← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 13161–13200 · переход к 13166.

стр. 13161

١٢ - [باب] قَوْله: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ الآية [آل عمران: ١٧٢] ﴿الْقَرْحُ﴾ [آل عمران: ١٧٢] الجِرَاحُ. ﴿اسْتَجَابُوا﴾ [آل عمران: ١٧٢] أَجَابُوا. يَسْتَجِيبُ يُجِيبُ. وقد سلف هناك باب ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. وساق هناك حديث عائشة ﵂ أنها قالت لعروة: يا ابن أخي كان أبواك منهم، الزبير وأبو بكر. (وخرجه) الإسماعيلي. في هذا الموضع أيضا. ولابن أبي حاتم عن عبيد الله بن عدي بن الخيار زيادة: وعثمان. وعن النخعي: قال ابن مسعود: نزلت هذِه الآية فينا، وكنا ئمانية عشر رجلًا (١). وعند الواقدي عن عمرو بن دينار: كانوا سبعين رجلا. وقراءة الأكثرين (القرح) بفتح القاف، وصوبه الطبري، لإجماع أهل التأويل على أن معناه القتل والجراح (٢). وقرأ حمزة وغيره بضمها (٣)، فقيل: بمعنًى. قاله الزجاج: أي الجرح والألم. وقال الفراء: الجراح بالفتح، ألمها بالضم كوُجدكم ووَجدكم، ولا يجدون إلا جُهدهم وجَهدَهم (٤). وفيه قراءة ثالثة بفتح القاف والراء، وهو مصدر قرح يقرح. وبضمهما على الإتباع، قال أبو البقاء: كاليُسر والعُسر (٥).

стр. 13162

١٣ - [باب]؛ قوله: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] ٤٥٦٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ -أُرَاهُ قَالَ- حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ ﵇ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ ﷺ حِينَ قَالُوا ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. [آل عمران: ١٧٣]. [٤٥٦٤ - فتح: ٨/ ٢٢٩] ٤٥٦٤ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ آخِرَ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ: حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. [انظر: ٤٥٦٣ - فتح: ٨/ ٢٢٩] ذكر فيه عن أبي حَصين بالفتح فرد، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قال: ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ ﵇ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّد ﷺ حِينَ قَالُوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ .. الآية. وعنه قال: كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل. المراد (بالناس) نعيم بن مسعود، أرسله أبو سفيان ليثبط المؤمنين، قاله الفراء (١).

стр. 13163

وقال مجاهد: في ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ قال: أبو سفيان بن حرب، فإنه قال: موعدكم بدر حيث قتلتم أصحابنا. فانطلق النبي ﷺ لموعده حتى نزل بدرًا (١). ذكره إسحاق البُستي القاضي في "تفسيره" عن قتيبة ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد وزعم بعضهم أنه قال ذلك في غزوة حمراء الأسد. وفي "تفسير الطبري": مر بأبي سفيان ركب من عبد القيس، فقال: إذا جئتم محمدًا فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه. فلما أخبر قال: "حسبنا الله ونعم الوكيل" (٢) ذكره عن ابن إسحاق، وعن ابن عباس وقتادة: بنعيم ونحوه. ويجوز أن يكون ( … ) (٣) في تثبيط المؤمنين ما أمكنه، فتارة بنعيم، وتارة بالركب، وتارة بالعير وشبهه. وإطلاق الناس وأراد به ما ذكره تجوزًا من باب إطلاق اسم الجمع على الواحد من جنسه، وهو مثل ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ وهو نبينا ﷺ ، ومن عادة العرب إطلاق اسم الواحد على الجمع إذا كان عظيمًا، أو أتى بفعل عظيم؛ أو لأن نعيم بن مسعود من جنس الناس، كقولك: فلان يركب الخيل، ويلبس البُرودَ، وليس له إلا فرس واحد وبُرد واحد، كما ذكره في "الكشاف" ومعنى: حسبي كافيني، والوكيل: الحافظ والموكول إليه (٤).

стр. 13164

١٤ - [باب] قوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٨٠] ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٠] كَقَوْلِكَ طَوَّقْتُهُ بِطَوْقٍ. ٤٥٦٥ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ -هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ- عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ آتَاهُ اللهُ مَالاً فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ، مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ شُجَاعًا أَقْرَعَ، لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ -يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ- يَقُولُ أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ». ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] إِلَى آخِرِ الآيَةِ. [انظر: ٢٣٧١ - مسلم: ٩٨٧ - فتح: ٨/ ٢٣٠] ثم ساق حديث أبي هريرة ﵁: "مَنْ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ، مُثِّلَ لَهُ شُجَاعًا أَقْرَعَ .. " الحديث بطوله، وسلف في الزكاة (١). قال الواحدي: أجمع جمهور المفسرين على أنها نزلت في مانعي الزكاة (٢)، وروى عطية العوفي عن ابن عباس ﵄ أنها نزلت في أحبار اليهود الذين كتموا صفة محمد ونبوته عليه أفضل الصلاة والسلام (٣)، والتفاسير على هذا: سيطوقون الإثم، وأراد بالعمل كتمان العلم الذي آتاهم الله تعالى، وذكره الزجاج عن ابن جريج أيضا واختاره.

стр. 13165

وحكى ابن أبي حاتم عن ابن عباس: هم أهل الكتاب بخلوا بالكتاب أن يبينوه للناس. وقال الحسن: هم كافر ومنافق بخل أن ينفق في سبيل الله أي: حين كانت النفقة فيه واجبة (١)، وقيل: نزلت في النفقة في العيال (وذي) (٢) الأرحام إذا كانوا محتاجين، وقرئ ﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾ بالتاء والياء (٣)، ورجح الطبري التاء أي: لا تحسبن أنت يا محمد (٤). وخالفه الزجاج، فرجح الياء، واختلف في معنى ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾، فقال النخعي -فيما حكاه ابن أبي حاتم-: بطوق من النار (٥). وعن ابن عباس: سيحملون يوم القيامة ما بخلوا به من كتمان نبوة رسول الله (٦)، وعن مجاهد: يكلفون أن يأتوا بما بخلوا به (٧). وعن أبي مالك العبدي - فيما حكاه الطبري ما من عبد يأتيه ذو رحم له يسأله من فضلٍ عنده، فيبخل به عليه إلا أخرج له الذي بخل عليه شجاعًا أقرع من النار، فيطوقه. ورواه أبو قزعة حجر بن بيان عن رجل، عن رسول الله ﵁. ورواه أيضا بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة، عن أبيه، عن جده مرفوعًا (٨).

