وذكره ابن أبي حاتم عن عائشة وابن عباس وغيرهما (١).
وقول ابن عباس: (كنت أنا وأمي من المستضعفين). فيه دلالة أن الولد يتبع المسلم من الأبوين كان الأب والأم، وهو قول مالك في أحد قوليه. قال مطرف: والناس كلهم عليه. وإن كان مشهور قوله أن الولد يتبع الأب في الدين (٢).
وقوله: (ممن عذر الله) ظاهر في أنه لا حجر على الصبي والمرأة. (ص): (ويذكر عن ابن عباس: ﴿حَصِرَتْ﴾: ضاقت). هذا أسنده ابن أبي حاتم في "تفسيره" من حديث علي بن أبي طلحة عنه (٣). قال مجاهد: هو هلال بن عويمر الذي حصر أن يقاتل المسلمين أو يقاتل قومه (٤). (فدفع عنهم) (٥) المعنى على الدعاء، أي: أحصر الله صدورهم. قال أبو إسحاق: يجوز أن يكون خبرًا بعد خبر. وقيل: المعنى قد حصرت صدورهم ثم حذف قد. وقرأ الحسن: حَصِرَةً صدورُهم (٦).
(ص): ﴿تَلْوُوا﴾ ألسنتكم بالشهادة: يعني: وإن تلووا أو تعرضوا). فهذا أخرجه ابن المنذر من حديث علي بن أبي طلحة عنه بلفظ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ يعني: إن تلووا ألسنتكم بالشهادة أو تعرضوا عنها.
стр. 13232
(ص): (وقال غيره: المراغَم: المهاجر. راغمت: هاجرت قومي) هذا قول أبي عبيد (١).
(ص): (موقوتًا): موقتًا وقته عليهم) هو قوله أيضًا (٢).
стр. 13233
١٥ - [باب] قوله: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ الآية [النساء: ٨٨]
قَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾: بَدَّدَهُمْ. فِئَةٌ: جَمَاعَةٌ.
٤٥٨٩ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨]: رَجَعَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أُحُدٍ، وَكَانَ النَّاسُ فِيهِمْ فِرْقَتَيْنِ فَرِيقٌ يَقُولُ: اقْتُلْهُمْ، وَفَرِيقٌ يَقُولُ: لَا. فَنَزَلَتْ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] وَقَالَ: «إِنَّهَا طَيْبَةُ تَنْفِى الْخَبَثَ كَمَا تَنْفِى النَّارُ خَبَثَ الْفِضَّةِ». [انظر: ١٨٨٤ - مسلم: ١٣٨٤ - فتح: ٨/ ٢٥٦]
قَالَ ابن عَبَّاسٍ (١): ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾: بَدَّدَهُمْ. فِئَةٌ: جَمَاعَةٌ. وقال غيره: ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾: ردهم إلى حكم الكفر. وقال ابن مسعود: (ركَّسهم) (٢).
ثم ساق حديث زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ السالف في غزوة أحد، وقال هنا: فرقة تقول: اقتلهم. وفرقة تقول: لا. وقال: "تنفي الخبث" وقال هناك: "الذنوب". وفسر زيد الآية: قوم رجعوا من أحد. وقال مجاهد: قوم أسلموا ثم استأذنوا رسول الله ﷺ أن يخرجوا إلى مكة فيأخذوا بضائع لهم، فصار أصحاب رسول الله ﷺ فيهم فرقتين؛ فرقة يقولون: هم منافقون (٣). وقوم يقولون: هم مؤمنون حتى يتبين أنهم منافقون. وفي الترمذي -وقال: حسن-: آخر قرية تخرب من قرى الإسلام المدينة (٤).
стр. 13234
١٦ - [باب] ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ [النساء: ٨٣]
أَفْشَوْهُ.
﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ [النساء: ٨٣]: يَسْتَخْرِجُونَهُ. [حَسِيبًا] [النساء: ٨٦]: كَافِيًا ﴿إِلَّا إِنَاثًا﴾ [النساء: ١١٧] المَوَاتَ حَجَرًا أَوْ مَدَرًا وَمَا أَشْبَهَهُ. ﴿مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧]: مُتَمَرِّدًا. ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ﴾ [النساء: ١١٩] بَتَّكَهُ قَطَّعَهُ. [قِيلًا] [النساء: ١٢٢] وَقَوْلًا وَاحِدٌ طُبعَ خُتِمَ. [انظر: ١٨٨٤].
(ص): (﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ أفشوه). أسنده ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ أفشوه. أي: أعلنوه. وقال ابن أبي حاتم: روي عن عكرمة وعطاء وقتادة والضحاك (١)، وقيل: هم ضعفة المسلمين. وقيل: هم المنافقون.
(ص): ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾: يستخرجونه. ﴿حَسِيبًا]: كافيًا ﴿إِلَّا إِنَاثًا﴾ يعني الموات حجرًا، أو مدرًا وما أشبهه). ذكره كله ابن المنذر عن (أبي عبيد) (٢). قلت: وقال مجاهد: يعني الأوثان (٣).
قال أهل اللغة: إنما سميت إناثا؛ لأنهم سموها: اللات والعزى ومناة. وهذِه عندهم إناث.
стр. 13235
(ص): (﴿مَرِيدًا﴾: متمردًا). أي: عاتيا خبيثًا خارجا عن الطاعة ظاهر الشر.
(ص): (﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ﴾: بَتَّكَه: قطَّعه). قلت: وهي البَحِيرة الآتية في المائدة. (﴿قِيلًا﴾ وقولًا واحدٌ. ﴿طَبَعَ﴾: ختم).
стр. 13236
١٧ - [باب] قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ الآية [النساء: ٩٣]
٤٥٩٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ: آيَةٌ اخْتَلَفَ فِيهَا أَهْلُ الْكُوفَةِ، فَرَحَلْتُ فِيهَا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْهَا، فَقَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] هِيَ آخِرُ مَا نَزَلَ وَمَا نَسَخَهَا شَيْءٌ.
