هذا الحديث أخرجه أيضا في الرقاق والاعتصام (١)، ومسلم والترمذي والنسائي (٢)، ورواية النضر أخرجها مسلم عن جمع، عنه منهم: محمود بن غيلان. وأخرجه الإسماعيلي من حديث خلاد بن أسلم عنه، ورواية روح ستأتي في الاعتصام عن محمد بن عبد الرحيم، عنه (٣). ومسلم عن محمد بن معمر عنه.
والخنين هو بخاء معجمة. قال النووي في "شرح مسلم": هكذا هو في معظم النسخ ولمعظم الرواة (٤).
قال القرطبي: وهو المشهور وهو خروج الصوت من الأنف بغنة، وعند العذري بحاء مهملة (٥)، وممن ذكرها القاضي (٦) وصاحب "التحرير". وقال الخطابي: الحنين بكاء دون الانتحاب. قلت: وأصله من حنين المرأة وهو نزاعها إلى ولدها، وإن لم يكن عند ذلك صوت. وقال ابن فارس: وقد يكون حنينها صوتها، ويدل عليه ما جاء في الحديث من حنين الجذع (٧).
قال الخطابي: وقد يجعلون الحنين والخنين واحدًا، لأن الحنين من الصدور، والخنين -بالخاء معجمة- من الأنف. ومنه قول الشاعر:
стр. 13302
.... فلن يرجع الموتى خنين المآتم (١).
قلت: هو الفرزدق يخاطب زوجة ومات لهما ابنان، وأوله:
فما ابناك إلا من بني الناس فاعلمي .....................
وهذا صرح به القزاز يعني: أنهما بمعنى.
وأنشد المبرد هذا البيت -بالحاء المهملة- قال: وأنشد له أيضا بالخاء المعجمة (٢)، وعند ابن سيده: الخنين من بكاء النساء دون الانتحاب، وقيل: هو تردد البكاء حتى يصير في الصوت غنة. وقيل: هو رفع الصوت بالبكاء، وقيل: صوت يخرج من الأنف خن يخن خنينًا. [والخنين] (٣) أيضا: الضحك إذا أظهره الإنسان فخرج خافيًا والفعل كالفعل (٤)، وقال في الحاء المهملة: الحنين: الشديد من البكاء والطرب، وقيل: هو صوت الطرب، كان ذلك عن حزن أو فرح (٥).
فصل:
قيل: الآية نزلت في قوم كانوا يسألونه ﵇ استهزاء. وسيأتي بعد، وقيل: قال رجل: يا نبي الله، أفرض الحج كل سنة؟ قال: "لو قلتها لوجبت ولو وجبت فتركتموها لكفرتم" (٦).
стр. 13303
وروى أحمد من حديث أبي البختري عن علي ﵁ قال: لما نزلت ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] قال: الحج في كل عام يا رسول الله؟ فسكت، فنزلت ﴿لَا تَسْئلُواْ﴾ الآية (١).
وقيل: نزلت في الذين سألوا عن البحيرة والسائبة والوصيلة، ألا ترى أنه بعده ﴿مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾ قاله سعيد بن جبير حكاه ابن أبي حاتم وقال مقسم: هي فيما سألت الأمم أنبياءها عن الآيات (٢).
تنبيه:
إنما نهى عن السؤال؛ لأنه تعالى أحب الستر؛ رحمة لعباده، وأحب أن لا يقترحوا المسائل.
فائدة:
قيل: القائل: من أبي؟! هو عبد الله بن حذافة السهمي بما ذكره البخاري في الاعتصام (٣)، وقيل: أخوه قيس فيما ذكره العسكري.
وقال مقاتل: نزلت في عبد الله بن جحش وعبد الله بن حذافة كما قال ﵇: "يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج" فقال عبد الله: في كل عام؛ .. الحديث، وفيه: "أيها الناس إن الدنيا قد رفعت لي ورفعت لي أنساب العرب. فأنا أنسبهم رجلا رجلا" (فقام) (٤) رجل، فقال: يا رسول الله، أين أنا؟ قال: "في الجنة" ثم قام آخر فقال: يا رسول الله أين أنا؟
стр. 13304
قال: "في الجنة" ثم قام آخر فقال مثل ذلك، فقال: "في النار" فقام ابن حذافة وكان يطعن فيه، فقال: يا رسول الله، من أبي؟ قال: "حذافة" ثم قام رجل من بني عبد الدار فقال: يا رسول الله، من أبي؟ قال: "سعد" نسبه إلى غير أبيه، فقام عمر فقال: يا رسول الله، استر علينا ستر الله عليك، فإنا قوم قريب عهد بالشرك، فنزلت الآية.
ثم قال البخاري: (حدثنا الفضل بن سهل) وهو الأعرج الثقة مات سنة خمس وخمسين ومائتين ببغداد، (ثنا أبو النضر) هاشم بن القاسم مات ببغداد أيضا سنة سبع ومائتين، (ثنا أبو خيثمة) وهو زهير بن معاوية الحافظ مات بعد السبعين ومائة، فلج قبل موته بنحو سنة، (ثنا أبو الجويرية) وهو حطان بن خفاف بن زهير الكوفي تابعي، (عن ابن عباس ﵄ قال: كان قوم يسألون رسول الله ﷺ استهزاء فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟
فأنزل الله هذِه الآية) حتى فرغ من الآية كلها، وقد أسلفنا هذا أولا، وهذا في البخاري خاصة.
رَسُولُ اللهِ ﷺ : «رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَرَأَيْتُ عَمْرًا يَجُرُّ قُصْبَهُ، وَهْوَ أَوَّلُ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ». [انظر: ١٠٤٤ - مسلم: ٩٠١ - فتح: ١٨/ ٢٨٣]
﴿وَإِذْ قَالَ اللهُ﴾ أي: يقول الله، ﴿وَإِذْ﴾ هنا صلة)، هو كما قال.
(ص): (المائدة أصلها مفعولة كعيشة راضية وتطليقة بائنة، والمعنى: ميد بها صاحبها من خير يقال: مادني يميدني). هذا قول أبي عبيد أنها مأخوذة من العطاء (١).