стр. 13166

وعن ابن مسعود: ثعبان ينقر رأس أحدهم يقول: أنا مالك الذي بخلت به وينطوي على عنقه. وفي لفظ: يلتوي برأس أحدهم (١). وقال مقاتل: يطوق بحيةٍ ذَكَرٍ، لفِيهِ ذبيبتان كأنهما جبلان ينهشُهُ، فنفقته تدرأ عنه، فيلقمهما حتى يُقضَى بين الناس، وفي "الكشاف" يلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطوق، وفي أمثالهم: (تقلد طوق الحمامة) إذا جاء بهنةٍ يُسبُّ بها (٢).

стр. 13167

١٥ - [باب] قوله: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٨٦] ٤٥٦٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَى قَطِيفَةٍ فَدَكِيَّةٍ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَرَاءَهُ، يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، قَالَ: حَتَّى مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ فَإِذَا فِي الْمَجْلِسِ أَخْلَاطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ وَالْيَهُودِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَفِي الْمَجْلِسِ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَلَمَّا غَشِيَتِ الْمَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ، خَمَّرَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَا تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا. فَسَلَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللهِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ أَيُّهَا الْمَرْءُ، إِنَّهُ لَا أَحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ، إِنْ كَانَ حَقًّا، فَلَا تُؤْذِينَا بِهِ فِي مَجْلِسِنَا، ارْجِعْ إِلَى رَحْلِكَ، فَمَنْ جَاءَكَ فَاقْصُصْ عَلَيْهِ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، فَاغْشَنَا بِهِ فِي مَجَالِسِنَا، فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ. فَاسْتَبَّ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ حَتَّى كَادُوا يَتَثَاوَرُونَ، فَلَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﷺ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَنُوا، ثُمَّ رَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ دَابَّتَهُ، فَسَارَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «يَا سَعْدُ أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ أَبُو حُبَابٍ؟ -يُرِيدُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ- قَالَ: كَذَا وَكَذَا». قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اعْفُ عَنْهُ وَاصْفَحْ عَنْهُ، فَوَالَّذِى أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ، لَقَدْ جَاءَ اللهُ بِالْحَقِّ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ، لَقَدِ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ الْبُحَيْرَةِ عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ فَيُعَصِّبُونَهُ بِالْعِصَابَةِ، فَلَمَّا أَبَى اللهُ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ اللهُ؛ شَرِقَ بِذَلِكَ، فَذَلِكَ فَعَلَ بِهِ ما رَأَيْتَ. فَعَفَا عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ يَعْفُونَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا أَمَرَهُمُ اللهُ،

стр. 13168

وَيَصْبِرُونَ عَلَى الأَذَى قَالَ اللهُ ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران:١٨٦] الآيَةَ، وَقَالَ اللهُ ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقره: ١٠٩] إِلَى آخِرِ الآيَةِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَأَوَّلُ الْعَفْوَ مَا أَمَرَهُ اللهُ بِهِ، حَتَّى أَذِنَ اللهُ فِيهِمْ، فَلَمَّا غَزَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَدْرًا، فَقَتَلَ اللهُ بِهِ صَنَادِيدَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ قَالَ ابْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَعَبَدَةِ الأَوْثَانِ: هَذَا أَمْرٌ قَدْ تَوَجَّهَ. فَبَايَعُوا الرَّسُولَ ﷺ عَلَى الإِسْلَامِ فَأَسْلَمُوا. [انظر: ٢٩٨٧ - مسلم: ١٧٩٨ - فتح: ٨/ ٢٣٠] ذكر فيه حديث أسامة بن زيد ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَى قَطِيفَةٍ فدكية، وأردف أسامة بن زيد وراءه، يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج .. الحديث بطوله. وهو أتم الطرق كلها، كما قاله الحميدي (١). وأخرجه البخاري أيضا في الجهاد، والأدب، واللباس، والطب، والاستئذان (٢)، وأخرجه مسلم والترمذي (٣). ذكر الواحدي عن (سعد) (٤) بن مالك أن سبب نزولها أن كعب بن

стр. 13169

الأشرف كان يهجو رسول الله ﷺ ويحرض عليه كفار قريش، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة، وبها أخلاط منهم المسلمون، ومنهم المشركون، ومنهم اليهود. أراد أن يستميلهم، فكان المشركون واليهود يؤذونه ويؤذون أصحابه أشد الأذى فأمر الله نبيه بالصبر على ذلك (١). وعند الطبري ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يعني: من اليهود، وقولهم ﴿إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ وقولهم: ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ وما أشبه ذلك من افترائهم على الله. ومعنى ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ يعني: النصارى من قولهم: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ﴾ وما أشبهه. وقال عكرمة: نزلت في رسول الله إذ بعث أبا بكر إلى فنحاص بنِ عازورا يستمده، فقال فنحاص: قد احتاج ربكم أن نمده (٢). والأذى مقصور يكتب بالياء، يقال: قد أذِيَ فلان يأذى إذا سمع ما يسوؤه. وقال أبو نصر: آذاه يؤذيه أذاة وأذية (٣). ثم الكلام على حديث أسامة من وجوه: أحدها: قوله: (قطيفة فدكية) أي: كساء غليظ منسوب إلى فَدَك -بفتح الفاء والدال- على مرحلتين أو ثلاثة من المدينة. ثانيها: فيه الإرداف. ولابن منده فيه جزء زاد فيه على ثلاثين نفسًا.

стр. 13170

وفيه: جواز العيادة راكبًا، وأنَّ فِعْلَ ذلك لا ينقص في حق العظماء خلافًا لمن تكبر عن فعل هذِه السنة. قال المهلب وفيه أنواع من التواضع. ثالثها: قوله: (وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أُبي) يعني: قبل أن يظهر الإسلام وإلا فهو لم يسلم قط. رابعها: قوله: (فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة) أي: وهو ما اْرتفع من غبار حافرها، وهي واحدة العجاج. ومعنى (خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه) ستر وجهه وغطاه. وقوله: (فسلم رسول الله ﷺ عليهم) لعله نوى به المؤمنين ولا بأس به إذًا. وقوله: (ثم وقف فنزل) فيه جواز استمرار الوقوف اليسير على الدابة، فإن طال نزل؛ لفعله ﷺ . وعن بعض التابعين. لما قيل له: نُهي عن الوقوف على متن الدابة. قال: أرأيت لو صيرتها (سائبة) (١)، أما كان يجوز لي ذلك؟ قيل له: نعم. قال: فأي فرق بينهما؟! خامسها: قوله: (فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقًّا، فلا تؤذنا به في مجالسنا) قال ابن الجوزي: كثير من النحويين يضمون ألف (أُحسِنُ) ويكسرون السين، أي: لا أعلم منه شيئًا.

