وَرَائِهَا جَاءَ الوَلَدُ أَحْوَلَ؛ فَنَزَلَتْ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣].
الشرح:
إسحاق شيخ البخاري هو ابن إبراهيم كما نسبه ابن السكن (١)، وقال أبو نعيم -كما رواه عن أبى أحمد-: ثنا عبد الله بن محمد، ثنا إسحاق بن إبراهيم أنا النضر قال: رواه يعني: البخاري عن إسحاق بن إبراهيم، وزعم خلف أن البخاري رواه عن عبد الصمد، وكذا قال أبو نعيم في "مستخرجه".
وقوله: (رواه محمد بن يحيى بن سعيد)، زعم خلف أن البخاري رواه تعليقًّا عن محمد هذا.
ورواه أبو نعيم، عن أبي عمرو بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا أبو بكر الأعين، حدثني محمد بن يحيى بن سعيد، عن أبيه به، وزعم ابن طاهر أن محمدًا هذا ممن انفرد به البخاري (٢) وأباه ابن عساكر فمن بعده فذكره في شيوخ مسلم.
وحديث ابن عمر ﵄ من أفراده.
وحديث جابر أخرجه مسلم أيضًا (٣)، وله في طريق آخر، عن الزهري، من أفراد مسلم: إن شاء مجبيةً وإن شاء غير مجبيةٍ غير أن ذلك في صمام واحد (٤)، ويحتمل كما قال الداودي: أنها نزلت في الوجهين.
стр. 13092
وصحح الحاكم حديث ابن عباس ﵄ أن هذا الحي من قريش كانوا (يسرحون) (١) النساء: بمكة ويتلذذون بهن مقبلات ومدبرات، فلما قدموا المدينة تزوجوا من الأنصار فرغبوا ليفعلوا ذلك بهن فأنكرن ذلك، فانتهى الحديث إلى رسول الله ﷺ ، فأنزل الله الآية قال: "إن شئت مقبلة أو مدبرة وإن شئت باركة" وإنما يعني بذلك موضع الولد (٢).
وعند الواحدي: جاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال: هلكت، فقال:
"وما أهلكك؟ " قال: حولت رحلي الليلة، فأوحى الله إلى رسوله الآية، يقول: "أقبل وأدبر واتق الدبر والحيض" (٣).
وقال ابن المسيب: أنزلت الآية في العزل (٤).
والطبري: أن ناسًا من حمير أتوا رسول الله ﷺ فقال رجل منهم: يا رسول الله، إني رجل أحب النساء، فكيف ترى ذلك؟ فنزلت (٥).
وعند مقاتل: قال حُيي بن أخطب ونفر من اليهود للمسلمين: إنه لا يحل لكم جماع النساء: إلا مستلقيات وإنا نجد في كتاب الله أن جماع المرأة غير مستلقية دنس عند الله، فنزلت.
وعن ابن عباس ﵄: الحرث: منبت الولد.
وقال السدي: هي مزرعة يحرث فيها (٦).
стр. 13093
واختلف في قوله: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فقيل: كيف، وقيل: متى، وقيل: إن شئتم فاعزلوا أو ذروا، وقيل: حيث شئتم، ذكره الطبري (١). ثم ساق عن يعقوب، ثنا ابن علية، ثنا ابن عون، عن نافع، قال: كان ابن عمر يقول: نزلت هذِه الآية في إتيان النساء: في أدبارهن، ثم ساق عن ابن عون أيضًا مثله. ثم ساق عن أبي قلابة، عن عبد الصمد كما سلف نحوه، وروى مالك عن ابن عمر أنه قال: أفٍّ أفٍّ أوَ يفعل ذلك مؤمن (٢)؟!
وجمهور السلف وأئمة الفتوى على التحريم ولا عبرة بمن خالف، وفيه عدة أحاديث فوق العشرة، صحح ابن حزم منها حديث ابن عباس مرفوعًا: "لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلًا أو امرأة في دبرها". وحديث خزيمة مرفوعًا: "إن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن"، ثم قال: هما صحيحان تقوم بهما الحجة ولو صح خبر في ذلك لكانا ناسخين، وقد جاء تحريمه عن عدة من الصحابة وغيرهم (٣)، وما روي إباحة ذلك عن أحد إلا عن ابن عمر وحده باختلاف عنه، عن نافع باختلاف عنه، وعن مالك باختلاف عنه فقط (٤).
قلت: وجاء عنه إنكاره، ويؤيد الجمهورَ ردُّها بالرتق والقرن ولو ساغ الانتفاع بغيره لما ردت.
стр. 13094
٤٠ - [باب] قوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٢]
٤٥٢٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ قَالَ: كَانَتْ لِي أُخْتٌ تُخْطَبُ إِلَيَّ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ أُخْتَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، فَتَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَخَطَبَهَا فَأَبَى مَعْقِلٌ، فَنَزَلَتْ ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]. [٥١٣٠، ٥٣٣٠، ٥٣٣١ - فتح: ٨/ ١٩٢]
ثم ساق عن معقل بن يسار ﵁: قَالَ كَانَتْ لِي أُخْتٌ تُخْطَبُ إِلَيَّ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: عَنْ يُونُسَ، عَنِ الحَسَنِ حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، ثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، ثنَا يُونُسُ، عَنِ الحَسَنِ أَنَّ أُخْتَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَابى طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، فَتَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَخَطَبَهَا فَأَبَى مَعْقِلٌ، فَنَزَلَتْ ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٢].
هذا الحديث من أفراده، وتعليق إبراهيم -وهو ابن طهمان، أسنده البخاري في النكاح عن أحمد بن أبي عمرو حفص بن عبد الله، عن أبيه، عنه (١). وساقه أبو نعيم من حديث سلمة بن شبيب، عن يزيد بن أبي سليم عنه.