وقال الزجاج: هي مدى من ماد يميد إذا تحرك (٢)، وقيل: هي من مادني يميدني إذا أنعشني فكأنها ناعشة، وقيل: من ماد يميد إذا أطعم وهي متقاربة سوى قول الزجاج، وهي سفرة حمراء عليها سمكة مشوية بلا فلوس (٣) ولا شوك وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خل، وحولها من جميع البقول إلا الكراث وخمسة أرغفة على واحد زيتون وآخر سمن، وآخر عسل، وآخر قديد، وآخر جبن.
وأغرب مجاهد فقال: ما نزلت وهذا مثل ضرب (٤)، وحلف الحسن عليه أن القوم لما سمعوا الشرط استغنوا، وقالوا: لا نريد (٥)، والصواب ما سلف.
وقال كعب: نزلت يوم الأحد فلذلك اتخذه النصارى عيدًا (٦).
стр. 13307
وقال أبو حاتم: المائدة الطعام بعينه، والعوام يظنونها الأخونة، واحدته خوان.
وقوله: (وتطليقة بائنة) غير ظاهر إلا أن يريد المطلق أبان الطلقة وأعلم بها، وإلا فالظاهر أنها فرقت بين الزوجين فتكون فاعلة على بابها.
(ص): (وقال ابن عباس: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾: مميتك) هذا رواه ابن أبي حاتم من حديث علي بن طلحة عنه. وهذا اللفظ هو في سورة آل عمران، وفيها ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ قال وهب -كما حكاه ابن أبي حاتم: توفاه الله حين رفعه (١).
ثم ساق عن ابن المُسَيِّبِ قَالَ: البَحِيرَةُ: التِي يُمْنَعُ دَرُّهَا لِلطَّوَاغِيتِ، فَلَا يَحْلُبُهَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ. وَالسَّائِبَةُ كَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لآلِهَتِهِمْ، لَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا شَيْءٌ. قَالَ: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ".
ما ذكره في البحيرة قال ابن عباس: فهذا إذا نتجت خمسة أبطن (٢)، وقال ابن فارس: سبعة أبطن (٣) وكان آخرها ذَكَرًا شقوا أذنها وخلوها لا تمنع من مرعى ولا شراب وعمدوا إلى الخامس فنحروه فأكله الرجال خاصة، قيل: والنساء (٤)، وإن كانت أنثى استحيوها وتركوها مع ابنها بعد شقهم أذن الأم وتركهم الانتفاع بها للنساء فقط، وإن كان ميتة اشترك فيها الرجال والنساء.
стр. 13308
واختلف في اشتقاقها قيل: من بحر: إذا شق. وقيل: هذا من الاتساع في الشيء.
والسائبة كما ذكره، وهي المخلاة تذهب حيث شاءت، وكان الرجل إذا قدم من سفر أو برأ من مرض قال: ناقتي سائبة فكانت كالبحيرة، وقيل: هو ما ينذره إذا برأ من مرضه [ ..... ] (١) فلا ولاء عليه.
والوصيلة: الشاة إذا ولدت ثلاثة أبطن أو خمسة أو سبعة، وكان الأخير ذكرًا ذبحوه للآلهة، وأكل منه الرجال والنساء، فإن كانت أنثى استحيوها وإن كان ذكرًا وأنثى استحيوهما جميعا، وقال: إنها وصلت أخاها ولم يشرب من لبنها إلا الذكور، وتلا ابن عباس ﵄: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ﴾ الآية [الأنعام: ١٣٩]. وقيل: إنها إذا ولدت ستة أبطن عدتهن عناقين، وفي السابع عناقًا واحدًا. حكاه الهروي.
والحامي: البعير إذا ولد وَلَدُ ولده، قالوا قضى ما عليه وحمى ظهره، فيترك. وقيل: إذا أدرك من ولده عشرة فحول، قالوا: حمى ظهره، فخلي.
فصل:
وقوله: ("عمرو بن عامر") إنما هو عمرو بن لحي. واسم لحي ربيعة ابن حارثة بن عمرو مزيقيا بن عامر ماء السماء، وقيل: لحي بن ربيعة ابن إلياس بن مضر، نبه عليه الدمياطي.
و"قصبه" واحد الأقصاب: الأمعاء.
стр. 13309
فصل:
(ص): والوصيلة: الناقة البكر تبكر أول نتاج الإبل، ثم تثني بعد بأنثى، وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر. والحامي: فحل الإبل يضرب الضراب المعدود فإذا قضى ضرابه ودعوه للطواغيت وأعفوه من الحمل فلم يحمل عليه شيء وسموه الحامي قد سلف ذلك، وقيل في الغنم خاصة وقد سلف.
ثم قال: (وقال أبو اليمان: أنا شعيب، عن الزهري. قال: سمعت سعيدًا قال: يخبره بهذا). قلت: سلف في الفضائل تصريحه لسماعه له من أبي اليمان بقوله: حدثنا أبو اليمان (١).
(قال: وقال أبو هريرة ﵁: سمعت النبي ﷺ .. نحوه).
(ورواه ابن الهادي، عن ابن شهاب، عن سعيد، عن أبي هريرة سمعت النبي ﷺ نحوه). قلت: أخرجه الإسماعيلي وأبو نعيم من حديث الليث عن ابن الهادي به.
ثم ساق من حديث يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَرَأَيْتُ عَمْرًا يَجُرُّ قُصْبَهُ، وَهْوَ أَوَّلُ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ". ومعنى يحطم: يكسر.
قال الداودي: في قوله: "يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال" إلى آخره لعلهم منافقون، وقيل: هم مسلمون قصروا في بعض الحقوق. ومعنى "مرتدين على أعقابهم" أي: مقصرين في بعض المنازل، وهو أشبه بقوله: "لا تدري ما أحدثوا بعدك" والمنافقون كانوا كذلك، وأيضا بقوله: "من أمتي" وليسوا من أمته.