стр. 13171

وسمعت أبا محمد بن الحباب يفتح الألف والسين، أي: ليس شيء أحسن من هذا. ووقع للقاضي أبي علي: (لأُحسِن) من هذا. بالكسر من غير ألف. كما قال عياض. قال: وهو عندي أظهر (١). وتقديره: أحسن من هذا أن تقعد في بيتك ولا تأتينا. سادسها: قوله: (فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون) أي: قاربوا أن يثور بعضهم إلى بعض بقتال. يقال: ثار يثور إذا قام بسرعة وا نزعاج. وعبا رة ابن التين: يتثاورون: يتواثبون. وقولهم: (فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم) أي: يسكنهم حتى سكنوا. سابعها: قوله ﷺ : ("يا سعدُ، ألم تسمع ما قال أبو حُباب؟! " يريد: عبد الله بنَ أُبي) هو بحاء مهملة مضمومة ثم بباء موحدة- وفيه: بث الشكوى للصاحب. وقول سعد: (اعفُ عنه واصفح عنه). إنما قاله على سبيل الاستمالة؛ ليستخرج منه ما جبل عليه من كرم والأخلاق والعفو عن الجهال، ولا جرم أنه عفا عنه وتم لسعد مرادُه. ثامنها: قوله: (ولقد اصطلح أهل هذِه البحرة -وفي رواية: البحيرة- على أن يتوجوه، فيعصبونه بالعصابة) البحيرة -بضم الباء ثم حاء مهملة- تصغير البحرة. قال عياض: وفي غير "صحيح مسلم" البَحِيرة -بفتح الباء وكسر الحاء- قال: وكلاهما بمعنًى. يريد أهل المدينة (٢).

стр. 13172

والبحرة: الأرض والبلد والبحار والقرى. قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الروم: ٤١] قال بعض المفسرين: أراد القرى والأمصار (١). وقال الطبري: كل قرية لها نهر جار فالعرب تسميها البحرة (٢). وقال ياقوت: بَحْرة -بفتح أوله وسكون الحاء المهملة- على لفظ تأنيث البحر من أسماء المدينة. والبحرين قرية لعبد القيس يقال لها: بحرة، وبحرة: موضع لية بالطائف، يقال لها: بحيرة الرغاء، سلكه رسول الله ﷺ منصرفه من حنين، وبنى به مسجدًا، وأما بتصغير بحرة فيراد به: كل مجتمع ماء مستنقع لا اتصال له بالبحر الأعظم غالبًا، ويكون ملحا وعذبا. [وذكر] (٣) أربعة عشر موضعًا (٤)، وضبط الحازمي التي بالطائف بضم الباء الموحدة. ومعنى (يتوجوه) يجعلوه ملِكًا ورئيسًا عليهم، وكان من عادتهم إذا ملكوا إنسانًا توجوه وعصبوه، أي: يعمموه بعمامة الملوك. وفي رواية ابن إسحاق: لقد جاءنا الله بك وإنا ننظم له الخرز لنتوجه (٥). قال القرطبي: وهذا أولى من قول من قال: يعصبوه، أي: يملكوه فتعصب به أمورهم. ويبعد هذا -أيضا- قوله: (بالعصابة) (٦).

стр. 13173

وقال ابن التين: معنى (يعصبوه بعصابة): يرئسونه عليهم ويسودونه، وكان الرئيس يسمى معصبًا؛ لما يعصبه برأسه من الأمور، قال: وقيل؛ كان الرؤساء منهم يعصبون رءوسهم بعصابة يعرفون بها. تاسعها: قوله: (فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك شرق بذلك) معنى (شَرِق) بفتح الشين المعجمة وكسر الراء ثم قاف: غص، يعني: حسد رسول الله ﷺ ؛ فكان سبب نفاقه. يقال: غص الرجل بالطعام، وشرق بالطعام، و (لحى) (١) بالعظم، والصناديد: الأشراف. وكان ما أمر به ﷺ من العفو قبل أن يؤذن له في القتال كما ذكر في الأصل.

стр. 13174

١٦ - [باب] قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ [آل عمران: ١٨٨] ٤٥٦٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ رِجَالاً مِنَ الْمُنَافِقِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْغَزْوِ تَخَلَّفُوا عَنْهُ، وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَإِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ اعْتَذَرُوا إِلَيْهِ وَحَلَفُوا، وَأَحَبُّوا أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا، فَنَزَلَتْ ﴿لَا يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ الآيَةَ. [آل عمران: ١٨٨] الآيَةَ. [مسلم: ٢٧٧٨ - فتح: ٨/ ٢٣٣] ٤٥٦٨ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ مَرْوَانَ قَالَ لِبَوَّابِهِ: اذْهَبْ يَا رَافِعُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْ: لَئِنْ كَانَ كُلُّ امْرِئٍ فَرِحَ بِمَا أُوتِيَ، وَأَحَبَّ أَنْ يُحْمَدَ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ، مُعَذَّبًا، لَنُعَذَّبَنَّ أَجْمَعُونَ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَا لَكُمْ وَلِهَذِهِ، إِنَّمَا دَعَا النَّبِيُّ ﷺ يَهُودَ فَسَأَلَهُمْ عَنْ شَيْءٍ، فَكَتَمُوهُ إِيَّاهُ، وَأَخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ، فَأَرَوْهُ أَنْ قَدِ اسْتَحْمَدُوا إِلَيْهِ بِمَا أَخْبَرُوهُ عَنْهُ فِيمَا سَأَلَهُمْ، وَفَرِحُوا بِمَا أُوتُوا مِنْ كِتْمَانِهِمْ، ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ١٨٧] كَذَلِكَ حَتَّى قَوْلِهِ: ﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨] [مسلم: ٢٧٧٨ - فتح: ٨/ ٢٣٣]. تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. حَدَّثَنَا ابن مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا الَحجَّاج، عَنِ ابن جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي ابن أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّة أَخْبَرَة أَنَّ مَرْوَانَ بهذا. [مسلم: ٢٧٧٨ - فتح: ٨/ ٢٣٣] ذكر فيه حديث أَبِي سعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ رِجَالًا مِنَ المُنَافِقِينَ على عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الغَزْوِ وتَخَلَّفُوا عَنْهُ، وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَإِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ اعْتَذَرُوا