وقوله: (حدثنا أبو معمر) أهمله صاحب "الأطراف" وهو ثابت. وعند الطبري من حديث ابن جريج أن أخت معقل بن يسار جُميل
стр. 13095
بنت يسار -بضم الجيم- كما ضبطه ابن ماكولا (١)، كانت تحت أبي البداح وفي رواية ابن إسحاق: اسمها فاطمة بنت يسار، وسماها ابن فتحون جميلة، وقيل: جميل، وسماها المنذري: ليلى، وقيل: نزلت في جابر بن عبد الله، وكانت له ابنة عم فطلقها زوجها تطليقة، فانقضت عدتها، ثم رجع يريد رجعتها فأبى جابر فنزلت، وقيل: نزلت في أنه لا يضار وليته بعضلها عن النكاح قاله ابن عباس ﵄ وغيره، فليس له أن يعضلها حتى يرثها ويمنعها تستعف بزوج، وقيل: نزلت في الرجل يطلق امرأته ثم يمنعها إذا انقضت عدتها أن تزوج لغيره، فنهى الله عن ذلك (٢).
والعضل: المنع، أي: لا تضيقوا عليهن، بمنعكم إياهن، وحكي كسر ضاد عضل، والفتح والكسر من تعضل، والقراءة على الضم، وأمور معضلات: شداد، وكذا عضلها تعضيلًا ويقال: عضلت الناقة فهي معضل: احتبس ولدها في بطنها.
قال الشافعي: هذا أبين ما في الكتاب العزيز من أن للولي مع المرأة في نفسها حقًّا آخر، فلو كان الأمر يثبت دون وليها؛ لزوجت أخت معقل نفسها ولم يخاطب الله الأولياء، فدل على أن الأمر إليهم في التزويج مع رضاهن (٣).
وستعلم الاختلاف فيه في بابه.
стр. 13096
فائدة:
مَعْقِل -بإسكان العين المهملة قبلها ميم مفتوحة، ثم بعدها قاف مكسورة-، ابن يَسار -بفتح أوله وهو مثناة تحت- ابن عبد الله بن مُعَبَّر- بضم الميم وفتح العين المهملة، ثم باء موحدة مشددة مكسورة، ثم راء مهملة، ويقال: بكسر أوله وإسكان ثانيه، ثم مثناة تحت، كذا قيده أبو نصر وغيره، ونقل ابن فتحون، عن ابن عبد البر: بصاد مهملة (١)، قال العجلي: يكنى: أبا علي ولا نعلم أحدًا من
الصحابة يكنى بها غيره (٢).
قلت: هي كنية طلق بن علي اليماني وقيس بن عاصم المنقري كما ذكره أبو أحمد وغيره.
ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ عِدَّتَهَا فِي أَهْلِهَا، فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ لِقَوْلِ اللهِ ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة:٢٤٠] نَحْوَهُ. [٥٣٤٤ - فتح ٨/ ١٩٣]
٤٥٣٢ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى مَجْلِسٍ فِيهِ عُظْمٌ مِنَ الأَنْصَارِ، وَفِيهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، فَذَكَرْتُ حَدِيثَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ فِي شَأْنِ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: وَلَكِنَّ عَمَّهُ كَانَ لَا يَقُولُ ذَلِكَ. فَقُلْتُ: إِنِّي لَجَرِئٌ إِنْ كَذَبْتُ عَلَى رَجُلٍ فِي جَانِبِ الْكُوفَةِ. وَرَفَعَ صَوْتَهُ، قَالَ: ثُمَّ خَرَجْتُ فَلَقِيتُ مَالِكَ بْنَ عَامِرٍ أَوْ مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ قُلْتُ: كَيْفَ كَانَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَهْيَ حَامِلٌ؟ فَقَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظَ، وَلَا تَجْعَلُونَ لَهَا الرُّخْصَةَ؟ لَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ الْقُصْرَى بَعْدَ الطُّولَى. وَقَالَ أَيُّوبُ: عَنْ مُحَمَّدٍ: لَقِيتُ أَبَا عَطِيَّةَ مَالِكَ بْنَ عَامِرٍ. [٤٩١٠ - فتح: ٨/ ١٩٣]
ساق حديث ابن أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ ابن الزُّبَيْرِ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ هذِه الآية التي في البقرة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] قَدْ نَسَخَتْهَا الآيَةُ الأُخْرى، فَلِمَ تَكْتُبُهَا؟! قال ندَعُهَا يَا ابن أَخِي، لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ مَكَانِهِ. قال حميد -يعني: ابن الأسود- أو نحو هذا.
وعن ابن أبي مليكة قال ابن الزبير: قلت لعثمان: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] نسختها الآية الأخرى فَلِمَ تَكْتُبْها؟ مراده بالآية الأخرى ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] تدعها، قال: يا ابن أخي، لا أغير شيئًا من مكانه.
كأن عثمان ﵁ راعى الإثبات؛ لأنه إنما نسخ الحكم خاصة دون اللفظ، وكأنه ظن أن ما نسخ لا يكتب وليس كما ظنه، بل له فوائد: ثواب التلاوة والامتثال؛ ولأنه لو أراد نسخ لفظه لرفعه، والأكثرون
стр. 13099
-كما قال النحاس- على أن هذِه الآية ناسخة لآية: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٠] (١) ثم أخرج المتوفى عنها الحاملَ، كما سيأتي، ونقل عن علي أن لها أن تخرج وتحج إن شاءت ولا تقيم في منزلها قال: ثم حكي عن أربعة من الصحابة أنهم لم يوجبوا عليها الإقامة في بيتها قال: وزعم قوم أن: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ نسخها حديث: "لا وصية لوارث" (٢)(٣).
