قلت: أخرجه مسلم من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب مرفوعًا (١).
قال أبو العباس الدمشقي: وروي عن ابن أبي ليلى قوله.
وقال الترمذي: إنما أسندها حماد ورواه سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قوله (٢).
قلت: أسنده سفيان بن سعيد، عن عطاء بن السائب، عن ابن أبي ليلى، عن صهيب وشعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب مرفوعًا بزيادة: "الحسنى شهادة أن لا إله إلا الله" رواهما ابن مردويه، وذكر له شاهدًا من حديث أبي بن كعب وغيره من الصحابة، وحكاه مرفوعًا عن الصديق (٣)، وذكره البيهقي في "بعثه" من حديث جابر (٤).
(ص) (﴿الْكِبْرِيَاءُ﴾: المُلْكُ) أسنده أبو محمد بن أبي حاتم من حديث ابن أبي نجيح عنه، وفي رواية الأعمش عنه: الكبرياء في الأرض: العظمة (٥).
стр. 13442
[باب] قوله: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ﴾ الآية
﴿نُنَجِّيكَ﴾ [يونس: ٩٢] نُلْقِيكَ على نَجْوَةٍ مِنَ الأَرْضِ، وَهْوَ النَّشَزُ المَكَانُ المُرْتَفِعُ.
٤٦٨٠ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَالْيَهُودُ تَصُومُ عَاشُورَاءَ فَقَالُوا هَذَا يَوْمٌ ظَهَرَ فِيهِ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَصْحَابِهِ: «أَنْتُمْ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْهُمْ، فَصُومُوا». [انظر: ٢٠٠٤ - مسلم: ١١٣٠ - فتح: ٨/ ٣٤٨]
(ص) (﴿نُنَجِّيكَ﴾: نُلْقِيكَ عَلَى نَجْوَةٍ مِنَ الأَرْضِ) أي: موضع مرتفع (وَهْوَ النَّشَزُ وهو المَكَانُ المُرْتَفِعُ) قيل: السِّرُّ فيه أنهم كانوا يعبدونه فأراهم الله إياه بعد غرقه، وقيل: غرق هو وقومه فخرج وحده، وقرئ بالحاء (١)، أي: ننحيك وحدك. وقيل: ببدنك، وقيل: بجسدك. أي: عريانًا بغير روح) (٢).
ساق فيه حديث أَبِي بِشْرٍ -وهو جعفر بن أبي وحشية إياس الواسطي- عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ .. الحديث في صوم عاشوراء، وقد سلف في الصوم من حديث عبد الله بن سعيد بن جبير، عن عمه، عن ابن عباس فراجعه، وأخرجه في الهجرة (٣)،
стр. 13443
ويأتي في طه (١)، قال مقاتل: وذلك أن بني إسرائيل قالوا: إن القبط لم يغرقوا، فأوحى الله إلى البحر فطفا بهم على وجهه، فنظروا إلى فرعون على الماء فمنذ يومئذ إلى يوم القيامة تطفو الغرقى على الماء فذلك. قوله: ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ يعني: لمن بعدك إلى يوم القيامة. وعند الثعلبي: فقالت بنو إسرائيل لما أخبرهم موسى بهلاك القبط: ما مات فرعون ولا يموت أبدًا، فأمر تعالى البحر فألقى فرعون على الساحل أحمر قصيرًا كأنه ثور، فرآه بنو إسرائيل فمن ذلك الوقت لا يقبل البحر ميتا أبدًا. فإن قلت: فقد ذكر بعد أن نوحًا لما أرسل الغراب لينظر له الأرض رأى جيف الغرقى فلهى بها عن حاجة نوح. قلت: الماء قد نضب فإذًا رأى الجيف، وهنا إنما هو وجوده واستقراره.
فائدة:
ذكر ابن أبي حاتم بإسناده عن السدي قال: خرج موسى في ستمائة ألف وعشرين ألف مقاتل لا يعدون ابن عشرين سنة لصغره، ولا ابن ستين لكبره، ومعهم فرعون وعلى مقدمته هامان في ألف ألف وسبعمائة ألف حصان ليس فيها أنثى (٢). وقال ابن عباس رفعه: "كان مع فرعون سبعون قائدًا مع كل قائد سبعون ألفًا" ذكره ابن مردويه.
فائدة:
البحر الذي غرق فيه فرعون -واسمه الوليد بن مصعب بن الريان أبو مرة. وقال الثعلبي: أبو العباس من بني عمليق بن لاود بن أرم بن
стр. 13444
سام بن نوح- القلزم -بضم القاف وحكى ابن السمعاني فتحها- موضع على ساحل البحر بين مصر ومكة (١)، وكنيته أبو خالد لطول بقائه.
فائدة:
وصح من حديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا "إن جبريل حثى فى في فرعون التراب حين ألجمه الغرق خشية أن تدركه الرحمة" صححه ابن حبان (٢) والحاكم وقال: إنما لم يخرجاه؛ لأن أكثر أصحاب شعبة وقفوه على ابن عباس (٣)، وله شاهد فذكره، وحسنه الترمذي وصححه مرة واستغربه (٤). قلت: وله شواهد أخر (٥). وفي "تفسير ابن مردويه" ومن حديث أبي هريرة (٦) وابن عمر مرفوعًا (٧).
стр. 13445
١١ - ومن سورة هُودٍ ﷺ -
وَقَالَ أَبُو مَيْسَرَةَ: الأَوَّاهُ الرَّحِيمُ بِالْحَبَشِيَّةِ. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: (بَادِئَ الرَّأي) مَا ظَهَرَ لَنَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿الْجُودِيِّ﴾ جَبَلٌ بِالْجَزِيرَةِ. وَقَالَ الحَسَنُ: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ﴾ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿أَقْلِعِىِ﴾ أَمْسِكِي. ﴿عَصِيبٌ﴾ شَدِيدٌ. ﴿لَا جَرَمَ﴾ بَلَى. ﴿وَفَارَ اَلتَّنُّورُ﴾ نَبَعَ المَاءُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: وَجْهُ الأَرْضِ. [فتح: ٨/ ٨٤٨]
هي مكية، وقيل: إلا آية ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ﴾ [هود: ١٢] وقال مقاتل: إلا آيتين ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [هود: ١١٤] و ﴿أُولَئِكَ يُؤمِنُونَ بِهِ﴾ [هود: ١٧] نزلت في ابن سلام وأصحابه (١).
