتَ بُكَيْرٌ قَبْلَ يَزِيدَ.
ذكر فيه أثر ابن عمر وسلمة بن الأكوع وقد سلفا في الصيام (١) مع الكلام عليهما. والبخاري روى أثر سلمة، وقال: مَاتَ بُكَيْرٌ قَبْلَ يَزِيدَ. وهو كما قال، وكان بكير بن عبد الله هو ابن الأشج، مات بالمدينة سنة سبع عشر ومائة، وقيل: سنة عشرين، وقيل: سنة اثنتين وعشرين، وقيل: سنة سبع وعشرين (٢)، ومات يزيد بن أبي عُبيد بالمدينة سنة ست أو سبع وأربعين ومائة (٣).
وأثر عطاء رواه ابن جريج عنه (٤).
стр. 13068
وأثر الحسن وإبراهيم أخرجهما عبد بن حميد، وكذا أثر أنس (١). وإسحاق السالف هو ابن إبراهيم كما صرح أبو نعيم في "مستخرجه"، وروح هو ابن عبادة، وزكرياء ثقة، وعمرو لا يسأل عنه، وعطاء هو ابن أبي رباح أسلم كما صرح به خلف وغيره، وإن كان روى عن ابن عباس عطاء بن يسار أيضًا.
ذكر فيه حديث نافع عن ابن عمر ﵄: أَتَاهُ رَجُلَانِ فِي فِتْنَةِ ابن الزُّبَيْرِ فَقَالَا: إِنَّ النَّاسَ قَدْ ضُيِّعُوا، وَأَنْتَ ابن عُمَرَ وَصَاحِبُ رسول الله ﷺ فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَخْرُجَ؟ فَقَالَ: يَمْنَعُنِي أَنَّ اللهَ حَرَّمَ دَمَ أَخِي. فَقَالَا: أَلَمْ يَقُلِ اللهُ تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] فَقَالَ: قَاتَلْنَا حَتَّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ، وَكَانَ الدِّينُ لله، وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَيَكُونَ الدِّينُ لِغَيْرِ اللهِ.
وَزَادَ عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ ابن وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي فُلَانٌ وَحَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو المَعَافِرِيِّ أَنَّ بُكَيْرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ حَدَّثَهُ، عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى ابْنَ عُمَرَ. الحديث.
والمراد بالفتنة في الآية الشرك كما قاله ابن عباس وغيره (١)، ويكون الدين لله أي: يخلص التوحيد لله، قاله ابن عباس أيضًا (٢)، وعبارة قتادة وغيره: حتى يقولوا: لا إله إلا الله (٣). وعبارة الحسن وزيد بن أسلم: حتى لا يعبد إلا الله (٤)، والظالم من أبى أن يقول: لا إله إلا الله، قاله قتادة وعكرمة. وعن الربيع: هم المشركون (٥)، وأضمر بعضهم في قوله: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ أي: انتهى بعضهم ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ منهم، وأباه بعضهم، وهذا على وجه المجازاة لما كان من المشركين الاعتداء، يقول: افعلوا بهم مثل (الذي) (٦) فعلوا بكم (٧).
стр. 13074
والرجلان اللذان أتياه هما من أهل العراق، وفلان المذكور هو عبد الله بن لهيعة المصري القاضي، فيما ذكره بعض الحفاظ (١)، والرجل في قوله: (أن رجلًا أتى ابن عمر) وقال بعده: (قال: يا أبا عبد الرحمن، ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ﴾ ذكر الحميدي أن البخاري سماه حكيمًا (٢).
وقوله: (وأما علي فابن عم رسول الله ﷺ وختنه، وأشار بيده وقال: هذا بيته حيث ترون).
فيه دلالة أن الزوج يسمى ختنًا.
قال ابن فارس: الختن: أبو الزوجة (٣).
وقال الأصمعي: إن الأَخْتانَ من قبل المرأة، والأحماء من قبل الزوج، وكذا قال ابن قتيبة: كل ما كان من قبل الزوج مثل: الأب والأخ فهم الأحماء، وكل من كان من قبل المرأة فهم الأختان، والصهر يجمع ذلك كله (٤).
وقوله: (هذا بيته) يريد بين أبيات النبي ﷺ يشير إلى قربه من رسول الله ﷺ .
стр. 13075
٣١ - [باب] قَوْلِه: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥]
التَّهْلُكَةُ وَالْهَلَاكُ وَاحِدٌ.