стр. 13175

إِلَيْهِ وَحَلَفُوا، وَأَحَبُّوا أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا، فَنَزَلَتْ ﴿وَلَايَحْسَبَنَّ﴾ [آل عمران: ١٨٨] الآيَةَ. وأخرجه مسلم أيضًا (١). وحديث هِشَام، عن ابن جُرَيْجٍ، عَنِ ابن أَبِي مُلَيْكَةَ، عن عَلْقَمَةَ بْن وَقَّاصٍ، أَنَّ مَرْوَانَ قَالَ لِبَوَّابهِ: اذْهَبْ يَا رَافِعُ إِلَى ابن عَبَّاسٍ، فَقُلْ: لَئِنْ كَانَ كُلُّ امْرِئٍ منا فَرِحَ بِمَا أُوتِيَ، وَأَحَبَّ أَنْ يُحْمَدَ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ مُعَذَّبًا، لَنُعَذَّبَنَّ أَجْمَعُونَ. قَالَ ابن عَبَّاسٍ: وَمَا لَكُمْ وَلهَذِهِ، إِنَّمَا دَعَا النَّبِيُّ ﷺ يَهُودَ فَسَأَلَهُمْ عَنْ شَئٍ، فَكَتَمُوهُ إِيَّاهُ، وَأَخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ، فَأَرَوْهُ أَنْ قَدِ اسْتَحْمَدُوا إِلَيْهِ بِمَا أَخْبَرُوهُ عَنْهُ عمَّا سَأَلَهُمْ، وَفَرِحُوا بِمَا أُوتُوا مِنْ كِتْمَانِهِمْ، ثُمَّ قَرَأَ ابن عَبَّاسٍ ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] كَذلِكَ حَتَّى قَوْلِهِ: ﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّزَاقِ، عَنِ ابن جُرَيْجٍ. حَدَّثنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ، أَنَا الحَجَّاجُ، عَنِ ابن جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي ابن أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ مَرْوَانَ بهذا. حديث مروان هذا أخرجه مسلم -أيضا- من حديث حجاج عن ابن جريج به، وفيه: بما أَتَى (٢)، ورواه الواحدي من حديث زيد بن أسلم أن مروان بن الحكم كان يومًا -وهو أمير المدينة- عنده أبو سعيد وزيد بن ثابت ورافع بن خديج، فقال مروان: يا أبا سعيد، أرأيت قول الله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾ الآية، والله إنا لنفرح بما أوتينا، ونحب أن نحمد بما لم نفعل.

стр. 13176

فقال أبو سعيد: ليس هذا في هذا، إنما كان رجال .. الحديث (١). ورواه عبد في "تفسيره"، عن إسحاق بن عيسى، عن مالك، عن زيد بن [أسلم] (٢) أن رافع بن خَديج وزيد بن ثابت كانا عند مروان، فقال مروان: يا رافع، في أي شيء نزلت هذِه الآية؟ فقال: في ناس من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله ﷺ وأصحابه إلى سفر تخلفوا فإذا قدموا اعتذروا، فكأن مروان أنكر ذلك، فخرج رافع وقال لزيد: أنشدك بالله هل تعلم ما أقول؟ قال: نعم (٣). وقوله: (تابعه عبد الرزاق) (٤). يعني: هشامَ بنَ يوسف الصنعاني). وقد أخرجه الإسماعيلي في "صحيحه" عن ابن زنجويه وأبي سفيان قالا: ثنا (عن) (٥) عبد الرزاق، به. وقال أبو القاسم: ثنا محمد بن إبراهيم، ثنا أبو عروبة، ثنا سلمة بن شبيب، ثنا عبد الرزاق به، وقال أبو مسعود، تابعه أيضا محمد بن ثور عن ابن جريج. واعترض الإسماعيلي فقال: يرحم الله البخاري أخرج هذا الحديث في "الصحيح" مع الاختلاف على ابن جريج، ويرجع الحديث إلى (باب) (٦) مروان عن ابن عباس وبوابه بمنزلة واحدة، ولم يذكر حديث عروة عن مروان وحرسيه عن بسرة في مس الذكر (٧)، وذكر هذا ولا فرق بينهما

стр. 13177

إلا أن البواب مسمًّى ثم لا يعرف إلا هكذا، والحرسي (غير نفسه) (١) مسمًّى، والله يغفر لنا وله. وقال الدارقطني في كتاب "التتبع": أخرج محمدٌ حديثَ ابن جريج -يعني هذا- من حديث حجاج -يعني كما سلف- ومن حديث هشام أيضًا، وقد اختلف، فينظر من يتابع أحدهما، وقد أخرج مسلم حديث حجاج دون حديث هشام (٢). وفي "تفسير ابن أبي حاتم" عن ابن إسحاق، حدثني محمد مولى آل زيد بن ثابت، عن عكرمة: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ يعني: فنحاص وأشياع وأشباهما من الأحبار الذين يفرحون بما يصيبوا من الدنيا، وما زينوا للناس من الضلالة، وأن يقول الناس لهم: علماء. وليسوا بأهل علم. وعن الحكم بن أبان عن عكرمة، قال عبد الله: هو تبديلهم التوراة واتباع من اتبعهم على ذلك (٣). وقال عبد بن حميد: ثنا يونس بن شيبان عن قتادة أنهم وفد أهل خيبر أتوا سيدنا رسول الله ﷺ فزعموا أنهم راضون بما جاء به، وهم متمسكون بضلالهم، وأرادوا أن يحمدهم رسول الله ﷺ بأمر لم يفعلوه، فنزلت (٤). وعن الضحاك قال: كتب يهود يثرب إلى اليهود في الآفاق، الشام وغيرها يذكرون رسول الله ﷺ ، وأنه ليس بنبي، فلا تؤمنوا به، ولا تتبعوه وعليكم بدينكم فاثبتوا عليه فأجابوهم، فلما أجابوهم، فرحوا بما قالوا،

стр. 13178

فهو كقوله تعالى: ﴿فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا﴾ [الأنعام: ٤٤] (١). فائدة: ذكر التأويلين في آية الباب. وقرأ سعيد بن جبير: (بما أوتوا) (٢) وقال: اليهود: فرحوا بما أوتي آل إبراهيم من الكتاب والحكمة، ثم قال سعيد: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا﴾ فهو قولهم: نحن على دين إبراهيم.

