← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 13721–13760 · переход к 13726.

стр. 13721

تَمَامِ الآيَتَيْنِ. فَقُلْتُ لَهُ: فَفِي أَيِّ هذا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ فَإِنِّي أُرِيدُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ. هذا الحديث أخرجه مسلم والأربعة (١).

стр. 13722

٥ - [باب] قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ الآية [الأحزاب: ٢٩] وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]: القُرْآنُ وَالسُّنَّةُ. ٤٧٨٦ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عَائِشَةَ -زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ بَدَأَ بِي فَقَالَ: «إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ». قَالَتْ: وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [الأحزاب: ٢٨] إِلَى ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٩]». قَالَتْ: فَقُلْت: فَفِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟! فَإِنِّي أُرِيدُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ، قَالَتْ: ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ. تَابَعَهُ مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، عَنْ مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَأَبُو سُفْيَانَ الْمَعْمَرِىُّ: عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. [انظر: ٤٧٨٥ - مسلم: ١٤٧٥ - فتح: ٨/ ٥٢٠] (قَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ﴾: القُرْآنُ وَالسُّنَّةُ.) هدا رواه الحنظلي عن أحمد بن منصور، ثنا عبد الرزاق، أنا معمر عنه (١). وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عَائِشَةَ -زَوْجَ النَّبِيّ ﷺ قَالَتْ: لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللهِ

стр. 13723

- ﷺ بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ بَدَأَ بِي، قًالَ: "إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي .. " الحديث. ثم قال: تَابَعَهُ مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَأَبُو سُفْيَانَ المَعْمَرِيُّ: عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. الشرح: قوله: (وقال الليث) يجوز أن يكون عن كاتب الليث -أبي صالح عبد الله بن صالح- فإن الحديث عنده وليس هو عند البخاري ممن يخرج له في الأصول إلا في موضع واحد في البيوع (١)، صرح بسماعه منه، وروايته عنه. ومتابعته عبد الرزاق أخرجها ابن ماجه من حديث محمد بن يحيى عنه (٢)، ولما رواه النسائي، عن يونس بن عبد الأعلى، عن يونس بن يزيد وموسى بن علي، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، وعن محمد بن عبدالأعلى، عن محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قال: هذا خطأ، ولا أعلم من الثقات تابع معمرًا على هذِه

стр. 13724

الرواية (١). وأفاد ابن عساكر أن معاوية بن صالح الصدفي رواه عن الزهري، عن عروة، قال الدارقطني: وكذا رواه محمد بن ثور وابن المبارك والحسن بن أبي الربيع الجرجاني. وقوله: (وأبو سفيان المعمري) اسمه محمد بن حميد البصري، ولقب بالمعمري؛ لأنه رحل إلى معمر، مات سنة اثنتين وثمانين ومائتين، روى له مسلم أيضًا. إذا تقرر ذلك: فمما عد من خصائصه - عليه أفضل الصلاة والسلام - أنه كان يجب عليه -على الأصح- تخيير زوجاته بين اختيار زينة الدنيا ومفارقته، وبين اختيار الآخرة والبقاء في عصمته، ولا يجب ذلك على غيره. ووجهه الآية المذكورة وفي سبب نزولها أقوال محل الخوض فيها كتب التفسير، وقد أوضحت القول فيها في كتاب "غاية السول في خصائص الرسول" (٢)، فلما نزلت آية التخيير بدأ بعائشة كما نص عليه في الحديث. وحقيقته أن يجعل الطلاق إلى المرأة، فإن لم تطلق فليس بشيء، كما لو فوتته لا يمضي، فلما بدأ بها اختارته، ثم اخترنه باقي نسائه، وبه قال الأكثرون، وقال الماوردي: إلا فاطمة بنت الضحاك الكلابية، وكان قد دخل بها، فاختارت الحياة الدنيا وزينتها، فسرحها، فلما كان في زمن عمر وجدت تلقط البعر وتقول: إني

стр. 13725

اخترت الدنيا على الآخرة، فلا دنيا ولا آخرة، زاد ابن الطلاع: وكانت تقول: أنا الشقية، قال: وكانت تحته قيلة بنت قيس، وأنه أوصى بتخييرها في مرضه فاختارت فراقه قبل الدخول. وقال الماوردي: هل كان التخيير (بين) (١) الدنيا والآخرة أو بين الطلاق والمقام؟ فيه قولان للعلماء أشبههما بقول الشافعي الثاني، وقال بعد: إنه الصحيح (٢). وكذا فرض الخلاف القرطبي، وعبارته: هل كان في البقاء أو الطلاق، أو بين الدنيا فيفارقهن أو بين الآخرة فيمسكهن ولم يخيرهن في الطلاق، وقال: ذكره الحسن وقتادة، ومن الصحابة: علي، فيما رواه أحمد عنه أنه قال لم يخير رسول الله ﷺ نساءه إلا بين الدنيا والآخرة (٣). وعبارة ابن الجوزي: المعنى في تخييره: إن اخترتن الدنيا فأخبرنني حتى أطلقكن، ولا يكون من تخيير المرأة إذا اختارت نفسها وقع الطلاق، فإنه كناية في حقه، أو يكون جوابًا عن سؤالها فهو كناية من جانبها أيضًا قبلته بلفظ الاختيار. وفرع الماوردي فقال: فعلى الأول لا شيء حتى تطلق، وعلى الثاني فيه وجهان: أحدهما: أن تخييره كتخيير غيره ويرجع فيه إلى نيته ونيتها، وثانيهما: أنه صريح في الطلاق لخروجه مخرج التغليظ.

