وأخرجه في البيوع (١)، ومسلم أيضا (٢).
ومعنى (مبادرة) أن يكبروا فيأخذوها منكم.
وقوله: (﴿أَعْتَدْنَا﴾: أعددنا) يريد أن معناهما واحد؛ لأن العتيد: الشيء المعد، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ هذا قول أبي عبيدة في "مجازه" (٣) والآية نزلت في ثابت بن رفاعة وعمه، كما قال مقاتل؛ وذلك أن رفاعة توفي وترك ابنه ثابتا فولي ميراثه عمه وروى الطبري من حديث العرني (٤) مرسلا أنه ﷺ لما سأله عمه عما يأكل من ماله، قال: "غير متأثل منه مالا ولا واق مالك بماله" (٥)، وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني لا أجد شيئًا، وليس لي شيء، وليتيمي مال قال: "كل منه غير مسرف ولا متأثل مالا" (٦) قال: وأحسبه قال: "ربما تقد مالك بماله".
стр. 13197
وفي الحميدي في رواية عثمان بن فرقد قال: أنزلت في والي اليتيم الذي يقوم عليه ويصلح في ماله إن كان فقيرًا يأكل بالمعروف.
وقول عائشة في الآية هو قول عمر، وقال عَبيدة وعطاء والشعبي وأبو العالية: ليس له أن يأخذ منه إلا قرضًا (١)، وقال مجاهد: لا يأخذ قرضًا ولا غيره (٢)، وبه قال مالك (٣)، وأبو يوسف، وقال: الآية منسوخة نسختها: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾ (٤) وهذا ليس تجارة، فإن احتاج إلى أن يسافر من أجله فله أن يأخذ ما يحتاج إليه ولا يقتني شيئًا، وهو قول أبي حنيفة ومحمد فيما حكاه النحاس. قال: وعن ابن عباس: نسخ الظلم والاعتداء ونسختها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾.
ثم افترق الذين قالوا: إن الآية محكمة فرقا، فقال بعضهم: إن احتاج اقترض ورد إذا أيسر (٥)، ونقل الطبري عن سعيد بن جبير أنه إن حضر الموت ولم يوسر تحلله من اليتيم، وإن كان صغيرًا تحلله من وليه (٦)، وهو قول جماعة من التابعين وفقهاء الكوفة، وقال أبو قلابة: فليأكل بالمعروف مما يجيء من الغلة، فأما المال الناضُّ فليس له أن يأخذ منه شيئًا قرضًا ولا غيره (٧).
стр. 13198
وقال الحسن: أيما احتاج أكل بالمعروف ولا قضاء، والمعروف قوته. وهو قول النخعي وقتادة (١).
واختلف عن ابن عباس، وعنه: أنه يقوت نفسه من ماله حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم (٢)، قال النحاس: وهو أحسن ما روي في تفسير الآية (٣). وهو اختيار إلكيا الطبري (٤). وعن ابن عباس رواية أخرى ذكرها ابن جرير عنه قال: يأكل بالمعروف: بأطراف أصابعه (٥).
ومذهب الشافعي أنه يجوز الأكل للفقير إذا انقطع عن كسب، ولا يرد بدَله، ويأخذ أقل الأمرين من النفقة وأجرة عليه.
وعن الحسن بن حي: الأكل بالمعروف لوصي الأب دون وصي الحاكم؛ لأنه يأخذ أجرًا فلا حاجة إلى الأكل أيضًا، بخلاف الأول. وقال بعض العلماء منهم ربيعة ويحيى بن سعيد: أن المخاطب بهذِه الآية ولي اليتيم إن كان غنيًّا وسع الولي عليه، وعفَّ عن ماله، وإن كان فقيرًا أنفق عليه بقدره (٦).
стр. 13199
وهو من باب خطاب العين والمراد به: الغير، والخطاب لليتامى والمراد به: الأولياء، وهو بعيد.
ونقل الطبري عن عائشة ﵂ وغيرها: يضع يده مع أيديهم ويأكل معهم بقدر خدمته وعمله، وقال عكرمة: يدك مع أيديهم ولا تتخذ منه قلنسوة. وعن إبراهيم: بالمعروف ليس بلبس الكتان ولا الحلل ولكن ما يسد الجوع ويواري العورة، وكذا ذكره عن مكحول (١).
ونقل النحاس عن عمر وغيره: أن له أن يأكل من جميع مال يتيمه إذا كان يلي ذلك، وإن أتى على المال ولا قضاء عليه (٢)، وقد أوضحنا الكلام: على ذلك أيضا في الوصايا وأعدناه هنا؛ لبعد العهد به.
فائدة:
اختلف في الإشهاد في الآية: هل هو على وجه الندب؛ لأنه أمين أو الإيجاب؛ لأنه أمين الأب فقط. وقال عمر بن الخطاب وسعيد بن جبير: إنما هو على دفع الوصي ما استقرضه من مال اليتيم حال فقره (٣).
وفي الإشهاد فوائد: السلامة من الغُرْم عند الإنكار، وحسم مادة تطرق سوء الظن بالولي وامتثال الأوامر، وطيب قلب اليتيم بزوال ما كان يخشاه من فوات ماله ودوامه تحت الحجر. وعن بعض أصحاب مالك أن الأمر بالإشهاد منسوخ بقوله: ﴿وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا﴾ واحتج بها ابن القاسم في قوله: من دفع إليه مال ليدفعه إلى غيره أن عليه أن يشهده وإلا غرم (٤).
стр. 13200
وقال عبد الملك: لا شيء عليه إلا أن يقول: اشهد عليه أو أحص معي، ومعنى الآية عنده دفع التنازع، وإلا فكل مولًى القولُ قوله (١).
стр. 13201
٣ - [باب] قوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ الآية [النساء: ٨]
٤٥٧٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ الأَشْجَعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ [النساء: ٨] قَالَ: هِيَ مُحْكَمَةٌ وَلَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ. تَابَعَهُ سَعِيدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. [انظر: ٢٧٥٩ - فتح: ٨/ ٢٤٢]
ذكر فيه حديث عكرمة، عن ابن عباس- ﵄ أنها مُحْكَمَةٌ وَلَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ. تَابَعَهُ سَعِيدٌ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، هذِه المتابعة سلفت مسندة في الوصايا (١)، وذكرنا هناك عن الأكثرين أن ذلك على الندب لا الإيجاب.