стр. 13312
١٥ - [باب] قَوْلِهِ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ إلى قوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨]
٤٦٢٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الُمغِيرَةُ بْنُ النّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ، وَإِنَّ نَاسًا يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]. [انظر: ٣٣٤٩ - مسلم: ٢٨٦٠ - فتح: ٨/ ٢٨٦]
ذكر فيه حديث ابن عباس المتقدم، وهو يبين أن قول عيسى ﷺ : ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ الآية على جهة التسليم لله، وقد علم أنه لا يغفر لكافر، وقال المبرد: المعنى وإن تغفر لهم كذبهم عليَّ. وقال الزجاج: علم عيسى أن فيهم من آمن، فالمعنئ: إن تعذبهم على كفرهم وفريتهم فقد استحقوا ذلك، وإن تغفر لمن تاب منهم بعد الافتراء والكفر (١).
وقول من قال: إن عيسى لم يعلم أن الكافر لا يغفر له فأخبر. (يبعد) (٢) لأن الأخبار لا تنسخ. وقيل: علم عيسى أنهم يعصون بعده، فقال: وإن تغفر لهم ما أحدثوا من المعاصي.
أَظْلَمَ. ﴿تَعَالَى﴾: عَلا يُقَالُ على اللهِ حُسْبَانُهُ أَيْ: حِسَابُهُ، وَيُقَالُ: ﴿حُسْبَانًا﴾ مَرَامِيَ. وَ ﴿رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾، ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ فِي الصُّلْبِ وَ ﴿وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ فِي الرَّحِمِ. القِنْوُ: العِذْقُ، وَالِاثْنَانِ قِنْوَانِ، وَالْجَمَاعَةُ أَيْضًا قِنْوَانٌ، مِثْلُ صِنْوٍ وَصِنْوَانٍ. ﴿أَكِنَّةً﴾ واحدها كنان.
هي مكية، قال ابن عباس: غير ست آيات، وروى ابن المنذر أنها نزلت ليلًا، وحولها سبعون ألف ملك، يجأرون بالتسبيح (١)، وعن مجاهد: خمسمائة ملك يرعونها ويحفونها (٢)، وعنه: خمسمائة ألف ملك (٣). ذكره أبو محمد البستي، وروي عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما ثلاث آيات منها نزلت بالمدنية وهي من قوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا﴾ إلى قوله: ﴿تَتَّقُونَ﴾، وهي المحكمات، وعن الكلبي: إلا قوله: ﴿مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ﴾ الآية.
وقال قتادة: قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، والأخرى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ﴾ وذكر ابن العربي أن قوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ﴾ نزلت بمكة يوم عرفة (٤)، وفي الدارمي عن عمر: الأنعام من نواجب القرآن (٥).
وقيل: اْختلف في تسع آيات منها ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ﴾، ﴿وَلَا
стр. 13315
تَطْرُدِ﴾ إلى ﴿رَّحِيمٌ﴾، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ إلى ﴿يُحَافِظُونَ﴾، ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ و ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ﴾ إلى آخر ثلاث آيات منها، قاله صاحب "مقامات التنزيل"، ونزلت هذِه السورة بعد الحجر وقبل الصافات، ذكره السخاوي (١) وقيل: إنها نزلت جملةً (٢).
(ص) (قال ابن عباس ﴿فِتْنَنُهُمْ﴾: معذرتهم). أسنده ابن أبي حاتم من حديث علي بن أبي طلحة عنه (٣)، قال الزجاج: تأويلها لطيف جدًّا، أخبر الله بقصص المشركين وافتتانهم بشركهم، ثم أخبر أن فتنتهم لم تكن حين رأوا الحقائق إلا أن انتفوا من الشرك (٤).
(ص) (﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ ما يعرش من الكرم وغير ذلك)، هو كما قال، وقيل: معروشات مرفوعات على العرائش وقيل: ما يقوم على ساق، ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾: ما يبسط على وجه الأرض.
(ص) قوله: (ما يحمل عليها) أسنده ابن المنذر، عن علي بن أبي طلحة، عنه (٥) يريد من إبل وخيل وبغال وحمير وكل ما حمل عليه. هذا
стр. 13316
قول جماعة وقال الضحاك: الحمولة من الإبل والبقر (١)، وقيل: هي الإبل التي تطيق الحمل.
واختلف في الفرش، فقيل: صغار الإبل، وقيل: الغنم، وقال ابن فارس: الحمولة: الإبل بأثقالها، والفرش من الأنعام: التي لا تصلح إلا للذبح (٢).
(ص) (﴿وَلَلَبَسْنَا﴾ لشبهنا). هذا رواه ابن المنذر، عن ابن عباس.
(ص) (﴿وَيَنْئَوْنَ﴾ يتباعدون). رواه ابن أبي حاتم من حديث عطاء، عنه (٣)، زاد الجوزي عنه: نزلت في أبي طالب كان ينهى عن أذى نبيه ويتباعد عنه. وفي رواية الوالبي عنه: نزلت فى كفار مكة ينهون الناس عن اْتباعه، ويتباعدون بأنفسهم عنه.
(ص) (﴿وأُبْسِلُواْ﴾: أفضحوا، ﴿تُبْسَلَ﴾ تفضح). رواه ابن المنذر عن علي، عن ابن عباس أيضا، وقال الإسماعيلي: ﴿أبسلوا﴾: أسلموا، ولا معنى لقوله: فضحوا؛ لقوله:
(وإبسالي) (٤) بني بغير جرم … بعوناه ولا بدم مراق
ولما ذكر ابن التين قوله: (﴿وأُبْسِلُواْ﴾: أفضحوا) قال: وقال أيضا: (أُسلِمُوا)، وقيل: أهلكوا، وقيل: ارتهنوا، وقيل: جيزوا. وهي متقاربة، ومعنى أُسلموا: أي بعلمهم لا يقدرون على التخلص (٥)،
стр. 13317
ومنه استبسل فلان للموت، وأنشد لعوف بن الأحوص فذكر البيت السالف، ومعنى بعوناه بالعين غير معجمة، أي: جنيناه، والبَعْو (١): الجناية.
(ص) (﴿بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ﴾ البسط: الضرب)، هذا أسنده ابن أبي حاتم عن ابن عباس أيضًا (٢).