стр. 13179

١٧ - [باب] قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ٤٥٦٩ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً ثُمَّ رَقَدَ، فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ قَعَدَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِى الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، ثُمَّ قَامَ فَتَوَضَّأَ وَاسْتَنَّ، فَصَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ. ذكر فيه حديث ابن عباس ﵄: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ .. وقد سلف في الطهارة وغيرها بفوائده (١). وروى الواحدي من حديث سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أتت قريش اليهود فقالوا: ما جاءكم به موسى من الآيات؟ قالوا: عصاه ويده، وأتوا النصارى فقالوا: كيف كان عيسى فيكم؟ قالوا: يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى، فأتوا رسول الله ﷺ فقال: ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبًا؛ فأنزل الله تعالى هذِه الآية (٢). وروى عبد بن حميد من حديث أبي جناب الكلبي، عن عطاء قال: دخلت أنا وعبيد بن عمر على عائشة ﵂ وعندها ابن عمر ﵄ فذكر حديثًا: أن رسول الله ﷺ استأذنها في ليلة من لياليها أن يتعبد، قالت: فجلس يقرأ ويبكي حتى أتاه بلال للفجر، فقال:

стр. 13180

يا رسول الله، ما يبكيك؟! قال: "وما يمنعني وقد أنزلت عليَّ الليلة ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية، وويل لمن قرأها ثم لم يتفكر فيها". وقوله في حديث ابن عباس: (فلما كان ثلث الليل الآخر قعد فنظر إلى السماء فقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية، ثم قام فتوضأ). وفي لفظ آخر ذكره بعدُ: فنام حتى انتصف الليل، أو قبله بقليل أو بعده بقليل (١). وفي لفظ: (فقام من آخر الليل) (٢). ولا تضاد؛ إذ في بعض الروايات الصحيحة أنه توضأ وضوءًا بين الوضوئين، ثم أتى فراشه فنام، ثم قام قومة أخرى، ثم توضأ وضوءًا هو الوضوء، ثم قال: "اللهم أعظم لي نورًا .. " (٣) الحديث، وهو دال على أنه قام قومتين، وكذا أخرجه الصيدلاني في "جزء أخبار النفل" (٤): فلما كان في جوف الليل الأول خرج إلى الحجرة، فقلب وجهه في السماء، ثم عاد إلى مضجعه، فلما كان في ثلث الليل الآخر خرج إلى الحجرة، فقلب وجهه في أفق السماء، ثم عهد إلى قربة .. الحديث. قال جماعة من العلماء: يستحب للمستيقظ من نومه أن يتلو هذِه (الآية) (٥) اقتداءً بالشارع، وقراءته لها؛ لأنه يبتدئ بعظمة ربه ويختمها بذكره أو بذكر الله وما ندب إليه من العبادة، وما وعد على ذلك من الثواب وتوعد على معصيته من العقاب، وأن هذِه الآيات جامعة

стр. 13181

لكثير من ذلك. نبه على ذلك ابن التين، وروى أبو نصر الوايلي في "إبانته" من حديث المقبري، عن أبي هريرة ﵁ أنه ﵇ كان يقرأ عشر آيات من آخر سورة آل عمران كل ليلة. وروى الجُوزي -بالزاي- عن علي ﵁ أنه ﵇ كان إذا قام من الليل تسوك، ثم نظر في السماء، ثم قال: " ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ". وعن بريدة مرفوعًا: "أشد آية على الجن في القرآن هذِه الآية". وعن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "لما أسري بي إلى السماء السابعة إذا وهج ودخان وأصوات، فقلت: يا جبريل، ما هذا؟ قال: (هذا) (١) الشياطين (يحرفون) (٢) في أعين بني آدم أن لا يتفكروا في ملكوت السماء والأرض، ولولا ذلك لرأوا العجائب" (٣). وعنه أيضا مرفوعًا: "بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم فقال: إن لك ربًّا وخالقًا، اللهم اغفر لي، قال: فنظر الله له فغفر له".

стр. 13182

١٨ - [باب] قوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩١] ٤٥٧٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ فَقُلْتُ: لأَنْظُرَنَّ إِلَى صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَطُرِحَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وِسَادَةٌ، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي طُولِهَا، فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ قَرَأَ الآيَاتِ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ آلِ عِمْرَانَ حَتَّى خَتَمَ، ثُمَّ أَتَى شَنًّا مُعَلَّقًا، فَأَخَذَهُ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِي، ثُمَّ أَخَذَ بِأُذُنِي، فَجَعَلَ يَفْتِلُهَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ. [انظر: ١١٧ - مسلم: ٧٦٣ - فتح: ٨/ ٢٣٦] ذكر فيه حديث ابن عباس ﵄ أيضا في مبيته عند رسول الله ﷺ أطول من الذي قبله.

стр. 13183

١٩ - [باب] قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [آل عمران: ١٩٢] ٤٥٧١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ -مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ- أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَهْيَ خَالَتُهُ قَالَ: فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ، أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ، أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الآيَاتِ الْخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ بِأُذُنِى بِيَدِهِ الْيُمْنَى يَفْتِلُهَا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ. [انظر: ١١٧ - مسلم: ٧٦٣ - فتح: ٨/ ٢٣٦] ذكر فيه أيضا الحديث المذكور مطولا. قال أنس وغيره -فيما ذكره ابن أبي حاتم-: أي: من يخلد في النار (١). وذكر الطبري نحوه عن الحسن وغيره (٢). وعن جابر: دخوله إياها خزي وإن أخرج. ورجحه الطبري (٣).

стр. 13184

٢٠ - [باب] قوله: ﴿إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران: ١٩٣] الآيَةَ ٤٥٧٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَهْيَ خَالَتُهُ -قَالَ فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ، أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ، أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَجَلَسَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الآيَاتِ الْخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى يَفْتِلُهَا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ. [انظر: ١١٧ - مسلم: ٧٦٣ - فتح: ٨/ ٢٣٧] ذكر فيه أيضا الحديث المذكور مطولا. قال محمد بن كعب: هو الكتاب، ليس كلَّكم أتى رسولُ الله ﷺ . ذكره عبد بن حميد. وعن قتادة: هو من سمع دعوة فأجابها. وعنه: سمعوا دعوة من الله فأجابوها وأحسنوا فيها وصبروا عليها (١). وقال ابن جريج فيما ذكره ابن أبي حاتم: هو سيدنا رسول الله ﷺ (٢).

