٢٨ - [باب] قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء:١٧٦]
وَالْكَلَالَةُ: مَنْ لَمْ يَرِثْهُ أَبٌ أَوِ ابن، وَهْوَ مَصْدَرٌ مِنْ تَكَلَّلَهُ النَّسَبُ.
٤٦٠٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، سَمِعْتُ الْبَرَاءَ ﵁ قَالَ: آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَرَاءَةَ، وَآخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ [انظر: ٤٣٦٤ - مسلم: ١٦١٨ - فتح: ٨/ ٢٦٧]
ثم أسند عن البراء قال: آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَرَاءَةَ، وَآخِرُ اَيَةٍ نَزَلَتْ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾.
الشرح:
أثر البراء سلف في المغازي ويأتي في سورة براءة (١)، وأخرجه في الفرائض أيضا (٢). وظاهر ما ذكره في الكلالة أنه جعلها مصدرًا لمن لم يرثه أب أو ابن، وقد روي عن علي وزيد وابن مسعود وابن عباس أنهم قالوا: إنها من لا ولد له ولا والد (٣)، وهو قول البصريين، قالوا: هو مثل قوله: رجل عقيم إذا لم يولد له، مأخوذ من الإكليل، كأن الورثة أحاطوا به، وليس له أب ولا ابن، وقيل: مِن كَلَّ يَكِلُّ، يقال: كلَّت
стр. 13267
الرحم إذا تباعدت، وطال انتسابها، منه: كل في مشيه إذا انقطع لبعد المسافة، وقيل: إنها الورثة، فقيل: هم من سوى الولد، وقيل: والوالد، قاله أهل المدينة والكوفة. وقيل: هم الإخوة للأم، وقيل: الإخوة من كانوا، وقيل: هم من سوى الولد وولد الولد.-ذكره الداودي- وقيل: إنها المال. قاله عطاء. وقيل: الفريضة. وقيل: المال والورثة، وقال ابن دريد: هم بنو العم ومن أشبهه. وقيل: هم العصبات كلهم وإن بعدوا، وقيل: هو مصدر كما في البخاري ليس للورثة ولا للمال، قيل: مثل قولهم: قتل فلان صبرًا وأدخل كرهًا.
ووقف عمر ﵁ فيها عند سؤاله؛ وقال لابن عباس: احفظ عني ثلاثًا: أني لم أقل في الكلالة ولا الجد شيئًا ولم [أستخلف] (١) أحدًا (٢). وقيل: الكلالة الميت والحي إذا لم يكن ولد ولا ولد ولد له هذا يرث بالكلالة وهذا يورث بها. قيل: وعلى قول من قال: إن بها من لا ولد له يرث الإخوة مع الأب، وهو قول شاذ. وقيل: هذِه الآية في الأخت من الأب والتي قبلها من الإخوة للأم، قال الداودي: وفي الآية دليل أن الأخت ترث مع البنت خلافًا لابن عباس القائل: إنما ترث الأخت إذا لم يكن بنت، واحتج بهذِه الآية، قال: ويدل على إرثها معها قوله: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ فلو كان كما قال ابن عباس لم يرث الأخ مع البنت ولا مع البنات، وهذا لا يقوله أحد، وقد ورث الشارع البنت النصف، وبنت الابن السدس، وللأخت ما بقي.
стр. 13268
وروي أن جابر بن عبد الله قال لرسول الله ﷺ في طريق مكة عام حجة الوداع: إن لي أختًا، فما آخذ من ميراثها؟ فنزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ الآية. وقيل: إنها من آخر ما أنزل من الأحكام رواه أبو داود (١).
وفي النسائي عن جابر قال: اشتكيت فدخل علي رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، أوصي لأخواتي بالثلثين؟ قال: "أحسِن" قلت: الشطر؟ قال: "أحسِن" ثم خرج وتركني ثم دخل علي فقال: "لا أراك تموت من وجعك هذا، إن الله أنزل وبين ما لأخواتك وهو الثلثان" فكان جابر يقول: نزلت هذِه الآية فيَّ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ (٢).
ولعبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين: نزلت ورسول الله ﷺ في مسيرٍ له وإلى جانبه حذيفة فبلغها رسول الله حذيفة فبلغها حذيفة لعمر، فلما استخلف عمر سأل حذيفة عنها رجاء أن يكون عنده تفسيرها، فقال له حذيفة: أن ظننت أن إمارتك تحملني أن أحدثك فيها ما لم أحدثك، قال عمر: لم أرد هذا رحمك الله (٣).
وروى أبو محمد إسحاق بن إبراهيم البستي من حديث طاوس: أن عمر أمر حفصة أن تسأل رسول الله ﷺ عن الكلالة، فسألته، فقال: "أو لم تكفه آيه الصيف" قال سفيان: أي: ﴿وَإِن كاَنَ رَجُلٌ يُورَث كَلَالَهً﴾ قال: فأتت بها عمر، فقرأها، فلما بلغ ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ طرح الكتف من يده، وقال: اللهم من بينت له، فلم تبين لي (٤)،
стр. 13269
وقيل: إن السائل عن هذا هو عمر. حكاه المنذري، وفي أبي داود، قيل لأبي إسحاق السبيعي: آية الصيف هي من مات ولم يدع ولدًا ولا والدًا؟ قال: كذلك ظنوا أنه كذلك (١)، وكان الصديق يرى أن الكلالة ما عدا الوالد والولد، وعمر يرى ما عدا الولد؛ فلما طعن عمر قال: إني لأستحيي أن أخالف أبا بكر، فرجع إلى قوله (٢)، وقيل: إن آخر كلام عمر أنها من لا ولد له ووافق الصديق ابن عباس وباقي الصحابة.