ومعنى: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ يقال لهم: خذوا، بورك لكم. قاله سعيدبن جبير (٢).
стр. 13202
٤ - [باب] قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]
٤٥٧٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ مُنْكَدِرٍ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ عَادَنِي النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ فِي بَنِي سَلِمَةَ مَاشِيَيْنِ فَوَجَدَنِي النَّبِيُّ ﷺ لَا أَعْقِلُ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهُ، ثُمَّ رَشَّ عَلَيَّ، فَأَفَقْتُ فَقُلْتُ مَا تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي مَالِي يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَنَزَلَتْ ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]. [انظر: ١٩٤ - مسلم: ١٦١٦ - فتح: ٨/ ٢٤٣]
ذكر فيه حديث ابن جُرَيْجٍ، عن ابن المُنْكَدِر، عَنْ جَابِرٍ ﵁: عَادَنِي رسول الله ﷺ وأَبُو بَكْرٍ فِي بَنِي سَلِمَةَ مَاشِيَيْنِ، فَوَجَدَنِي النَّبِيُّ ﷺ لَا أَعْقِلُ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهُ، ثُمَّ رَشَّ عَلَيَّ، فَأَفَقْتُ، فَقُلْتُ: مَا تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي مَالِي يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَنَزَلَتْ ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١].
كذا وقع هنا، ووهم ابن جريج فيه إنما نزل في جابر الآية الأخيرة: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ كذلك رواه شعبة والثوري، وابن عيينة، عن محمد بن المنكدر (١).
وقد أخرجه الطبري في الوضوء من حديث شعبة، عن محمد بن
стр. 13203
المنكدر (١)، ويؤيده ما ورد في بعض الطرق.
وقول جابر: (يا رسول الله إنما يرثني كلالة) والكلالة: من لا ولد له ولا والد، ولم يكن لجابر حينئذٍ ولد ولا والد. وأما آية الوصية فنزلت في ورثة سعد بن الربيع، قتل يوم أحد، وخلف ابنتين وأمهما وأخاه، فأخذ أخوه المال ولم يدع لهما شيئا فجاءت أمهما إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، قتل أبوهما يوم أحد شهيدًا، وإن عمهما أخذ مالهما، والله لا ينكحان إلا ولهما مال، فقال ﵇: "يقضي الله في ذلك" فنزلت آية الميراث ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ فدعا عمهما فقال: "أعط ابنتي سعد الثلثين، وأعط أمهما الثمن، ولك ما بقي" (٢).
وفي "تفسير مقاتل": نزلت في أوس بن مالك، وذلك أنه توفي وترك امرأته أم كجّة الأنصارية وابنتين إحداهما اسمها صفية، وترك ابني عمه عرفطة وسويدًا، ابني الحارث، فلم يعطياها ولا ولديها شيئًا (٣).
وفي "تفسير الجوزي" بدل سويد قتادة (٤)، وفي "الكشاف" مات أوس بن الصامت وترك ثلاث بنات وزوجته أم كجَّة (٥)، وفي "تفسير ابن جرير": مات عبد الرحمن أخو حسان بن ثابت شاعر رسول الله ﷺ وترك امرأة يقال لها: أم كجَّة، وترك خمس أخوات، فجاءت الورثة فأخذوا ماله، فشكت أم كجَّة ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فنزلت (٦).
стр. 13204
وفي "تفسير الطبري" عن ابن عباس في قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ ذلك أنه لما نزلت الفرائض التي فرض الله فيها ما فرض للولد الذكر والأنثى والأبوين كرهها الناس أو بعضهم، وقالوا: تُعطى المرأة الربع أو الثمن، وتُعطى الابنة النصف ويُعطى الغلام الصغير، وليس من هؤلاء أحد يقاتل، اسكتوا عن هذا الحديث لعل رسول الله ﷺ ينساه، ونقول له فيغيره (١).
وفي رواية عطاء ومجاهد عنه (٢) منه ما سيأتي على الأثر.
فائدة:
معنى ﴿يُوصِيكُمُ﴾: يفرض عليكم.
стр. 13205
٥ - [باب] قوله: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ الآية [النساء: ١٢]
٤٥٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ، وَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ، فَنَسَخَ اللهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، وَجَعَلَ لِلأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ وَالثُّلُثَ، وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ الثُّمُنَ وَالرُّبُعَ، وَلِلزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ. [انظر: ٢٧٤٧ - فتح: ٨/ ٢٤٤]
ذكر فيه حديث محمد بن يوسف وهو الفريابي، عن ورقاء هو ابن عمر، عن ابن أبي نجيح هو عبيد الله، عن عطاء هو ابن أبي رباح، عن ابن عباس ﵄: كَانَ المَالُ لِلْوَلَدِ، وَكَانَتِ الوَصيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ، فَنَسَخَ اللهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، وَجَعَلَ لِلأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ وَالثُّلُثَ، وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ الثُّمُنَ وَالرُّبُعَ، وَلِلزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ.
كذا ذكره البخاري عنه وذكر في الوصايا بسنده، ولم يذكر الثلث، وهو على ما ذكره هناك من سقوطه (١)، ويأتي في الفرائض (٢). وقال غيره: ليست الآية منسوخة، وكذا معنى الوصية للوالدين يعني: من لا يرث من الوالدين والولد وسائر من ذكر من أهل الوارث. قالوا: إنما يستعمل النسخ إذا لم يوجد تخصيص.
стр. 13206
٦ - [باب] قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ الآية [النساء: ١٩]
وَيُذْكَرُ عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄ [وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ] [النساء: ١٩]: لَا تَقْهَرُوهُنَّ. (حوبا) [النساء: ٢]: إِثْمًا. ﴿تَعُولُوا﴾ [النساء: ٤] تَمِيلُوا. ﴿نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] النِّحْلَةُ: المَهْرُ.
٤٥٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ الشَّيْبَانِيُّ: وَذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ السُّوَائِيُّ، وَلَا أَظُنُّهُ ذَكَرَهُ إِلاَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩] قَالَ: كَانُوا إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ، إِنْ شَاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَهَا، وَإِنْ شَاءُوا زَوَّجُوهَا، وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يُزَوِّجُوهَا، فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي ذَلِكَ. [٦٩٤٨ - فتح: ٨/ ٢٤٥]
ثم ساق حديث الشَّيْبَانِيّ: عن عكرمة، عَنِ ابن عَبَّاسٍ.