стр. 13185

وذكره الطبري أيضا عن ابن زيد، ومقاتل في "تفسيره"، وصوب الطبري قول محمد بن كعب (١). فائدة: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾. قال ابن مسعود: إنه في الصلاة، إذا لم يستطع قائما فقاعدًا، وإلا فعلى جنبه. حكاه ابن أبي حاتم عنه. وقال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرًا حتى يذكر الله قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا. ثم قرأ سفيان هذِه الآية (٢). وفي "تفسير ابن الجوزي" في قوله: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ قال أهل التفسير: يقال: الذين يذكرون الله. وقال جماعة منهم: هذا في الصلاة (٣). تيسير من الله وتخفيف. وقال آخرون: أراد به ذكر الله في وصفهم بالمداومة عليه، إذ الإنسان قلما يخلو من إحدى هذِه الحالات الثلاث. وعند الطبري عن ابن جريج: هو ذكر الله في الصلاة وغيرها، وقراءة القرآن (٤). وقول ابن عباس ﵄: (ثم قام إلى شن): هو القربة البالية. قوله: (فوضع يده اليمنى على رأسي) يعني: ذراعه. وفتل أذنه؛ ليحفظ ذلك ويتعلمه؛ ولئلا ينساه.

стр. 13186

(٤) ومن سورة النِّسَاءِ [قَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿يَسْتَنْكِفْ﴾ يَسْتَكْبِرُ. (قِوَامًا): قِوَامُكُمْ مِنْ مَعَايِشِكُمْ. ﴿لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ يَعْنِي: الرَّجْمَ لِلثَّيِّبِ، وَالْجَلْدَ لِلْبِكْرِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ﴾ يَعْنِي: اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثًا وَأَرْبَعًا، وَلَا تُجَاوِزُ العَرَبُ رُبَاعَ]. هي مدنية، واستثنى أبو العباس الضرير في "مقامات التنزيل" آية التيمم، وآية صلاة الخوف وليس بجيد فإنهما كانا بالمدينة، ووقع للنحاس أنها مكية (١)، وحديث عائشة في "صحيح البخاري": ما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عند رسول الله ﷺ (٢). يرده. وقال الفاسي: نزلت عند الهجرة من مكة إلى المدينة، ونقل ابن النقيب عن الجمهور أنها مدنية، وفيها آية واحدة نزلت بمكة عام الفتح في عثمان بن أبي طلحة ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾. وقال عطاء: أول ما نزلت بالمدينة البقرة، ثم الأنفال، ثم آل عمران، ثم الأحزاب، ثم (الامتحان) (٣)، ثم النساء. حكاه عنه السخاوي في "جمال القراء" (٤).

стр. 13187

١ - [باب] قول الله : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] ٤٥٧٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَجُلاً كَانَتْ لَهُ يَتِيمَةٌ فَنَكَحَهَا، وَكَانَ لَهَا عَذْقٌ، وَكَانَ يُمْسِكُهَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا مِنْ نَفْسِهِ شَيْءٌ فَنَزَلَتْ فِيهِ [وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى] [النساء: ٣] أَحْسِبُهُ قَالَ كَانَتْ شَرِيكَتَهُ فِي ذَلِكَ الْعَذْقِ وَفِي مَالِهِ. [انظر: ٢٤٩٤ - مسلم: ٣٠١٨ - فتح: ٨/ ٢٣٨] ٤٥٧٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣]. فَقَالَتْ يَا ابْنَ أُخْتِي، هَذِهِ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا، تَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ وَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا، فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا، فَيُعْطِيَهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ، فَنُهُوا عَنْ أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ، وَيَبْلُغُوا لَهُنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ فِي الصَّدَاقِ، فَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ. قَالَ عُرْوَةُ قَالَتْ عَائِشَةُ: وَإِنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣] رَغْبَةُ أَحَدِكُمْ عَنْ يَتِيمَتِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ وَالْجَمَالِ قَالَتْ: فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا عَنْ مَنْ رَغِبُوا فِي مَالِهِ وَجَمَالِهِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ، إِلاَّ بِالْقِسْطِ، مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ إِذَا كُنَّ قَلِيلَاتِ الْمَالِ وَالْجَمَالِ. [انظر: ٢٤٩٤ - مسلم: ٣٠١٨ - فتح: ٨/ ٢٣٩] يعني: (اثنين) (١) وثلاثا وأربعًا، ولا تجاوز العرب رُباع، يعني:

стр. 13188

لا تقول: خُماس ولا سُداس، وتَبع في ذلك أبا عبيدة (١)، وقد ذكر الطبري أن العشرة يقال فيها: عشار، ولا يسمع إلا في بيت الكميت فقط. فلم يستريثوك حتى رميـ … ت فوق (الرجال) (٢) خصالًا عُشارًا يريد: عشرا (٣). وعن خلف الأحمر أنه أنشد أبياتًا غريبة فيها: من خماس إلى عُشار، ومن قال: معنى ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾: تسع، وأن الواو جامعة، وقاس على التنازع فغير معتدٍّ به ولا يصح في اللغة؛ لأن معنى مثنى عند العرب اثنين للاثنين فقط، وأيضا فإن من كلام العرب الاختصار، ولا يجوز أن يكون تسعًا لأن لفظ التسع يقصر في مثنى وثلاث ورباع، وأيضا فلو كان كذلك لما حل إلا زواج تسع أو واحدة، ومدعي الأول الرافضة وطائفة من أهل الظاهر. وحديث غيلان السائر: "أمسك أربعًا وفارق سائرهن" (٤) يرده، وعليه عمل الصحابة والتابعين، وذلك من خصائصه، وما يروي الرافضة عن علي ﵁ أو غيره من السلف فغير معروف.

стр. 13189

وقد ذهب بعض أهل الظاهر إلى إباحة الجمع بين ثماني عشرة تمسكًا بأن العدد في تلك الصيغ يفيد التكرار، وهو عجيب، وقد وافق ابن حزم الجمهور فقال في كتابه: لا يحل لأحد أن يتزوج أكثر من أربع نسوة إماءً وحرائر، أو بعضهن حرائر وبعضهن إماء. ولم يذكر فيه خلافًا، واستدل بحديث غيلان السالف، فإن قيل: إن معمرًا أخطأ فيه فأسنده. قلنا: من ادعى ذلك فعليه البرهان، وهو ثقة مأمون. قال: وإن لم يختلف في عدم جواز أكثر من ذلك أحد من أهل الإسلام، وخالف في ذلك قوم من الروافض لا يصح لهم عقد الإسلام (١). واستدل بعض المالكية بمطلق هذِه الآية استواء الحر بالعبد في ذلك، وهو المشهور عن مالك كما قاله ابن رشد (٢)، وهو قول ابن حزم (٣)، وأباه أبو حنيفة والشافعي فاقتصرا على اثنتين (٤). (ص): ((قوامًا) قوامكم من معايشكم). أسنده ابن أبي حاتم عن ابن عباس (٥)، قرأه ابن عمر بكسر القاف، وعيسى بن عمر بفتحها (٦).