ذكر فيه عن سعيد بن جبير: آيَةٌ أخْتَلَفَ فِيهَا أَهْلُ الكُوفَةِ، فَرَحَلْتُ فِيهَا إِلَى ابن عَبَّاسٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْهَا، فَقَالَ: نَزَلَتْ هذِه الآيَةُ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] هِيَ آخِرُ مَا نَزَلَ، وَمَا نَسَخَهَا شَيْءٌ.
أي: من آخر ما نزل، وروي عن زيد بن ثابت: نزلت الشديدة (قبلُ) (١) -أي: الهينة- بستة أشهر ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ بعد التي في الفرقان ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠] (٢) ومعنى الآية إن جازاه بذلك.
وحكي عن ابن عباس: وليس من صدوره الوعيد رجوعه، أو إن فعله مستحلا، وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] فشرط المشيئة في الذنوب كلها قائم، ما عدا الشرك.
وقال بعض العلماء عند قراءة الآية: هذا وعيد شديد في القتل، حظر الله به الدماء، وقيل: إن آية المشيئة خبر لا يدخله النسخ، لأن
стр. 13237
إخباره صدق لا يدخله نسخ، وآية النساء: والفرقان محكمتان، وقد قال تعالى بعد ذلك: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ وقال الطبري: جزاؤه جهنم حقًّا، ولكن الله يعفو ويتفضل على من آمن، فلا يجازيه بالخلود (١)، وكانت الصحابة إذا سئلوا عنه قبل نزوله غلقوا، وإذا نزل لم يفسروه، وتلا عمر ﵁ أول حم غافر.
وذكر الواحدي عن الكلبى عن أي صالح عن ابن عباس أن مقيس بن صبابة الليثي وجد أخاه هشامًا قتيلا في بني النجار، وكان مسلمًا، فأتى مقيس رسول الله ﷺ فأخبره، فأرسل معه رسولا من بني فهر إلى بني النجار، فأمرهم إن علموا قاتله فدفعوه إلى أخيه فيقتص منه، وإن لم يعلموا قاتلا أن يدفعوا إليه الدية. قالوا: سمعًا وطاعة، والله ما نعلم له قاتلا، ولكنا نؤدي إليه ديته. فأعطوه مائة من الإبل، فوسوس إليه الشيطان قتل الفهري، فرجع إلى مكة كافرًا وأنشد شعرًا، فأنزل الله هذِه الآية ثم أهدر الشارع دمه يوم الفتح فقتل بأسياف المسلمين بالسوق (٢). وذكر مقاتل أن الفهري اسمه عمرو.
فصل:
أثر ابن عباس جاء في رواية أخرى في سورة تبارك هذِه -يعني: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ﴾ - آية مكية نسختها آية مدنية ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ (٣).
وفي أخرى: فأما من دخل في الإسلام وعقل فلا توبة له (٤).
стр. 13238
وفي أخرى: فأمرني عبد الرحمن بن أبزى أن أسأل عبد الله.
كذا وقع في مسلم (١)، ولعله -كما قال القاضي-: أمرني ابن عبد الرحمن. ولعبد الرحمن ولدان سعيد وعبد الله. قال: ولا يمتنع أن يكون عبد الرحمن أمر سعيد بن جبير يسأل ابن عباس عما يعلمه عبد الرحمن، فقد سأل ابن عباس أكبر من عبد الرحمن وأقدم صحبة، وكان عبد الرحمن بالكوفة، فرحل سعيد إلى ابن عباس كما قال له ابن أبزى (٢).
وروى النسائي عن سالم بن أبي الجعد أن ابن عباس سئل عمن قتل مؤمنًا متعمدًا، ثم تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى، فقال: وأنى له التوبة وقد سمعت نبيكم ﷺ يقول: "يجيء متعلقا بالقاتل تشخب أوداجه دمًا يقول: أي رب سل هذا فيم قتلني؟ " ثم قال عبد الله: والله لقد أنزلها الله ثم ما نسخها (٣).
وقوله: (فرحلت) هو بالحاء المهملة، وهو الصحيح كما نبه عليه النووي في نسخة ابن ماهان، فدخلت بدال ثم خاء معجمة. وله وجه بأن يكون بمعناه كدخلت بعد رحلتي (٤).
فصل:
حكئ أبو جعفر النحاس في الآية أقوالًا: أحدها: لا توبة. روي عن ابن عباس وزيد بن ثابت، قال زيد: لما نزلت آية الفرقان عجبنا للينها، فلبثنا سبعة أشهر، وقيل: ستة -حكاه الثعلبي- فنزلت آية
стр. 13239
النساء. وحكي عن ابن مسعود أيضا، وحكاه ابن أبي حاتم عن عمر وأبي هريرة وغيرهما، والآية محكمة (١).
وفي مسلم أن رجلا قال لابن عمر: ألا تسمع ما يقول الله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ الآية، فما يمنعك أن لا تقاتل كما أمر الله؟ فقال: يا ابن أخي، أغترُّ بهذِه الآية ولا أقاتل أحب إليَّ من أن أغترَّ بالآية التي يقول الله فيها: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ (٢).
ثانيها: له توبة. وبه قال جماعة منهم ابن عمر، وهو أيضا مروي عن ابن عباس وزيد بن ثابت. قال ابن عباس في السائل بالنفي، فقيل له: كنت تفتينا بالقبول. فقال: إني لأحسبه رجلا مغضبًا يريد أن يقتل مؤمنا. فوُجِدَ كما قال. وكذا وقع لسفيان (٣). أراد بالنفي تعظيم الأمر، وبالثاني ترك الناس -كما جرى لمن قتل تسعة وتسعين رجلا (٤)، وآية النساء: دخلها التخصيص، فإنه لو قتله في حال كفره ثم أسلم فلا عقوبة في الدنيا والأخرى، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ [طه: ٨٢] ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥].
وقد اختلف عن ابن عباس أيضًا، فروي عنه: آية الفرقان نزلت في أهل الشرك. وعنه: نسختها الآية التي في النساء: -كما سلف.