ثم ساق عن إسحاق وهو ابن إبراهيم كما حدث به البخاري في الأحزاب (٤) أو ابن منصور، كما حدث به في الصلاة وغيرها (٥).
أنا روح، ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٤٠]، قال: كانت هذِه العدة، تعتد عند أهل زوجها واجب فأنزل الله ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠] قال: جعل لها تمام السنة، سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية إن شاءت سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، وهو قول الله تعالى: غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ والعدة كما هي واجب عليها. زعم ذلك عن مجاهد أي: زعم ذلك ابن أبي نجيح، عن مجاهد، كما بينه الحميدي (٦).
стр. 13100
ثم قال البخاري:
وقال عطاء: قال ابن عباس: نسخت هذِه الآية عدتها عند أهلها فتعتد حيث شاءت وهو قول الله: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾.
قَالَ عَطَاءٌ: إِنْ شَاءَتِ اعْتَدَّتْ عِنْدَ أَهْلِهِ وَسَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا، وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ﴾ [البقرة:٢٤٠] قَالَ عَطَاءٌ: ثُمَّ جَاءَ المِيرَاثُ فَنَسَخَ السُّكْنَى فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ، وَلَا سُكْنَى لَهَا (١).
وهذا إن كان عطفًا على الإسناد الأول فلا خفاء فيه، وكذا فقد أخرجه أبو داود من حديث شبل، عن ابن أبي نجيح قال: قال عطاء (٢). ثم قال البخاري:
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، ثنَا وَرْقَاءُ، عَنِ ابن أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِد بهذا. وَعَنِ ابن أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاء، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: نَسَخَتْ هذِه الآيَةُ عِدَّتَهَا فِيِ أَهْلِهَا، فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ لِقَوْلِ اللهِ تعالى ﴿غَيْرَ إِخرَاجَ﴾ [البقرة: ٢٤٠] نَحْوَهُ.
هذا مذهب مجاهد يحتمل أن البخاري أدرجه على رواية إسحاق السالفة، أو علقه عن شيخه محمد بن يوسف، فيما نسبه أبو مسعود في "أطرافه"، وقد أخرجه أبو نعيم، عن سليمان بن أحمد، ثنا عبد الله بن محمد، عن سعيد بن أبي مريم، عن محمد بن يوسف، ثم قال: ذكره البخاري عنه، وهذا مذهب مجاهد: استحقاقها ما لم تخرج. وادعى ابن بطال أنه من أفراده، وأنه لم يتابع عليه.
стр. 13101
وقوله: (جعل الله لها تمام السنة وصية إن شاءت سكنت أو خرجت) أي: أراد أنها تخرج بعد تمام العدة، فلا بأس به غير أنه يذهب أن ذلك للأزواج كلهن، وليس كذلك إنما هو الزوجة التي لا ترث، فيجوز لها الوصية.
ومعنى ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾: متعوهن متاعًا ومعنى ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ فليوصوا وصية لأزواجهم، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ الآية.
كانت المرأة ينفق عليها ما لم تخرج من بيت زوجها، فإذا خرجت قطعت عنها. وقول عطاء: في المتوفى لا سكنى لها قال به أبو حنيفة، ومذهب مالك أنها لها السكنى إذا كانت الدار ملكًا للميت أو منافعها (١). وقول ابن عباس: نسختها عدتها عند أهلها .. إلى آخره. ليس ببين، إذ ليس بموجود في الكتاب ولا في السنة.
ثم ساق حديث عبد الله بن عون، عن محمد بْنِ سِيرِينَ قَالَ: جَلَسْتُ إلى مَجْلِسٍ فِيهِ عُظْمٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فِيهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، فَذَكَرْ حَدِيثَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ فِي شَأْنِ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الحَارِثِ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: ولكن عَمَّهُ كَانَ لَا يَقُولُ ذَلِكَ. فَقُلْتُ: إِنِّي لَجَرِيءٌ إِنْ كَذَبْتُ عَلَى رَجُلٍ فِي جَانِبِ الكُوفَةِ. وَرَفَعَ صَوْتَهُ، قَالَ: ثُمَّ خَرَجْتُ فَلَقِيتُ مَالِكَ بْنَ عَامِرٍ أَوْ مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ، قُلْتُ: كَيْفَ كَانَ قَوْلُ ابن مَسْعُودٍ فِي المُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَهْيَ حَامِل؟ فَقَالَ: قَالَ ابن مَسْعُودٍ: أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظَ، وَلَا تَجْعَلُونَ لَهَا الرُّخْصَةَ؟ لَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ القُصْرى بَعْدَ الطُّولَى. وَقَالَ أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ: لَقِيتُ أَبَا عَطِيَّةَ مَالِكَ بْنَ عَامِرٍ -عني: ابن
стр. 13102
مسعود- أن قوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] نزلت بعد قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ الآية [البقرة: ٢٣٤] وقال ابن عباس وعلي: إنما هذِه في المطلقات، وأما في الوفاة فعدة الحامل آخر الأجلين (١) وبه قال سحنون، والأول أشهر وعليه الفقهاء وأنه تخصيص دل عليه خبر سبيعة، وأراد ابن مسعود بالتغليظ طول العدة إذا زادت مدة الحمل والرخصة إذا وضعت لأقل من أربعة أشهر وعشر، ومفهوم كلام ابن مسعود أنها نسختها.
وقوله: (إني لجرئ) أي: غير مستح.
وحديث سبيعة يأتي في تفسير سورة الطلاق (٢) وغيره كما ستعلمه، وذكر الطبري عن ابن عباس وذكر الآية في ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، فقال: هذِه عدة المتوفى عنها زوجها إلا أن تكون حاملًا فالوضع (٣).