٤٥١٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي النَّفَقَةِ. [فتح: ٨/ ١٨٥]
ثم ساق عن حُذَيْفَةَ: أنها نَزَلَتْ فِي النَّفَقَةِ.
قلت: هو قول ابن عباس (١)، وعنه: الطول، ويقال لمن بيده فضل ﴿وَأَحْسِنُوا﴾. وقال البراء والنعمان بن بشير وغيرهما: هو الرجل يذنب الذنب ثم يلقي بيده، ثم يقول: لا يغفر لي. وقال أبو قلابة: يقول: ليس لي توبة فينهمك في الذنوب (٢).
وحكى ابن أبي حاتم فيها أقوالًا، منها قول أبي أيوب: نزلت فينا معشر الأنصار لما نصر الله نبيه وظهر الإسلام قلنا بيننا: إنا كنا قد تركنا أهلينا وأموالنا أن نقيم فيها ونصلحها حتى نصر الله رسوله، فهل نقيم في أموالنا ونصلحها فنزلت، فكان الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا وندع الجهاد (٣)، وخرجه الترمذي مصححًا (٤).
стр. 13076
والتهلكة مثلثة اللام حكاه الزجاج، والمعنى: إن لم تنفقوا في سبيل الله هلكتم، أي: عصيتم الله فهلكتم، وجائز أن يكون بتقوية عدوكم عليكم، وزعم المبرد أن المراد بالأيدي: الأنفس، فعبر بالبعض عن الكل (١). وقال ابن الجوزي: إن كان الهلاك في الواجبات فهو الإثم، وإن كان في المكروهات فهو فوت الفضائل.
وقوله: ﴿وَأَحْسِنُوا﴾ فيه أقوال:
أحدها: في أداء الفرائض (٢).
ثانيها: الظن بالله (٣).
ثالثها: عودوا على من ليس في يده شيء (٤).
رابعها: صلوا الخمس، حكاه ابن أبي حاتم (٥).
وقال فضيل بن عياض: إن العبد لو أحسن الإحسان كله وكانت له دجاجة فأساء إليها لم يكن من المحسنين (٦).
فائدة:
حديث حذيفة المذكور أخرجه البخاري عن إسحاق، ثنا النضر به، قال أبو علي: نسبه ابن السكن فقال: ابن إبراهيم، وقال الكلاباذي: النضر بن شميل قد روى عن إسحاق بن إبراهيم وإسحاق بن منصور (٧).
стр. 13077
٣٢ - [باب] قَولِهِ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة:١٩٦]
٤٥١٧ - حَدَّثَنَا آدَم، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَعْقِلٍ قَالَ: قَعَدْتُ إِلَى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ -يَعْنِي: مَسْجِدَ الْكُوفَةِ- فَسَأَلْتُهُ عَنْ: ﴿فِدْيَةٌ مِنْ صِيَام﴾. فَقَالَ حُمِلْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي. فَقَالَ: "مَا كُنْتُ أُرَى أَنَّ الْجَهْدَ قَدْ بَلَغَ بِكَ هَذَا، أَمَا تَجِدُ شَاةً". قُلْتُ لَا. قَالَ: "صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ طَعَامٍ، وَاحْلِقْ رَأْسَكَ". فَنَزَلَتْ فِىَّ خَاصَّةً وَهْيَ لَكُمْ عَامَّةً. [انظر: ١٨١٤ - مسلمً: ١٢٠١ - فتح: ٨/ ١٨٦]
ذكر فيه حديث كعب بن عجرة.
وقد سلف في الحج (١)، و (أرى) فيه بضم الهمزة: أظن. و (الجهد) بفتح الجيم: المشقة.
وقوله: "أما تجد شاة" قال الداودي: ليس هو في أكثر الروايات، وإنما فيه: "أطعم" أو "تصدق"، وكان ذلك عام الحديبية قبل أن يحلوا.
قال ابن أبي حاتم، عن ابن عباس: المرض أن يكون برأسه أذًى أو قرح (٢)، وفي رواية: من اشتد مرضه (٣).
وعن ابن جريج: الصداع، والقمل (٤).
стр. 13078
وعن مجاهد: كائنًا ما كان من مرضه فادهن أو اكتحل أو تداوى (١) وقال عطاء فيما ذكره عبد: الصداع ونحوه (٢).