стр. 13240
قال ابن الحصار (١): الآيتان لم يتواردا على حكم واحد؛ لأن آية الفرقان نزلت في الكفار وآية النساء: في المؤمن، فلا تعارض، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وقال فيمن قتل عمدًا: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨] فأثبت له أخوة الإسلام. وقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ الآية [الحجرات: ٩]، وإنما لا يغفر الله لمن لا يستغفر، ولا يتوب على من لا يتوب، ولكن تكرر منه قتل المؤمنين، وقتالهم وإن كان متأولًا فهو على ذنب عظيم؛ لأنه لا ينفك عن سوء عقيدته، وقد يحمله ذلك على الاستباحة كما سلف عن ابن عمر ﵄.
قلت: وذهب كثير إلى أن آية النساء: منسوخة. فقيل: نسختها آية الفرقان. وقال أكثرهم: بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية.
وقال كثير: إنها محكمة، ثم اختلفوا في وجه إحكامها، فذهب عكرمة على حملها على الاستحلال، وخصت الآية بذلك لنزولها في رجل قتل مؤمنًا وارتد كما سلف، وغلط النحاس هذا الحمل؛ لعموم ﴿مِن﴾ وقد سلف التخصيص، وذكر الخلود لا يقتضي التأبيد؛ لأنه قد يأتي بمعنى امتداد الحين، تقول العرب: لأخلدن فلانًا في السجن. وقال القاضي إسماعيل في كتابه: هذا حكم من أحكام الآخرة ليس بالناس حاجة إلى أن يبرموا قولا غير أنا نرجو القبول من المسلم.
стр. 13241
القول الثالت: أن أمره إلى الله تاب أو لم يتب، وعليه الفقهاء أبوحنيفة وأصحابه والشافعي يقول في كثير من هذا: إلا أن يعفو الله عنه أو معناه.
رابعها: قال أبو مجلز: المعنى: جزاؤه إن جازاه (١)، وهو غلط؛ لأن الله قال: ﴿جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا﴾ [الكهف: ١٠٦] ولم يقل أحد معناه: إن جازاهم. وهو أيضا خطأ في العربية؛ لأن بعده ﴿وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ﴾، وهو قول على معنى جزاه (٢).
وعن ابن عباس -فيما ذكره الثعلبي-: لا أعلم له توبة، إلا أن (يستغفر) (٣) الله، قال السخاوي: وهو الصحيح عنه إن شاء الله، إذ أجمع المسلمون على صحة توبة قاتل العمد، وكيف لا تصح توبته، وتصح توبة الكافر والمرتد، يقتلان مؤمنًا ثم أسلما، قال عبد الله كنا معشرَ أصحاب رسول الله ﷺ لا نشك في قاتل المؤمن، وآكل مال اليتيم، وشاهد الزور، وقاطع الرحم -يعني لا نشك في الشهادة لهم بالنار- حتى نزلت ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. فأمسكنا عن
الشهادة لهم. فقول أبي هريرة وابن عمر وابن عباس في جواب السائل عن قتل العمد: هل تستطيع أن تحييه؟! على وجه التعظيم (٤).
وعند الخوارج والمعتزلة أن المؤمن إذا قتل مؤمنًا أن هذا الوعيد لاحق به، وقالت المرجئة: نزلت في كافر قتل مؤمنًا، فأما مؤمن قتل مؤمنًا لا يدخل النار؛ وقالت طائفة من أهل الحديث: نزلت في مؤمن
стр. 13242
قتل مؤمنا، والوعيد عليه ثابت إلا أن يتوب أو يستغفر، وقالت طائفة: كل مؤمن قتل مؤمنًا، فهو مخلد في النار غير مرية ويخرج منها بشفاعة الشافعين، وعندنا أن المؤمن إذا قتل مؤمنًا لا يكفر به، إلا أن يستحل. فإن افتدى ممن قتله فذلك كفارة له كما جاء في الحديث، وإن كان تائبًا من ذلك ولم يكن مقادًا من قبل كانت التوبة أيضا كفارة له، فإن خرج من الدنيا بلا توبة ولا قود، فأمره إلى الله، والعذاب قد يكون نارًا وقد يكون غيرها في الدنيا؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٤] يعني بالقتل والأسر؟!
يدل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] فخاطب القاتلين بما خاطب المصلين وقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ واقتتالهم كان على العمد لا على الخطأ، وروي أن مؤمنا قتل مؤمنًا متعمدا على عهد رسول الله ﷺ فلم يأمر القاتل بالإيمان من فعله ولو كفر لأمر به، ولا أنه حرم عليه أهله، وتعلق الخوارج والمعتزلة بالآية، وقد سلف جواب ذلك، وأنها نزلت في كافر قتل مؤمنًا متعمدًا؛ ثم لو سلم نزولها في مؤمن قتل مؤمنًا فلا يسلم أن الخلود التأبيد، بدليل قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤].
وقوله ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ وقوله: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣)﴾ [الهمزة: ٣] وإنما يعني في الدنيا. ثم الخلود معناه غير معنى التأبيد وأما الغضب فهو جزاء أيضا، وقد يرد الماضى والمراد المستقبل.
стр. 13243
١٨ - [باب] ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤]
السِّلْمُ، وَالسَّلَمُ، وَالسَّلَامُ وَاحِدٌ.
٤٥٩١ - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤]. قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ فَلَحِقَهُ الْمُسْلِمُونَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا غُنَيْمَتَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِ ﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء: ٩٤] تِلْكَ الْغُنَيْمَةُ. قَالَ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿السَّلَامَ﴾. [مسلم: ٣٠٢٥ - فتح: ٨/ ٢٥٨]
(السَّلَمُ والسَّلْمُ والسِّلْم والسَّلَام واحِد). الأولى: فتح السين واللام، والثانية: بفتح السين وإسكان اللام، والثالثة: بكسر السين وإسكان اللام، وحكي عن قراءة أبان بن يزيد عن عاصم والرابعة بلام ألف، واختارها أبو عبيد، وخالفه أهل النظر، وقالوا: السَّلَم هنا أشبه؛ لأنه بمعنى الانقياد والتسليم، كقوله تعالى: ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨].