ومعنى ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾: يحتبسن بأنفسهن معتدات عن الأزواج، والإحداد إلا من عذر، وقيل: إنما أمرت بالتربص عن الأزواج خاصة، وعن الحسن إنما كان يرخص في التزين ولا يرى الإحداد شيئًا (٤)، وعن أبي العالية وغيره صارت هذِه العشرة مع الأشهر الأربعة لنفخ الروح فيها (٥)
стр. 13103
وقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنّ﴾ أي: عدتهن ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾ لا إثم. وقرأ ابن مسعود (لا حرج عليكم) والمعروف: الحلال الطيب قاله مجاهد (١)، وقال ابن عباس: تزينها عند انقضاء عدتها وتعرضها للتزويج (٢).
وقوله: ﴿عَشْرًا﴾ أي: عشر ليالٍ فأسقط الهاء يدل عليه قراءة ابن عباس (وعشر ليال) (٣).
وقال المبرد: معناه وعشرين مدة كل مدة فيها يوم وليلة.
وقيل: مبهم العدد ينصرف إلى الليالي لسبقها.
وقيل: لأن التاريخ يكون بالليلة إذا كانت هي أول الشهر واليوم تبع لها.
وقيل: التقدير: وأزواج الذين يتوفون، حذف المضاف. وقيل: يتربصن بعدتهم فحذف بعدتهم.
وزعم الراغب أن الأطباء تقول: إن الولد في الأكثر إذا كان ذكراً يتحرك بعد ثلاثة أشهر، وإذا كان أنثى بعد أربعة أشهر. فجعل ذلك عدة المتوفى عنها، وزيد عليها استظهارًا عشرة أيام، وخصت العشرة؛ لأنها أكمل الأعداد وأشرفها.
وعن أبي يوسف: المعتدة بالطلاق بالشهور إن وقع ذلك مع رؤية الهلال اعتدت بالأهلة وإن كان ناقصًا، فإن كانت وجبت في بعض شهر اعتدت تسعين يومًا في الطلاق، وفي الوفاة مائة وثلاثين يومًا.
стр. 13104
وروى يعقوب عن شيخه: إن كانت العدة وجبت في بعض شهر فإنها تعتد بما بقي من ذلك الشهر أيامًا ثم تعتد بما يمر عليها من الأهلة شهورًا، ثم تكمل الأيام الأول ثلاثين يومًا، وإذا وجبت العدة مع رؤية الهلال اعتدت بالأهلة، وهو قول محمد بن الحسن ومحمد بن إدريس، وروي عن مالك (١).
فائدة:
قال ابن سلامة (٢) في "ناسخه": ليس في كتاب الله آية ناسخة في سورة إلا والمنسوخ بعدها، إلا قوله: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ [البقرة: ٢٤٠] وآية الأحزاب: مي ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْد﴾ [الأحزاب: ٥٢] نسختها الآية التي قبلها: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب:٥٠]. وهى من أعاجيبه.
وفي "تفسير ابن أبي حاتم": نسخ ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٠] نسختها آية الأحزاب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] الآية (٣) وهو غريب.
стр. 13105
٤٢ - [باب] قوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]
٤٥٣٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ . حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: هِشَامٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ: «حَبَسُونَا عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ مَلأَ اللهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ أَوْ أَجْوَافَهُمْ -شَكَّ يَحْيَى- نَارًا». [انظر: ٢٩٣١ - مسلم: ٦٢٧ - فتح: ٨/ ١٩٥]
ذكر فيه حديث عَبِيدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قال: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ . يَوْمَ الخَنْدَقِ: "حَبَسُونَا عَنْ صَلَاةِ الوُسْطَى حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ .. " الحديث.
سلف في غزوة الخندق، وذكرنا الخلاف فيها، وهو دال على أن الوسطى هي العصر، وهو الأصح كما سلف هناك، ووقع في كتاب ابن التين عن عبيدة السلماني والشافعي أنها المغرب، وهو غريب. ثم قال: فهما وسطيان: وسطى القرآن: الصبح، ووسطى السنة: العصر، والوسطى التي فضل على غيرها.
стр. 13106
٤٣ - [باب] قوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]
أي: مُطِيعِينَ
٤٥٣٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ يُكَلِّمُ أَحَدُنَا أَخَاهُ فِي حَاجَتِهِ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨] فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ. [انظر: ١٢٠٠ - مسلم: ٥٣٩ - فتح: ٨/ ١٩٨]
اختلف في معنى (قانتين) هل هو العابد، أو الذاكر، أو قليل القيام، أو الداعي في حال القيام، أو الصامت أقوال (١) أو المقر بالعبودية أو الطائع كما ذكره أقوال.
وساق البخاري عقبه حديث زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ، يُكَلِّمُ أَحَدُنَا [أَخَاهُ] فِي حَاجَتِهِ حَتَّى نَزَلَتْ هذِه الآيَةُ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨] فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ. دال على أن القنوت: السكوت. وجزمه بأن القنوت الطاعة، نقله ابن أبي حاتم في "تفسيره" عن ابن عباس وابن مسعود وجماعات، وعن ابن عباس وابن عمر: مصلين. وعن الضحاك: مطيعين في الوضوء. وروى ليث بن أبي سليم، عن مجاهد أنه قال في الآية: من القنوت الركوع والسجود وخفض الجناح وغض البصر رهبة الله. وعن جابر بن زيد الصلاة كلها (٢).