стр. 13190

وخطأه في ذلك أبو حاتم السجستاني (١)، والمراد: ما يقوم بأمركم. كأنه أتى به على الأصل فقلبت الواو بالكسرة التي قبلها وهو التلاوة، ثم أثبتت الألف وحذفت، وإثباتها يليق به التفسير المذكور هنا. (ص): (﴿لَهُنَّ سَبِيلاً﴾: الرجم للثيب والجلد للبكر). أسنده ابن أبى حاتم أيضا عن ابن عباس (٢). (ص): (وقال ابن عباس: ﴿يَسْتَنْكِفَ﴾: يستكبر). أسنده ابن أبي حاتم (٣) عنه أيضا. قال الزجاج: هو مأخوذ من نكف الدمع إذا أنحيته بإصبعك عن خدك (٤). وقال أبو عمرو: استنكف من الأمر، ونكف بكسر الكاف. كأنك أنفت منه. ثم ساق البخاري حديث ابن جُرَيْجٍ عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ يَتِيمَة فَنَكَحَهَا، وَكَانَ لَهَا عَذْقٌ، وَكَانَ يُمْسِكُهَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا مِنْ نَفْسِهِ شَيْءٌ، فَنَزَلَتْ فِيهِ ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣] أَحْسِبُهُ كَانَتْ شَرِيكَتَهُ فِي ذَلِكَ العَذْقِ وَفِي مَالِهِ.

стр. 13191

وحديث الزهري عن عُرْوَة بْن الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ هذِه الآية. قَالَتْ: يَا ابن أُخْتِي، هي اليَتِيمَةُ تكونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا، تَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ، وَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا، فَيُرِيدُ وَليُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا، فَيُعْطِيَهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ .. الحديث. وقد سلف في الوصايا واضحًا (١). قال الإسماعيلي في حديث هشام: هذا المتن وعامة من روى هذا عن هشام فإنه مضطرب. وهذا تفسير قوله: ﴿اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ أشبه من أن يكون تفسيرًا لقوله: ﴿أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾. وحديث حجاج عن ابن جريج في تأويل الآية أشبه بما ساقه؛ لأنها قالت: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ أنزلت في الرجل تكون عنده اليتيمة وهي ذات مال، فلعله ينكحها على مالها وهو لا يعجبه شيء من أمورها، ثم يضربها ويسيء صحبتها، فوعظ في ذلك. وقد روي في تأويلها عن ابن عباس، كما روي عن عائشة وعن عكرمة -فيما حكاه الطبري-: كان الرجل من قريش تكون عنده النسوة والأيتام فيذهب ماله، فيميل على مال الأيتام، فنزلت. وعن ابن عباس قال: قصر الرجال على أربع من أجل أموال اليتامى. وعنه أيضا قال: كان الرجل يتزوج بمال اليتيم بما شاء الله، فنهي عن ذلك. وعن سعيد بن جبير: كان الناس على جاهليتهم إلا أن يؤمروا بشيء أو ينهوا عنه، فذكروا اليتامى فنزلت، فكما خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فكذلك، فخافوا أن لا تقسطوا في النساء: (٢).

стр. 13192

وقال أبو محمد الذي ذكره أنه يتلى عليهم في الكتاب وهو قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ وقيل: الفرائض التي فرضت لهن بطريق الميراث. وقال الطبري: كانوا يشددون في اليتامى ولا يشددون في النساء:، ينكح أحدهم النسوة فلا يعدل بينهن، فقال تعالى: كما تخافون أن لا تعدلوا بين اليتامى فخافوا في النساء: وانكحوا واحدة إلى أربع ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ (١) وكذا قال قتادة وابن جبير وابن عباس. وعن الحسن: أي: ما حل لكم من يتاماكم قراباتكم مثنى .. إلى آخره (٢). فائدة: الخوف في الآية: الظن. وقيل: العلم. وتقسطوا: تعدلوا. وقسط بمعنى جار. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾ أي: أعدل. ولعله بما جاء من الرباعي. واليتيم في بني آدم من فقد أباه، ومن البهائم من فقد أمه (٣) و (ما) أصلها لما [لا] (٤) يعقل، وقد تجيء بمعنى (الذي) فتطلق على من يعقل كما هنا، وأبعد من قال: المراد بها هنا الفضل؛ لقوله بعد ذلك: ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ مبينًا. و ﴿طَابَ﴾: حل، قال تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾، وقيل: ﴿طَابَ﴾ وهنا بمعنى: المحبة والاشتهاء.

стр. 13193

فائدة: (العَذْق) في حديث عائشة فسره الداودي بالحائط، والذي قاله أهل اللغة أنه بالفتح: النخلة وبالكسر: الكاسة، وهو ما في أكثر النسخ. فصل: قول عائشة في تفسير: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ فإنه محل النظر، أي: وإن خفتم أن لا تعدلوا في نكاح اليتامى فانكحوا (١). وعن مجاهد: إن خفتم أن لا تعدلوا في اليتامى وتحرجتم أن تلوا أموالهم فتَحرَّجوا من الزنا، ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾: أي: حل (٢) كما سلف. وقولها في الآية الأخرى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ أي: (عن) أو (في) وهذا إذا كانت كثيرة المال، وتأولها سعيد بن جبير على الوجهين في المَلِيَّة وعن المعدمة. وقول عائشة: (إن الناس استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذِه الآية: أي: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ - فأنزل: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ قالت: وقول الله في آية أخرى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ فهو في هذِه الآية بمعنى يستفتونك إلا أن يراد به: بعد أن خفتم، وفيه بعد. وفيه من الفقه صداق المثل. وفيه: أن غير اليتيمة لها أن تنكح بأدنى من صداق مثلها؛ لأنه إنما خرج ذلك في اليتامى.

стр. 13194

وفيه: أن لمولى اليتيمة أن ينكحها من نفسه إذا عدل في صداقها، وهو قول مالك والشافعي (١). فصل: قال مثلَ قول عائشة في الآية ابن عباس (٢). وفيه: تزويجهن قبل البلوغ، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه (٣). وقيل: اليتامى في الآية البالغات؛ احتجاجًا بحديث أبي هريرة ﵁: "واليتيمة تستأمر في نفسها" (٤) لا يكون ذلك إلا بعد البلوغ وستكون لنا عودة إلى ذلك في النكاح إن شاء الله.