ولا شك أن السلم بفتح اللام: الاستسلام والانقياد، والسِّلْم بإسكان اللام وفتح السين وكسرها: الإسلام والصلاة.
وقراءة ابن عباس ﴿السَّلَامِ﴾ باللام -كما سيأتي- وقد أسندها عبد بن حميد في "تفسيره" عنه، يحتمل أن يكون بمعنى السِّلم، وأن يكون بمعنى التسليم، والبخاري ذكر أن السلم والسلام واحد وكذا ما قبله.
стр. 13244
وقرأ نافع وابن عامر وحمزة (السلم) بغير ألف، والباقون بثبوتها (١)، وقوله: ﴿مُؤْمِنًا﴾ قرأ علي وابن عباس وغيرهما بفتح الميم الثانية مشددة اسم مفعول من أمنه (٢).
ثم ساق البخاري حديث ابن عباس ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ قال ابن عباس: كَانَ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ فَلَحِقَهُ المُسْلِمُونَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا غُنَيْمَتَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: ﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء: ٩٣]: تِلْكَ الغُنَيْمَةُ. قَرَأَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿السَّلَامَ﴾.
وفي لفظ: رجل من بني سليم.
وذكر الواحدي عن سعيد بن جبير أن المقداد بن الأسود خرج في سرية، فمروا برجل في غنيمة له، فأرادوا قتله فقال: لا إله إلا الله. فقتله المقداد. وعن ابن أبي حدرد: بعثنا رسول الله ﷺ إلى إضم قبل مخرجه إلى مكة، فمر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي فحيا بتحية الإسلام فنزعنا عنه، فحمل عليه محلم بن جثامة لشيء كان بينه وبينه في الجاهلية فقتله، واستلبه أي بعيره ومتاعه ووطب لبن معه، فانتهينا إلى رسول الله ﷺ فأخبرناه بخبره، فنزلت (٣).
قال السهيلي ثم مات محلم بإثر ذلك فلم تقبله الأرض مرارًا، فألقي بين جبلين. ويروى: عمدوا إلى صدفتين فسطحوه عليها ثم رضموا عليه الحجارة (٤) حتى واروه، فبلغ رسول الله ﷺ شأنه فقال: "والله إن الأرض
стр. 13245
لتطابق على من هو شر منه، ولكن الله أراد أن يعظكم في جرم ما بينكم بما أراكم منه" (١) قال: وكان أميرَ السرية أبو الدرداء. وقيل: رجل اسمه فديك (٢).
قال الواحدي: وذكر السدي أنه ﵇ بعث أسامة بن زيد على سرية، فلقي مرداس بن نهيك الضمري فقتله، وكان من أهل فدك ولم يسلم من قومه غيره، فقال له ﷺ : "هلا شققت عن قلبه" فنزلت (٣).
واعلم أن رسول الله ﷺ بعث أبا قتادة في ثمانية نفر في أول رمضان سنة ثمان إلى بطن إضم، وهي فيما بين ذي خُشب وذي المروة، وبينها وبين المديثة ثلاثة برد؛ ليظن ظان أن رسول الله ﷺ توجه تلك الناحية، ولأن تذهب بذلك الأخبار، وكان في السرية محلم بن جثامة -كما سلف- بن قيس الليثي، ثم نزلت الآية، فمضوا ولم يلقوا جمعًا، فانصرفوا حتى انتهوا إلى ذي خُشُب فبلغهم توجهه ﷺ إلى مكة فتوجهوا حتى لقوه بالسُّقيا، فلما كان يوم حنين قام إلى رسول الله ﷺ عيينة بن حصن والأقرع بن حابس يختصمان في عامر بن الأضبط؛ عيينة يطلب بدم عامر وهو سيد غطفان يومئذ، والأقرع يدفع عن محلم؛ لمكانه من خندف، فتداولا الخصومة عند رسول الله ﷺ ، فقال عيينة: والله يا رسول الله لا أدعه حتى أذيق نساءه من الحرقة ما أذاق نسائي. ورسول الله ﷺ يقول: "بل تأخذون الدية خمسين في سفرنا هذا وخمسين إذا رجعنا" وهو يأبى عليه، فلم يزل بهم حتى قبلوا الدية، ثم قال: "أين صاحيكم؟ " فقام رجل آدم ضرب طويل
стр. 13246
عليه حلة قد كان تهيأ للقتل فيها، حتى جلس بين يدي رسول الله ﷺ فقال له: "ما اسمك" قال: أنا محلم بن جثامة. فقال: "أمنته بالله ثم قتلته! اللهم لا تغفر لمحلم بن جثامة" فما مكث (إلا سبعًا) (١) حتى مات -كما سلف.
فائدة:
في هذِه الآية صحة إسلام من أظهر، وإجراؤه على أحكامهم، ومقتضاه أن من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أو: أنا مسلم، أنه يحكم له بالإسلام. وقال محمد بن الحسن في "السير الكبير": لو أن يهوديًّا أو نصرانيًّا قال: أنا مسلم لم يكن مسلمًا؛ لأنهم كلهم يقولون: نحن مسلمون ومؤمنون. ويقولون: إن ديننا هو الإيمان (٢).
قال: ولو أن رجلا من المسلمين حمل على رجل من المشركين ليقتله فقال: لا إله إلا الله. كان مسلما، ولو رجع عن هذا ضربت عنقه لأن هذا هو الدليل على الإسلام (٣). وقال اللؤلؤي -عن أبي حنيفة-: إن اليهودي والنصراني إذا تلفظ بالشهادتين، ولم يتبرأ من اليهودية والنصرانية لم يكن بذلك مسلمًا. ووجهه أن هؤلاء منهم من يقول: محمد رسول الله ولكن إليكم، ومنهم من يقول: لم يبعث بعد وسيبعث. وقال ابن عباس -فيما ذكره الثعلبي-: إن الله حرم على المؤمنين أن يقولوا لمن قال: أشهد أن لا إله إلا الله: لست مؤمنًا. كما حرم عليهم الميتة، فهو آمن على ماله ودمه فلا تردوا عليه.