١ - باب ﴿حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١]
وَاحِدُهَا حَرَامٌ. ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ [المائدة: ١٣] بِنَقْضِهِمْ ﴿الَّتِي كَتَبَ اللهُ﴾ [المائدة: ٢١] جَعَلَ اللهُ ﴿تَبُوءَ﴾ [المائدة: ٢٩] تَحْمِلُ ﴿دَائِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢] دَوْلَةٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ الإِغْرَاءُ التَّسْلِيطُ ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥] مُهُورَهُنَّ. قَالَ سُفْيَانُ مَا فِي القُرْآنِ آيَة أَشَدُّ عَلَيَّ مِنْ ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨] مَخْمَصَة: مَجَاعَةٌ. ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ [المائدة: ٣٢] يَعْنِي مَنْ حَرَّمَ قَتْلهَا إلَّا بِحَقٍّ حَيِيَ النَّاسُ مِنْهُ جَمِيعًا. ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ [المائدة: ٤٨]: سَبِيلا وَسُنَّةً المُهَيْمِنُ الأَمِينُ، القُرْآنُ أَمِينٌ عَلَى كُلِّ كِتَابٍ قَبْلَهُ. [فتح: ٨/ ٢٦٨].
هي مدنية. قال مقاتل: نزلت نهارًا (١)، وقال غيره: ونزلت بعدها التوبة. وقال السخاوي. هي في الإنزال بعد براءة عند أكثر العلماء. قال: وذهب إلى أنه ليس فيها منسوخ؛ لتأخرها. وقال آخرون: فيها عشرة مواضع منسوخة، وقال بعضهم فيما حكاه الناس فيها آيه واحدة منسوخة، ثم ذكر ستة لتكملة سبعة (٢).
قلت: ونزلت ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ بعرفة، وآية التيمم نزلت بالأبواء. ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] نزلت بذات الرقاع و ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ إلى قوله: ﴿مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٢ - ٨٣] قيل: نزلت قبل الهجرة ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾
стр. 13272
[المائدة: ١١] قيل نزلت بنخلة في الغزوة السابعة. وقيل: بالمدينة في شأن كعب بن الأشرف. ذكره صاحب "مقامات التنزيل" (١).
وذكر أبو عبيد، عن محمد بن كعب القرظي: أن هذِه السورة نزلت في حجة الوداع فيما بين مكة والمديثة وهو على ناقته، فأندر كتفها فنزل عنها (٢).
وعند الثعلبي: قرأها ﵇ في خطبته يوم حجة الوداع قال: "يا أيها الناس، إن سورة المائدة من آخر القرآن نزولا فأحلوا حلالها وحرموا حرامها" (٣).
(ص): ﴿حُرُمٌ﴾ واحدها حرام)، أي: وأنتم محرمون لئلا يحرج عليكم.
(ص): ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ﴾ وهو من استهلال الصبي، واستهل المطر: خرج من السحاب، وأهل بالحج: تكلم به وأظهره، واستهللنا وأهللنا الهلال، كل هذا من الظهور بعضه من بعض.
стр. 13273
هذا الحديث في بعض النسخ وجزم في "الكشاف" بأن المراد -أيضا- رفع الصوت لغير الله، وهو قولهم: باسم اللات والعزى عند الذبح (١).
(ص): (﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ فبنقضهم)، يريد أن (ما) زائدة، مثل قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾، ودخلت (فبما) للمصدر، وكذا كل ما أشبهه، وهذا أسنده ابن المنذر عن قتادة، قال -أعني قتادة-: نقضوه من وجوه كذبوا الرسل الذين جاءوا بعد موسى وقتلوا أنبياء الله، ونبذوا كتابه وضيعوا فرائضه (٢).
(ص): (وقال غيره: الإغراء: التسليط) لعله: يعني بالغير غير من فسر ما قبله، وقد نقلناه عن قتادة.
وقال في "الكشاف" فأغرينا ألصقنا وألزمنا. مِنْ غرى بالشئ إذا ألزمه ولصق به. وأغراه به غيرُه. ومنه الغِراء الذي يلصق به (٣).
(ص): (﴿الَّتِي كَتَبَ اللهُ﴾ جعل الله)، عبارة "الكشاف" قسمها وسماها، أو خط في اللوح المحفوظ أنها لكم (٤). و ﴿الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ بيت المقدس أو أريحاء أو فلسطين أو دمشق والشام، وكان إبراهيم صعد جبل لبنان فقيل له: انظر، فما نظره بصرك فهو مقدس وميراث لذريتك من بعدك.
كل هذا أسنده ابن المنذر عن مجاهد.
стр. 13274
(ص): (﴿دَائِرَةٌ﴾ دولة) رواه ابن أبي حاتم عن السدي (١). (ص): (وقال سفيان ما في القرآن آيه أشد عليّ من ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ عُثِر: ظهر. الأوليان: واحدهما أولى، ومنه أولى به: أحق به. (طعامهم) ذبائحهم، هذا ثابت في بعض النسخ.