(ص) (وَقَالَ أَبُو مَيْسَرَةَ: الأَوَّاهُ: الرَّحِيمُ بِالْحَبَشِيَّةِ) وقد سلف الكلام فيه في براءة.
(ص) (وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: (بَادِي الرَّأي) مَا ظَهَرَ لَنَا) هذا أسنده أبو محمد من حديث عثمان بن عطاء، عن أبيه، عنه (٢)، كما سلف في أحاديث الأنبياء.
(ص) (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: [اْلْجُودِيِّ﴾: جَبَل بِالْجَزِيرَةِ) هذا أسنده أبو محمد من حديث ابن أبي نجيح عنه كما سلف: تشامخت الجبال وتطاولت وتواضع هو لله فلم يغرق، فأرست عليه السفينة (٣). وقيل: إن جبل الجودي بالموصل، وقيل: بآمد وهما من الجزيرة. وقال ياقوت: إنه جبل مطل على جزيرة ابن عمر على دجلة فوق الموصل،
стр. 13446
بالقرب من قرية ثمانين (١). قال بعضهم: أكرم الله ثلاثة جبال بثلاثة أنبياء: حراء بنبينا، والجودي بنوح، والطور بموسى صلى الله عليهم وسلم.
وقال عمر فيما ذكره ابن مردويه: لما استوت السفينة على الجودي لبث نوح ما شاء الله ثم أذن له فهبط على الجبل، ودعا الغراب فقال: ائتني بخبر الأرض، فانحدر الغراب على الأرض وفيها الغرقى من قوم نوح، فجعل يأكل فأبطأ على نوح فلعنه، ودعا الحمامة فأمرها فلم تلبث إلا قليلًا حتى جاءته تنفض وريشة في منقارها، فقالت: اهبط فقد أنبتت الأرض، فبارك نوح فيها وفي بيت يأويها وأن تحبب إلى الناس، وقال: ولولا أن يغلبك الناس على نفسك لدعوت الله أن يجعل رأسك من ذهب (٢).
وذكر الثعلبي أن طول السفينة ألف ذراع ومائتا ذراع وعرضها ستمائة ذراع، وكانت ثلاث طبقات، طبقة فيها الدواب والوحش، وطبقة فيها الإنس، وطبقة فيها الطير وكانت من الساج. وفي رواية: طولها ثمانون ذراعًا وعرضها خمسون ذراعًا، وبابها في عرضها، وارتفاعها في السماء ثلاثون ذراعًا.
(ص) (وَقَالَ الحَسَنُ: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ﴾ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ) هذا أسنده أبو محمد الحنظلي من حديث أبي المليح عنه (٣).
стр. 13447
(ص) (وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿أَقْلِعِي﴾ أَمْسِكِي. ﴿عَصِيبٌ﴾ شَدِيدٌ. ﴿لَا جَرَمَ﴾ بَلَى. ﴿وَفَارَ اَلنَّنُّوُر﴾ نَبَعَ المَاءُ) هذا رواه أيضا من حديث علي بن طلحة عنه (١).
(وَقَالَ عِكْرِمَةُ: وَجْهُ الأَرْضِ) يقال: أقلعت السماء بعدما أمطرت: إذا أمسكت.
قال أبو عبيدة: إنما قيل له: عصيب، لأنه يعصب الناس بالسكر (٢). و [لا] (٣) جرم: لابد، ولا محالة. وأصله من جرم. أي: كسب.
وقوله: (﴿وَفَارَ﴾ نبع) أي: ظهر على وجه الأرض، وقيل لنوح: إذا رأيت الماء على وجه الأرض فاركب أنت وأصحابك في السفينة.
وهو قول ابن عباس وعكرمة والزهري. وعن ابن عباس: يريد التنور الذي يخبز فيه. قال الحسن: كان تنورًا من حجارة (٤).
(ص) (﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾) إلى قوله: (﴿الصُّدُورِ﴾).
يقال: ثنيت الشيء ثنيًا إذا عطفته وطويته، وكان طائفة من المشركين يقولون: إذا أغلقنا أبوابنا وأرخينا ستورنا واستغشينا ثيابنا وثنينا صدورنا على عداوة محمد كيف يعلم بنا، فأخبر الله تعالى عما كتموه.
ومعنى ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾: يطوونها على عداوته. قال قتادة: وذلك أخفى ما يكون من ابن آدم إذا ثنى صدره واستغشى ثيابه وأضمر همه في نفسه (١). ومعنى ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ ليتواروا عنه ويكتموا عداوته، فقال تعالى ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور﴾ أي: النفوس.
قاله ابن عباس. وقيل: استخفوا من الله. قال الواحدي: نزلت في الأخنس بن شريق وكان رجلًا حلو الكلام يلقى رسول الله ﷺ بما يحبه وينطوي بقلبه على ما يكره فنزلت (٢). وقرأ الجمهور: (لا يَثنون) بفتح الياء، وعن سعيد بن جبير ضمها. وستأتي له تتمة بعد.
(ص) (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿وَحَاقَ﴾: نَزَلَ، يَحِيقُ: يَنْزِلُ) أي: العذاب.
(ص) (يَئُوسٌ: فَعُولٌ مِنْ يَئِسْتُ) أي لشديد اليأس من رحمة الله وسعة رزقه كفور لنعمته.