стр. 13247
فائدة:
تعلق من قال: إن الإيمان هو القول بهذِه الآية، وقالوا لما قال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ فمنع قتلهم بمجرد القول، فلولا أن هذا القول لم (يبح) (١) قتلهم قيل لهم: القوم إنما شكوا في حاله هل قاله تعوذًا؟ والله لم يجعل إلى عباده غير الحكم بالظاهر، ألا ترى أن المنافقين كانوا يقولون هذا القول وليسوا بمؤمنين، فثبت أن الإيمان هو الإقرار وغيره، وأن حقيقة الصدق بالقلب كما قال: "فهلا شققت عن قلبه" وفيها رد على أصحاب القدر؛ لأنه تعالى أخبر أنه منَّ على المؤمنين من بين جميع الخلق بأن خصهم بالتوفيق؛ لأنه لو خلق الخلق كلهم للإيمان -كما زعمت القدرية- فما معنى اختصاصه بالمنة.
٤٥٩٥ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ ح. وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ، أَنَّ مِقْسَمًا مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَخْبَرَهُ ﴿لَا يَسْتَوِى الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] عَنْ بَدْرٍ وَالْخَارِجُونَ إِلَى بَدْرٍ. [انظر: ٣٩٥٤ - فتح: ٨/ ٢٦٠]
ثم ساق حديث زيد بن ثابت السالف في الجهاد. وزاد فقال: والله يا رسول الله. بزيادة القسم.
وحديث البراء: وقد سلف فيه أيضًا. وحديث مقسم أن ابن عباس أخبره: لا يستوي القاعدون من المؤمنين عن بدر، والخارجون إلى بدر، وقد سلف في غزوة بدر أيضًا.
وقوله: (أملى عليه) وقوله: (يملُّها عليَّ) بمعنًى، قيل: يُملَّ ويملِي واحد، قال تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ومعنى: (سُرِّي عنه) ارتفع عنه ما كان يجده، هو مشدد الراء (١).
وقوله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ قرئ برفع (غير)، ونصبه ويجوز بالخفض بمعنى النَّصْب وهي قراءة نافع وابن عامر والكسائي. الاستثناء وموضع الحال أي: لا يستوي القاعدون أصحاء، والحديث دال على هذِه القراءة، ومن رفع -وهي قراءة الباقين- فعلى صفة القاعدين، أي: لا يستوي القاعدون الأصحاء والقاعدون (٢)، ومن خفض فعلى الصفة للمؤمنين، أي: من المؤمنين الأصحاء، وهي قراءة شاذة (٣).
стр. 13250
فائدة:
حديث مقسم أخرجه البخاري عن إسحاق، وهو ابن منصور كما ذكره صاحبا "الأطراف" أبو مسعود وخلف، وقال أبو نعيم: ذكر أن البخاري رواه عنه أيضًا، وعند الحميدي ليس لمقسم في "الصحيح" غير هذا الحديث الواحد (١).
أخرى:
روى نحو حديث زيد والبراء الفلتانُ بن عاصم: كنا مع رسول الله ﷺ وأنزل عليه الوحي فقال للكاتب: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ فقام الأعمى فقال .. الحديث (٢).
ذكره إسماعيل، وقال مقاتل: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَر﴾ الآية تعني عبد الله بن جحش وابن أم مكتوم أهل العذر (٣). وفي ذكره الأول نظر، والمعذور أخوه أبو أحمد (٤).
وذكر الثعلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس أنه ابن جحش وليس بالأسدي. كان أعمى، وأنه جاء هو وابن أم مكتوم، فجعل لهما من الأجر ما للمجاهدين لزمانتهما.
وعن ابن أي ليلى: لما نزلت ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ قال ابن أم مكتوم: اللهم أنزل عذري، فنزلت ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ فوضعت بينهما.
стр. 13251
فكان بعد ذلك يغزو ويقول: ادفعوا إليَّ اللواء وأقيموني بين الصفين فإني لا أستطيع أن أفر (١).
فائدة:
اقتضت الآية فضل المجاهدين على أولي الضرر بدرجة، وعلى القاعدين غير أولى الضرر بدرجات.
قال أبو إسحاق: وكان يقال: الإيمان درجة، والهجرة في سبيل الله درجة، والجهاد في الهجرة درجة، والقتل في الجهاد درجة. وقال ابن محيريز في هذِه الآية: هو سبعون درجة ما بين كل درجتين عدو الفرس الجواد المضمَّر سبعين خريفًا (٢).
فائدة:
قوله: ﴿الْقَاعِدُونَ﴾ إلى آخره ليس بمانع أن يكون في غيره؛ لأن القرآن ينزل في الشيء ويحتمل على ما في معناه، وقد أسلفنا أن ابن أم مكتوم كان يخرج في الجهاد؛ لقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١].
فائدة:
اختلف أهل العلم: أي الجهاد أفضل، المتطوعة أم أهل الديوان؟ فذهب الجمهور -كما قال ابن النقيب- إلى الأول، ووجه الثاني أنهم مملكون بالعطاء ينصرفون إلى الثغور بالأوامر.
فائدة:
تعلق بهذِه الآية من قال: الغنى أفضل من الفقر؛ لقوله: ﴿بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾.
الأسود فذكره (١)، ورواية الليث ذكرها الإسماعيلي من حديث أبي صالح، قال: حدثني الليث عن أبي الأسود.
قال الواحدي: نزلت في ناس من أهل مكة تكلموا بالإسلام ولم يهاجروا، وأظهروا الإيمان وأسروا النفاق، فلما كان يوم بدر خرجوا مع المشركين إلى حرب المسلمين فقتلوا، وضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم. وروى [أشعث] (٢) بن سوار، عن عكرمة، عن ابن عباس في هذِه الآية قال: كان قوم من المسلمين بمكة فخرجوا في قوم من المشركين إلى قتال فقتلوا معهم، فنزلت هذِه الآية (٣).