(ص): (﴿أُجُورَهُنَّ﴾: مهورهن)، أسنده ابن المنذر عن ابن عباس (٢).
(ص): (المهيمن: الأمين، القرآن أمين على كل كتاب قبله) عزاه في فضائل القرآن إلى ابن عباس، وأسنده ابن أبي حاتم من حديث علي بن أبي طلحة عنه (٣)، وأصله كما قال الخطابي مؤيمن فقلبت الهمزة هاء (٤)، لأنها أخف، وهو على وزن: مُسيطر -أي: الشاهد على خلقه لما يكون منهم قولا وفعلا. قال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ الآية [يونس: ٦١]، وقيل: إنه الرقيب على الشيء والحافظ له. وقال بعض أهل اللغة: الهيمنة: القيام على الشيء والرعاية له. وقال الأزهري: هو من صفات الله، أي: الشهيد الشاهد، والرقيب والحفيظ، وقيل غير ذلك (٥).
(ص): (﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ من حرم قتلها إلا بحق حيي الناس منه جميعًا ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾: سبيلا وسنة). هذا ثابت في بعض النسخ. وقال ابن عباس: ﴿مَخْمَصَةٍ﴾: مجاعة، هذا أسنده ابن أبي حاتم عنه (٦).
الْمَاءُ فَلَمْ يُوجَدْ، فَنَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] الآيَةَ. فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْر: لَقَدْ بَارَكَ اللهُ لِلنَّاسِ فِيكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ، مَا أَنْتُمْ إِلاَّ بَرَكَةٌ لَهُمْ. [انظر: ٣٣٤ - مسلم: ٣٦٧ - فتح: ٨/ ٢٧٢]
﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]: تَعَمَّدُوا. ﴿ءَآمِّينَ﴾ [المائدة: ٢]: عَامِدِينَ. أَمَّمْتُ وَتيَمَّمْتُ وَاحِدٌ.
روى ابن المنذر عن سفيان بإسناده: تيمموا: تعمدوا (١). وهو القصد.
(ص): (وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: لَمَسْتُمْ وَتَمَسُوهُنَّ ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء:٢٣] والإِفْضَاءُ: النِّكَاحُ).
وهذا أسنده ابن المنذر عن عكرمة عنه قال: الملامسة والمباشرة، والإفضاء والرفث والجماع نكاح ولكن الله يكني، وعن سعيد بن جبير، عنه: إن اللمس والمس والمباشرة: الجماع (٢).
وقال ابن أبي حاتم في "تفسيره": روي عن علي وأُبيّ ومجاهد وجماعات عددهم نحو هذا (٣).
ثم ساق حديث عائشة في العقد والتيمم سلف في التيمم وهناك أخرجه عن عبد الله بن يوسف، أنا مالك، وهنا عن إسماعيل ثنا مالك.
ثم ساقه بطوله سواء.
ثم ذكر حديثها أيضا مختصرا نحوه.
стр. 13278
والبيداء المذكورة في الحديث: المفازة، ولم تذكر عائشة فيه أنه ﵇ قام إلى الصلاة تلك الليلة، فيحتمل أن يكونوا نزلوا ليلا فصلى ثم نام. وقال الداودي: البيداء: ذو الحليفة، وكان ﵇ إذا قفل عرَّس فبات بها حتى يصبح، وفعله أيضا ابن عمر (١).
وظاهر هذا الحديث الذي هنا في آية التيمم أنها نزلت قبل صلاتهم ونص هنا أنه بعث ناسًا في طلب القلادة فحضرت الصلاة وليسوا على وضوء، ولم يجدوا ماء، فصلوا وهم على غير وضوء فنزلت.
стр. 13279
٤ - باب قَوْلِهِ: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]
٤٦٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ مُخَارِقٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: شَهِدْتُ مِنَ الْمِقْدَادِ ح. وَحَدَّثَنِي حَمْدَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا الأَشْجَعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُخَارِقٍ، عَنْ طَارِقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ الْمِقْدَادُ يَوْمَ بَدْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] وَلَكِنِ امْضِ وَنَحْنُ مَعَكَ. فَكَأَنَّهُ سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وَرَوَاهُ وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُخَارِقٍ، عَنْ طَارِقٍ: أَنَّ الْمِقْدَادَ قَالَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ . [انظر: ٣٩٥٢ - فتح ١٨/ ٢٧٣]
ساق فيه عن المقداد بن الأسود أنه قال يَوْمَ بَدْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَا نَقُولُ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] ولكن امْضِ وَنَحْنُ مَعَكَ. فَكَأَنَهُ سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . سلف في غزوة بدر.
ثم قال البخاري: وَرَوَاهُ وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُخَارِقٍ، عَنْ طَارِقٍ أَنَّ المِقْدَادَ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ .
وهذا أخرجه الدارقطني من حديث سفيان بن وكيع بن الجراح، عن أبيه، والحديث سلف في غزاة بدر في باب (١) عن أبي نعيم كما ساقه هنا، وزاد هنا طريقة شيخه حمدان بن عمر، وهو لقب واسمه أحمد
стр. 13280
أبو جعفر الحميري البغدادي البزار، انفرد به البخاري (١)، عن الخمسة، روى عنه هذا الحديث الواحد، ومات سنة ثمان وخمسين ومائتين بعد البخاري (٢)، وروى ابن أبي حاتم عن علي بن طلحة، عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزل موسى وقومه إلى الأرض المقدسة، وجدوا فيها مدينة فيها قوم جبارون، خلقهم خلق منكر. قيل: هي يريحا -قال أبو عبيد: ويقال لها أيضا: أريح (٣) - فبعث اثني عشر رجلا وهم النقباء الذين ذكرهم الله ليأتوا بخبرهم، فلقيهم رجل من الجبارين فجعلهم في كسائه وحملهم حتى أتى بهم المدينة، ونادى في قومه فاجتمعوا إليه (٤).
وفي حديث عكرمة عنه: ودخل منهم رجلان حائطًا لرجل من الجبارين فجعلهما في كمه (٥). وعن مجاهد: كان لا يقل عنقود عنبهم إلا خمسة رجال أو أربعة ثم قالوا لهم: اذهبوا إلى موسى وقومه
стр. 13281
فأخبروهم بما رأيتم فقال لهم موسى: اكتموا هذا، فلم يكتم إلا رجلان يوشع وكالب ﵉ وهما المذكوران في قوله: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ الآية (١) [المائدة: ٢٣].
وقال مقاتل في "تفسيره": كان في أريحا ألف قرية، في كل قرية ألف بستان، فلما دخلها النقباء خرج إليهم عوج بن عناق، فاحتملهم ومتاعهم بيده حتى وضعهم بين يدي ملكهم واسمه مانوس بن سسورك فلما نظر إليهم أمر بقتلهم فقالت امرأته: أنعم على هؤلاء المساكين ودعهم فليرجعوا وليأخذوا طريقا غير الذي جاءوا فيه فأرسلهم لها فأخذوا عنقودا من كرومهم فحملوه على عمود بين رجلين فعجزوا عن حمله وحملوا رُمانتين على بعض دوابهم، فعجزت الدابة عن حملهما فقدموا على موسى وذكروا حالهم وأن طول كل واحد منهم سبعة أذرع ونصف و (كانا) (٢) من بقايا قوم عاد يقال لهم: العماليق.
فائدة:
قوله: ﴿فَاذْهَبْ﴾ يحتمل أن يعبر به عن القصد والإرادة كما تقول كلمته فذهب يجيبني، أي: قصد إجابتي. والظاهر أنهم أردوا حقيقة الذهاب كفرًا واستهانة بدليل مقابلة ذهابهم بقعودهم.
وقوله: ﴿أَنْتَ وَرَبُّكَ﴾ المراد هارون كما قال الداودي وكان أكبر من موسى بسنة. وقال غيره -وهو الأظهر-: أراد الرب تعالى؛ ولهذا عوقبوا.
стр. 13282
فصل:
جاء هنا أن المقداد قال ذلك، وجاء أن سعد بن معاذ قاله أيضا فيجوز أن يكونا قالاه، وهنا أن ذلك يوم بدر (١).
وعن قتادة -فيما ذكره الطبري- أنه كان في الحديبية حين صُدَّ (٢).
أَوْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ ﷺ . فَقَالَ عَنْبَسَةُ: ثَنَا أَنَسٌ بِكَذَا وَكَذَا. قُلْتُ: إِيَّايَ حَدَّثَ أَنَسٌ قَالَ: قَدِمَ قَوْمٌ.
فذكر حديث العرنيين السالف في الطهارة، وفي آخره: حَارَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ، وَخَوَّفُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ . فَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ! فَقُلْتُ: تَتَّهِمُنِي؟ قَالَ: حَدَّثَنَا بهذا أَنَسٌ. قَالَ: وَقَالَ: يَا أَهْلَ كَذَا، إِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا بِخَيْرٍ مَا بقي هذا فِيكُمْ أَوْ مِثْلُ هذا.
وقوله هنا (فذكروا وذكروا) قد أتى مثبتًا في موضع آخر من البخاري، وهو أن عمر بن عبد العزيز أبرز سريره يوما للناس ثم أذن لهم فدخلوا فقال لهم: ما تقولون في القسامة؟ فقالوا: نقول في القسامة: القود بها حق قد أقادت بها الخلفاء، فقال لي: ما تقول يا أبا قلابة ونصبني للناس، فقلت: يا أمير المؤمنين عندك رءوس الأجناد وأشراف العرب أرأيت لو أن خمسين رجلا منهم شهدوا على رجل محصن بدمشق أنه قد زنا، ولم يروه أكنت ترجمه؟ قال: لا. قلت: أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل بحمص أنه قد سرق أكنت تقطعه ولم يروه؟ قال: لا، قلت فوالله ما قتل رسول الله ﷺ قط إلا في إحدى ثلاث خصال فذكرهن فقال القوم: أو ليس قد حدث أنس بن مالك أن نفرًا من عكل … الحديث (١).
وعنبسة المذكور هو: ابن سعيد بن العاصي بن أمية -أخو يحيى وعمرو الأشدق قتيل عبد الملك- أبو خالد، أخرجا له. وعنبسة بن أبي سفيان أبو الوليد من أفراد مسلم. وعنبسة بن خالد بن يزيد الأيلي انفرد به البخاري، وروى عن عمه يونس بن يزيد.