(ص) (﴿اسْتَكْثَرْتُمْ﴾: أضللتم كثيرًا)، هو كما قال.
(ص) (﴿مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ﴾ جعلوا لله من ثمراتهم وأموالهم نصيبا، وللشيطان والأوثان نصيبا، ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ﴾ يعني: ما تشتمل على ذكر أو أنثى، فَلِمَ تُحِلّون بعضا وتحرمون بعضًا؟ ﴿مَسْفُوحًا﴾ مهراقًا ﴿وَصدَفَ﴾: أعرض (أبلسوا) (٣) أويسوا، (وأبسلوا): أسلموا، ﴿سَرْمَدًا﴾ دائمًا) هذا كله أسنده ابن المنذر إلى ابن عباس.
(ص) (﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾ أضلته).
(ص) (﴿يَمْتَرُونَ﴾: يشكون. ﴿وَقْراً﴾ صمما، وأما الوقر فالحمل. ﴿أَسَاطِيرُ﴾ واحدها أسطورة وإسطارة، وهي الترهات) أي: الأباطيل جمع ترهة. قاله أبو زيد، وأُسطورة بضم الهمزة، وإسطارة بكسرها.
(ص) (﴿الْبَأْسَاءِ﴾ من البأس، ويكون من البؤس)، أي: الفقر وسوء الحال، وقيل البؤس: الضر، والبأس: القتال، ذكره الداودي.
(ص) (﴿وَإِنْ تَعْدِلْ﴾: تقسط) كذا قال، والذي يظهر أن المراد: وإن تَفْدِ كل فداء، والعدل: الفدية، وقد صرح به في "الكشاف" (٤).
стр. 13318
(ص) ﴿الصُّورِ﴾ جمع صورة كقولك: سورة وسور)، هذا قول أهل اللغة، والذي ذكره المفسرون أن الصور قرن ينفخ فيه إسرافيل.
(ص) (﴿مَلَكُوتَ﴾: ملك، مثل: رهبوت خير من رحموت، وتقول ترهب خير من أن ترحم ﴿جَنَّ﴾ أظلم، ﴿تَعَالَى﴾: على، (تعدلون): تجعلون له عدلا).
(﴿حُسْبَانًا﴾ حسابا)، أي: جمع حساب، (يقال: على الله حسبانه، أي: حسابه ويقال ﴿حُسْبَانًا﴾: مرامي و ﴿رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾)، قلت: يسيران بحساب معلوم لإتمامه.
(ص) (﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ في الصلب ﴿وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ في الرحم)، أسنده ابن أبي حاتم، عن إبراهيم بن محمد ابن الحنفية (١)، وذكره ابن عزير، والذي ذكره أكثر المفسرين عكسه، حتى قال سعيد بن جبير: قال لي ابن عباس: هل تزوجت؟ قلت: لا، قال: إن الله سبحانه يستخرج من ظهرك ما استودعه فيه (٢).
وقال الحسن: مستقر في القبر، ومستودع في الدنيا، يوشك أن يلحق بصاحبه (٣).
وقال ابن مسعود: المستقر: الرحم، والمستودع: الأرض التي يموت بها (٤).
стр. 13319
وقيل: مستقر في الأرحام إلى الوقت المؤقت لكم، ومستودع في الأصلاب لم يخلق بعد، قال الزجاج: الأكثر في القراءة فتح القاف، وقد قرئ بكسرها (١)، ومستودع بالفتح لا غير، وجائز أن يكون معناه: مستقر في الدنيا موجود، ومستودع في الأصلاب لم يخلق بعد. وجائز أن يكون مستقر في الأحياء، ومستودع في الثرى.
(ص (القنو: العِذق، والاثنان قنوان، والجماعة أيضا قنوان، مثل صنو وصنوان).
أسند ابن المنذر عن قتادة: القنو: العِذق، وأسند ابن أبي حاتم عن ابن عباس: القنوان الدانية: قصار النخل المتدانية عذوقها بالأرض (٢).
стр. 13320
١ - [باب] قوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]
٤٦٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ: إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ، وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ، وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِير». [انظر: ١٠٣٩ - فتح: ٨/ ٢٩١]
ذكر فيه حديث سَالِمِ، عَنْ أَبِيهِ أَنه ﵇ قَالَ: "مَفَاتِيحُ الغَيْبِ خَمْسٌ .. " الحديث سلفَ في آخر الاستسقاء من حديث عبد الله بن دينار، عن ابن عمر مرفوعا، ويأتي في سورة الرعد ولقمان والاعتصام (١).
ورواه عبد الرزاق في "تفسيره"، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله ابن عبد الله، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ نحوه (٢).
والمفاتح: جمع مَفْتَح وهو المفتاح، وقيل: جمع مِفْتح، وهو القرن، أي: عنده الوصلة إلى علم الغيب، وكل ما لا يعلم إذا استعلم يقال فيه: افتح عليَّ، وعبارة السدي: خزائن الغيب (٣)، ومقاتل: غيب العذاب متى ينزل بكم (٤).
стр. 13321
وعبارة غيرهما: ما غاب عن ابن آدم من خزائن الأرض والرزق والمطر والئواب.
وما أحسن من قال: إنه الشقاوة والسعادة.
وقيل: أي: عنده معرفة المطر يفتحه ليخلقه، وقيل: عواقب الأعمال وخواتم الأعمال.
وقيل: هي ما لم يكن بعد أنه يكون ثم لا يكون، وما يكون كيف يكون.
ولما كانت المفاتح يوصل بها إلى ما في المخازن المستوثق منها بالإغلاق والإقفال، ومن علم مفاتحها وكيف يفتح توصل إلى علم المغيبات كمن عنده مفاتح أقفال المخازن، وهو عالم بفتحها.
ومفاتح الغيب خمس -كما ذكر في الحديث- لا يعلمها إلا الله، وذكر عن الطبري أنه استدل بأحاديث لا يحتج بمثلها في الأحكام أنه بقي من الدنيا من الهجرة نصف يوم من أيام الآخرة، وهو خمسمائة عام، قال: وتقوم الساعة، ويعود الأمر إلى ما كان عليه قبل أن يكون شيء غير الباري ولا يبقى غير وجهه (١). وهذا عجيب منه، والمشاهدة تدفعه.