(ص) (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿تَبْتَئِسْ﴾: تَحْزَنْ) هو قول الفراء (٣) والزجاج، وقال ابن عباس: لا تغتم (٤).
стр. 13450
(ص) (﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ شَكٌّ وَامْتِرَاءٌ فِي الحَقِّ) قد سلف، وقد أخرجه أبو محمد عن مجاهد (١).
(ص) (﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾: مِنَ اللهِ إِنِ اسْتَطَاعُوا) وقد سلف أيضا.
تم ساق عن مُحَمَّدٍ بنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابن عَبَّاسٍ يَقْرَأُ: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ﴾ (٢) فسَأَلْتُهُ عَنْهَا فَقَالَ أُنَاسٌ كَانُوا يَسْتَحْيُونَ أَنْ يَتَخَلَّوْا فَيُفْضُوا إِلَى السَّمَاءِ، وَأَنْ يُجَامِعُوا نِسَاءَهُمْ فَيُفْضُوا إِلَى السَّمَاءِ، فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ.
ثم رواه بعد ذلك وفيه: قُلْتُ: يَا أَبَا العَبَّاسِ مَا هو؟ فذكره.
(تَثْنَوْنِي) على وزن يحلولي جعل الفعل للصدور. أي: تلتوي، ووزن (تَثْنَوْنِي) تَفْعَوْعِل على بناء المبالغة فى ميل الصدور والعطف. كما تقول: استوسقت الإبل: اجتمعت، واعشوشبت الأرض، واحلولت الدنيا، ونحو ذلك، وماضي (تثنوني): اثنونيت، وهو بكسر النون الأخيرة. قال ابن التين: وروي بفتحها، وليس بالبين. قلت: وروي بالمثناة فوق وتحت أيضا، وقيل: بحذف النون الأخيرة على وزن ترعوي.
وقوله: (يتخلوا) روي بالخاء المعجمة من الخلوة، وبالمهملة، حكاهما ابن التين، ثم قال عن الشيخ أبي الحسن أن الثاني أحسن، ولعله يريد أنه يرقد على حلاوة قفاه، فيقال: يحلا (٣).
стр. 13451
وقوله: (فيفضوا إلى السماء) أي: يكشفون حتى يراهم من فيها. يقال: أفضى الرجل إلى امرأته: إذا باشرها.
ثم روى عن عَمْرِو قَالَ: قَرَأَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾.
ثم قال: (وَقَالَ غَيْرُهُ: عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﴿يَسْتَغْشُونَ﴾: أنهم يُغَطُّونَ رُءُوسَهُمْ). مراده بالغير: غير عمرو بن دينار، وقد رواه أبو محمد، عن أبيه، عن أبي صالح، ثنا معاوية، عن علي بن طلحة، عن ابن عباس به (١).
(ص) (﴿سِيءَ بِهِمْ﴾: سَاءَ ظَنُّهُ بِقَوْمِهِ) لأنهم أتوه في صورة غلمان جرد فلما نظر إلى حسن وجوههم وطيب روائحهم أشفق عليهم من قومه.
(ص) (﴿وَضَاقَ بِهِمْ﴾: بِأَضْيَافِهِ) أي: ضاق صدره، وعظم المكروه عليه، قال الزجاج: يقال: ضاق زيد بأمره ذرعًا: إذا لم يجد بالمكروه فيه مخلصا (٢).
(ص) (﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾: بِسَوَادٍ) من الليل، أي: سواد يغشى بعد مضي قطعة صارت منه، وهذا وما قبله أسنده أبو محمد عن ابن عباس (٣).
(ص) (﴿سِجِّيلٍ﴾: الشَّدِيدُ الكَبِيرُ. سِجِّيلٌ وَسِجِّينٌ، وَاللَّامُ وَالنُّونُ أُخْتَانِ، وَقَالَ تَمِيمُ بْنُ مُقْبِلٍ:
стр. 13452
وَرَجْلَةٍ يَضْرِبُونَ البَيْضَ ضَاحِيَةً … ضَرْبًا تَوَاصَى بِهِ الأَبْطَالُ سِجِّينَا
وذكر البخاري في تفسير سورة الفيل عن ابن عباس: ﴿سِجِّيلٍ﴾ سَنْك، وَكِلْ بالفارسية. فسنك: حجر، وكل: طين.
وهذا البيت هو لتميم بن مقبل، وهو من جملة قصيدة ذكر فيها ليلى زوج أبيه، وكان خلف عليها، فلما فرق بينهما الإسلام ذكرها، وقال: تواصت. بدل: تواصى.
و (رجلة) قال ابن التين: رويت بفتح الراء وكسر الجيم جمع راجل، وروي بكسر الراء والجيم أي: ذي رجلة. قال: والبيض بفتح الباء جمع بيضة، أراد: بيضة الحديد.
ومعنى ضاحية: ظاهرة. يقال: ضحى يضحى، وضحا يضحا: إذا أصابته الشمس، ومنه: ﴿وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٩] والمعنى: أنهم يضربون مواضع البيض وهي التروس. وقال الحسين بن الفضل النيسابوري (١): هو فعيل من السجن، فإنه يثبت من وقع فيه فلا يبرح مكانه.
وقال المؤرج: سجين وسجيل، أي: دائم. ورواه ابن الأعرابي: سخينًا بالخاء المعجمة، أي: سخنًا حارًّا. يعني: الضرب. وعند أبي نصر: هي حجارة من سجيل طبخت بنار جهنم -أعاذنا الله منها- متكوب عليها أسماء القوم (٢).
قال الأزهري: لما أعربته العرب صار فيها (٣).