عَلَى أَقْدَامِهِمْ، أَوْ رُكْبَانًا، مُسْتَقْبِلِي القِبْلَةِ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا. قَالَ مَالِكٌ: قَالَ نَافِعٌ: لَا أُرى عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ذَكَرَ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ [انظر: ٩٤٢ - مسلم: ٨٣٩ - فتح: ٨/ ١٩٩]
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ أي: فإن كان بكم خوف من عدو أو غيره ﴿فَرِجَالًا﴾ فصلوا راجلين وهو جمع راجل كقائم وقيام، ورجل يقال: رجل. أي: راجل وقرئ (فرجالا) بتخفيف الراء (١) (ورجَّالًا) بالتشديد و (رجلا) (٢)، وعند أبي حنيفة: لا يصلون في حال المشي والمسايفة ما لم يمكن الوقوف (٣). وعند الشافعي: يصلون في كل حال، والراكب يومئ ويسقط عنه التوجه إلى القبلة (٤).
﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ زال خوفكم، ﴿فَاذْكُرُوا اللهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ من صلاة الآمنين، أو إذا أمنتم فاشكروا الله على الأمن واذكروه بالعبادة كما أحسن إليكم بما علمكم من الشرائع وكيف تصلون أمنًا وخوفًا.
(ص): (وَقَالَ ابن جُبَيْرٍ: ﴿كُرْسِيُّهُ﴾ عِلْمُهُ). هذا أسنده عبد بن حميد (٥)، من حديث جعفر عنه. ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦) عنه، عن ابن عباس (٧)، وسمي العلم كرسيًّا لمكانه الذي هو كرسي
стр. 13109
العالم. وقيل: وسح ملكه. وقيل: تمثل وقيل: إنه العرش. وروي أنه خلق كرسيًّا هو بين يدي العرش دونه السموات والأرض، وهو إلى العرش كأصغر شيء (١).
(ص): (يُقَالُ: ﴿بَسْطَةً﴾: زِيَادَةً وَفَضلًا). أي: وسعة. والظاهر أن المراد بالعلم المعرفة بما طلبوه لأجله من أمر الحرب. ويجوز أن يكون علمًا بالديانات وغيرها. والبسطة في الجسم فيها هيبة في القلوب.
(ص): (﴿أَفْرِغْ﴾: أَنْزِلْ). أي: صبه علينا.
(يَؤُدُهُ: يُثْقِلُهُ) أي: يشق عليه، وما ذكره أخرجه ابن أبي حاتم، عن ابن عباس وجماعة (٢)، و (آدَني: أثقلني. والآد والأيد: القوة).
(ص): ﴿فَبهُتَ﴾: ذَهَبَتْ حُجَّتُهُ) أي: تحير وانقطع.
(ص): ﴿خَاوِيَة﴾: لَا أَنِيسَ فِيهَا) وهي قائمة على أبنيتها، ويقال: خاوية ساقطة. (السنة: النعاس) أي: وهو في العين، فإذا وصل إلى القلب كان نومًا.
(﴿عُرُوشِهَا﴾: أَبْنِيَتُهَا) أي: سقطت ثم انهدمت الحيطان عليها.
((ننشرها): نخرجها) قلت: وقرئ بالزاي (٣). أي: نرتعها، وقيل: نحركها.
стр. 13110
(ص): (﴿إِعْصَارٌ﴾ [البقرة: ٢٦٦] رِيح عَاصِفٌ تَهُبُّ مِنَ الأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ كَعَمُودٍ فِيهِ نَارٌ). قلت: وهي التي يقال لها: الزوبعة -كما قاله الزجاج- قيل لها: إعصار؛ لأنها تلف كالثوب إذا عصر، وقيل: لأنه يعصر السحاب وهو مئل المرائي بأعماله، فإذا كان يوم القيامة وجدها محبطة فيخسر.
(ص): وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿صَلْدًا﴾: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ) أي: من التراب الذي كان عليه وهذا أخرجه ابن أبي حاتم من حديث الضحاك عنه بلفظ: فتركه يابسًا لاينبت شيئًا (١).
(ص): وقال عكرمة: وابل: مطر شديد أي: عظيم مقداره وهذا أخرجه عبد بن حميد (٢)، و (الطَّلُّ: النَّدى) أي: مطر صغير القطر يكفيها لكرم منبتها (وهذا مَثَلُ عَمَلِ المُؤْمِنِ) أو كما قاله.
﴿يَتَسَنَّهْ﴾: يَتَغَيَّرْ) هو كما قال، والهاء أصلية أو هاء السكت.
ثم ذكر البخاري حديث ابن عمر في صلاة الخوف.
وقد سلف مثله في صلاة الخوف من طريق آخر إلى ابن عمر أيضًا.
وصفوها وأكرم ما ينبت ولا يشبه الحيوان في الاحتياج إلي التلقيح،
ولأن رأسه إذا قطع لم يثمر بعد.
وحديث ابن عباس ذكره أبو مسعود في مسنده، وخالفه خلف فذكره في مسند عمر.
стр. 13115
٤٨ - قوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]
يُقَالُ: أَلْحَفَ عَلَيَّ، وَأَلَحَّ، وَأَحْفَانِي بِالْمَسْأَلَةِ، ﴿فَيُحْفِكُمْ﴾ [محمد: ٣٧]: يُجْهِدْكُمْ.
٤٥٣٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي شَرِيكُ بْنُ أَبِي نَمِرٍ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي عَمْرَةَ الأَنْصَارِيَّ قَالَا: سَمِعْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ وَلَا اللُّقْمَةُ وَلَا اللُّقْمَتَانِ، إِنَّمَا الْمِسْكِينُ الَّذِي يَتَعَفَّفُ، وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ" يَعْنِي: قَوْلَهُ ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾. [البقرة: ٢٧٣]
ثم ساق حديث أبي هريرة ﵁: "لَيْسَ المِسْكِينُ الذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، إلى قوله: يَعْنِي: قَوْلَهُ: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]
وقد سلف في الزكاة (١).