وقال مقاتل: كانوا نفرا أسلموا بمكة منهم الوليد بن الوليد بن المغيرة، وقيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، والوليد بن عتبة بن زمعة، وعمرو بن أمية بن عبد شمس، والعلاء بن أمية بن خلف، ثم إنهم أقاموا عن الهجرة وخرجوا مع المشركين إلى بدر، فلما رأوا قلة المسلمين شكوا في رسول الله ﷺ ، (فقال) (٤): غر هؤلاء دينهم وكان بعضهم نافق بمكة، فلما قتلوا ببدر قالت لهم الملائكة. وهو ملك الموت وحده: فيم كنتم؟ يقول: في أي شيء كنتم؟ قالوا: كنا مستضعفين في الأرض يعني: كنا مقهورين، لا نطيق أن نظهر الإيمان، فقال ملك الموت: ألم تكن
стр. 13254
أرض الله واسعة يعني: المدينة فتهاجروا فيها يعني: إليها (١). زاد ابن إسحاق فيهم الحارث بن زمعة بن الأسود، والعاصي بن منبه بن الحجاج (٢).
وروى ابن المنذر في "تفسيره" من حديث محمد بن شريك، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس: كان قوم من أهل مكة قد أسلموا وكانوا يخفون الإسلام، فأخرجهم المشركون معهم يوم بدر، فأصيب بعضهم فقال المسلمون: قد كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا فاستغفروا لهم، فنزلت فكتب إلى من بقي من المسلمين بمكة بهذِه الآية وأنه لا عذر لهم، فخرجوا فلحقهم المشركون فأعطوهم الفتنة ونزلت فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ﴾ (٣) الآية [العنكبوت: ١٠] فكتب إليهم المسلمون بذلك فحزنوا، ثم نزل فيهم ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ [النحل: ١١٠]. فكتبوا إليهم بذلك ففرحوا فأدركهم المشركون فقاتلوهم، فنجا من نجا، وقتل من قتل (٤).
فائدة:
التوفي هنا: قبض الروح خلافًا للحسن، حيث قال: هو الحشر إلى النار (٥). و ﴿تَوَفَّتْهُمُ﴾ إن شئت جعلته ماضيًا فيكون في موضع نصب،
стр. 13255
أو رفعًا على الاستقبال والمعنى تتوفاهم. الملائكة ملك الموت -كما سلف- وأعوانه، وهم ستة: ثلاثة لأرواح المؤمنين، وثلاثة لأرواح الكافرين. و ﴿ظَالِمِي﴾ نصب على الحال، وظلم النفس هنا: تركهم الهجرة وخروجهم مع قوم إلى بدر، ورجوعهم إلى الكفر، وقيل: بالشك الذي حصل في قلوبهم حين رأوا قلة المسلمين.
﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾: سؤال توبيخ وتقريع، أي: أكنتم في أصحاب محمد أم مشركين؟
وعن سعيد بن جبير في قوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً﴾ قال: إذا عمل بالمعاصي في أرض فاخرج منها (١).
وقال الحسن: قال رسول الله ﷺ : "من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرًا من الأرض استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد ﷺ " (٢).
стр. 13256
٢١ - [باب] قوله: ﴿إِلَّا [الْمُسْتَضْعَفِينَ] (١) مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨)﴾ (الآية) (٢) [النساء: ٩٨]
٤٥٩٧ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ [النساء: ٩٨] قَالَ كَانَتْ أُمِّي مِمَّنْ عَذَرَ اللهُ. [انظر: ١٣٥٧ - فتح: ٨/ ٢٦٣]
ثم ساق حديث ابن عباس السالف قريبًا، ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ كانت أمي ممن عذر الله.
стр. 13257
٢٢ - [باب] قوله: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ [النساء: ٩٩]
٤٥٩٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الْعِشَاءَ إِذْ قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». ثُمَّ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ: «اللَّهُمَّ نَجِّ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ نَجِّ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ نَجِّ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، اللَّهُمَّ نَجِّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ». [انظر: ٨٠٤ - مسلم: ٦٧٥ - فتح: ٢٦٤].
كذا وقع في الأصول، ووقع في رواية الشيخ أبي الحسن: (فعسى الله أن يعفو عنهم) والتلاوة: ﴿عَسَى اَللَّهُ﴾ وكذا عند أبي ذر وغيره كما أسلفناه. وإذا أخبر الله أن يترجى شيء فهو واجب كذلك النطق به. وقال مجاهد -فيما حكاه الجُوزي- في قوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ هم قوم أسلموا وثبتوا على الإسلام، ولم يكن لهم عجلة في الهجرة فعذرهم الله بقوله: ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾.
ثم ساق البخاري حديث أبي هريرة ﵁ في الدعاء على أولئك النفر.
وقد سلف في أول الاستسقاء وفيه الدعاء في الصلاة بما ليس في القرآن خلافًا لأبي حنيفة (١).
стр. 13258
٢٣ - [باب] قوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾ الآية [النساء: ١٠٢]
٤٥٩٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يَعْلَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ [النساء: ١٠٢] قَالَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفِ كَانَ جَرِيحًا. [فتح: ٨/ ٢٦٤]
ثم ساق عن يعلى -وهو ابن مسلم- عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄: ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ [النساء:١٠٢] قَالَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفِ كَانَ جَرِيحًا.
رخص لهم في وضع السلاح بسبب ما يثقل عنهم حملها بسبب ما ذكر من المطر والضعف، وأمرهم بأخذ الحذر مع ذلك خشية الغفلة فيهجم عليهم.
٢٥ - [باب] قوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ الآية [النساء: ١٢٨]
وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿شِقَاقَ﴾ [النساء: ٣٥]: تَفَاسُدٌ. ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨]: هَوَاهُ فِي الشَّيْءِ يَحْرِصُ عَلَيْهِ ﴿كَاَلمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩]: لَا هِيَ أَيِّمٌ وَلَا ذَاتُ زَوْجٍ. ﴿نُشُوزًا﴾ [النساء: ١٢٨]: بُغْضًا.