стр. 13453
وقال غيره: إنه عربي. وقال مجاهد: هو بالفارسية (١). وقيل إنه اسم لسماء الدنيا. وقال عكرمة: سجيل: بحر معلق في الهواء بين السماء والأرض منها نزلت الحجارة. وقيل: هو جبال في السماء، وهي التي أشار الله إليها بقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [النور: ٤٣] وقيل غير ذلك. وقال قتادة: ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾: من طين يؤيده قوله في موضع آخر: ﴿حِجَارَةً مِّن طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣] (٢) وأنكر على البخاري تفسير السجين بالشديد؛ إذ لو كان كذلك لكان حجارة سجيلا؛ لأنه لا يقال: حجارة من شديد؛ لأن شديدًا نعت.
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضا والترمذي والنسائي وابن ماجه (١).
ومعنى: "لَا تَغِيضُهَا" أي: لا تنقصها يقال: غاض الماء: يغيض. و ("سحاء"): دائمة الصب والهطل بالعطاء، أصله السيلان، يريد: كأنها لامتلائها بالعطاء تسيل الليل والنهار، وروي: سحًّا. بالتنوين على المصدر. ومعنى: "بيده الميزان" إلى آخره: قسمته بالعدل. وأئمة السنة على وجوب الإيمان بهذا وأشباهه من غير تفسير، بل يجري على ظاهره، ولا يقال: كيف.
(ص) (﴿اعْتَرَاكَ﴾: افْتَعَلْتَ مِنْ عَرَوْتُهُ، أَيْ: أَصَبْتُهُ، وَمِنْهُ: يَعْرُوهُ، وَاعْتَرَانِي) أسنده أبو محمد من حديث ابن أبي نجيح، عن مجاهد (٢).
(ص) (﴿آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ أَيْ: فِي مِلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ، ﴿عَنِيدٍ﴾ وَعَنُودٌ وَعَانِدٌ وَاحِدٌ، هُوَ تَأْكِيدُ التَّجَبُّرِ) هو كما قال.
(ص): (﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ﴾: جَعَلَكُمْ عُمَّارًا) أسنده أبو محمد أيضا عن مجاهد (٣) كما سلف. (أَعْمَرْتُهُ الدَّارَ فَهْى عُمْرى: جَعَلْتُهَا لَهُ) قلت: أي: هبة.
(ص) (﴿نَكِرَهُمْ﴾: وَأَنْكَرَهُمْ وَاسْتَنْكَرَهُمْ وَاحِدٌ) أي: خاف من امتناعهم عن طعامه.
(ص) (﴿حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾: كَأَنَّهُ فَعِيلٌ مِنْ مَاجِدٍ. مَحْمُودٌ مِنْ حَمِدَ) أي: وهو ذو الشرف والمجد والكرم.
(ص) (﴿وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ يَقُولُ: لَمْ تَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ، وَيُقَالُ إِذَا لَمْ يَقْضِ الرَّجُلُ حَاجَتَهُ: ظَهَرْتَ بِحَاجَتِي وَجَعَلْتَنِي ظِهْرِيًّا، وَالظِّهْرِيُّ ههنا: أَنْ تَأْخُذَ مَعَكَ دَابَّةً أَوْ وِعَاءً تَسْتَظْهِرُ بِهِ) قلت: [سلف] (١) في بدء الخلق، الظهري الذي ينساه ويغفل عنه. قال ابن عباس: يريد: ألقيتموه خلف ظهوركم، وامتنعتم من قتلي مخافة قومي، والله أكبر وأعز من جميع خلقه (٢).
(ص) (﴿أَرَاذِلُنَا﴾: أسقاطنا) أي: أحسابا. (﴿إِجْرَامِي﴾ مَصْدَرُ أَجْرَمْتُ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: جَرَمْتُ) قلت: فمعنى الآية: فعليَّ إثم إجرامي أو عقوبة إجرامي، فحذف المضاف. والإجرام: اكتساب السيئة. يقال: أجرم فهو مجرم، ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾ من الكفر والتكذيب.
(ص) (﴿الْفُلْكَ﴾ وَالْفَلَكُ: وَاحِدٌ وَهْيَ السَّفِينَةُ وَالسُّفُنُ) وقد سلف صفتها. وقال ابن التين ضبط بالإسكان في بعض الروايات، وفي بعضها بالفتح وهو أبين. قال ابن فارس: الجمع والواحد في هذا الاسم سواء (٣)، واستدل غيره على صحة ذلك بقوله: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] وقوله: ﴿الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩] يقال: الواحد فلك بفتح الفاء واللام والجمع بضم الفاء
стр. 13458
وسكون اللام. وقال بعض الأعراب: الفلك هو المعرج إذا ماج البحر واضطرب.
(مجراها): مسيرها. ﴿مُرْسَاهَا﴾: موقفها، (وَهْوَ مَصْدَرُ أَجْرَيْتُ، وَأَرْسَيْتُ حَبَسْتُ) أي: بأمر الله إجراؤها وإرساؤها. (وَيُقْرَأُ: مَرْسَاهَا مِنْ رَسَتْ هِيَ، وَ (مَجْرَاهَا) مِنْ جَرَتْ هِيَ وَمُجْرِيهَا وَمُرْسِيهَا: مِنْ فُعِلَ بِهَا. ﴿رَّاسِيَاتٍ﴾: ثَابِتَاتٌ)
قلت: الفتح قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم. والباقون بالضم. واتفقوا على الضم في ﴿مُرْسَاهَا﴾. وقرأ الحسن وغيره بفتحها (١). وقرئ أيضا في الشواذ مجرايها ومرسايها بإبدال الألف ياء فيهما (٢). وقرئ -فيما حكاه الثعلبي- مجاراها بضم الميم. قال الزجاج: إنما قرأ (مجراها) بالفتح، فالمعنى: بالله جريها، (ومرساها) المعنى: وبالله يقع إرساؤها. ومن قرأ بالضم فيهما فالمعنى: بالله إجراؤها وبالله إرساؤها. يقال: أجريته فجرى وأجرى بمعنى، ومن قال بالفتح فهو من جرت جريا ومجرى، ورست رسوًا ومرسًا. والمرسا: المستقر، والمعنى: أن الله أمرهم أن يسموا في وقت جريها واستقرارها. و (مجراها) موضع خفض على الصفة، ويجوز بالياء ( … ) (٣) وإن لم تقرأ على [ … ] (٤)، أي: مجريا ومرسا أو على المدح، ويجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار هو مجريها ومرسيها.