стр. 13726

وحاصل الخلاف: هل هو صريح أو كناية، ومذهب الأربعة والجمهور، -كما قاله النووي- أن من خير زوجته فاختارته لم يكن ذلك طلاقًا، ولا تقع به فرقة، وروي عن علي وزيد بن ثابت والحسن والليث: أن نفس التخيير يقع به طلقة بائنة، سواء اختارت زوجها أم لا، وحكاه الخطابي وغيره من مذهب مالك، قال القاضي: لا يصح عنه (١). وقال ربيعة: يقع رجعيًّا وإن اختارت زوجها. وحكى الرازي الحنفي خلافًا عن السلف فيمن خير امرأته، فقال علي: إذا اختارت زوجها فواحدة رجعية، أو نفسها فبائنة. وعنه: لا شيء في الأول، وقال عمر (بن) (٢) عبد الله: لا شيء في الثاني، وقال زيد بن ثابت: في (أمرك بيدك) وإن اختارت نفسها رجعية. وقال أبو حنيفة وصاحباه وزفر في الخيار: إن اختارت زوجها فلا شيء، أو نفسها فبائن إذا أراد الزوج الطلاق، ولا يكون ثلاثًا وإن نوى، وقال ابن أبي ليلى والأوزاعي والثوري: إن اختارت زوجها فلا شيء أو نفسها فواحدة، وقال مالك في الخيار: إنه ثلاث إذا اختارت نفسها، وإن طلقت نفسها واحدة لم يقع شيء (٣)، وحكى سحنون عن أكثر أصحابهم أنها طلقة بائنة، وقيل: رجعية (٤). قال ابن المنذر: قول عائشة- ﵂ (خيرنا رسول الله ﷺ فلم يعد ذلك علينا شيئًا) دال على اختيارها زوجها لم يكن طلاقًا،

стр. 13727

بخلاف اختيارها نفسها، وأن المخيرة إذا اختارت نفسها فهي مطلقة، بهذا، يملك زوجها رجعتها. ثم حكى عن عمر وابن مسعود وابن عباس أنها إذا اختارت نفسها فرجعية، وبه قال ابن أبي ليلى والثوري والشافعي. وروي: بائن، روي عن علي، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وقيل: ثلاث، وهو قول مالك والليث وقبلهما زيد بن ثابت والحسن البصري (١). فائدة: قوله: ("فلا تعجلي") قاله شفقة عليها، فإنه خاف أن يحملها صغر سنها وقلة تجربتها على اختيار الفراق فيجب فراقها، وقد يقتدي بها غيرها من نسائه. وقوله: ("حتى تستأمري أبويك" (صريح في أنها لو أوقعت الطلاق لوقع، وانفرد طاوس فقال: الطلاق للرجل، وقيل: إنما أمره الله بالتخيير؛ لعلمه أنهن يخترنه، وهذا لا يعلم في غير أمهات المؤمنين. قال هذا القائل: فيكره أن يخير الرجل المرأة، ورد عليه باستعمال السلف له.

стр. 13728

٦ - [باب] قوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٧] ٤٧٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وَتُخْفِى فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] نَزَلَتْ فِي شَأْنِ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ. [٧٤٢٠ - فتح: ٨/ ٥٢٣] ذكر فيه حديث أنَسٍ ﵁ أَنَّ هذِه الآيَةَ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ زينَبَ بنت جَحْشٍ وَزيدِ بْنِ حَارِثَةَ. هذِه القصة قد ساقها بعد مطولة من حديث أنس أيضًا. قال أنس ﵁: لو كان رسول الله ﷺ كاتمًا شيئًا لكتم هذِه الآية. قال قتادة: كان ﵇ يحب أن يطلقها فيكره أن يقول له: طلقها، فيسمع الناس بذلك فيفتنوا، وسئل الحسن عن هذِه الآية فقال: أعلم الله نبيه أن زيدًا يطلق زينب ثم تتزوجها بعد. وأخرجه النسائي والترمذي وقال: صحيح (١). قال القاضي عياض: وأصح ما فيه ما حكي عن علي بن الحسين أن الله قد أعلم نبيه أن زينب ستكون من أزواجه، فلما شكاها إليه زيد قال له: "أمسك عليك زوجك" وأخفى في نفسه ما أعلمه الله به من أنه سيتزوجها، ما الله مبديه ومظهره من أمر التزويج وطلاق زيد، ثم أوضح ذلك (٢).