٤٦٠١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨]. قَالَتِ: الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ الْمَرْأَةُ لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنْهَا، يُرِيدُ أَنْ يُفَارِقَهَا، فَتَقُولُ: أَجْعَلُكَ مِنْ شَأْنِي فِي حِلٍّ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي ذَلِكَ. [انظر: ٢٤٥٠ - مسلم: ٣٠٢١ - فتح: ٨/ ٢٦٥]
(وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿شِقَاقَ﴾: تَفَاسُدٌ: ﴿الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾: هَوَاهُ فِي الشَّيْءِ يَحْرِصُ عَلَيْهِ، ﴿كَاَلمُعَلَّقَةِ﴾: لَا هِيَ أَيِّمٌ وَلَا ذَاتُ زَوْجٍ، ﴿نُشُوزًا﴾: بُغْضًا).
أخرج ذلك ابن أبي حاتم بإسناده إليه.
وقيل: الشقاق: العداوة، وحقيقته أن كلًّا من المتعاديين في شق خلاف شق صاحبه.
واختلف في معنى: ﴿خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: ٣٥] فقال أبو عبيدة: أيقنتم. وخطأه الزجاج وقال: لو أيقنَّا لم نحتج إلى الحكمين. و ﴿خِفْتُمْ﴾ على بابها.
стр. 13261
وقال عطاء في ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء:١٢٨]: يعني: الشح في الأيام أو في النفقة، أي أن المرأة تشح بالنفقة على ضرائرها وأبنائهن (١). وقال سعيد بن جبير: هذا في المرأة تشح بالمال والنفس (٢). وتفسيره المعلق بما نقله ذكره الحسن أيضًا. وقال قتادة: كالمسجونة (٣)، والبغض في النشوز هو بسبب إساءة عشرتها ومنعها نفقته ونفسه.
ثم ذكر حديث عائشة ﵂ في تفسير النشوز، وقد سلف في المظالم. وتفسير عائشة للآية قال ابن المسيب وسليمان بن يسار: نزلت في رافع بن خديج طلق امرأته تطليقة وتزوج شابة، فلما قاربت انقضاء العدة قالت: أنا أصالحك على بعض الأيام. فراجعها، ثم لم تصبر فطلقها، ثم سألت ذلك فراجعها، فنزلت (٤). وسلف نحوه هناك من رواية الشافعي. وقال علي: هي المرأة تكون عند الرجل وهي دميمة أو عجوز تكره مفارقته فيصطلحان على أن يجيئها كل ثلاثة أيام أو أربعة (٥)، وقد بسطنا ذلك بأكثر من هذا هناك، فراجعه.
الشرح:
ما ذكره في تفسير الدرك الأسفل هو كذلك. أي: أسفل درج جهنم. وعبارة مقاتل تعني: الهاوية. قال ناس لرسول الله ﷺ : قد كان فلان وفلان منافقين فتابوا منه، فكيف يفعل الله بهم؟ فنزلت: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ قال ابن مسعود: يجعلون في توابيت من حديد تغلق عليهم -وروي: من نار- ثم تطبق عليهم (١)، والأدراك لغة: المنازل والطبقات، والدرك بفتح الراء وإسكانها لغتان. وقرأ حمزة بالسكون (٢)، واختار الزجاج الفتح، قال: وعليه اقتصر المحدثون، والدركات للنار، والدرجات للجنة. والنار سبعة أطباق طبق فوق طبق، سميت بذلك لتداركها وتتابع بعضها فوق بعض، وعذبوا أشد من عذاب الكافرين لاستهزائهم ومداجاتهم.
وقوله: (سَرَبًا) أي: في الأرض، له مخلص إلى مكان. النفاق هو إظهار خلاف ما يبطن، مأخوذ من النافقاء وهو موضع اليربوع، فإذا طلب (منه) (٣) خرج من النافقاء. شبه المنافق به لخروجه من الإيمان.
ومقصود حذيفة أن جماعة من المنافقين صلحوا واستقاموا فكانوا خيرًا من أولئك التابعين لمكان الصحبة والصلاح كمجمع ويزيد ابني جارية بن عامر؛ كانوا منافقين فصلحت حالهما واستقامت، وكأنه أشار بالحديث إلى تقلب القلوب، نبه عليه ابن الجوزي. وقال ابن التين: كأن حذيفة حذرهم أن ينزع منهم الإيمان؛ لأن الأعمال بالخواتيم.
стр. 13264
وتبسم عبد الله يحتمل أن يكون عجب لحذيفة وما قام به من القول بالحق وما حذر منه.
وقوله: (كانوا خيرًا منكم ثم تابوا) يعني أنهم لما تابوا كانوا خيرًا من هؤلاء وإن كانوا من أفاضل طبقتهم؛ لأن أولئك فضلتهم الصحبة كما سلف.
خاتمة:
أشد الناس عذابًا يوم القيامة ثلاثة: المنافق لهذِه الآية، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون، قال تعالى: ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥]. وقال: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] روي ذلك عن عبد الله بن عمرو. وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يقل: فأولئك هم (المؤمنين) (١) حاد عن كلامهم غيظًا لهم.
стр. 13265
٢٧ - [باب] قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [النساء: ١٦٣].
٤٦٠٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى». [انظر: ٣٤١٢ - فتح: ٨/ ٢٦٧]
٤٦٠٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنَا هِلَالٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ». [انظر: ٣٤١٥ - مسلم: ٢٣٧٦ - فتح: ٨/ ٢٦٧]
هدا متصل بقوله: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [النساء: ١٥٣] فأعلم الله أن أمره كأمر النبيين الذين قبله يوحى إليه كما يوحى إليهم.
ثم ذكر حديث أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى".
وحديث أبي هريرة ﵁: عَنِ النَّبِي ﷺ قالَ: "مَن قَالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَقَدْ كذَبَ.