стр. 13459
قال ابن عباس: تجري باسم الله وترسي باسم الله، وقال: كان إذا أراد أن يدعو قال: باسم الله، فرست هاذا أراد أن تجري قال: باسم الله، فجرت. وفي الحديث من طريق ابن عباس ﵄: "أمان لأمتي إذا هم ركبوا السفن أو البحر أن يقولوا: سبحان الملك ﴿مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ إلى آخر الآيات [الزمر: ٦٧]، ﴿بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ " (١).
стр. 13460
٤ - [باب] قَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]
وَاحِدُ الأَشْهَادِ: شَاهِدٌ، مِثْلُ: صَاحِبٍ وَأَصْحَابٍ.
٤٦٨٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ وَهِشَامٌ قَالَا: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ قَالَ: بَيْنَا ابْنُ عُمَرَ يَطُوفُ إِذْ عَرَضَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ -أَوْ قَالَ يَا ابْنَ عُمَرَ- سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ فِي النَّجْوَى؟ فَقَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «يُدْنَى الْمُؤْمِنُ مِنْ رَبِّهِ -وَقَالَ هِشَامٌ يَدْنُو الْمُؤْمِنُ- حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ: تَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ يَقُولُ: أَعْرِفُ، يَقُولُ: رَبِّ أَعْرِفُ -مَرَّتَيْنِ- فَيَقُولُ: سَتَرْتُهَا فِي الدُّنْيَا وَأَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ- ثُمَّ تُطْوَى صَحِيفَةُ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الآخَرُونَ أَوِ الْكُفَّارُ فَيُنَادَى عَلَى رُءُوسِ الأَشْهَادِ: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ١٨]. وَقَالَ شَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ. [انظر: ٢٤٤١ -
مسلم: ٢٧٦٨ - فتح: ٨/ ٣٥٣]
(واحد الأشهاد: شاهد، مثل صاحب وأصحاب). وهم الأنبياء والرسل. وقال مجاهد: الملائكة، وقال زيد بن أسلم: الأشهاد أربعة الأنبياء والملائكة والمؤمنون والأجناد. وقال قتادة فيما ذكره ابن أبي حاتم: الخلائق (١).
(ص) (٢) ثم ساق البخاري من حديث قَتَادَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ قَالَ: بَيْنَما ابن عُمَرَ يَطُوفُ إِذْ عَرَضَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ -أَوْ قَالَ: يَا ابن عُمَرَ- ما سَمِعْتَ رسول الله ﷺ فِي النَّجْوى؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ
٥ - [باب] قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: ١٠٢]
﴿الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود: ٩٩]: العَوْنُ المُعِينُ. رَفَدْتُهُ: أَعَنْتُهُ ﴿تَرْكَنُوا﴾ [هود: ١١٣] تَمِيلُوا ﴿فَلَوْلَا كَانَ﴾ [هود: ١١٦]: فَهَلَّا كَانَ ﴿أُتْرِفُوا﴾ [هود: ١١٦]: أُهْلِكُوا. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦]: شَدِيدٌ وَصَوْتٌ ضَعِيفٌ.
٤٦٨٦ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ اللهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ». قَالَ ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهْيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: ١٠٢]. [مسلم: ٢٥٨٣ - فتح: ٨/ ٣٥٤]
(﴿الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾: العون المعين، رفدته: أعنته) قال مجاهد: أرفدوا يوم القيامة بلعنة أخرى (١).
(ص) (﴿تَرْكَنُوا﴾ تَمِيلُوا) أي: في المحبة ولين الكلام والمودة قاله ابن عباس. قال ابن زيد وغيره: لا تداهنوا الظلمة. وقال أبو العالية: لا ترضوا بأعمالهم (٢).
(ص) (﴿فَلَوْلَا كَانَ﴾: فَهَلَّا كَانَ) وقال ابن عباس: يريد ما كان. ونقل الواحدي عن المفسرين أن معنى (لولا) هنا نفي (٣).
стр. 13463
قال الفراء: لم يكن منهم. يعني: من القرون المهلكة (١). ﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾: ذو.
(ص) (﴿أُتْرِفُوا﴾: أُهْلِكُوا) أي: من تجبرهم وتركهم الحق، والترفه أصله النعمة بالمترف.
(ص) (وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾: شَدِيدٌ وَصَوْتٌ ضَعِيفٌ) أي: الزفير الأول والشهيق الثاني.
وقال الضحاك ومقاتل: الأول نهيق الحمار، والثاني آخره حين فراغه (٢). وقال أبو العالية: الزفير في الحلق، والشهيق في الصدر (٣).
ثم ساق حديث أَبِي مُوسَى ﵁ مرفوعًا: "إِنَّ اللهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ". ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ﴾ الآية.
وأخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه (٤)، وهو من أفلت رباعي، أي: ما يؤخره.
стр. 13464
٦ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هو د: ١١٤]
﴿وَزُلَفًا﴾ [هود: ١١٤]: سَاعَاتٍ بَعْدَ سَاعَاتٍ، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ المُزْدَلِفَةُ، الزُّلَفُ: مَنْزِلَةٌ بَعْدَ مَنْزِلَةٍ وَأَمَّا ﴿زُلْفَى﴾ [سبأ: ٣٧]: فَمَصْدَرٌ مِنَ القُرْبَى، ازْدَلَفُوا: اجْتَمَعُوا ﴿وَأَزْلَفْنَا﴾ [الشعراء: ٦٤]: جَمَعْنَا.