وقال الداودي: إنه كفر ظاهر لا يحتمل تأويلا، وجعل يذكر في كتابه ما رواه المتركون ويؤول ظاهر القرآن والسنن الثابتة التي تخالف حكايته، انتهى.
وليس في كلام الطبري نفي البعث، وإنما قال: يبقى الأمر كما كان قبل أن يكون شيء، لعله يريد: ثم يكون البعث والحساب.
стр. 13322
فائدة:
روى الطبري أن الرشيد رأى في منامه ملكا أو نبيا، فسأله عن وقت موته، فأشار بأصابعه الخمس، فعبره بعضهم بالشهور، وبعضهم بالسنين، وبعضهم بالأيام، وفسره أبو يوسف القاضي بما في "الإبانة" (١) وقال: إنه إشارة إليه أن الله عنده علم الساعة .. إلى آخرها. فكأنه قال: هذا من العلوم التى لا يعلم حقيقتها إلا الله، فسري عنه.
стр. 13323
٢ - [باب] قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا﴾ إلى قوله: ﴿يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: ٦٥] الآيَةَ
﴿يَلْبِسَكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥]: يَخلِطَكُمْ مِنَ الالْتِبَاسِ. ﴿يَلْبِسُواْ﴾ [الأنعام: ٨٢]: يَخْلِطُوا. ﴿شِيَعاً﴾ [الأنعام: ٦٥]: فِرَقًا.
٤٦٢٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ». قَالَ: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قَالَ: «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «هَذَا أَهْوَنُ». أَوْ «هَذَا أَيْسَرُ». [٧٣١٣، ٧٤٠٦ - فتح: ٨/ ٢٩١]
ثم ساق حديث جابر عن شيخه أبي النعمان -هو محمد بن الفضل عارم السالف- قال: لَمَّا نَزَلَتْ هذِه الَايَةُ ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : "أَعُوذُ بِوَجْهِكَ". قَالَ: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قَالَ: "أَعُوذُ بِوَجْهِكَ". ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هذا أَهْوَنُ". أَوْ قال "هذا أَيْسَرُ".
الشرح:
هذا الحديث يأتي في التوحيد والاعتصام، وأهمل خلف الاعتصام، وقوله: (﴿شِيَعًا﴾ فرقا)، أي: مختلفة لا متفقة، وقال ابن عباس: ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾: الرجم ﴿مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: الخسف، أي: كقارون، وإغراق آل فرعون، والأول كالحجارة المرسلة على قوم لوط وأصحاب الفيل (١).
стр. 13324
وكالماء المنهمر الذي نزل لإغراق قوم نوح. وقيل: ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ من أكابركم، وسلاطينكم ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ من سفلتكم وعبيدكم (١). وقيل ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ حبس المطر ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ منع النبات.
وقوله: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ يعني: الفتن والاختلاف، قاله مجاهد (٢).
وقوله ﵇: "هذا أهون -أو- أيسر" أي لأن الفتن بين المخلوقين وعذابهم أهون من عذاب الله، وبالفتن ابتليت هذِه الأمة وذلك أنه ﵇ سأل ألا يظهر على أمته عدو من غيرهم فأعطيها، والثانية فأعطيها، وهذِه فمنعها (٣). ولعلهم ابتلاهم بذلك؛ ليكفر عنهم.
стр. 13325
٣ - باب ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ [بِظُلْم] (١)﴾ الآية
٤٦٢٩ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] قَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ؟ فَنَزَلَتْ ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] [انظر: ٣٢ - مسلم: ٢٩٤ - فتح: ٨/ ٢٩٤]
ذكر فيه حديث عبد الله ﵁: لما نزلت هذِه الآية قال أصحابه: فأينا لم يظلم نفسه؟ فنزلت ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ سلف في الإيمان أوائل الكتاب، وأخرجه أيضًا في أحاديث الأنبياء، ويأتي في تفسير سورة لقمان، وفي استتابة المرتدين (٢).
والمراد بالظلم في الآية: الشرك.
وفيه: أن المعاصي لا توجب الخلود ولا تمنع دخول الجنة.
стр. 13326
٤ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾
٤٦٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ -يَعْنِي: ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى». [انظر: ٣٣٩٥ - مسلم: ٢٣٧٧ - فتح: ٨/ ٢٩٤]
٤٦٣١ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: سَمِعْتُ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى». [انظر: ٣٤١٥ - مسلم: ٢٣٧٦ - فتح: ٨/ ٢٩٤]
ذكر فيه حديث أبي العالية رفيع بن مهران عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ ، قال: "ما ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى".
وحديث أبي هريرة: "ما ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى".
وقد سلف مع جوابه وأخرجهما في أحاديث الأنبياء. وكذا مسلم، وأخرج الأول في التوحيد (١).
стр. 13327
٥ - [باب] قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ [هَدَى] (١) اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾
٤٦٣٢ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ الأَحْوَلُ أَنَّ مُجَاهِدًا أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ: أَفِي «ص» سَجْدَةٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. ثُمَّ تَلَا ﴿وَوَهَبْنَا﴾ [الأنعام: ٨٤] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] ثُمَّ قَالَ: هُوَ مِنْهُمْ. زَادَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَسَهْلُ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ الْعَوَّامِ، عَنْ مُجَاهِدٍ قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ؛ فَقَالَ نَبِيُّكُمْ ﷺ مِمَّنْ أُمِرَ أَنْ يَقْتَدِىَ بِهِمْ. [انظر: ٣٤٢١ - فتح: ٨/ ٢٩٤]
وذكر فيه حديث ابن عباس ﵄: في سجدة ﴿ص﴾ وقد سلف في بابه مع الكلام عليه ويأتي في تفسير ﴿ص﴾ (٢) وسلف في أحاديث الأنبياء، وزيادة العوام هنا عن مجاهد أسندها في سورة ﴿ص﴾ وهي سجدة شكر عندنا.
وفي قوله: (﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾) دلالة أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يُنسخ.