стр. 13079
٣٣ - [باب] قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]
٤٥١٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عِمْرَانَ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ قَالَ: أُنْزِلَتْ آيَةُ الْمُتْعَةِ فِي كِتَابِ اللهِ فَفَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلَمْ يُنْزَلْ قُرْآنٌ يُحَرِّمُهُ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ، قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ. [انظر: ١٥٧١ - مسلم: ١٢٢٦ - فتح: ٨/ ١٨٦]
ذكر فيه حديث عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أُنْزِلَتْ اَيَةُ المُتْعَةِ فِي كِتَابِ اللهِ فَفَعَلْنَاهَا مَعَ رَسولِ اللهِ ﷺ ، وَلَمْ يُنْزَلْ قُرْاَنٌ يُحَرّمُهُ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ، قَالَ رَجُلٌ بِرَأيِهِ مَا شَاءَ.
قال محمد: يقال: إنه عمر ﵁ (١).
تقدم ذلك في الحج (٢)، قال ابن التين: وقوله: (قال رجل برأيه ما شاء) غير بيِّنٍ؛ لأن عمر إنما كان نهى عن فسخ الحج ولم يخالف كتاب الله ولا سنة نبيه.
стр. 13080
٣٤ - [باب] قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨﴾
٤٥١٩ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَتْ عُكَاظٌ وَمَجَنَّةُ وَذُو الْمَجَازِ أَسْوَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَتَأَثَّمُوا أَنْ يَتَّجِرُوا فِي الْمَوَاسِمِ فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ. [انظر: ١٧٧٠ - فتح: ٨/ ١٨٦]
ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ: كَانَتْ عُكَاظٌ وَمَجَنَّةُ .. إلى آخره.
سلف في الحج (١) والبيوع (٢)، وشيخ البخاري فيه محمد: هو ابن سلام (٣). وعكاظ ومجنة، وذو المجاز أسواق نحو عرفات.
قال الداودي: وفيه دلالة على فضل الكفاف على الفقر؛ لأن الله سماه فضلًا.
وحديث ابن عباس ﵄: قَالَ يَطَوَّفُ الرَّجُلُ بِالْبَيْتِ مَا كَانَ حَلَالًا حَتَّى يُهِلَّ بِالْحَجِّ، فَإِذَا رَكِبَ إِلَى عَرَفَةَ فَمَنْ تَيَسَّرَ لَهُ هَدِيَّةٌ .. إلى آخره.
وقيل: المراد بالناس في قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ إبراهيم، مثل قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ يعني: نعيم بن مسعود الأشجعي (١)، وقرئ شاذًّا (الناسي). يريد آدم (٢).
стр. 13083
٣٦ - [باب] قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: ٢٠١]
٤٥٢٢ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" [٦٣٨٩ - مسلم: ٢٦٩٠ - فتح: ٨/ ١٨٧]
ثم ساق عن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ كان يَقُولُ: "اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً .. " إلى آخره
ويأتي في الدعوات (١)، وأخرجه مسلم أيضًا (٢)، وفي الحسنة في الدنيا والآخرة أقوال للمفسرين ليس هذا موضعها.
стр. 13084
٣٧ - [باب] قوله: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة:٢٠٤]
وَقَالَ عَطَاءٌ: النَّسْلُ: الْحَيَوَانُ.
٤٥٢٣ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ تَرْفَعُهُ قَالَ: "أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللهِ الأَلَدُّ الْخَصِمُ".
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [انظر: ٣٤٥٧ - مسلم: ٢٦٦٨ - فتح: ٨/ ١٨٨]
ذكر فيه حديث قبيصة، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابن جُرَيْجٍ، عَنِ ابن أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ تَرْفَعُهُ قَالَ: "أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلى اللهِ الأَلدُّ الخَصِمُ".
ثم ذكره عنها من طريق آخر إليها معلقًا بلفظ: وقال عبد الله: ثنا سفيان، وعبد الله هذا: هو ابن الوليد العدني، كما نبه عليه خلف. وسفيان: هو ابن عيينة، كما صرح به الترمذي (١) والنسائي (٢).
وأما الأول فهو الثوري، لأن قبيصة كان يلازمه، وإن كان أيضًا قد روي عن ابن عيينة، ولكنه بالثوري أشهر، وذكره في المظالم عن أبي عاصم، عن ابن جريج به (٣).