٤٦٨٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ -هُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَجُلاً أَصَابَ مِنَ امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَىِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ [هود: ١١٤]. قَالَ الرَّجُلُ أَلِيَ هَذِهِ؟ قَالَ: «لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتِي». [انظر: ٥٢٦ - مسلم: ٢٧٦٣ - فتح: ٨/ ٣٥٥]
ئم أسند حديث ابن مَسْعُودٍ ﵁، أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنَ امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فأنزل الله عَلَيْهِ ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [هود: ١١٤] .. الحديث.
سلف في الصلاة، وأن الأصح في اسم هذا الرجل أبو اليسر كعب بن عمرو، وهو ابن عباد بن عمرو بن سواد بن غنم بن كعب، شهد العقبة مع السبعين وشهد بدرًا، وهو ابن عشرين، وأسر العباس يومئذ، وكان رجلا قصيرا دحداحة ذا بطن، مات بالمدينة سنة خمس وخمسين وله عقب.
وظاهر ما في البخاري أن المزدلفة سميت بذلك للاجتماع بها، ولعله لاجتماع قريش بها دون عرفة، وقيل: سميت بذلك لقربها من عرفات.
هي مكية إلا أربع آيات ثلاثة في أولها: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧)﴾ وسبب نزولها سؤال اليهود عن أمر يعقوب ويوسف، أو تسلية له عما يفعل به قومه بما فعل إخوة يوسف به. وقال سعد بن أبي وقاص: نزلت: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ فتلاها عليهم زمانًا، فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا، فنزلت: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا﴾ [الزمر: ٢٣] أخرجه الحاكم وقال: صحيح الإسناد (١).
(ص) (وقَالَ فُضَيْلٌ عن حصين، عن مجاهد ﴿مُتَّكَأً﴾. قال فضيل: الأُتْرُجُّ بِالْحَبَشِيَّةِ مُتْكًا. وَقَالَ ابن عُيَيْنَةَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ مُجَاهِدٍ مُتْكًا كُلُّ شَيْءٍ قُطِعَ بِالسِّكِّينِ).
التعليق الأول أخرجه ابن المنذر عن يحيى بن محمد، ثنا مسدد، ثنا يحيى بن سعيد، عن فضيل بن عياض، عن حصين به. وتعليق ابن عيينة أخرجه في "تفسيره". وتعليق فضيل الثاني أخرجه أبو محمد، عن أبيه، عن إسماعيل بن عثمان، ثنا يحيى بن يمان عنه (٢). وقال مجاهد: المتكأ مثقل: الطعام، ومخفف: الأترج. ذكره ابن أبي حاتم (٣)، وضبطه ابن التين عنه في البخاري بضم الميم مخفف، ثم قال: وعنه مثقلًا: الطعام. وعند القرطبي مخفف غير مهموز: هو الأترج بلغة القبط (٤). وقيل: المتكأ: كل ما اتكئ عليه. وقيل: مجلس متكأ فيه.
стр. 13467
وقال البخاري بعد ذلك: (وَالْمُتَّكَأُ مَا اْتَّكَأْتَ عَلَيْهِ لِشَرَابٍ أَوْ لِحَدِيثٍ أَوْ لِطَعَامٍ. وَأَبْطَلَ الذِي قَالَ: الأُتْرُجُّ، أنه لَيْسَ فِي كَلَامِ العَرَبِ الأُتْرُجُّ، فَلَمَّا احْتُجَّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُ المُتَّكَأُ مِنْ نَمَارِقَ فَرُّوا إِلَى شَرٍّ مِنْهُ، فَقَالُوا: إِنَّمَا هُوَ المُتْكُ سَاكِنَةَ التَّاءِ، وَإِنَّمَا المُتْكُ طَرَفُ البَظْرِ، وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لَهَا مَتْكَاءُ، وَابْنُ المَتْكَاءِ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ أُتْرُجٌّ فَإِنَّهُ بَعْدَ المُتَّكَإ).
قلت: ودعوى أن ذلك ليس في كلام العرب من الأعاجيب، فقد قال في "المحكم": المتك: الأترج. وقيل: الزُّمَاوَرْد (١)، وهو ما في "الصحاح" حكاه الفراء. وعن الأخفش: هو الأترج (٢). وقال في "الجامع": المتك: الأترج، وأنشد عليه شعرًا، واحده متكة. وأهل عمان يسمون السوسن المتك، وأما أبو حنيفة الدينوري فزعم أن المتك بالضم: الأترج، قال: وقرأ قوم هذا الحرف بالإسكان، وقالوا: هو الأترج، وكذلك قال ابن عباس، وذكر أن الذي بالفتح هو السوسن، وبنحوه ذكره أبو علي القالي وابن فارس في "المجمل" (٣) وغيرهما.
وقوله: (وابن المتكاء) قيل: هي التي لم تخفض. وقيل: هي التى لا تحبس بولها. وذكر أن عمرو بن العاصي كان في سفر فغنَّى، فاجتمع عليه الناس، فقرأ فتفرقوا فعل ذلك غير مرة، فقال: يا بني المتكاء إذا أخذت في مزامير الشيطان اجتمعتم عليَّ، وإذا أخذت في كتاب الله تفرقتم (٤).
стр. 13468
(ص) (وَقَالَ قَتَادَةُ ﴿لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾: عليم عَامِلٌ بِمَا عَلِمَ) هذا أسنده ابن أبي حاتم من حديث ابن عيينة، عن ابن أبي عروبة، عنه (١).
(ص) (وَقَالَ ابن جُبَيْرٍ صُوَاعٌ: مَكُّوكُ الفَارِسِيِّ الذِي يَلْتَقِي طَرَفَاهُ، كَانَتْ تَشْرَبُ بِهِ الأَعَاجِمُ) هذا رواه ابن أبي حاتم أيضا من حديث أبي بشر عنه (٢). وقيل: الصواع: مشربة الملك. وقيل: هو شيء من فضة شبه المكوك مرصع بالجواهر يُعمل على الرأس وكان المقياس واحد فى الجاهلية.