وقوله: (يقال: ألحف علي وألح عليّ وأحفاني) يريد: معناهن واحد، وإن اختلف ما أخذت منه، فمعنى ألح عليَّ: لازمني ولم يفتر، ومعنى ألحف يشتمل بالمسألة على وجوه الطلب وهو مشتق من اللحاف الذي يتغطى به، ومعنى أحفى مثل ألح ومنه: ﴿فَيُحْفِكُمْ﴾ [محمد: ٣٧] أي: يبالغ في مصلحتكم وهو مصدر في موضع الحال، أي: ملحفين والجمهور على أن معنى الآية لا يسألون البتة؛ لتعففهم عنها، وإن كان السابق إلى الفهم خلافه، ولا شك أن الإلحاح في المسألة ممتنعة عند الحاجة وعدمها ومن سأل وله أوقية من فضة
стр. 13116
أربعون درهمًا، أو ما يقوم مقامهما، فقد ألحف كما نبه عليه أبو عمر (١)، والفقراء المذكورون في الآية هم فقراء المهاجرين دون غيرهم، حكاه ابن جرير عن جماعة (٢).
وأسند ابن المنذر عن ابن عباس ﵄ أنهم أصحاب الصفة، وذكره أيضا مقاتل.
وقوله في الحديث: (يعني: قوله) قائله هو شيخ البخاري ابن أبي [مريم، وهو سعيد بن الحكم بن أبي مريم، كما ذكره الإسماعيلي وأبو نعيم في مستخرجيهما من طريق الحسن، عن سفيان قال: قلت لابن أبي [مريم: ما تقرأ (يعني قوله): واقرءوا إن شئتم قال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا﴾ [البقرة: ٢٧٣]. قال الإسماعيلي: وهو من تفسيره، قال: وحديث إسماعيل بن جعفر يعني المذكور عنده أولى بالتفسير منه؛ لإتيانه بالآية في الرواية تصحيحًا، لما قاله وإن كان عن عطاء بن يسار وحده، عن أبي هريرة ﵁ بخلاف رواية البخاري له عن عطاء وعبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة.
قلت: وأبو عمرة هو بشير بن عمرو بن محصن بن عتيك، حجازي، قتل مع علي بصفين وله صحبة (٣) وقتل أخوه أبو عبيدة يوم بئر معونة، وقتل أخوهما ثعلبة يوم جسر أبي عبيد، وقتل أخوهم حبيب بن عمرو بن محصن يوم اليمامة، ولثعلبة بن عمرو أيضا ولد يقال له: عبد الرحمن روى له خارج "الصحيح" (٤).
стр. 13117
فائدة:
استدل ابن حزم بهذا الحديث على أن المسكين الذي له أدنى شيء لا يقوم بحاله يصبر ولا يسأل (١)، وقال ابن الجوزي: قد جعل في هذا الحديث من لا يسأل أعظم حاجة من السائل.
٥٢ - قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٠]
٤٥٤٣ - وَقَالَ لَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ وَالأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا أُنْزِلَتِ الآيَاتُ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَرَأَهُنَّ عَلَيْنَا، ثُمَّ حَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْرِ. [انظر: ٤٥٩ - مسلم: ١٥٨٠ - فتح: ٨/ ٢٠٤]
ثم ساق حديث عائشة ﵂ المذكور معلقا بقوله: وقال محمد بن يوسف، ثم ساقه، وذكر الإسماعيلي أنه لم يقف على وجه دخول هذا الخبر في هذا الباب في تفسير الآيات التي ذكرها. قلت: لعل وجهه أن هذِه الآيات متعلقة بآيات الربا والإشارة في ذلك إلى الجميع، قال شريح: وهذِه الآية مخصوصة بالربا؛ لأنها تعقب آية الربا فظاهره، فلا يترك إلى ميسرة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. وخولف في ذلك وأنه حكم مبتدأ بعد ذلك، وقيل: إنها ناسخة لما كان في الجاهلية من بيع من أعسر فيما عليه من الديون، وإن كان حرًّا، وقد قيل: إنه يباع فيه في أول الإسلام، ثم نسخ، وفيه حديث، وذهب الليث بن سعد إلى أنه يؤاجر ويقضي دينه من أجرته، وهو قول الزهري وعمر بن عبد العزيز ورواية عن أحمد.
стр. 13121
٥٣ - قوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ [البقرة: ٢٨١]
٤٥٤٤ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ آيَةُ الرِّبَا. [فتح: ٨/ ٢٠٥]
ثم ساق حديث الشعبي عن ابن عباس ﵄ قال: آخر آية نزلت على النبي ﷺ آية الربا وهو من أفراده، ورواه عنه عن الضحاك عن ابن عباس، وفي رواية أبي صالح عنه: نزلت بمكة، وتوفي بعدها بأحد وثمانين يومًا زاد ابن المنكدر: هذا مستبعد لما فيه من انقطاع الوحي هذِه المدة. وقيل: نزلت يوم النحر بمنًى في حجة الوداع، وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير: عاش بعدها تسع ليال (١) وعند مقاتل: سبع. وحكى غيره: ثلاث ليال، وقيل: ثلاث ساعات
ذكرهما القرطبي (٢).