стр. 13285
وتفسيره المحاربة أسنده ابن أبي حاتم من حديث سعيد بن جبير، عنه يعني بالمحاربة: الكفر بعد الإسلام. وفسره غيره باللص الذي يقطع الطريق، والمكابر في الأمصار الذي يحمل السلاح على المسلمين، ويقصدهم أي موضع كان، وهو قول مالك والشافعي والأوزاعي والليث وابن لهيعة. وقيل: هو قاطع الطريق، فأما المكابر في الأمصار فليس بمحارب، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه.
وقال ابن الحصار: واتفق العلماء على إجراء الآية على كل محارب من المسلمين، وقال الطبري: اختلف فيمن نزلت فيه، فقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس أنها نزلت في قوم من أهل الكتاب كانوا أهل موادعة لرسول الله ﷺ ، فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض (١)، وعند أبي داود: نزلت في المشركين، فمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصابه (٢)، وكذلك قال الحسن وعكرمة: نزلت في المشركين (٣).
وقال قوم: نزلت في العرنيين، وفي بعض الرواية قال أنس: نزلت هذِه الآية فيهم (٤)، وقال السدي: نزلت في سودان عرنية، أتوا رسول الله ﷺ وبهم الماء الأصفر، فشكوا ذلك إليه الحديث .. (٥). وروى أنه ﵇ أرسل جريرًا في أثرهم فأتى بهم (٦).
стр. 13286
وفيه دلالة أن قصتهم كانت متأخرة؛ لتأخر إسلام جرير (١).
وقال الكلبي فيما حكاه الثعلبي:
نزلت في قوم من بني هلال، كان أبو برزة الأسلمي عاهد رسول الله ﷺ أن لا يعينه ولا يعين عليه، من أتاه من المسلمين فهو آمن، فمر قوم من بني كنانة يريدون الإسلام بناس من أسلم من قوم أبي برزة، ولم يكن أبو برزة يومئذ شاهدًا، فقتلوهم وأخذوا أموالهم فنزلت.
فصل:
زعم قوم أن هذِه الآية ناسخة لقصة العرنيين، قاله ابن سيرين وأبو الزناد والداودي، والأحسن أنها محكمة، وفعله كان قصاصا بالمماثلة.
فصل:
واختلف العلماء في المحارب هل هو المشرك فقط أو الفاسق بشهر السلاح أو المرتد، أو مطلقا؟ على أقوال، وهل (أو) في الآية للتنويع أو للتخيير؟
فيه قولان للعلماء، وبالأول قال الشافعي (٢) -كما ذكرناه في الطهارة- وبالثاني قال مالك (٣).
стр. 13287
فصل:
الخصال الثلاث المذكورة في الحديث قد جاء في أحاديث أخر زيادة عليها، منها: حد الساحر ضربه بالسيف (١)، ومنها: إذا بويع بخليفتين فاقتلوا الآخِر منهما (٢)، ومنها: قتل اللائط (٣).
٧ - [باب] قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية [المائدة: ٦٧]
٤٦١٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ، فَقَدْ كَذَبَ، وَاللهُ يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٧] الآيَةَ [انظر: ٣٢٣٤ - مسلم: ١٧٧ - فتح: ٨/ ٢٧٥]
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ؛ فَقَدْ كَذَبَ، وهو يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧].
شيخه فيه محمد بن يوسف وهو الفريابي كما صرح به أبو نعيم، عن سفيان وهو الثوري، وروى الواحدي عن أبي سعيد: أنها نزلت يوم غدير خم في علي فأخذ بيده وقال: "من كنت مولاه فعلي مولاه" (١) وقال مقاتل: نزلت في اليهود، وكان نزولها بعد أحد كما في "الكشاف" (٢) وقيل: نزلت في عيينة بن حصن وفقراء أهل الصفة، وقيل: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ في أمر نسائك أي: زينب بنت جحش وهو مذكور في البخاري (٣) وقيل: نزلت في الجهاد لما كرهه من كرهه وقيل: الرجم والقصاص. وقيل: من حقوق المسلمين، فلما نزلت خطب في حجة الوداع ثم قال: "اللهم هل بلغت؟ ".
стр. 13290
٨ - [باب] قَوْله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٨٩]
٤٦١٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ سُعَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنِ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة:٨٩] فِي قَوْلِ الرَّجُلِ: لَا وَاللهِ، وَبَلَى وَاللهِ. [٦٦٦٣ - فتح: ٨/ ٢٧٥]
٤٦١٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ أَبَاهَا كَانَ لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينٍ حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ. قَالَ أَبُو بَكْر: لَا أَرَى يَمِينًا أُرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا؛ إِلاَّ قَبِلْتُ رُخْصَةَ اللهِ، وَفَعَلْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ. [٦٦٢١ - فتح: ٨/ ٢٧٥]
ذكر فيه عن عَائِشَةَ ﵂ أُنْزِلَتْ هذِه الآيَةُ ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] فِي قَوْلِ الرَّجُلِ: لَا والله، وَبَلَى والله.