قال الشيباني: وذكره أبو الحسن السوائي ولا أظنه ذكره إلا عن ابن عباس ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ﴾ الآية، قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا يزوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذِه الآية في ذلك.
الشرح:
تعليق ابن عباس أسنده أبو محمد الرازي من حديث علي بن أبي طلحة عنه به، والضحاك عنه بلفظ: لا تحبسوهن (١).
стр. 13207
و ﴿كَرْهًا﴾: بالفتح، والضم قليل (١) بمعنى، والمختار كَرهًا يُكره على الشيء والكره من قبله: المشقة، و (تقهروهن) في بعض النسخ بدله (تنتهروهنَّ) (٢) وهي رواية الشيخ أبي الحسن، وقيل: (يحبسوهن) كما سلف.
ويروى أن الرجل كان يتزوج المرأة فلا تعجبه فيضارها حتى تفتدي منه. الحُوب: الإثم -كما ذكره- وهو ما أسنده أبو محمد الرازي في "تفسيره" عن عكرمة، عنه. وعبارة غيره أنه الذنب العظيم (٣).
وقُرئ (حَوبا) بفتح الحاء و (حابا) (٤)، وما ذكره في ﴿تَعُولُوا﴾ قاله جماعة (٥)، وأسنده ابن المنذر في "تفسيره" عن ابن عباس (٦)، وذكر نحوه مرفوعًا أن معناه: تجوروا وقال زيد: أن لا يكثر عيالكم، وبه قال الشافعي (٧)، وأنكره المبرد (٨).
стр. 13208
وقوله: (النِّحلة: المهر)، قيل: يعني به: الأزواج، ويروى: أن الولي كان يأخذ الصداق لنفسه، فأمره الله بالدفع إلى النساء:. وقيل: كان يجعل البضع صداقًا فنهوا عن ذلك، وقيل: ﴿نِحْلَةً﴾: دينًا، وقيل: فرضًا مسمى (١)، وقال المبرد: معنى ﴿نِحْلَةً﴾: أنه كان يجوز أن لا يعطي من ذلك شيئا ففرض الله إياه، وقيل: لا يكون نحلة إلا ما طابت به النفس، فأما ما أكره فلا يكون نحلة.
واعترض الإسماعيلي فقال: قوله: ﴿نِحْلَةً﴾ إن كان هذا التفسير من قول أبى عبد الله ففيه نظر، وقد قيل في ذلك غير وجه، ولعل ذكر أقربها منها نحلة، أي: يعطونها على غير عوض من مال يكنز منه لهن في ذلك. قال: وقيل: ﴿نِحْلَةً﴾: ينحلونها، أي: إيتائهن الصداق ما التزمتم أن تدينوا به وتعتقدوه نحلة.
قلت: هذا التفسير من قول ابن عباس، كما أسنده أبو محمد الرازي في "تفسيره" من حديث علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: النحلة: المهر (٢).
وقال (أبو عبيدة) (٣) فى "المجاز": نحلة: عن طيب نفس بالفريضة التي جعل الله لهم (٤).
وقال الزجاج عن بعضهم: هو من الله لهن نحلة أن جعل على الرجال الصداق، ولم يجعل على المرأة شيئًا في الغرم (٥).
стр. 13209
وقال مقاتل: كان الرجل يتزوج بغير مهر: أرثك وترثيني، فتقول المرأة: نعم، فنزلت (١).
وأثر ابن عباس الثاني ذكره في الإكراه بعد، فقال: وقال الشيباني: وحدثني عطاء أبو الحسن السوائي، ولا أظنه ذكره إلا عن ابن عباس (٢)، والسوائي بضم السين وفتحها. وأخرجه الإسماعيلي أيضًا من حديث سليمان الشيباني، عن عكرمة، عن ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية إذا تزوج المرأة فمات عنها قبل أن يدخل بها حبستها عصبته أن تنكح أحدًا حتى تموت فيرثونها؛ فنزلت، ثم قال: هذِه الرواية يخالف معناها حديث أسباط، يعني: الذي في الباب.
وللطبري من حديث عطاء الخراساني وغيره، عن ابن عباس نحوه، ومن حديث محمد بن أبي أمامة سهل بن حُنيف، عن أبيه قال: لما توفي أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوج امرأته وكان ذلك لهم في الجاهلية، فنزلت. وسمى المرأة عَكرمةُ كبيشةَ ابنة معن بن عاصم الأوسي (٣)، وسمى الواحدي الابن حصنًا (٤).
وفي "تفسير مقاتل": نزلت في (قيس) (٥) بن أبي قيس بن الأسلت وفي امرأته هند بنت صبرة وفي الأسود بن خلف الخزاعي في امرأته حُيية بنت أبي طلحة بن عبد العزى، وفي منظور بن سيار الفزاري وفي امرأته مليكة بنت خارجة المزنية تزوجوا نساء آبائهم بعد موت
стр. 13210
آبائهم، فأتين رسول الله ﷺ فقلن: يا رسول الله، لم يدخلوا بنا، وما أنفقوا علينا، فنزلت. قال مقاتل: ثم انقطع الكلام.
ثم قال: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ كان الرجل يضر بامرأته لتفتدي منه، ولا حاجة له فيها، يقول: لا تحبسوهن ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ من المهر ثم استثنى ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ﴾ يعني: العصيان البين، وهو النشوز (١)، وقال عكرمة والحسن العُرني: كان الرجل يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صدقتها، فنهوا عن ذلك، وعن أبي مجلز: كان ذلك في الأنصار. وعن عطاء: كان أهل الجاهلية يحبسون المرأة على الصبي يكون فيهم. وعن مجاهد: كان ابنه الأكبر الذي ليس ابنها أحق بها، أو ينكحها غيره. وعن الزهري وأبي مجلز: كان هذا في حي من الأنصار، كان الرجل إذا توفي وخلف امرأة ألقى عليها وليه رداءً فلا تقدر أن تتزوج (٢).
قال غيرهما: ويتزوجها بغير مهر، وربما ضارها، فلا تقدر أن تتزوج حتى تفتدي منه، فنزلت. والمعنى: لا يحل لكم أن ترثوهن من أزواجهن، فتكونوا أزواجًا لهن. وقيل: لا تتزوجوهن لترثوهن كرهًا، فالمكروه العقد الموجب له. وقال السُّدِّي: كان الرجل يموت أبوه أو أخوه أو ابنه، ويترك زوجة، فإن سبق وارث البيت فألقى عليها ثوبه فهو أحق بها أن ينكحها بمهر صاحبه، أو ينكحها فيأخذ مهرها، فإن سبقت فذهبت إلى أهلها فهي أحق بنفسها.