وأثر عطاء أسنده ابن أبي حاتم عنه قال: نسل كلِّ دابة والناس أيضًا (٤).
стр. 13085
قال جماعة من أهل اللغة: النسل: الولد. زاد بعضهم: والذرية (١).
قال ابن عرفة: قيل: خصم ألد لإعماله اللددين فيها، وهما جانبا فكه (٢)، وقيل: لأنك كلما أخذت في الحجة من جانب أخذ من جانب آخر، والألد: الشديد الخصومة.
стр. 13086
٣٨ - [باب] قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢١٤]
٤٥٢٤ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يَقُولُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: ١١٠] خَفِيفَةً، ذَهَبَ بِهَا هُنَاكَ، وَتَلَا ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]. [فتح: ٨/ ١٨٨] فَلَقِيتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ.
٤٥٢٥ - فَقَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: مَعَاذَ اللهِ، وَاللهِ مَا وَعَدَ اللهُ رَسُولَهُ مِنْ شَيْءٍ قَطُّ إِلاَّ عَلِمَ أَنَّهُ كَائِنٌ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، وَلَكِنْ لَمْ يَزَلِ الْبَلَاءُ بِالرُّسُلِ حَتَّى خَافُوا أَنْ يَكُونَ مَنْ مَعَهُمْ يُكَذِّبُونَهُمْ، فَكَانَتْ تَقْرَؤُهَا ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا﴾ مُثَقَّلَةً. [انظر: ٣٣٨٩ - فتح: ٨/ ١٨٨]
ثم ساق عن ابن عباس ﵄: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: ١١٠] خَفِيفَةً، ذَهَبَ بِهَا هُنَاكَ، وَتَلَا: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] فلقيت عروة بن الزبير فذكرت له ذلك، فقال: قالت عائشة ﵂: معاذ الله، والله ما وعد الله رسوله من شيء إلا علم أنه كائن قبل أن يموت .. إلى آخره.
وهذا أعلى ما ذكره عن عائشة، سلف في مناقب يوسف ﵇ واضحًا (١)، ولما ذكر الحميدي المتن الأول قال: ذكرناه في مسند ابن عباس على ما ذكره أبو مسعود، وقد نقله البرقاني إلى مسند
стр. 13087
عائشة، وفي رواية: كانوا بشرًا ويئسوا فظنوا أنهم قد كذبوا، ذهب بها هناك، وأومأ بها إلى السماء (١).
ولابن المنذر: لما سمع الضحاك قول سعيد بن جبير لمن سأله عن هذِه الآية قال: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾: من قومهم أن يصدقوهم وظن المرسل إليهم أن الرسل كذبوهم. قال الضحاك: لو رحل إلى اليمن في هذِه لكان قليلًا.
وقراءة عاصم والكسائي وحمزة بالتخفيف، والباقون بالتثقيل (٢)، وهو الذي ذهبت إليه عائشة، وهو الصحيح (٣) كما قاله ابن الجوزي، ويحمل التخفيف على أن قوم الرسل ظنوا أنهم قد كذبوا فيما وعدوا به من النصر.
وأما الآية التي ذكرها البخاري ففي "تفسير عبد الرزاق" عن قتادة أنها نزلت يوم الأحزاب، أصاب رسول الله ﷺ يومئذ وأصحابه بلاء وحصر (٤) وذكره ابن أبي حاتم عن السدي (٥)، ونقله القرطبي عن الأكثرين (٦).
стр. 13088
وقيل: نزلت يوم أحد (١). وقيل: نزلت تسلية للمهاجرين حين تركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين، وآثروا رضا الله تعالى ورسوله (٢).
وقال مقاتل: نزلت في عثمان وأصحابه لما قال لهم المنافقون بأحد: لو كان محمد نبيًّا لم يسلط عليه القتل. فقالوا: من قتل منا دخل الجنة. فقال المنافقون: إنكم تمنون أنفسكم بالباطل. وقال الزجاج: معناه: بل حسبتم (٣).
ومعنى ﴿مَثَلُ الَّذِينَ﴾ أي: صفة، ﴿خَلَوْا﴾: مضوا من الأنبياء والأمم السالفة (٤). وقال الزمخشري: أم منقطعة ومعنى الهمزة فيها التقرير (٥)، و ﴿الْبَأْسَاءُ﴾ الفقر (٦).