هذا الحديث أخرجه أبو داود مرفوعا وصححه ابن حبان (١)، وشيخ البخاري فيه هو: ابن سلَمة -كما في الأصول- اللَّبَقي وكذا صرح به أبو مسعود وغيره، وذكر فيه حديث عائشة أيضا أن أباها كان لا يحنث في يمين حتى أنزل الله كفارة اليمين قال أبو بكر: لا أرى يمينا أرى غيرها خيرا منها إلا قبلت رخصة الله وفعلت الذي هو خير.
قلت: وروي عنها أيضا: هو أن يحلف على الشيء ثم يجده على خلاف ما ظن، وهو قول مالك وأبي حنيفة، والأول قول إسماعيل القاضي وغيره. قال الداودي: وقول عائشة الثاني تفسير للأول.
وليس قوله هذا ببيِّن بل هو اختلاف، وروى ابن المنذر، عن ابن جريج قال: بلغني أن رجلا من الأنصار -وهو ابن رواحة- كان
стр. 13291
له أيتام وضيف، فأقبل بعد ساعة من الليل، فقال: عشيتم أضيافي؟ قالوا: انتظرناك. قال: فوالله لا آكله الليلة. وقال ضيفه: وما أنا بالذي آكل وقال أيتامه: ونحن كذلك فلما رأى عبد الله ذلك أكل وأكلوا، ثم غدا إلى رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ "أطعتَ الرحمن وعصيتَ الشيطان" (١). وروى ابن أبي حاتم، عن زيد بن أسلم أن ابن رواحة لما فعل ذلك أنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (٢).
في "تفسير الجوزي" لما نزل ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] قالوا: يا رسول الله، كيف نصنع بأيماننا يعني: حلفهم على ما اتفقوا عليه فنزلت الآية، قال ابن عباس: اتفاقهم كان على الصوم نهارا والقيام ليلا. قال مقاتل: وكانوا عشرة حلفوا على ذلك أبو بكر وعمر وعلي والمقداد وعثمان بن مظعون وأبو ذر وسلمان وابن مسعود وعمار وحذيفة وسالم مولى أبي حذيفة وقدامة. زاد أبو محمد إسحاق بن إبراهيم البُستي: عبد الله بن عمرو بن العاص.
فائدة:
﴿عَقَّدتُّمُ﴾: شدده أهل الحجاز وأهل البصرة -أي: وكدتم- واختارها أبو حاتم، وقرأ أهل الكوفة بالتخفيف، واختاره أبو عبيدة؛ لأن التشديد في التكرير مرة بعد مرة وقرأ أهل الشام (بما عاقدتم) (٣).
стр. 13292
فائدة:
اللغو ما لا يعتد به ولا يحصل على فائدة، وقيل: معناه الإثم أي: لا يؤاخذكم بالإثم بما كفرتم. وقال ابن جبير: هو الرجل يحلف على المعصية. وقال إبراهيم: هو أن ينسى. وقال زيد بن أسلم: هو قول الرجل: أعمى الله بصري إن لم أفعل كذا وكذا ونحوه.
قال ابن عباس: هو أن يحرم ما أحل الله له فليس عليه فيه كفارة، وقال طاوس والقاضي إسماعيل: هو أن يحلف وهو غضبان (١).
وعند الشافعي ( … ) (٢) جمعهما فالأولى لغو؛ لأنها غير مقصودة، والثانية منعقدة؛ لأنها استدراك مقصود منه. نبه عليه الماوردي (٣).
فائدة:
الكفارة في اليمين مقيدة مرتبة بالنسبة إلى الصوم والإطعام عندنا لكل مسكين مد في جميع الكفارات، وقال أبو حنيفة: إن أطعم من الحنطة فنصف صاع، ومن غيره فصاع (٤). قال علي: يكفي الغداء والعشاء ولا يدفع لكافر خلافا لأبي حنيفة (٥).
أَمَّا بَعْدُ. أَيُّهَا النَّاس، إِنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهْيَ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنَ الْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْعَسَلِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ. [٥٥٨١، ٥٥٨٨، ٥٥٨٩، ٧٣٣٧ - مسلم: ٣٠٣٢ - فتح: ٨/ ٢٧٧]
(وقال ابن عباس: الأزلام: القِدَاحُ يَقْتَسِمُونَ بِهَا فِي الأُمُورِ). كذا أسنده ابن المنذر وابن أبي حاتم، قال: وروي عن الحسن وغيره نحوه (١)، وقد سلف إيضاحه.
(ص): النصب والأنصاب: أصنام يذبحون عليها، وصله ابن أبي حاتم (٢) والطبري (٣) أيضا.
(ص): غيره الزلم: القدح لا ريش له، وهو واحد الأزلام، والاستقسام: أن يحيل القداح، فإن نهته انتهى، وإن أمرته فعل ما تأمره، وقد أعلموا القداح أعلاما بضروب يستقسمون بها، وفعلت منه: قسمت، والقَسوم المصدر.
الزلم -بفتح الزاي واللام وفيه لغة أخرى، وهي ضم الزاي وقوله: (لا ريش له) عبارة ابن فارس. القداح: السهم بلا قذذ ولا نصل، والقدح الواحد من قداح الميسر (٤). وظاهرها مغاير.
والنصب: واحد الأصنام ولذا تكون بسكون الصاد، ونصب بفتح النون، قال القتبي: هو حجر كانت الجاهلية تنصب وتذبح عنده فيجمد الدم. والميسر: القمار.