وروي أنه ﷺ قال: "اجعلوها بين آية الربا وآية الدين" (٣). وقيل: إنه عاش بعدُ أحدًا وعشرين يوما، وفي البخاري عن البراء أن آخر آية نزلت: ﴿يَسْتَفتُونَكَ﴾ كما سيأتي (٤)، وقال: إن آخر آية نزلت: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌّ مِن أَنفُسِكُمْ﴾ وترجعون بفتح التاء لأبي عمرو (٥)،
٥٥ - قوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾
وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿إصْراً﴾ [البقرة: ٢٨٦]: عَهْدًا. وَيُقَالُ: ﴿غُفْرَانَكَ﴾ [البقرة: ٢٨٥] مَغْفِرَتَكَ، ﴿فَاْغْفِرْ لَنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
٤٥٤٦ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا رَوْحٌ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ مَرْوَانَ الأَصْفَرِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ أَحْسِبُهُ ابْنَ عُمَرَ- ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قَالَ: نَسَخَتْهَا الآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا. [انظر: ٤٥٤٥ - فتح: ٨/ ٢٠٧]
حدثنا إِسْحَاقُ، ثنا رَوْحٌ، ثنا شُعْبَةُ، عَنْ خَالِدٍ به، وفي آخره: نَسَخَتْهَا الآيَةُ التِي بَعْدَهَا.
الشرح:
محمد هذا قال أبو نصر: أراه الذهلي. وقال ابن البيع: هو محمد بن إبراهيم البوشنجي، قال: وهذا الحديث، ما أملاه البوشنجي بنيسابور. والنفيلي: هو عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل، أبو جعفر الحراني. روى عنه: أبو داود. وروى البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه، عن رجل عنه. مات سنة أربع وثلاثين ومائتين.
ومسكين: هو ابن كثير، الحذاء، الحراني، صدوق يغرب. مات سنة ثمان وتسعين ومائة.
ثم اعلم أن ما أوردناه من قوله: (حدثنا محمد ثنا النفيلي) هو ما وقعنا عليه من الأصول، وهو ما ذكره أبو نعيم، والإسماعيلي، وقال: إن البخاري رواه كذلك.
стр. 13124
قال الجياني: سقط من كتاب ابن السكن ذكر محمد، إنما فيه النفيلي. وأكثر النسخ كما تقدم، وهو الصواب.
قال: وإسحاق في الثاني لم أجده منسوبًا، وقد حدث البخاري عن إبراهيم وابن منصور، وذكره أبو نعيم وأبو مسعود وخلف: ابن منصور.
وهذِه الآية ثبت في "صحيح مسلم" أيضا من حديث أبي هريرة ﵁ أنها نسخت بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] (١).
وقال ابن عباس: نزلت في كتمان الشهادة. حكاه ابن المنذر وابن أبي حاتم (٢)، كما ساقه البخاري عن ابن عمر- ﵄.
وقال الواحدي: المحققون على أنها محكمة.
وقال ابن التين: إن ثبت هذا عن ابن عمر فمعنى النسخ هنا العفو والوضع، يدل عليه الحديث: "إن الله تجاوز لأمتي عن ما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل أو تكلم" (٣).
واختلف في نسخ الأخبار، فقيل بالمنع وقيل بالجواز، وأصحهما: المنع، فيما أخبر الله أنه كان. فأما ما تعلق منها بأمر أو نهي فأجازه جماعة، وسواء كان ذلك خبرًا عما مضى أو عن مستقبل، وفرق بعضهم بين ما أخبر أنه فعله، وبين أن يفعله، قالوا: وذلك أن ما أخبر أنه يفعله، يجوز أن يفعله بشرط، وإخباره عما فعله لا يجوز دخول الشرط فيه. وقيل: إنه الأصح. وعليه تأول ابن عمر الآية.
стр. 13125
وأثر ابن عباس: ﴿إِصْرًا﴾: عهدًا. أسنده ابن المنذر، وغيره عنه (١).
وقال غيره: عهدًا وميثاقًا.
وقال عطاء: لا يمسخنا قردة ولا خنازير (٢)، وقيل: ذنبًا ليس فيه توبة ولا كفارة (٣)، وقرئ: آصارًا (٤). بالجمع. ولا تحمل: مبالغة في حمل عليه وغفرانك: منصوب بإضمار فعله.
стр. 13126
(٣) ومن تفسير سورة آلِ عِمْرَانَ
﴿تُقَاةً﴾: وَتَقِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، ﴿صِرٌّ﴾: بَرْدٌ، ﴿شَفَا حُفْرَةٍ﴾: مِثْلُ شَفَا الرَّكِيَّةِ. وَهْوَ حَرْفُهَا ﴿تبُوِّئُ﴾: تَتَّخِذُ مُعَسْكَرًا. المُسَوَّمُ: الذِي لَهُ سِيمَاءٌ بِعَلَامَةٍ أَوْ بِصُوفَةٍ أَوْ بِمَا كَانَ ﴿رِبِّيُّونَ﴾: الجَمِيعُ، وَالْوَاحِدُ رِبِّيٌّ. ﴿تَحُسُّونَهُم﴾: تَسْتَأصِلُونَهُمْ قَتْلًا. ﴿غُزًّى﴾: وَاحِدهَا غَازٍ. ﴿سَنَكْتُبُ﴾: سَنَحْفَظُ. ﴿نُزُلًا﴾ ثَوَابًا. وَيَجُوزُ: وَمُنْزلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ، كَقَوْلِكَ: أَنْزَلْتُهُ.
وَقَالَ مُجَاهِد:: وَالْخَيْلُ المُسَوَّمَةُ المُطَهَّمَةُ الحِسَانُ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبيرٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزى الرَّاعِيَةُ المُسَوَّمَةُ. وَقَالَ ابن جُبَيْرٍ: ﴿وَحَصُوَرًا﴾: لَا يَأتِي النِّسَاءَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿مِّن فَوْرِهِمْ﴾: مِنْ غَضَبِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿يُخرِجُ اَلحَيَّ﴾: النُّطْفَةُ تَخْرُجُ مَيِّتَةً، وَيُخْرِجُ مِنْهَا الحَي. ﴿وَالْإِبْكَارِ﴾: أَوَّلُ الفَجْرِ ﴿وَاَلعَشِيِّ﴾: مَيْلُ الشَّمْسِ -أُرَاهُ- إلى أَنْ تَغْرُبَ.