وقال ابن زيد: كانت الوراثة في أهل يثرب، يموت الرجل، فيرث ابنهُ امرأةَ أبيه كما يرث أمه، لا تستطيع أن تمتنع، فإن كان صغيرًا حبست
стр. 13211
عليه حتى يكبر، فإن شاء أصابها، وإن شاء فارقها. وعن مقسم: كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها، فجاء رجل فألقى عليها ثوبه كان أحق الناس بها. وقال (أبو عبيدة) (١) في "المجاز" فممن تزوج امرأة أبيه فوُلِد له منها: الأشعث بن قيس (٢)، تزوج أبوه قيس بن سعد (بنت) (٣) امرأة أبيه معدي كرب فولدت له الأشعث، وأبو عمرو بن أمية خُلِّف على العامرية امرأة أبيه فولدت له أبا معيط.
وقال الأزهري: كان الرجل إذا مات وله امرأة وولد من غيرها ذكر يقول: أنا أحق بامرأته فيمسكها على العقد الذي كان عقده أبوه ليرثها [و] ما ورثته من أبيه، فأعلم الله أن ذلك حرام. وعند الطبري عن ابن عباس وابن شهاب: كانوا يعضلون أيَاماهُنَّ وهن كارهات للعضل حتى يمتن فيرثوهن أموالهن.
وعن ابن زيد: كان العضل بمكة: ينكح الرجل المرأة الشريفة فلعلها أن لا توافقه فيفارقها على أن ألا تتزوج إلا بإذنه، فيأتي بالشهود فيكتب ذلك عليها، فإذا خطبها الخاطب، فإن أعطته -أو قال: أرضته- أذن لها
стр. 13212
وإلا عضلها. وأولى الأقوال بالصحة -كما قال أبو جعفر- قول من قال: هو الزوج الكاره لصحبة المرأة المضيقة عليها.
واختلف في الفاحشة، هنا، فعن الحسن وغيره: هو الزنا. وسلف أنه النشوز، والأولى -كما قال أبو جعفر- أنه يعني به: كل فاحشة من بذاء اللسان على الزوج أو أذى له. يأتي بمعنى الفواحش أتت بعد أن تكون ظاهره بينة، بظاهر الكتاب والسنة (١)، وهو قوله في رواية جابر، "فإن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم من تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح" (٢).
وفي حديث ابن عمر زيادة: "ولا يعصينكم في معروف" (٣)، وهذا يبين فساد قول من قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾: منسوخ بالحدود؛ لأن الحدود حق الله على من زنا، وأما العضل لتفتدي المرأة من الزوج ما آتاها يحق لزوجها، كما عضله إياها إذا نشزت لتفتدي منه (حق) (٤) له، وليس أحدهما يبطل حق الآخر، وقد سلف العضل في سورة البقرة.
стр. 13213
٧ - [باب] قوله: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ الآية [النساء: ٣٣]
وَقَالَ مَعْمَرٌ: ﴿مَوَالِيَ﴾ أَوْليَاءَ وَرَثَةً. (عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) [النساء: ٣٣] هُوَ مَوْلَى اليَمِينِ، وَهْوَ الحَلِيفُ، وَالْمَوْلَى أَيْضًا: ابن العَمِّ. وَالْمَوْلَى: المُنْعِمُ المُعْتِقُ. وَالْمَوْلَى: المُعْتَقُ. وَالْمَوْلَى: المَلِيكُ. وَالْمَوْلَى: مَوْلًى فِي الدِّينِ.
٤٥٨٠ - حَدَّثَنِي الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ إِدْرِيسَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِىَ﴾ [النساء: ٣٣] قَالَ وَرَثَةً. ﴿وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٣] كَانَ الْمُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الْمُهَاجِرُ الأَنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِى رَحِمِهِ؛ لِلأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمْ فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِىَ﴾ [النساء: ٣٣] نُسِخَتْ، ثُمَّ قَالَ ﴿وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٣] مِنَ النَّصْرِ، وَالرِّفَادَةِ وَالنَّصِيحَةِ، وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ، وَيُوصِى لَهُ. سَمِعَ أَبُو أُسَامَةَ إِدْرِيسَ، وَسَمِعَ إِدْرِيسُ طَلْحَةَ. [انظر: ٢٢٩٢ - فتح: ٧/ ٢٤٧]
موالي: أولياء ورثة (والذين عاقدت أيمانكم) هو مولى اليمين وهو الحليف، والمولى أيضًا: ابن العم، والمولى: المنعم بالعتق، والمولى: المُعْتَق، والمولى: المليك، والمولى: المولى في الدين.
قلت: أو الناصر أو المحب، وغير ذلك مما ذكرته في كتاب "المنهاج" وهذا بحسب اللغة، وإلا فالمراد هنا ما ذهب إليه أكثر أهل اللغة، وقيل: هم بنو العم.
ثم ساق حديث أبي أُسَامَةَ حماد بن أسامة، عَنْ إِدْرِيسَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاس - رضي الله
стр. 13214
عنهما- قال: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا﴾ [النساء: ٣٣] قَالَ: وَرَثَةً. ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٣]، كَانَ المُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا المَدِينَةَ يَرِثُ المُهَاجِرُ الأَنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ؛ لِلأُخُوَّةِ التِي آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمْ فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ [النساء: ٣٣]، نُسِخَتْ، ثم قَالَ: (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) [النساء: ٣٣]، مِنَ النَّصرِ، وَالرِّفَادَةِ، وَالنَّصِيحَةِ، وَقَدْ ذَهَبَ المِيرَاثُ، وَيُوصِي لَهُ. سَمِعَ أَبُو أُسَامَةَ إِدْرِيسَ، وَسَمِعَ إِدْرِيسُ طَلْحَةَ.
كذا ذكر هنا أن الناسخ لقوله: (والذين عاقدت أيمانكم) (١) ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾. والذي ذكر عن ابن عباس والحسن وعكرمة وقتادة أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] (٢). وقال ابن المسيب: كان الرجل يتبنى الرجل فيتوارثان على ذلك فنسخ.