ثم ساق البخاري حديث ابن عمر: نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، وَإِنَّ فِي
стр. 13296
المَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ لَخَمْسَةَ أَشْرِبَةٍ، مَا فِيهَا شَرَابُ العِنَبِ. كذا رواه، وذكر بعدُ عن والده عمر خمسة فذكر العنب ولا مخالفة، فكل واحد روى ما حفظ من الأصناف كما قاله الداودي، واعترضه ابن التين فقال: ليس ببيّن لأن ابن عمر لم يبين شيئا، ولم يترك صنفا إنما تركه عمر.
وما قاله ليس بالبين فقد ذكره عمر. كما ستعلمه، وهذا الحديث من رواية عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، عن نافع، عنه. قال الحميدي: ليس له عن نافع عنه في "الصحيح" غيره (١).
ثم ساق حديث أنس ﵁: مَا كَانَ لنَا خَمْرٌ غَيْرُ فَضِيخِكُمْ هذا الذِي تُسَمُّونَهُ الفَضِيخَ. وإنّى لَقَائِمٌ أَسْقِي أَبَا طَلْحَةَ وَفُلَانًا وَفُلَانًا، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: وَهَلْ بَلَغَكُمُ الخَبَرُ؟ .. الحديث سلف في المظالم بنحوه وأخرجه مسلم. وقوله: (أَهرق هذِه القلال) هو بفتح الهمزة والهاء وكسر الراء. وذكره ابن التين بلفظ: إن الخمر (الذي) (٢) أهريقت (٣). ثم قال: صوابه هريقت أو أريقت، وأما الجمع بين الهاء والهمزة فليس بجيد؛ لأن الهاء بدل من الهمزة فلا يجمع بينهما.
وقوله: (غير فضيخكم) يريد الغالب من الخمر الفضيخ وغيرها بسر، والفضيخ: البسر يشدخ ويترك في وعاء من غير أن تمسه نار. وقال ابن فارس: هو رطب يشدخ وينبذ (٤).
стр. 13297
والقلة: الكوز اللطيف الذي تقله اليد ولا يثقل عليها. قالها الخطابي. وزاد: القلة أيضا: الجرة يقلها الرجل القوي (١). والذي قال أهل اللغة: أن القلة ما يقله الإنسان من جرة أو حبٍّ من غير تحديد (٢).
وفيه العمل بخبر الواحد وامتناع التخليل خلافا لأبي حنيفة، فإن خللت جاز أكلها عند مالك خلافا لنا.
ثم ساق حديث جابر: صَبَّحَ أُنَاسٌ غَدَاةَ أُحُدٍ الخَمْرَ، فَقُتِلُوا مِنْ يَوْمِهِمْ جَمِيعًا شُهَدَاءَ، وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِهَا. سلف معناه في المظالم من حديث أنس (٣)، والمغازي والجهاد (٤).
وحديث ابن عمر ﵄ قال: سَمِعْتُ عُمَرَ على مِنْبَرِ رسول الله ﷺ يَقُولُ: أَمَّا بَعْدُ. أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ وَهْيَ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنَ العِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْعَسَلِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ العَقْلَ.
وذكره في الاعتصام والأشربة وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي (٥) وقد سلف الجمع بينه وبين حديث ابنه ابن عمر أول الباب.
стр. 13298
١١ - [باب] قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية [المائدة: ٩٣]
٤٦٢٠ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَان، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ الْخَمْرَ الَّتِي أُهْرِيقَتِ الْفَضِيخُ. وَزَادَنِي مُحَمَّدٌ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ قَالَ: كُنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ فَنَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى. فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَانْظُرْ مَا هَذَا الصَّوْتُ؟ قَالَ: فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ: هَذَا مُنَادٍ يُنَادِى: أَلَا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ. فَقَالَ لِي: اذْهَبْ فَأَهْرِقْهَا. قَالَ: فَجَرَتْ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ. قَالَ: وَكَانَتْ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الْفَضِيخَ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: قُتِلَ قَوْمٌ وَهْيَ فِي بُطُونِهِمْ! قَالَ فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣]. [انظر: ٢٤٦٤ - مسلم: ١٩٨٠ - فتح: ٨/ ٢٧٨]
حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، ثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ الخَمْرَ التِي أُهْرِيقَتِ الفَضِيخُ.
وزادني مُحَمَّدٌ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ قَالَ: كُنْتُ سَاقِيَ القَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ .. الحديث.
وقد سلف في المظالم، رواه هناك عن محمد بن عبد الرحيم، أنا عفان، ثنا حماد، وسياقه هنا أعلى.
وأبو النعمان: هو محمد بن الفضل السدوسي عارم. وروى مرة عن رجل، عنه -كما وقع لمسلم والأربعة- قال البخاري: تغير بآخره (١)، وكان بعيدًا من العرامة وهي الشدة والقسوة.
стр. 13299
وأخرجه أيضا في الأشربة (١)، ومحمد هذا هو ابن سلام -كما جاء معرفا به في بعض النسخ (٢).