هي مدنية، وسبب نزولها قدوم وفد نجران، قاله ابن اسحاق (١). (﴿تُقَاةً﴾ وتقية: واحدة). قلت: وقرئ: (تقية).
(ص): (﴿صِرٌّ﴾: برد)، أي: شديد. (شفا حفرة، مثل شفا الركية)، وهو حرفها، أي: وكنتم مشفين على أن تقعوا في نار جهنم؛ لما كنتم عليه من الكفر، فأنقذكم منها بالإسلام.
стр. 13127
(﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، تتخذ معسكرًا). قلت: وأصله ملزم وقرأ عبد الله: (تبوي) (١) بمعنى: تسوي لهم وتهيئ لهم. (المسوم: الذي له سيماء بعلامة أو بصوفة أو بما كان)، هو كما قال، وهو مذهب الجماعة إلا الأخفش قال: مسومين: مرسلين، ومسومين بفتح الواو وكسرها يعني: معلمين أنفسهم أو خيلهم، قال: الكلبي: معلمين بعمائم صفر مرخاة على أكتافهم. وعن الضحاك: معلمين بالصوف الأبيض في نواصي الدواب وآذانها، وعن مجاهد: مجزورة أذناب خيلهم، وعن قتادة: كانوا على خيل بلق، وعن عروة بن الزبير: كانت عمامة الزبير يومئذ صفراء، فنزلت الملائكة بذلك وعن رسول الله ﷺ أنه قال لأصحابه: "تسوموا فإن الملائكة قد تسومت" (٢).
(ص): (﴿رِبِّيُّونَ﴾. جموع والواحد ربي)، قلت: هو قول مجاهد وغيره (٣)، وقال أبان: الربي عشرة آلاف، وقال ابن زيد: هم الأتباع، وقال الحسن: هم العلماء الصبُرُ كأنه أخذ من النسبة إلى الرب (٤).
قلت: والربيون: الربانيون، وقرئ بالحركات الثلاث بالفتح على القياس والباقي من تغييرات النسب (٥)، قال سعيد بن جبير: ما سمعنا بنبي قتل [في] القتال (٦).
стр. 13128
(ص): (﴿تَحُسُّونَهُم﴾: تستأصلونهم قتلًا) أي: ذريعًا.
(ص): (﴿غُزًّى﴾: واحدها غاز) قلت: وقرئ بتخفيف الزاي على حذف التاء من غزاة (١).
(ص): (﴿سَنَكْتُبُ﴾: سنحفظ) أي: ما قالوا في صحائف الحفظة، أو نستحفظه، أو نثبته في علمنا كما نثبت المكتوب.
(ص): (﴿نُزُلًا﴾: ثوابًا، ويجوز منزلًا من عند الله كقولك: أنزلته)، قلت: وقرئ: نزلًا بالسكون، وانتصاب نزلًا على الحال من جنات، ويجوز أن تكون بمعنى مصدر مؤكد كأنه قيل: رزقًا وعطاءً من الله.
(ص): (وقال مجاهد: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾: المطهمة الحسان (٢). وقال ابن جبير وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى: الراعية). أثر مجاهد، أخرجه عبد بإسناده إليه (٣). والباقي، أخرجه ابن جرير عنهما، وعن مجاهد أيضا، وعن غيرهم منهم ابن عباس (٤). وعنه: المعلمة (٥). وقال ابن زيد: المعدة للجهاد. قال الطبري: والأولى بالصواب قول من قال: المعلمة بالشياتِ (٦)، قال: الخيل والمطهم: التام الخلقُ.
وقال يعقوب: الذي يحسن منه كل شيء على حدته.
وقيل: الأنف والفم والعين، غيره. وجه مطهم: حسن صبيح.
стр. 13129
(ص): (وقال ابن جبير: ﴿وَحَصُورًا﴾: لا يأتي النساء:). أسنده عبد عنه (١). وعن جماعات: لا يغشى النساء. أي: يمنعها من الشهوة، وهذا ليس مع العجز؛ فإنه نقص، والأنبياء منزهون عن النقص. قالوا: والسيد: الذي يغلب غضبه.
وحكاه ابن أبي حاتم عن ابن عباس وابن جبير وجماعة (٢).
(ص): (وقال عكرمة: ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ﴾: من غضبهم. يوم بدر).
قلت: الفور مصدر، استعير للسرعة، أي: يأتونكم من ساعتهم هذِه. يمددكم ربكم بالبشر.
(ص): (وقال مجاهد: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ﴾ من الميت: النطفة تخرج ميتة ويخرج منها الحي) هذا أسنده ابن جرير عنه. وحكاه أيضا عن ابن مسعود وجماعات، وعن عكرمة: هي البيضة تخرج من الحي وهي ميتة، ثم يخرج منها الحي (٣). وعن أبي مالك: النخلة من النواة، والنواة من النخلة، والحبة من السنبلة، والسنبلة من الحبة (٤). وقال الحسن: يخرج المؤمن الحي من الكافر الميت الفؤاد، ويخرج الكافر من المؤمن. قال ابن جرير: والأولى تأويل من قال: يخرج الإنسان الحي والأنعام والبهائم الأحياء من النطفة الميتة (٥).
(ص): (﴿وَالْإِبْكَارِ﴾: أول الفجر. ﴿الْعَشِيِّ﴾: ميل: الشمس إلى أن تغرب). هو كما قال. وفي "الكتاب": الإبكار: من طلوع الشمس إلى وقت الضحي، وقرئ: و (الأبكار): جمع بكر. كسحر وأسحار.