فائدة:
قال البخاري عند الحديث -كما سلف- سمع أبو أسامة إدريس، وسمع إدريس طلحة.
قلت: صرح بهما الحاكم في "المستدرك" في الحديث، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين (٣).
ذكر فيه حديث أبي سعيد في الرؤية بطوله، وأخرجه البخاري في التوحيد (١)، ومسلم في الإيمان (٢).
روى ابن المنذر بإسناده عن عطية، عن ابن عمر ﵄ قال: نزلت في الأعراب ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ فقال رجل: فما للمهاجرين يا أبا عبد الرحمن؟ قال: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾. وفي قراءة ابن مسعود: (مثقال نملة) (٣) والذر: النمل الأحمر الصغير. قال ثعلب: مائة نملة وزن حبة، والذرة واحدة منها (٤).
وقيل: إن الذرة لا وزن لها، ويراد بها ما يرى في شعاع الشمس. حكاه ابن الأثير.
وزعم بعض الحساب أن زنة الشعيرة حبة، وزنة الحبة أربع رزات، وزنة الرزة أربع سمسمات، وزنة السمسمة أربع خردلات، وزنة الخردلة أربع ورقات نخالة، وزنة النخالة، أربع ذرات؛ فعلمنا بهذا أن الذرة أربعة في أربعة في أربعة في أربعة، وأدركنا أن الذرة جزء من ألف وأربعة وعشرين من حبة، وذلك أن الحبة ضربناها في أربع ذرات جاءت ستة عشر سمسمة، والسمسمة ضربناها في أربعة جاءت أربعة وستين خردلة، وضربنا أربعة وستين خردلة جاءت مائتين (أربعة وخمسين) (٥)، ضربناها فَي أربعة جاءت ألفا (وستة عشر) (٦) ذرة.
стр. 13217
وعند ابن عطية: الذرة الصغيرة من النمل، وهي أصغر ما يكون إذا مر عليها حول أنها تصغر كا لأفعى (١). وقيل: الذرة رأس النملة الحمراء وهي الخردلة. وعند الثعلبي: قال يزيد بن هارون: زعموا أن الذرة ليس لها وزن.
يحكى أن رجلا وضع خبزًا حتى علاه الذر بقدر ما يستره، ثم وزنه فلم يزد على مقدار الخبز شيئًا.
وعن ابن عباس أنه أدخل يده في التراب، ثم نفخ فيه وقال: كل واحدة من هؤلاء ذرة (٢).
وعن قتادة: كان بعض العلماء يقول: لأن يفضل حسابي وزن ذرة أحب إليَّ من الدنيا جميعا (٣).
وفي حديث ابن مسعود مرفوعًا: "تقول الملائكة: يا رب لم يبق لعبدك إلا وزن ذرة، فيقول جل وعز: ضعفوها له وأدخلوه الجنة" (٤).
وفي بعض النسخ بعد قوله: (زنة ذرة) يقال: هذا مثقال هذا، أي: وزنه. ومثقال مثقال من الفعل، والذرة: النملة الصغيرة.
وقال الجواليقي: يظن الناس أن المثقال وزن الدينار لا غير، وليس كذلك إنما مثقال كل شئ وزنه، وكل وزن يسمى مثقالا وإن كان وزن ألف. قال الشاعر: كلًّا يوفيه الجزاء بمثقال.
стр. 13218
قال الهروي: أي: يوزن، وعند أبي نصر: مثقال الشيء: ميزانه من مثله (١). قال الزجاج: هو مفعال من الثقل. وقيل: لكل ما يعمل وزن ومثقال تمثيلًا.
فصل:
وفي قوله: "هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة" فيه روايات أكثرها بضم أوله، وراؤه من غير تشديد، أي: تضرون؛ لأن الضير: المضرة، من قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ﴾ [الشعراء: ٥٠] أي: لا يضر. ثانيها: فتح التاء وتشديد الضاد والراء من الضرر. ثالثها: في غير هذا الموضع: "تضامون" (٢) بضم أوله من الضيم، أي: تلحقكم مشقة. رابعها: بفتح التاء وتشديد الضاد والميم معًا: تتفاعلون من التزاحم والانضمام، وأهل السنة على إثبات رؤية الله تعالى، وتأولوا قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] في الدنيا. وقال بعضهم: بل يجوز أن يرى في الدنيا، وإنما معنى الآية: لا تحيط به.
وقوله: (وغبرات أهل الكتاب) أي: بقاؤهم، أصله غابر وغبر، مثل راكع ورُكَّع، وجمع غبر: غبرات، والمشهور في الاستعمال أن الغبر اسمه واحد وهي البقية، وأما البقايا فهي المغبرات، وواحد الأغبار غبرة، وغبر الشيء يغبر غبورًا إذا مكث، وغبر الشيء بمعناه، وتغبرت الناقة: حلبت غبيرها، وهي بقية اللبن، والغابر: الماضي أيضًا.
ومعنى (يحطم بعضها بعضًا) يكسر بعضها بعضًا؛ ولذلك سميت النار الحطمة؛ لأنها تحطم كل شيء، أي: تكسره وتأتي عليها.
стр. 13219
٩ - [باب] قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء: ٤١]
الْمُخْتَالُ وَالْخَتَّالُ وَاحِدٌ، ﴿نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ [النساء: ٤٧]: نُسَوِّيَهَا حَتَّى تَعُودَ كَأَقْفَائِهِمْ. طَمَسَ الكِتَابَ: مَحَاهُ ﴿سَعِيَرَا﴾ [النساء: ٥٥]: وُقُودًا.
٤٥٨٢ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سُلَيْمَان، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَة، عَنْ عَبْدِ اللهِ -قَالَ يَحْيَى: بَعْضُ الْحَدِيثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ- قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ «اقْرَأْ عَلَيَّ». قُلْتُ آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟! قَالَ: «فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي». فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى بَلَغْتُ ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء: ٤١] قَالَ: «أَمْسِكْ». فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ. [٥٠٥٦،٥٠٥٥،٥٠٥٠،٥٠٤٩ - مسلم ٨٠٠ - فتح: ٨/ ٢٥٠]
الْمُخْتَالُ وَالْخَتَّالُ وَاحِد، ﴿نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ [النساء:٤٧]: نُسَوِّيَهَا حَتَّى تَعُودَ كَأَقْفَائِهِمْ. طَمَسَ الكِتَابَ: مَحَاهُ ﴿سَعِيَرَا﴾ [النساء: ٥٥]: وُقُودًا.