هذا الحديث أخرجه أيضا في الرقاق والاعتصام (١)، ومسلم والترمذي والنسائي (٢)، ورواية النضر أخرجها مسلم عن جمع، عنه منهم: محمود بن غيلان. وأخرجه الإسماعيلي من حديث خلاد بن أسلم عنه، ورواية روح ستأتي في الاعتصام عن محمد بن عبد الرحيم، عنه (٣). ومسلم عن محمد بن معمر عنه.
والخنين هو بخاء معجمة. قال النووي في "شرح مسلم": هكذا هو في معظم النسخ ولمعظم الرواة (٤).
قال القرطبي: وهو المشهور وهو خروج الصوت من الأنف بغنة، وعند العذري بحاء مهملة (٥)، وممن ذكرها القاضي (٦) وصاحب "التحرير". وقال الخطابي: الحنين بكاء دون الانتحاب. قلت: وأصله من حنين المرأة وهو نزاعها إلى ولدها، وإن لم يكن عند ذلك صوت. وقال ابن فارس: وقد يكون حنينها صوتها، ويدل عليه ما جاء في الحديث من حنين الجذع (٧).
قال الخطابي: وقد يجعلون الحنين والخنين واحدًا، لأن الحنين من الصدور، والخنين -بالخاء معجمة- من الأنف. ومنه قول الشاعر:
стр. 13302
.... فلن يرجع الموتى خنين المآتم (١).
قلت: هو الفرزدق يخاطب زوجة ومات لهما ابنان، وأوله:
فما ابناك إلا من بني الناس فاعلمي .....................
وهذا صرح به القزاز يعني: أنهما بمعنى.
وأنشد المبرد هذا البيت -بالحاء المهملة- قال: وأنشد له أيضا بالخاء المعجمة (٢)، وعند ابن سيده: الخنين من بكاء النساء دون الانتحاب، وقيل: هو تردد البكاء حتى يصير في الصوت غنة. وقيل: هو رفع الصوت بالبكاء، وقيل: صوت يخرج من الأنف خن يخن خنينًا. [والخنين] (٣) أيضا: الضحك إذا أظهره الإنسان فخرج خافيًا والفعل كالفعل (٤)، وقال في الحاء المهملة: الحنين: الشديد من البكاء والطرب، وقيل: هو صوت الطرب، كان ذلك عن حزن أو فرح (٥).
فصل:
قيل: الآية نزلت في قوم كانوا يسألونه ﵇ استهزاء. وسيأتي بعد، وقيل: قال رجل: يا نبي الله، أفرض الحج كل سنة؟ قال: "لو قلتها لوجبت ولو وجبت فتركتموها لكفرتم" (٦).
стр. 13303
وروى أحمد من حديث أبي البختري عن علي ﵁ قال: لما نزلت ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] قال: الحج في كل عام يا رسول الله؟ فسكت، فنزلت ﴿لَا تَسْئلُواْ﴾ الآية (١).
وقيل: نزلت في الذين سألوا عن البحيرة والسائبة والوصيلة، ألا ترى أنه بعده ﴿مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾ قاله سعيد بن جبير حكاه ابن أبي حاتم وقال مقسم: هي فيما سألت الأمم أنبياءها عن الآيات (٢).
تنبيه:
إنما نهى عن السؤال؛ لأنه تعالى أحب الستر؛ رحمة لعباده، وأحب أن لا يقترحوا المسائل.
فائدة:
قيل: القائل: من أبي؟! هو عبد الله بن حذافة السهمي بما ذكره البخاري في الاعتصام (٣)، وقيل: أخوه قيس فيما ذكره العسكري.
وقال مقاتل: نزلت في عبد الله بن جحش وعبد الله بن حذافة كما قال ﵇: "يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج" فقال عبد الله: في كل عام؛ .. الحديث، وفيه: "أيها الناس إن الدنيا قد رفعت لي ورفعت لي أنساب العرب. فأنا أنسبهم رجلا رجلا" (فقام) (٤) رجل، فقال: يا رسول الله، أين أنا؟ قال: "في الجنة" ثم قام آخر فقال: يا رسول الله أين أنا؟
стр. 13304
قال: "في الجنة" ثم قام آخر فقال مثل ذلك، فقال: "في النار" فقام ابن حذافة وكان يطعن فيه، فقال: يا رسول الله، من أبي؟ قال: "حذافة" ثم قام رجل من بني عبد الدار فقال: يا رسول الله، من أبي؟ قال: "سعد" نسبه إلى غير أبيه، فقام عمر فقال: يا رسول الله، استر علينا ستر الله عليك، فإنا قوم قريب عهد بالشرك، فنزلت الآية.
ثم قال البخاري: (حدثنا الفضل بن سهل) وهو الأعرج الثقة مات سنة خمس وخمسين ومائتين ببغداد، (ثنا أبو النضر) هاشم بن القاسم مات ببغداد أيضا سنة سبع ومائتين، (ثنا أبو خيثمة) وهو زهير بن معاوية الحافظ مات بعد السبعين ومائة، فلج قبل موته بنحو سنة، (ثنا أبو الجويرية) وهو حطان بن خفاف بن زهير الكوفي تابعي، (عن ابن عباس ﵄ قال: كان قوم يسألون رسول الله ﷺ استهزاء فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟
فأنزل الله هذِه الآية) حتى فرغ من الآية كلها، وقد أسلفنا هذا أولا، وهذا في البخاري خاصة.