سلفا في مناقب يونس مع الجواب عنه، وقال الداودي: يريد: لا يقول أحد ذلك، فلو أراد النبي ﷺ لكان نهيه قبل أن يعلم أنه خير البشر، فيقول: كذب من قال ما لم يعلم.
стр. 13266
٢٨ - [باب] قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء:١٧٦]
وَالْكَلَالَةُ: مَنْ لَمْ يَرِثْهُ أَبٌ أَوِ ابن، وَهْوَ مَصْدَرٌ مِنْ تَكَلَّلَهُ النَّسَبُ.
٤٦٠٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، سَمِعْتُ الْبَرَاءَ ﵁ قَالَ: آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَرَاءَةَ، وَآخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ [انظر: ٤٣٦٤ - مسلم: ١٦١٨ - فتح: ٨/ ٢٦٧]
ثم أسند عن البراء قال: آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَرَاءَةَ، وَآخِرُ اَيَةٍ نَزَلَتْ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾.
الشرح:
أثر البراء سلف في المغازي ويأتي في سورة براءة (١)، وأخرجه في الفرائض أيضا (٢). وظاهر ما ذكره في الكلالة أنه جعلها مصدرًا لمن لم يرثه أب أو ابن، وقد روي عن علي وزيد وابن مسعود وابن عباس أنهم قالوا: إنها من لا ولد له ولا والد (٣)، وهو قول البصريين، قالوا: هو مثل قوله: رجل عقيم إذا لم يولد له، مأخوذ من الإكليل، كأن الورثة أحاطوا به، وليس له أب ولا ابن، وقيل: مِن كَلَّ يَكِلُّ، يقال: كلَّت
стр. 13267
الرحم إذا تباعدت، وطال انتسابها، منه: كل في مشيه إذا انقطع لبعد المسافة، وقيل: إنها الورثة، فقيل: هم من سوى الولد، وقيل: والوالد، قاله أهل المدينة والكوفة. وقيل: هم الإخوة للأم، وقيل: الإخوة من كانوا، وقيل: هم من سوى الولد وولد الولد.-ذكره الداودي- وقيل: إنها المال. قاله عطاء. وقيل: الفريضة. وقيل: المال والورثة، وقال ابن دريد: هم بنو العم ومن أشبهه. وقيل: هم العصبات كلهم وإن بعدوا، وقيل: هو مصدر كما في البخاري ليس للورثة ولا للمال، قيل: مثل قولهم: قتل فلان صبرًا وأدخل كرهًا.
ووقف عمر ﵁ فيها عند سؤاله؛ وقال لابن عباس: احفظ عني ثلاثًا: أني لم أقل في الكلالة ولا الجد شيئًا ولم [أستخلف] (١) أحدًا (٢). وقيل: الكلالة الميت والحي إذا لم يكن ولد ولا ولد ولد له هذا يرث بالكلالة وهذا يورث بها. قيل: وعلى قول من قال: إن بها من لا ولد له يرث الإخوة مع الأب، وهو قول شاذ. وقيل: هذِه الآية في الأخت من الأب والتي قبلها من الإخوة للأم، قال الداودي: وفي الآية دليل أن الأخت ترث مع البنت خلافًا لابن عباس القائل: إنما ترث الأخت إذا لم يكن بنت، واحتج بهذِه الآية، قال: ويدل على إرثها معها قوله: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ فلو كان كما قال ابن عباس لم يرث الأخ مع البنت ولا مع البنات، وهذا لا يقوله أحد، وقد ورث الشارع البنت النصف، وبنت الابن السدس، وللأخت ما بقي.
стр. 13268
وروي أن جابر بن عبد الله قال لرسول الله ﷺ في طريق مكة عام حجة الوداع: إن لي أختًا، فما آخذ من ميراثها؟ فنزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ الآية. وقيل: إنها من آخر ما أنزل من الأحكام رواه أبو داود (١).
وفي النسائي عن جابر قال: اشتكيت فدخل علي رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، أوصي لأخواتي بالثلثين؟ قال: "أحسِن" قلت: الشطر؟ قال: "أحسِن" ثم خرج وتركني ثم دخل علي فقال: "لا أراك تموت من وجعك هذا، إن الله أنزل وبين ما لأخواتك وهو الثلثان" فكان جابر يقول: نزلت هذِه الآية فيَّ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ (٢).
ولعبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين: نزلت ورسول الله ﷺ في مسيرٍ له وإلى جانبه حذيفة فبلغها رسول الله حذيفة فبلغها حذيفة لعمر، فلما استخلف عمر سأل حذيفة عنها رجاء أن يكون عنده تفسيرها، فقال له حذيفة: أن ظننت أن إمارتك تحملني أن أحدثك فيها ما لم أحدثك، قال عمر: لم أرد هذا رحمك الله (٣).
وروى أبو محمد إسحاق بن إبراهيم البستي من حديث طاوس: أن عمر أمر حفصة أن تسأل رسول الله ﷺ عن الكلالة، فسألته، فقال: "أو لم تكفه آيه الصيف" قال سفيان: أي: ﴿وَإِن كاَنَ رَجُلٌ يُورَث كَلَالَهً﴾ قال: فأتت بها عمر، فقرأها، فلما بلغ ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ طرح الكتف من يده، وقال: اللهم من بينت له، فلم تبين لي (٤)،
стр. 13269
وقيل: إن السائل عن هذا هو عمر. حكاه المنذري، وفي أبي داود، قيل لأبي إسحاق السبيعي: آية الصيف هي من مات ولم يدع ولدًا ولا والدًا؟ قال: كذلك ظنوا أنه كذلك (١)، وكان الصديق يرى أن الكلالة ما عدا الوالد والولد، وعمر يرى ما عدا الولد؛ فلما طعن عمر قال: إني لأستحيي أن أخالف أبا بكر، فرجع إلى قوله (٢)، وقيل: إن آخر كلام عمر أنها من لا ولد له ووافق الصديق ابن عباس وباقي الصحابة.