المختال أو الختال واحد، المختال ذو الخيلاء، ومعنى (حتى تعود كأقفائهم) أي: نذهب بالأعين والشفاه والأعين والحواجب لنردها أقفاء وهو قول قتادة، وقال أبي بن كعب: هو تمثيل والمخاطب به رؤساؤهم ممن آمن -كما قاله ابن عباس- أو أنهم حذروا أن يفعل هذا بهم في الآخرة، وقال محمد بن جرير: لم يكن ذلك؛ لأنه آمن منهم جماعة (١).
стр. 13220
ثم ساق حديث يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ -قَالَ يحيى: بعض الحديث عن عمرو بن مرة- قال: قال لِي النَّبِيُّ ﷺ : ((اقْرَأْ عَلَيَّ)). قُلْتُ: آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ .. ؟! الحديث، وأخرجه في فضائل القرآن في موضعين (١)، ومسلم (٢) وأبو داود (٣) والترمذي (٤) والنسائي (٥).
وقوله: (قال يحيى .. إلى آخره) يوضحه ما ذكره في فضائل القرآن فإنه لما ساقه عن مسدد، عن القطان، عن سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم به. قال الأعمش: وبعض الحديث: حدثني عمرو بن مرة، عن إبراهيم، وعن سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى، عن عبد الله (٦).
وقوله: (وعن أبيه) هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري رواه عن أبيه سعيد، عن أبي الضحى مسلم بن صبيح، ولم يدرك أبو الضحى ابن مسعود.
وقد روي عن مسروق، عن ابن مسعود. رواه مسلم من طريق يحيى عن سفيان، عن الأعمش، عن عمرو، عن إبراهيم، عن عبد الله.
ولما رواه الترمذي من حديث سفيان، عن سليمان، عن إبراهيم بن عبيدة قال: هذا أصح من حديث أبي الأحوص، يعني: المخرج عند مسلم عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة.
стр. 13221
ورواه الأزرق عن سفيان، عن عمرو، عن أبي عبيدة، عن عبد الله. وطرقه الدارقطني ثم قال: والمحفوظ عن حفص، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله. وأصحهما الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله، وقيل: عن شعبة، عن إبراهيم بن مهاجر، عن النخعي، عن عبد الله (١).
فصل:
فيه فضل ظاهر في قراءة عبد الله على من أنزل عليه، وقراءته عليه تحتمل أن يراد بها علم الناس حاله، أو خشي ﵇ أن يغلبه البكاء عنها، وفيه: اْستماع القراءة من غيره، وقد يكون أبلغ في التدبر والتفهم من قراءة الإنسان بنفسه.
وقوله: (فإذا عيناه تذرفان) يعني: الدمع، يقال: ذرف الدمع وذرفت العين دمعها، وهو بالذال المعجمة، وروى عبد بن حميد في "تفسيره" أن عبد الله لما قرأ هذِه الآية ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ قال ﵇: "من سره أن يقرأ القرآن غضًّا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد" (٢).
فصل:
قوله: ﴿عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ هم سائر أمته يشهد عليهم أولهم، فـ ﴿عَلَى﴾ بمعنى اللام، وقيل: أراد به أمته الكفار، وقيل: اليهود والنصارى، وقيل: كفار قريش، ومما يشهد به البلاغ أو بالإيمان أو بالأعمال، أقوال.
стр. 13222
وبكاؤه عند هذِه الآية؛ لأنه لابد من أداء الشهادة، والحكم على المشهود عليه إنما يكون بقول الشاهد، فلما كان ﵇ هو الشاهد وهو الشافع بكى على المفرطين منهم، وقيل: بكى لعلم ما تضمنته هذِه الآية من هول المطلع وشدة الأمر؛ إذ يؤتى بالأنبياء شهداء على أممهم بالتصديق والتكذيب، وقيل: بكى فرحًا؛ لقبول شهادة أمته، وقبول تزكيتهم له ذلك اليوم.
خاتمة:
في "تفسير أبي الليث السمرقندي" من حديث محمد بن فضالة، عن أبيه: أنه ﵇ أتاهم في بني ظفر، فجلس على الصخرة التي في بني ظفر ومعه ابن مسعود ومعاذ بن جبل وناس من أصحابه، فأمر قارئًا يقرأ حتى أتى على هذِه الآية ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ بكى حتى اخضلت لحيته.
وقال: يا رب، هؤلاء من أنا بين ظهورهم، فكيف بمن لم أرهم (١)؟
وللثعلبي: فدمعت عينا رسول الله ﷺ وقال: "حسبنا" وفي "تفسير الجُوزي" وقال: شهيدًا عليهم ﴿مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧].
(ص): (وَقَالَ عُمَرُ: الجِبْتُ: السِّحْرُ. ﴿وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١]: الشَّيْطَانُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الجِبْتُ بِلِسَانِ الحَبَشَةِ: شَيْطَان، وَالطَّاغُوتِ: الكَاهِنُ).
أسندهما عبد بن حميد، وفي ذلك أقوال أخر. وقيل: هما الشيطان في كل واحد منهما. وقيل: هما ما عبد من دون الله. وقيل في كل منهما أنه كاهن. وقال ابن عباس: هما رجلان من اليهود كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب (١). قال سيبويه: الطاغوت اسم واحد مؤنث. وقال أبو العباس محمد بن يزيد: هو عندي جماعة.
ثم ذكر البخاري حديث عائشة ﵂: هَلَكَتْ قِلَادَةٌ لأَسْمَاءَ .. الحديث.
وفي آخره: فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ، وقد سلف في بابه ويأتي في اللباس (٢).
وشيخ البخاري هنا محمد عن عبدة، ويشبه أن يكون البيكندي؛ لأنه يروي عن عبدة في غير موضع من الكتاب. قال الداودي: الحديث المشهور أن عائشة أضلت فأقام ﷺ على التماسه ولم يكن معهم ماء فنزلت. وفي حديث آخر: استعارت عقدًا من أسماء فسقط، فبعث رجالًا في طلبه فصلوا بغير وضوء. ويحتمل أن يكون هذا الحديث مُبَيِّئا لسائر الأحاديث؛ لأنه أضاف العقد لعائشة عن علم أنه سقط لها ظنًّا منه أنها تملكه.