وقوله: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ قال مقاتل: هو اليسع واسمه شعيا ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ حزقيا الملك حين حضر القتال ومن معه من المؤمنين، فقتل ميشا ولده (٧) اليسع.
﴿قَرِيبٌ﴾ سريع، وقال الكلبي: في كل رسول بعث إلى أمته. وقال الضحاك: هو محمد وعليه يدل نزول الآية الكريمة، وأكثر
стр. 13089
المتأولين على أن الكلام إلى آخر الآية من قول الرسول والمؤمنين، أي: بلغ بهم الجهد حتى استبطئوا النصر، فقال الله: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ ويكون ذلك من قول الرسول على طلب استعجال النصر لا على شك وارتياب. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، حتى يقول الذين آمنوا متى نصر الله فيقول الرسول: ألا إن نصر الله قريب. فقدم الرسول في الرتبة لمكانته، ثم قدم المؤمنين؛ لأنه المقدم في الزمان (١).
قال الفراء: قرأه القراء بالنصب إلا مجاهدًا وبعض أهل المدينة رفعوا فقالوا: (حتى يقولُ) (٢).
وَرَائِهَا جَاءَ الوَلَدُ أَحْوَلَ؛ فَنَزَلَتْ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣].
الشرح:
إسحاق شيخ البخاري هو ابن إبراهيم كما نسبه ابن السكن (١)، وقال أبو نعيم -كما رواه عن أبى أحمد-: ثنا عبد الله بن محمد، ثنا إسحاق بن إبراهيم أنا النضر قال: رواه يعني: البخاري عن إسحاق بن إبراهيم، وزعم خلف أن البخاري رواه عن عبد الصمد، وكذا قال أبو نعيم في "مستخرجه".
وقوله: (رواه محمد بن يحيى بن سعيد)، زعم خلف أن البخاري رواه تعليقًّا عن محمد هذا.
ورواه أبو نعيم، عن أبي عمرو بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا أبو بكر الأعين، حدثني محمد بن يحيى بن سعيد، عن أبيه به، وزعم ابن طاهر أن محمدًا هذا ممن انفرد به البخاري (٢) وأباه ابن عساكر فمن بعده فذكره في شيوخ مسلم.
وحديث ابن عمر ﵄ من أفراده.
وحديث جابر أخرجه مسلم أيضًا (٣)، وله في طريق آخر، عن الزهري، من أفراد مسلم: إن شاء مجبيةً وإن شاء غير مجبيةٍ غير أن ذلك في صمام واحد (٤)، ويحتمل كما قال الداودي: أنها نزلت في الوجهين.
стр. 13092
وصحح الحاكم حديث ابن عباس ﵄ أن هذا الحي من قريش كانوا (يسرحون) (١) النساء: بمكة ويتلذذون بهن مقبلات ومدبرات، فلما قدموا المدينة تزوجوا من الأنصار فرغبوا ليفعلوا ذلك بهن فأنكرن ذلك، فانتهى الحديث إلى رسول الله ﷺ ، فأنزل الله الآية قال: "إن شئت مقبلة أو مدبرة وإن شئت باركة" وإنما يعني بذلك موضع الولد (٢).
وعند الواحدي: جاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال: هلكت، فقال:
"وما أهلكك؟ " قال: حولت رحلي الليلة، فأوحى الله إلى رسوله الآية، يقول: "أقبل وأدبر واتق الدبر والحيض" (٣).
وقال ابن المسيب: أنزلت الآية في العزل (٤).
والطبري: أن ناسًا من حمير أتوا رسول الله ﷺ فقال رجل منهم: يا رسول الله، إني رجل أحب النساء، فكيف ترى ذلك؟ فنزلت (٥).
وعند مقاتل: قال حُيي بن أخطب ونفر من اليهود للمسلمين: إنه لا يحل لكم جماع النساء: إلا مستلقيات وإنا نجد في كتاب الله أن جماع المرأة غير مستلقية دنس عند الله، فنزلت.
وعن ابن عباس ﵄: الحرث: منبت الولد.
وقال السدي: هي مزرعة يحرث فيها (٦).