وقيل: أمر بالاقتداء بهم في العقائد فقط. والهاء في ﴿اقْتَدِهْ﴾ للسكت؛ لئلا يتوقف على متحرك. واختلفوا إذا وصل؛ فقرأ حمزة والكسائي (اقْتَدِ) بحذف الهاء. والباقون بإثباتها ساكنة. وابن عامر من بينهم كسرها. وروى هشام عنه مدها وقصرها (٣).
والهدى هنا: السنة.
стр. 13328
٦ - [باب] قَوْله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ الآية
قَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦]: البَعِيرُ وَالنَّعَامَةُ. ﴿الْحَوَايَا﴾ [الأنعام: ١٤٦] المباعر. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿هَادُوا﴾ [الأنعام: ١٤٦] صَارُوا يَهُودا، و ﴿هُدْنَآ﴾ [الأعراف: ١٥٦] تُبْنَا. وهَائِدٌ: تَائِبٌ.
٤٦٣٣ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، قَالَ عَطَاءٌ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ، لَمَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوهَا».
وَقَالَ أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، كَتَبَ إِلَيَّ عَطَاءٌ، سَمِعْتُ جَابِرًا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [انظر: ٢٢٣٦ - مسلم: ١٥٨١ - فتح: ٨/ ٢٩٥]
الشرح:
ما ذكره عن ابن عباس أسنده ابن المنذر من حديث علي بن أبي طلحة عنه، وهو قول المفسرين.
قال قتادة: وهو من الطير ما لم يكن مشقوق الظفر نحو البط وشبهه (١). وهو عند أهل اللغة من الطير ما كان ذا مخلب، ودخل في ذا ما يصطاد بظفره من الطير، وجميع أنواع الكلاب والسباع والسنانير واختاره الزجاج (٢) أنها ذوات الظلف كالإبل، وما ليس بذي أصابع ومنفرجة كالأوز والبط.
стр. 13329
وقال ابن زيد: وذوات الظفر الإبل فقط (١). وقال القتبي: هو كل ذي مخلب من الطير وحافر من الدواب، وحكاه عن بعض المفسرين وقال: سمي الحافر ظفرًا على الاستعارة (٢).
والشحوم: شحوم الثرب -وهو المِعَى- وقيل: الذي لم يختلط بعظم، وقيل: شحوم الكلى.
والظفر بضم الظاء والفاء، وقرأ الحسن بكسر الظاء وإسكان الفاء، وقرأ أبو السمَّال (٣) بكسرها، وهي لغة.
وقوله: (﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾: المباعر) وهو من تتمة قول ابن عباس كما سلف من طريق ابن المنذر، وعن الضحاك: الحوايا: المرابض (٤). وقيل: ما تحويه البطن، واجتمع واستقر. وقيل: بنات اللبن. وقيل: المِعَى والمصارين التي عليها الشحم.
فصل:
ثم ذكر البخاري حديث عطاء، وهو ابن أبي رباح، عن جابر ﵁؛ عن النبي ﷺ قال: "قاتل الله اليهود، لما حرم الله عليهم شحومها جملوها، ثم باعوها فأكلوها"
стр. 13330
وقال أبو عاصم: ثنا عبد الحميد، وهو ابن جعفر فذكره. سلف ذلك كله قبل السلام (١)، وادعى ابن التين أنه وقع هنا لحومها بدل شحومها وأنه غلط والذي رأيناه شحومها فقط؛ كما أسلفناه. وأجملوه: أذابوه، يقال: أجملته وجملته وجملت بمعنى أذبت.
стр. 13331
٧ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾
٤٦٣٤ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: «لَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ، وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا شَيْءَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللهِ، لِذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ». قُلْتُ: سَمِعْتَهُ مِنْ عَبْدِ اللهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ وَرَفَعَهُ؟ قَالَ نَعَمْ. [٤٦٣٧، ٥٢٢٠، ٧٤٠٣ - مسلم: ٢٧٦٠ - فتح: ٨/ ٢٩٥]
ذكر حديث عَمْرٍو -يعني: ابن مرة- عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: "لَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ، وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا شَيْءَ أَحَبُّ إِلَيْهِ المَدْحُ مِنَ اللهِ، لِذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ". قُلْتُ: سَمِعْتَهُ مِنْ عَبْدِ اللهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَرَفَعَهُ؟ قَالَ نَعَمْ.
هذا الحديث يأتي في تفسير سورة الأعراف والتوحيد والنكاح، وأخرجه مسلم، والترمذي والنسائي (١).
الشرح:
قال قتادة: في قوله: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ ظاهرها وعلانيتها (٢)، وكانوا يسرون الزنا بالحرة، ويظهرونه بالأمة، وقيل: ﴿مَا ظَهَرَ﴾: الخمر، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾: الزنا (٣)، وعند الماوردي: الظاهر: فعل الجوارح، والباطن: اعتقاد القلب (٤)، وقيل: هي عامة
стр. 13332
في الفواحش ما أعلن منها فأظهر وما بطن فعل سرًّا، وقيل: ﴿مَا ظَهَرَ﴾: ما بينهم وبين الخلق، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾: بينهم وبين الخالق، وقيل: ﴿مَا ظَهَر﴾: العناق والقبلة، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾: النية.
والغيرة -بفتح الغين- الأنفة والحمية، وحكى البكري كسرها. قال النحاس: أن يحمي الرجل زوجته وغيرها من قرابته، ويمنع أن يدخل عليهن أو يراهن غير ذي محرم، وهو ضد الديوث والقُنْذُع. وقال ابن التياني في "موعبه": رجل غيران من قوم غيارى -بفتح الغين وضمها. قال صاحب "المطالع": معناه: تغير القلب وهيجان الحفيظة بسبب المشاركة في الاختصاص من أحد الفرجين بالآخر، هذا في حق الآدميين، وأما في حق الله تعالى فقد جاء مفسرًا من كلام نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام: "وغيرة الله أن يأتي المرء ما حرم الله عليه" (١)، أي: غيرته منعه وتحريمه، ولما حرم الله تعالى الفواحش وتوعد عليها، وصفه ﵇ بالغيرة، قال: "من غيرته أن حرم الفواحش".