стр. 13225
١١ - [باب] قوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]
أي: ذَوِي الأَمْرِ منكم.
٤٥٨٤ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِى الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ، إِذْ بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي سَرِيَّةٍ. [مسلم: ١٨٣٤ - فتح: ٨/ ٢٥٣]
ثم ساق عن ابن عباس ﵄: أنها نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ، إِذْ بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ في سَرِيَّةٍ.
سلف طرف منه من طريق علي في سرية عبد الله هذا، وأخرجه مسلم أيضا (١).
عدي هو ابن سعد بن سهم بن عمرو بن هُصيص بن كعب بن لؤي بن غالب. واعترض الداودي فقال: قول ابن عباس أنها نزلت في عبد الله وهم من غيره، وهو حمل الشيء على ضده.
ثم ذكر قصة عبد الله السالف هناك قال: وقيل: إنه كان يمزح، والذي هنا خلاف قوله ﷺ له: "إنما الطاعة في المعروف" إن كانت الآية قبل فكيف يخص عبد الله بالطاعة دون غيره، وإن كانت بعد فإنما قيل لهم: لم لم تطيعوه؟! وعند الواحدي أنها نزلت في عمار لما أجار على خالد فنهاه أن يجير على أمير إلا بإذنه (٢).
وشيخ البخاري هنا صدقة بن الفضل. وفي رواية أبي علي بن السكن
стр. 13226
بدله: سُنيد بن داود، وتفرد به، وسائر الرواة على صدقة ولا يذكرون سنيدًا، وهو مصيصي اسمه علي ويكنى: أبا علي، وله تفسير حسن نبه على ذلك الجياني (١).
وقال ابن يربوع الإشبيلي في كلامه على الكلاباذي: الصواب ما روت الجماعة، فإن سنيدًا صاحب تفسير. وذكر ابن السكن له في التفسير من الأوهام المحتملة؛ لأنه إنما ذكره في بابه الذي هو مشهور به فهو قريب بعيد. واختلف في (أولي الأمر منهم). فالبخاري قال: (ذو الأمر). وجابر قال: هم أهل الفقه والعلم (٢). وأبو هريرة قال: هم أمراء السرايا (٣). وعكرمة قال: هم أبو بكر وعمر (٤). وقيل: وعثمان وعلي.
وقد يرجع إلى شيء واحد؛ لأن أمراء السرايا من العلماء؛ لأنه كان لا يولي إلا من يعلم وكذا الصديق والفاروق أعلام العلماء، وكذا الباقي. وعبارة بعضهم: جميع الصحابة. ثم قيل: والتابعين. وقال عطاء: المهاجرون والأنصار (٥). وقال ابن كيسان: أرباب العقول الذين يسوسون أمر الناس. واختار مالك أنهم أهل العلم والقرآن (٦).
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ﴾ الآية [النساء: ٨٣]. والأمر: القرآن، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ [الطلاق: ٥] والصحيح أنه عام في كل من ولي أمر شيء.
١٣ - [باب] قوله: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ الآية [النساء: ٦٩]
٤٥٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَوْشَبٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ يَمْرَضُ إِلاَّ خُيِّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ». وَكَانَ فِي شَكْوَاهُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ أَخَذَتْهُ بُحَّةٌ شَدِيدَةٌ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] فَعَلِمْتُ أَنَّهُ خُيِّرَ. [انظر: ٤٤٣٥ - مسلم: ٣٤٤٤ - فتح: ٨/ ٢٥٥]
ثم ساق حديث عائشة ﵂ قالت: سَمِعْتُ النبي ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ نَبِيٍّ يَمْرَضُ إِلَّا خُيِّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ". وَكَانَ فِي شَكْوَاهُ الذِي قُبِضَ فِيهِ أَخَذَتْهُ بُحَّةٌ شَدِيدَةٌ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] فَعَلِمْتُ أَنَهُ خُيِّرَ.
سلف قريبا في باب مرضه ﷺ . والبحة -بضم الباء كما سلف-: غلظ في الصوت. يقال: بح يبح بحوحا. وإن كان من داء فهو البحاح، يقال: رجل بح بين البحح، إذا كان ذلك فيه خلقة.
ويروى أن قومًا قالوا: يا رسول الله، أنت معنا في الدنيا وترفع يوم القيامة لفضلك، فانزل الله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ﴾ فعرفهم أن الأعلَيْن ينحدرون إلى من هو أسفل منهم فيجتمعون ليذكروا نعمة الله عليهم (١). وأخرجه الطبراني من حديث الأسود عن
стр. 13229
عائشة ﵂ قالت: جاء رجل فذكر الحديث بمعناه (١)، وهو ثوبان كما ذكره الواحدي. وعنده من حديث مسروق: قال الصحابة: يا رسول الله، ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا، فإنك إذا فارقتنا رفعت فوقنا، فنزلت (٢).
وقال مقاتل: نزلت في رجل من الأنصار يسمى عبد الله بن زيد بن عبدربه قال لرسول الله ﷺ : إذا خرجنا من عندك إلى أهلنا اشتقنا إليك، فكيف لنا برؤيتك إذا دخلنا الجنة؟ فنزلت، فلما توفي رسول الله ﷺ أتته أمه وهو في حديقة له فأخبرته بوفاته فقال عند ذلك: اللهم أعمني فلا أرى شيئًا بعد حبيبي أبدًا، فعمي مكانه، وكان يحب رسول الله ﷺ حبًّا شديدًا فجعله الله معه في الجنة (٣).
стр. 13230
١٤ - [باب] قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ﴾ الآية [النساء: ٧٥]
٤٥٨٧ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ. [انظر: ١٣٥٧ - فتح: ٨/ ٢٥٥]
٤٥٨٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ تَلَا ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: ٩٨] قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِمَّنْ عَذَرَ اللهُ. [انظر: ١٣٥٧ - فتح: ٨/ ٢٥٥] [النساء: ١٠٣] وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (حَصِرَتْ) [النساء: ٩٠] ضَاقَتْ ﴿تَلْوُوا﴾ [النساء: ١٣٥] أَلْسِنَتَكُمْ بِالشَّهَادَةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ الْمُرَاغَمُ الْمُهَاجَرُ. رَاغَمْتُ هَاجَرْتُ قَوْمِي. ﴿مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] مُوَقَّتًا وَقْتَهُ عَلَيْهِمْ.