(ص) (وقال ابن عباس ﴿تُفَنِّدُونِ﴾ أي تُجهلون)، قلت: ونحوه قال أبو عبيدة: لولا أن تسفهونى (٣) وقال مجاهد: لولا أن تقولوا: ذهب عقلك (٤).
(ص) (وقال غيره ﴿غَيَابَتِ﴾: كل شيء غيب عنك شيئًا فهو غيابة)، قلت: ومنه سُميت حفرة القبر غيابة؛ لأنها تغيب المدفون.
(ص) (والجب: الركية التي لم تطو) هو كما قال. قال الحسن: غيابة: قعره. وقال قتادة: أسفله (٥).
(ص) (﴿بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ بِمُصَدِّقٍ لنا) أي: لمحبتك إياه.
(ص) (﴿أَشُدَّهُ﴾ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ فِي النُّقْصَانِ، يُقَالُ بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغُوا أَشُدَّهُمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَاحِدُهَا شَدٌّ).
стр. 13469
اخْتلف في الأشد، قيل: ليس له واحد من لفظه، قاله (أبو عبيد ((١). وقيل: هو جمع واحده: شدة، قاله سيبويه. وقال الكسائي: شد كما في الأصل. وفيه عدة أقوال: من ثمانية عشر إلى ستين. وقال مالك: الحلم. وقال الثعلبي: منتهى شبابه. وشدته: قوته. وقال ابن عباس: ما بين ثماني عشرة إلى ثلاثين (٢).
وقال ابن التين: الأظهر أنه أربعون لقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [القصص: ١٤] وذلك أن النبي لا ينبأ إلا بعد أربعين سنة.
(ص) (﴿شَغَفَهَا﴾ بلغ إِلَى شغَافِهَا وَهْوَ غِلَافُ قَلْبِهَا، وَأَمَّا شَعَفَهَا فَمِنَ المَشْعُوفِ) قيل: الشغاف داء، وقيل: هو حب القلب، وقيل: هو علقة سوداء في صميمه، وهي بفتح الشين كما في كتب أهل اللغة، وضبطه المحدثون بكسرها، ومعنى الكلمة، أي: أصاب حبه شغاف قلبها، كما يقال: كبده إذا أصاب كبده.
وقوله: (وَأَمَّا شَعَفَهَا فَمِنَ المَشْعُوفِ) يقال: فلان شعوف بفلان: إذا بلغ به الحب أقصى المذاهب، مشعوف من شعاف الجبال. أي: أعلاها.
(ص) (﴿أَصْبُ﴾: أَمِيلُ) يقال: صبا إلى اللهو يصبو صبوًا: إذا مال إليه.
(ص) (﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾: مَا لَا تَأْوِيلَ لَهُ) أي: أخلاط رؤيا كاذبة لا أصل لها. والضغث في الأصل: حزمة من الحشيش المختلف.
стр. 13470
وقال البخاري: (الضِّغْثُ: مِلْءُ اليَدِ مِنْ الحَشِيشٍ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَمِنْهُ قوله : ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾) قال: (وقوله: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ وَاحِدُهَا ضِغْثٌ).
(ص) (﴿وَنَمِيرُ﴾ مِنَ المِيرَةِ) أي: نجلب إليه الطعام، يقال: مار أهله يميرهم ميرًا إذا أتاهم بطعام.
(ص) (﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ مَا يَحْمِله بَعِيرٌ) أي: لأنه كان يكال لكل رجل وقر بعير.
(ص) ((أَوى إِلَيْهِ) ضَمَّ إِلَيْه) أي: وأنزله معه.
(ص) (السِّقَايَةُ مِكْيَالٌ) كان يشرب به الملك جعلها يوسف مكيالًا؛ لئلا يكال بغيرها.
(ص) (﴿تَفْتَؤُاْ﴾: لَا تَزَالُ) قلت: قال ابن عباس وغيره. لا تزال تذكر يوسف (١)، وهو المعروف. وعن مجاهد: تفتر (٢).
(ص) (﴿حَرَضًا﴾ مُحْرَضًا، يُذِيبُكَ الهَمُّ) قال ابن عباس: حتى تكون كالشيخ الفاني.
(ص) ((تَحَسَّسُوا): تَخَبَّرُوا) قال ابن عباس: تبحثوا عن يوسف (٣).
قلت: هو بالحاء وبالجيم قريب منه. وقيل: هما واحد. وقيل بالحاء في الخير وبالجيم في الشر. وقيل: بالحاء لنفسه، وبالجيم لغيره. ومنه الجاسوس.
стр. 13471
(ص) (﴿مُزْجَاةٍ﴾ قَلِيلَةٍ) قلت: أو رديئة أوكاسدة أو مدفوعة. قيل: هو متاع الأعراب من سمن وصوف وشبههما. وقيل: وَرِق رديئة لا تجوز إلا توضيعًا.
(ص) (﴿غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللهِ﴾: عَامَّةٌ مُجَلِّلَةٌ) أي: عقوبة تغشاهم وتبسط عليهم.
(ص) (﴿اسْتَيْأَسُوا﴾: يئسوا) من اليأس قال ابن عباس: يريد: من قومهم أن يؤمنوا (١).
(ص) (﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾: اعتزلوا. يقال للواحد: نجي، والاثنين والجمع: نجي والجمع أنجية) (٢) يريد أن النجي يكون للجمع والاثنين والواحد. وقال الأزهري: نجي جمع أنجية، وكذلك قولهم: نجوى (٣). وعند ابن فارس: الواحد نجي (٤)، وقيل مثل ما في الأصل.
стр. 13472
١ - [باب] قوله: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾ الآية [يوسف: ٦]
٤٦٨٨ - وَقَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْكَرِيمُ بْنُ الْكَرِيمِ بْنِ الْكَرِيمِ بْنِ الْكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ». [انظر: ٣٣٨٢ - فتح: ٨/ ٣٦١]
ثم ساق حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "الْكَرِيمُ بْنُ الكَرِيمِ بْنِ الكَرِيمِ بْنِ الكَرِيمِ".