стр. 13093
واختلف في قوله: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فقيل: كيف، وقيل: متى، وقيل: إن شئتم فاعزلوا أو ذروا، وقيل: حيث شئتم، ذكره الطبري (١). ثم ساق عن يعقوب، ثنا ابن علية، ثنا ابن عون، عن نافع، قال: كان ابن عمر يقول: نزلت هذِه الآية في إتيان النساء: في أدبارهن، ثم ساق عن ابن عون أيضًا مثله. ثم ساق عن أبي قلابة، عن عبد الصمد كما سلف نحوه، وروى مالك عن ابن عمر أنه قال: أفٍّ أفٍّ أوَ يفعل ذلك مؤمن (٢)؟!
وجمهور السلف وأئمة الفتوى على التحريم ولا عبرة بمن خالف، وفيه عدة أحاديث فوق العشرة، صحح ابن حزم منها حديث ابن عباس مرفوعًا: "لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلًا أو امرأة في دبرها". وحديث خزيمة مرفوعًا: "إن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن"، ثم قال: هما صحيحان تقوم بهما الحجة ولو صح خبر في ذلك لكانا ناسخين، وقد جاء تحريمه عن عدة من الصحابة وغيرهم (٣)، وما روي إباحة ذلك عن أحد إلا عن ابن عمر وحده باختلاف عنه، عن نافع باختلاف عنه، وعن مالك باختلاف عنه فقط (٤).
قلت: وجاء عنه إنكاره، ويؤيد الجمهورَ ردُّها بالرتق والقرن ولو ساغ الانتفاع بغيره لما ردت.
стр. 13094
٤٠ - [باب] قوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٢]
٤٥٢٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ قَالَ: كَانَتْ لِي أُخْتٌ تُخْطَبُ إِلَيَّ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ أُخْتَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، فَتَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَخَطَبَهَا فَأَبَى مَعْقِلٌ، فَنَزَلَتْ ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]. [٥١٣٠، ٥٣٣٠، ٥٣٣١ - فتح: ٨/ ١٩٢]
ثم ساق عن معقل بن يسار ﵁: قَالَ كَانَتْ لِي أُخْتٌ تُخْطَبُ إِلَيَّ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: عَنْ يُونُسَ، عَنِ الحَسَنِ حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، ثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، ثنَا يُونُسُ، عَنِ الحَسَنِ أَنَّ أُخْتَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَابى طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، فَتَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَخَطَبَهَا فَأَبَى مَعْقِلٌ، فَنَزَلَتْ ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٢].
هذا الحديث من أفراده، وتعليق إبراهيم -وهو ابن طهمان، أسنده البخاري في النكاح عن أحمد بن أبي عمرو حفص بن عبد الله، عن أبيه، عنه (١). وساقه أبو نعيم من حديث سلمة بن شبيب، عن يزيد بن أبي سليم عنه.
وقوله: (حدثنا أبو معمر) أهمله صاحب "الأطراف" وهو ثابت. وعند الطبري من حديث ابن جريج أن أخت معقل بن يسار جُميل
стр. 13095
بنت يسار -بضم الجيم- كما ضبطه ابن ماكولا (١)، كانت تحت أبي البداح وفي رواية ابن إسحاق: اسمها فاطمة بنت يسار، وسماها ابن فتحون جميلة، وقيل: جميل، وسماها المنذري: ليلى، وقيل: نزلت في جابر بن عبد الله، وكانت له ابنة عم فطلقها زوجها تطليقة، فانقضت عدتها، ثم رجع يريد رجعتها فأبى جابر فنزلت، وقيل: نزلت في أنه لا يضار وليته بعضلها عن النكاح قاله ابن عباس ﵄ وغيره، فليس له أن يعضلها حتى يرثها ويمنعها تستعف بزوج، وقيل: نزلت في الرجل يطلق امرأته ثم يمنعها إذا انقضت عدتها أن تزوج لغيره، فنهى الله عن ذلك (٢).
والعضل: المنع، أي: لا تضيقوا عليهن، بمنعكم إياهن، وحكي كسر ضاد عضل، والفتح والكسر من تعضل، والقراءة على الضم، وأمور معضلات: شداد، وكذا عضلها تعضيلًا ويقال: عضلت الناقة فهي معضل: احتبس ولدها في بطنها.
قال الشافعي: هذا أبين ما في الكتاب العزيز من أن للولي مع المرأة في نفسها حقًّا آخر، فلو كان الأمر يثبت دون وليها؛ لزوجت أخت معقل نفسها ولم يخاطب الله الأولياء، فدل على أن الأمر إليهم في التزويج مع رضاهن (٣).
وستعلم الاختلاف فيه في بابه.