ثم ساق فيه عن ابن عباس: كُنْتُ أَنَا وَأُمّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ. وعنه: أنه تلا: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: ٩٨] قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِمَّنْ عَذَرَ اللهُ.
قال الزهري: معنى الآية في سبيل الله المستضعفين (١). قال المبرد: ويجوز هذا، ويجوز أن يكون: وفي المستضعفين. وقال مجاهد -فيما ذكره عبدٌ-: أمروا أن يقاتلوا عن مستضعَفي أهل مكة من المؤمنين (٢). وقال قتادة: القرية الظالم أهلها: مكة، كان بها رجال ونساء وولدان فأُمِرَ رسول الله ﷺ أن يقاتل في سبيل الله حتى يستنقذهم.
стр. 13231
وذكره ابن أبي حاتم عن عائشة وابن عباس وغيرهما (١).
وقول ابن عباس: (كنت أنا وأمي من المستضعفين). فيه دلالة أن الولد يتبع المسلم من الأبوين كان الأب والأم، وهو قول مالك في أحد قوليه. قال مطرف: والناس كلهم عليه. وإن كان مشهور قوله أن الولد يتبع الأب في الدين (٢).
وقوله: (ممن عذر الله) ظاهر في أنه لا حجر على الصبي والمرأة. (ص): (ويذكر عن ابن عباس: ﴿حَصِرَتْ﴾: ضاقت). هذا أسنده ابن أبي حاتم في "تفسيره" من حديث علي بن أبي طلحة عنه (٣). قال مجاهد: هو هلال بن عويمر الذي حصر أن يقاتل المسلمين أو يقاتل قومه (٤). (فدفع عنهم) (٥) المعنى على الدعاء، أي: أحصر الله صدورهم. قال أبو إسحاق: يجوز أن يكون خبرًا بعد خبر. وقيل: المعنى قد حصرت صدورهم ثم حذف قد. وقرأ الحسن: حَصِرَةً صدورُهم (٦).
(ص): ﴿تَلْوُوا﴾ ألسنتكم بالشهادة: يعني: وإن تلووا أو تعرضوا). فهذا أخرجه ابن المنذر من حديث علي بن أبي طلحة عنه بلفظ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ يعني: إن تلووا ألسنتكم بالشهادة أو تعرضوا عنها.
стр. 13232
(ص): (وقال غيره: المراغَم: المهاجر. راغمت: هاجرت قومي) هذا قول أبي عبيد (١).
(ص): (موقوتًا): موقتًا وقته عليهم) هو قوله أيضًا (٢).
стр. 13233
١٥ - [باب] قوله: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ الآية [النساء: ٨٨]
قَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾: بَدَّدَهُمْ. فِئَةٌ: جَمَاعَةٌ.
٤٥٨٩ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨]: رَجَعَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أُحُدٍ، وَكَانَ النَّاسُ فِيهِمْ فِرْقَتَيْنِ فَرِيقٌ يَقُولُ: اقْتُلْهُمْ، وَفَرِيقٌ يَقُولُ: لَا. فَنَزَلَتْ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] وَقَالَ: «إِنَّهَا طَيْبَةُ تَنْفِى الْخَبَثَ كَمَا تَنْفِى النَّارُ خَبَثَ الْفِضَّةِ». [انظر: ١٨٨٤ - مسلم: ١٣٨٤ - فتح: ٨/ ٢٥٦]
قَالَ ابن عَبَّاسٍ (١): ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾: بَدَّدَهُمْ. فِئَةٌ: جَمَاعَةٌ. وقال غيره: ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾: ردهم إلى حكم الكفر. وقال ابن مسعود: (ركَّسهم) (٢).
ثم ساق حديث زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ السالف في غزوة أحد، وقال هنا: فرقة تقول: اقتلهم. وفرقة تقول: لا. وقال: "تنفي الخبث" وقال هناك: "الذنوب". وفسر زيد الآية: قوم رجعوا من أحد. وقال مجاهد: قوم أسلموا ثم استأذنوا رسول الله ﷺ أن يخرجوا إلى مكة فيأخذوا بضائع لهم، فصار أصحاب رسول الله ﷺ فيهم فرقتين؛ فرقة يقولون: هم منافقون (٣). وقوم يقولون: هم مؤمنون حتى يتبين أنهم منافقون. وفي الترمذي -وقال: حسن-: آخر قرية تخرب من قرى الإسلام المدينة (٤).
стр. 13234
١٦ - [باب] ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ [النساء: ٨٣]
أَفْشَوْهُ.
﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ [النساء: ٨٣]: يَسْتَخْرِجُونَهُ. [حَسِيبًا] [النساء: ٨٦]: كَافِيًا ﴿إِلَّا إِنَاثًا﴾ [النساء: ١١٧] المَوَاتَ حَجَرًا أَوْ مَدَرًا وَمَا أَشْبَهَهُ. ﴿مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧]: مُتَمَرِّدًا. ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ﴾ [النساء: ١١٩] بَتَّكَهُ قَطَّعَهُ. [قِيلًا] [النساء: ١٢٢] وَقَوْلًا وَاحِدٌ طُبعَ خُتِمَ. [انظر: ١٨٨٤].
(ص): (﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ أفشوه). أسنده ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ أفشوه. أي: أعلنوه. وقال ابن أبي حاتم: روي عن عكرمة وعطاء وقتادة والضحاك (١)، وقيل: هم ضعفة المسلمين. وقيل: هم المنافقون.
(ص): ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾: يستخرجونه. ﴿حَسِيبًا]: كافيًا ﴿إِلَّا إِنَاثًا﴾ يعني الموات حجرًا، أو مدرًا وما أشبهه). ذكره كله ابن المنذر عن (أبي عبيد) (٢). قلت: وقال مجاهد: يعني الأوثان (٣).
قال أهل اللغة: إنما سميت إناثا؛ لأنهم سموها: اللات والعزى ومناة. وهذِه عندهم إناث.
стр. 13235
(ص): (﴿مَرِيدًا﴾: متمردًا). أي: عاتيا خبيثًا خارجا عن الطاعة ظاهر الشر.
(ص): (﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ﴾: بَتَّكَه: قطَّعه). قلت: وهي البَحِيرة الآتية في المائدة. (﴿قِيلًا﴾ وقولًا واحدٌ. ﴿طَبَعَ﴾: ختم).