الحديث سلف في مناقب الأنبياء صلى الله عليهم وسلم، والبخاري رواه هنا عن عبد الله بن محمد يعني المسنَدي، كذا هو في الأصول. وأما خلف (١) فذكره في "أطرافه" بلفظ: وقال عبد الله بن محمد.
فائدة: في تسمية إخوة يوسف الأحد عشر: روبيل أكبرهم وشمعون ولاوى ويهوذا وزبالون ويشجر، وأمهم ليا بنت ليان بن ناهز بن آزر، وهي بنت خالة يعقوب ﵇، وولد له من سريتين أربعة نفر: دان ونفثال وجاد وإشر -وقيل: شير- ثم توفيت ليا فتزوج يعقوب أختها راجيل فولدت له يوسف وبنيامين، وماتت راجيل من نفاس بنيامين (٢).
стр. 13473
٢ - [باب] قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧)﴾ [يوسف: ٧]
٤٦٨٩ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَيُّ النَّاسِ أَكْرَمُ؟ قَالَ: «أَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاهُمْ». قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ. قَالَ: «فَأَكْرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللهِ ابْنُ نَبِيِّ اللهِ ابْنِ نَبِيِّ اللهِ ابْنِ خَلِيلِ اللهِ». قَالُوا لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ. قَالَ: «فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِي؟». قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: «فَخِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا». تَابَعَهُ أَبُو أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ. [انظر: ٣٣٥٣ - مسلم: ٨٢٣٧٨ - فتح: ٨/ ٣٦٢]
ذكر فيه حديث أبي هريرة ﵁: قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَيُّ النَّاسِ أَكْرَمُ؟ سلف أيضا في مناقب الأنبياء.
ثم قال: تَابَعَهُ -يعني عبدة- أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ. أي: عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة ﵁.
وهذِه أسندها هناك عن عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة.
و ﴿هَيْتَ﴾ بفتح الهاء والتاء، وهي قراءة سيدنا رسول الله ﷺ ، وقرئ بكسر الهاء وضم التاء مهموز أيضا. أي: تهيأت لك، وأنكرها أبو عمرو، وعن عكرمة أن معناها زينت وحسنت. وقرئ بفتح الهاء وكسر التاء، وبكسر الهاء وفتح التاء (١)، قال الحسن: هي سريانية. وقال مجاهد: عربية (٢). وذكر أبو عبيد عن العرب أنها لا تثني هيت ولا تجمعه ولا تؤنث، وإنما يتميز بما قبله وما بعده.
ثم ساق عن أبي وائل عن ابن مسعود ﵁ ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ قال: إنما نقرؤها كما علمناها.
قلت: ورواه الفراء من حديث الشعبي عنه أيضا أنه قال: أقرأني رسول الله ﷺ أنه هيت لك (٣)، لكن في "تفسير ابن مردويه" عنه أنه قرأ بكسر الهاء وضم التاء.
ثم قال البخاري: (وَعَنِ ابن مَسْعُودٍ: بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ). قلت: أنكر بعضهم الضم، وهو شريح، وقال إنه لا يعجب إنما يعجب من لايعلم (٤).
стр. 13477
وأنكره الزجاج (١)؛ لأنه ليس بعجب الآدميين.
والمعنى المجازاة عليه فسمى المجازاة على الشيء باسم الشيء (٢).
ثم ساق حديث عبد الله بن مسعود ﵁: "اللَّهُمَّ اكْفِنيهِمْ بِسَبْعٍ كسَبْعِ يُوسُفَ".
وقد سلف في الاستسقاء، ويأتي في سورة الروم (٣).
ومعنى (حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ) أذهبته. يقال: سنة حصاء: جرداء لا خير فيها، ومنه حصت البيضة شعر رأسي. أي: حلقته.
ثم قال البخاري: (حَدَّثنَا سعِيدُ بْنُ تَلِيدٍ) وهو: أبو عثمان سعيد بن عيسى بن تليد بالمثناة فوق في أوله الرعيني المصري، مات سنة تسع عشرة ومائتين، وهو من أفراده (١) (ثنا عبد الرحمن بن القاسم) وهو ابن خالد بن جنادة المصري، أبو عبد الله مولى زبيد بن الحارث العتقي فقيه مصر، واسمه: عبد الصمد، يروي عن ورش عن نافع القراءة (٢) (عن بكر بن مضر) وهو: ابن محمد بن حليم بن سلمان المصري، أبو محمد مولى ربيعة بن شرحبيل بن حسنة، ولد سنة اثنتين ومائة، ومات يوم عرفة سنة أربع أو ثلاث وسبعين. يعني: ومائة (٣).
(عن عمرو بن الحارث) وهو: ابن يعقوب أبو أمية مولى الأنصار، المؤدب، المصري، مات سنة ثمان أو تسع وأربعين ومائة عن نيف وخمسين سنة (٤) - عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يَرْحَمُ اللهُ لُوطًا، لَقَدْ كانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ .. " الحديث.
سلف في مناقب الأنبياء من طريق الأعرج، عن أبي هريرة (٥).
стр. 13480
وظاهره أنه كان يأوي في الشدائد إلى الله، وقال مجاهد: الركن الشديد: عشيرته (١).
وابن القاسم هذا صاحب مالك الذي روى عنه سحنون "المدونة"، وعنه: أصبغ وغيره، توفي سنة إحدى وتسعين ومائة، ورد عنه أنه قال: خرجت مع مالك اثنتي عشرة سنة، أنفقت كل مرة ألف دينار.
ونقل ابن التين عن الشيخ أبي الحسن أنه لم يرو عنه في البخاري غير هذا الحديث، وكان من العلماء الزاهدين، وفضائله شهيرة جمة.