وحب الله المدح ليس من جنس ما نفعل من حب المدح، وإنما الرب تعالى أحب الطاعات ومن جملتها مدحه ليثيب على ذلك، فينتفع المكلف لا لينتفع هو بالمدح ونحن نحب المدح لننتفع به ويرتفع قدرنا في قومنا، فظهر أن من غلط العامة قولهم: إذا كان الله يحبه فكيف لا نحبه نحن، نبه على ذلك ابن عقيل.
стр. 13333
٨ - [باب] قَوْلِهِ: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ [الأنعام: ١٥٠]
لُغَةُ أَهْلِ الحِجَازِ: هَلُمَّ لِلْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمِيعِ.
هو قول أبي عبيدة، زاد: وأهل نجد يقولون للواحد: هلم، وللمرأة: هلمي، وللاثنين: هلما، والقوم: هلموا، والنساء: هلمن (١).
قال أبو البقاء: فعلى الأول يكون اسمًا للفعل وبنيت؛ لوقوعها وقوع الأمر المبني، ومعناها: أحضروا شهداءكم، وعلى الثاني يكون فعلًا (٢)، وقال ابن مالك: إذا كانت متعدية تكون بمعنى: هاتوا، وإذا كانت غير متعدية فتكون بمعنى: تعال.
стр. 13334
٩ - [باب] ﴿وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢]
حَفِيظٌ وَمُحِيطٌ بِهِ.
﴿قُبُلاً﴾ [الأنعام: ١١١]: جَمْعُ قَبِيلٍ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ ضُرُوبٌ لِلْعَذَابِ، كُلُّ ضَرْبٍ مِنْهَا قَبيلٌ. ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ﴾ [الأنعام: ١١٢]: كُلُّ شَيْءٍ حَسَّنْتَهُ وَوَشَّيْتَهُ وَهُوَ بَاطِلٌ، فَهْوَ زُخْرُفٌ. ﴿وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨]: حَرَامٌ، وَكُلُّ مَمْنُوعٍ فَهْوَ حِجْرٌ مَحْجُورٌ، وَالْحِجْرُ: كُلُّ بِنَاءٍ بَنَيْتَهُ، وَيُقَالُ لِلأُنْثَى مِنَ الخَيْلِ: حِجْرٌ. وَيُقَالُ لِلْعَقْلِ: حِجْرٌ وَحِجًى. وَأَمَّا الحِجْرُ: فَمَوْضِعُ ثَمُودَ، وَمَا حَجَّرْتَ عَلَيْهِ مِنَ الأَرْضِ: فَهُوَ حِجْرٌ، وَمِنْهُ سُمِّيَ حَطِيمُ البَيْتِ حِجْرًا، كَأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ مَحْطُومٍ، مِثْلُ قَتِيلٍ مِنْ مَقْتُولٍ، وَأَمَّا حَجْرُ اليَمَامَةِ: فَهْوَ مَنْزِلٌ.
(ص) ((وكيل): حفيظ ومحيط به)، يريد ﴿لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: ٦٦]، ونزل هذا قبل الأمر بالقتال، وأما قوله: ﴿تَتَّخِذُواْ مِن دُونِى وَكِيلاً﴾ [الإسراء: ٢]، قيل: يكون شريكا، أي: تكون أموركم إليه، وقيل: كافٍ، وقيل: كفيل.
(ص) (﴿قُبُلًا﴾ جمع قبيل) هو بضم القاف، قال ابن التين: ضبط في بعض الأمهات بكسر القاف وفتح الباء وليس ببين، وإنما يكون جمعًا إذا كان بضم القاف والباء.
ثم قال البخاري: (والمعنى أنه ضروب من العذاب كل ضرب منها قبيل).
قلت: بمعنى كفيل، أي: لو كفل لهم الملائكة وغيرهم بصحة هذا، لم يؤمنوا، كقوله: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢].
стр. 13335
وقيل: يجوز أن يكون معنى (قبلا) مقابلًا، مثل: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ [يوسف: ٢٦] ومعنى قِبَلا بكسر القاف وفتح الباء: معاينة (١)، وقُبُلا استئنافًا.
(ص) (﴿زُخْرُفَ﴾: كل شيء حسنته أو وشيته وهو باطل فهو زخرف). أصل الزخرف الذهب، ثم جعلوا كل مزين مزخرفًا منه، أو يكون كذهب من زخرف أي من ذهب. وقيل: أصله التزيين، وكذلك قيل للذهب: زخرف.
(ص) (﴿وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾: حرام، وكل ممنوع فهو حِجْر محجور، والحِجْر: كل بناء بنيته، ويقال للأنثى من الخيل: حِجْر، ويقال للعقل: حِجْر وحِجى، وأما الحجر: فموضع ثمود، وما حجَّرت عليه من الأرض: فهو حِجْر، ومنه سُمِّيَ حطيم البيت: حِجْرًا، كأنه مشتق من محطوم، مثل قتيل من مقتول، وأما حَجْر اليمامة: فهو منزل)
قلت: حجر اليمامة -بفتح الحاء- قصبة اليمامة. وحجْر الإنسان بالفتح والكسر. والحجر: الحرام -مثلث الحاء- والكسر أفصح. قاله الجوهري (٢)، وقرئ بهن في قوله: ﴿وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ (٣).
ولمسلم: "ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض" (١).
قال ابن مسعود: يطلع معها القمر في وقت واحد كأنهما بعيران، ثم قرأ: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)﴾ [القيامة: ٩] (٢).
واختلف في أوائل الآيات، ففي مسلم عن ابن عمرو: "أول الآيات طلوع الشمس وخروج الدابة وأيهما كانت قبل صاحبتها، فالأخرى على إثرها قريبًا منها" (٣)، وروى نعيم بن حماد من حديث إسحاق بن أبي فروة، عن زيد بن أبي عتاب، سمع أبا هريرة ﵁ مرفوعًا: "خمس لا يدرى أيتهن أول الآيات. وأيتهن جاءت لم تنفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ويأجوج ومأجوج، والدخان، والدابة" (٤).