стр. 13195

٢ - [باب] قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآيَة [النساء: ٦] ﴿وَبِدَارًا﴾ [النساء: ٦]: مُبَادَرَةً. ﴿أَعْتَدْنَا﴾: أَعْدَدْنَا، أَفْعَلْنَا مِنَ العَتَادِ. ٤٥٧٥ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي مَالِ الْيَتِيمِ إِذَا كَانَ فَقِيرًا، أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهُ مَكَانَ قِيَامِهِ عَلَيْهِ، بِمَعْرُوفٍ. [انظر: ٢٢١٢ - مسلم: ٣٠١٩ - فتح: ٨/ ٢٤١] حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، ثَنَا هِشَام، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]: أَنَّهَا نزَلَتْ فِي والي اليَتِيمِ إِذَا كَانَ فَقِيرًا، أَنَّهُ يَأُكُلُ مِنْهُ مَكَانَ قِيَامِهِ عَلَيْهِ بالمَعْرُوفٍ. الشرح: إسحاق هذا هو ابن منصور (١) كما صرح به خلف وأبو نعيم. وهذا الأثر سلف في الوصايا عن عبيد بن إسماعيل بن أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، عنها (٢). وسلف الكلام عليه واضحًا.

стр. 13196

وأخرجه في البيوع (١)، ومسلم أيضا (٢). ومعنى (مبادرة) أن يكبروا فيأخذوها منكم. وقوله: (﴿أَعْتَدْنَا﴾: أعددنا) يريد أن معناهما واحد؛ لأن العتيد: الشيء المعد، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ هذا قول أبي عبيدة في "مجازه" (٣) والآية نزلت في ثابت بن رفاعة وعمه، كما قال مقاتل؛ وذلك أن رفاعة توفي وترك ابنه ثابتا فولي ميراثه عمه وروى الطبري من حديث العرني (٤) مرسلا أنه ﷺ لما سأله عمه عما يأكل من ماله، قال: "غير متأثل منه مالا ولا واق مالك بماله" (٥)، وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني لا أجد شيئًا، وليس لي شيء، وليتيمي مال قال: "كل منه غير مسرف ولا متأثل مالا" (٦) قال: وأحسبه قال: "ربما تقد مالك بماله".

стр. 13197

وفي الحميدي في رواية عثمان بن فرقد قال: أنزلت في والي اليتيم الذي يقوم عليه ويصلح في ماله إن كان فقيرًا يأكل بالمعروف. وقول عائشة في الآية هو قول عمر، وقال عَبيدة وعطاء والشعبي وأبو العالية: ليس له أن يأخذ منه إلا قرضًا (١)، وقال مجاهد: لا يأخذ قرضًا ولا غيره (٢)، وبه قال مالك (٣)، وأبو يوسف، وقال: الآية منسوخة نسختها: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾ (٤) وهذا ليس تجارة، فإن احتاج إلى أن يسافر من أجله فله أن يأخذ ما يحتاج إليه ولا يقتني شيئًا، وهو قول أبي حنيفة ومحمد فيما حكاه النحاس. قال: وعن ابن عباس: نسخ الظلم والاعتداء ونسختها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾. ثم افترق الذين قالوا: إن الآية محكمة فرقا، فقال بعضهم: إن احتاج اقترض ورد إذا أيسر (٥)، ونقل الطبري عن سعيد بن جبير أنه إن حضر الموت ولم يوسر تحلله من اليتيم، وإن كان صغيرًا تحلله من وليه (٦)، وهو قول جماعة من التابعين وفقهاء الكوفة، وقال أبو قلابة: فليأكل بالمعروف مما يجيء من الغلة، فأما المال الناضُّ فليس له أن يأخذ منه شيئًا قرضًا ولا غيره (٧).

стр. 13198

وقال الحسن: أيما احتاج أكل بالمعروف ولا قضاء، والمعروف قوته. وهو قول النخعي وقتادة (١). واختلف عن ابن عباس، وعنه: أنه يقوت نفسه من ماله حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم (٢)، قال النحاس: وهو أحسن ما روي في تفسير الآية (٣). وهو اختيار إلكيا الطبري (٤). وعن ابن عباس رواية أخرى ذكرها ابن جرير عنه قال: يأكل بالمعروف: بأطراف أصابعه (٥). ومذهب الشافعي أنه يجوز الأكل للفقير إذا انقطع عن كسب، ولا يرد بدَله، ويأخذ أقل الأمرين من النفقة وأجرة عليه. وعن الحسن بن حي: الأكل بالمعروف لوصي الأب دون وصي الحاكم؛ لأنه يأخذ أجرًا فلا حاجة إلى الأكل أيضًا، بخلاف الأول. وقال بعض العلماء منهم ربيعة ويحيى بن سعيد: أن المخاطب بهذِه الآية ولي اليتيم إن كان غنيًّا وسع الولي عليه، وعفَّ عن ماله، وإن كان فقيرًا أنفق عليه بقدره (٦).

стр. 13199

وهو من باب خطاب العين والمراد به: الغير، والخطاب لليتامى والمراد به: الأولياء، وهو بعيد. ونقل الطبري عن عائشة ﵂ وغيرها: يضع يده مع أيديهم ويأكل معهم بقدر خدمته وعمله، وقال عكرمة: يدك مع أيديهم ولا تتخذ منه قلنسوة. وعن إبراهيم: بالمعروف ليس بلبس الكتان ولا الحلل ولكن ما يسد الجوع ويواري العورة، وكذا ذكره عن مكحول (١). ونقل النحاس عن عمر وغيره: أن له أن يأكل من جميع مال يتيمه إذا كان يلي ذلك، وإن أتى على المال ولا قضاء عليه (٢)، وقد أوضحنا الكلام: على ذلك أيضا في الوصايا وأعدناه هنا؛ لبعد العهد به. فائدة: اختلف في الإشهاد في الآية: هل هو على وجه الندب؛ لأنه أمين أو الإيجاب؛ لأنه أمين الأب فقط. وقال عمر بن الخطاب وسعيد بن جبير: إنما هو على دفع الوصي ما استقرضه من مال اليتيم حال فقره (٣). وفي الإشهاد فوائد: السلامة من الغُرْم عند الإنكار، وحسم مادة تطرق سوء الظن بالولي وامتثال الأوامر، وطيب قلب اليتيم بزوال ما كان يخشاه من فوات ماله ودوامه تحت الحجر. وعن بعض أصحاب مالك أن الأمر بالإشهاد منسوخ بقوله: ﴿وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا﴾ واحتج بها ابن القاسم في قوله: من دفع إليه مال ليدفعه إلى غيره أن عليه أن يشهده وإلا غرم (٤).

стр. 13200

وقال عبد الملك: لا شيء عليه إلا أن يقول: اشهد عليه أو أحص معي، ومعنى الآية عنده دفع التنازع، وإلا فكل مولًى القولُ قوله (١).
следующие страницы →