وقيل: خروج الدجال؛ ويرجحه قوله ﵇: "إن الدجال خارج فيكم لا محالة"، فلو كانت الشمس طلعت قبل ذلك من مغربها لم ينفع اليهود إيمانهم أيام عيسى، ولو لم ينفعهم لما صار الدين واحدًا بإسلام من أسلم منهم، فإذا قبض عيسى ومن معه من المؤمنين يبقى الناس حيارى سكارى، فرجع أكثرهم إلى الكفر والضلالة، ويستولي أهل الكفر على من بقي من أهل الإسلام، فعند ذلك تطلع الشمس من مغربها، وعنده يرفع القرآن، ثم يأتي الحبشي الكعبة فيهدمها، ثم
стр. 13338
تخرج الدابة، ثم الدخان، ثم الرياح تلقي الكفار في البحر، ثم النار التي تسوق الناس إلى المحشر، ثم الهدة. أراد أن ذلك أول الآيات العظام، أول الآيات في زمان ارتفاع التوبة والطبع على كل قلب بما هو فيه.
ويروى من حديث أبي هريرة فيما ذكره الثعلبي مرفوعًا في حديث طويل: "تحبس الشمس عن الناس -حين تكثر المعاصي، ويذهب المعروف- مقدار ليلة تحت العرش، كلما استأذنت ربها من أين تطلع لا تجاب حتى يوافيها القمر صفحة منها، وتستأذن من أين تطلع فلا تجاب حتى يحبسا مقدار ثلاث ليالٍ للشمس وليلتين للقمر، فلا يعرف طول تلك إلا الموحدون، وهم يومئذ قليل، فإذا تم لهما مقدار ثلاث ليالٍ أرسل الله إليهما جبريل يأمرهما أن يرجعا إلى مغاربهما فيطلعا منه ولا ضوء لهما ولا نور فيطلعان أسودين مثل كسوفهما، فذلك قوله: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)﴾ و ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾ فإذا بلغوا سرة السماء، أخذ جبريل بغروبهما ويردهما إلى المغرب فلا يغربهما من مغاربهما ولكن يغربهما من باب التوبة ثم يرد المصراعين، ثم يلتئم بابيهما فيصير كأنه لم يكن بينهما صدع، فذلك قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨] تْم إنهما يكسفان بعد ذلك الضوء والنور ويطلعان ويغربان".
وروى نعيم بن حماد من حديث ابن عيينة عن عاصم، سمع زرًا عن صفوان بن عسال يرفعه: "إن بالمغرب بابًا للتوبة مسيرة عرضه سبعون أو أربعون عامًا لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها" ثم تلا هذِه الآية ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ الآية. وخرجه الترمذي وصححه (١).
стр. 13339
وروى الطبراني في "الأوسط" بسند فيه ابن لهيعة من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "إذا طلعت الشمس من مغربها خر إبليس ساجدًا ينادي: إلهي مرني أن أسجد لمن شئت، فيجتمع إليه زبانيته، فتقول: ما هذا التضرع؟ فيقول: إني سألت ربي أن ينظرني إلى يوم الوقت المعلوم، وهذا الوقت المعلوم، ثم تخرج دابة الأرض من صدع في الصفا فأول خطوة تضعها بأنطاكية، ثم تأتي إبليس فتلطمه" ثم قال: لا يروى هذا الحديث عن عبد الله إلا بهذا الإسناد، وتفرد به عثمان بن سعيد (١).
وروى ابن خالويه في "أماليه" من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي حميد الحميري عنه مرفوعًا "يبقى الناس بعد طلوع الشمس من مغربها عشرين ومائة سنة" ورواه نعيم بن حماد في كتابه عن وكيع، عن إسماعيل موقوفًا (٢)، وذكر نحوه ابن عباس مرفوعًا فيما ذكره ابن النقيب، وروى نعيم من حديث [حماد بن سلمة عن علي بن زيد] (٣)، عن العريان بن الهيثم سمع عبد الله بن عمرو قال: لا تقوم الساعة حتى تعبد العرب ما كان يعبد آباؤها عشرين ومائة عام بعد نزول عيسى وبعد الدجال (٤) ومن حديث ابن لهيعة، ثني ابن عمرو: إن الشمس والقمر يجمعان في السماء في منزلة بالعشي، فيكون النهار سرمدًا عشرين سنة (٥).
стр. 13340
وفي رواية عنه: يقال للشمس: اطلعي من حيث غربت فمن يومئذ حتى يوم القيامة ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ (١) زاد البيهقي في: "البعث والنشور" عنه: وهي فيما بلغنا أول الآيات (٢).
وروى نعيم عن كثير بن مرة، ويزيد بن شريح، وعمرو بن سليمان قالوا: أخر طلوع الشمس من المغرب يوم واحد (٣) فقط، فيومئذ يطبع على القلوب بما فيها، وترفع الحفظة والعمل، وتؤمر الملائكة أن لا يكتبوا عملا وتفزع الشمس والقمر خوفا من قيام الساعة (٤).
قلت: ووجهه: أنا خُلقنا للعبادة فإذا انقطعت فلا فائدة في القرار.
وعن وهب: طلوع الشمس الآية العاشرة وهي آخر الآيات، ثم تذهل كل مرضعة عما أرضعت (٥).
وعن ابن لهيعة إلى عبد الله مرفوعًا: "لا تلبثون بعد يأجوج ومأجوج إلا قليلا حتى تطلع الشمس من مغربها، فيقول من لا خلاق له: ما نبالي إذا رد الله علينا ضوءها من حيث ما طلعت من مشرقها أو مغربها، قال: فيسمعون نداء من السماء: يا أيها الذين آمنوا قد قبل منكم إيمانكم ورفع عنكم العمل. ويا أيها الذين كفروا قد أغلق عنكم باب التوبة، وجفت الأقلام، وطويت الصحف فلا يقبل من أحد توبة ولا إيمان إلا من آمن من قبل ذلك، ولا يلد بعد ذلك المؤمن إلا مؤمنا، والكافر إلا كافرًا، ويخر إبليس ساجدًا. يقول لأعوانه: هذِه الشمس قد طلعت من مغربها