стр. 13729

ومن خصائصه عليه أفضل الصلاة والسلام أنه إذا رغب في نكاح امرأة، فإن كانت خلية فعليها الإجابة على الأصح، وحرم على غيره خطبتها، وإن كانت ذات زوج وجب على زوجها طلاقها لينكحها على الصحيح كما أوضحت ذلك في "الخصائص" (١). فائدة: جاء في زواجه بزينب أنه أشبع الناس خبزًا ولحمًا، وجاء أنه أولم بشاة، وجاء أنه أشبعهم من الحيس الذي أرسلته أم سليم في تور. قال القاضي عياض: وهو وهم من بعض الرواة ركب قصة على أخرى (٢). قلت: ولم لا يجوز أن يكون المجموع وقع فأخبر كل عما شاهده بعد انصراف الأولين.

стр. 13730

٧ - [باب]: قَوْلِهِ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ الآية [الأحزاب: ٥١] قَالَ ابن عَبَّاسٍ: (تُرْجِئُ) تُؤَخِّرُ. (أَرْجِئْهُ [الأعراف: ١١١] و [الشعر اء: ٣٦]: أَخِّرْهُ. ٤٧٨٨ - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ هِشَامٌ، حَدَّثَنَا، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَت: كُنْتُ أَغَارُ عَلَى اللاَّتِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَقُولُ أَتَهَبُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا؟! فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب:٥١] قُلْتُ: مَا أُرَى رَبَّكَ إِلاَّ يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ. [٥١١٣ - مسلم: ١٤٦٤ - فتح: ٨/ ٥٢٤] ٤٧٨٩ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ، عَنْ مُعَاذَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَسْتَأْذِنُ فِي يَوْمِ الْمَرْأَةِ مِنَّا بَعْدَ أَنْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿تُرْجِئُ مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِى إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب:٥١]. فَقُلْتُ لَهَا: مَا كُنْتِ تَقُولِي؟ قَالَتْ: كُنْتُ أَقُولُ لَهُ إِنْ كَانَ ذَاكَ إِلَيَّ فَإِنِّي لَا أُرِيدُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ أُوثِرَ عَلَيْكَ أَحَدًا. تَابَعَهُ عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ سَمِعَ عَاصِمًا. [مسلم: ١٤٧٦ - فتح: ٨/ ٥٢٥] قَالَ ابن عَبَّاسٍ: (تُرْجِئُ): تُؤَخِّرُ. أرجه: أَخِّرْهُ. أسنده ابن أبي حاتم من حديث علي بن أبي طلحة عنه، والهمز أكثر وأجود. وهذِه الآية نزلت -كما نقله الواحدي عن المفسرين- حين طلب أزواجه ﵇ زيادة النفقة وشبه ذلك، فهجرهن شهرًا حتى نزلت فيهن آية التخيير فأمر أن يخيرهن. وعلى أنهن أمهات المؤمنين فلا ينكحن أبدًا، وعلى أنه يؤوي إليه

стр. 13731

من يشاء ويرجي من يشاء، فيرضين به منهن، قسم لهن أم لم يقسم فيرضين بذلك. وقال قوم: لما نزلت آية التخيير أشفقن أن يطلقهن، فقلن: يا نبي الله اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت ودعنا على حالنا، فنزلت (١). وحكى ابن الجوزي في الآية أربعة أقوال: أحدها: تطلق من تشاء من نسائك وتمسك من تشاء منهن، قاله ابن عباس. ثانيها: تترك نكاح من تشاء من أمتك، قاله الحسن. ثالثها: تعتزل من شئت من أزواجك ولا تأتيها بغير طلاق، وتأتي من تشاء فلا تعتزلها، قاله مجاهد. الرابع: تقبل من تشاء من المؤمنات اللواتي وهبن أنفسهن وتترك من تشاء، قاله السدي وعكرمة (٢). ثم ساق البخاري في الباب حديت عَائِشَةَ ﵂: كُنْتُ أَغَارُ عَلَى اللَّاتِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ … الحديث. وأخرجه أيضًا في النكاح. ومسلم والنسائي وابن ماجه (٣). ومن حديثها أيضًا عَنْ مُعَاذَةَ، عنها، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَسْتَأْذِنُ فِي بيت المَرْأَةِ مِنَّا بَعْدَ أَنْ نزلت عليه ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١]. فَقُلْتُ لَهَا: مَا كُنْتِ تَقُولِينَ؟ فقَالَتْ: كُنْتُ أَقُولُ لَهُ إِنْ كَانَ ذَلكَ إِلَيَّ فَإِنِّي لَا أُرِيدُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ أُوثِرَ عَلَيْكَ أَحَدًا.

стр. 13732

تابعه عباد بن عباد سمع عاصمًا. وأخرجه أولًا من حديث عبد الله، عن عاصم الأحول، عن معاذة به مسلم وأبو داود والنسائي (١). وظاهر قولها: (أغار) إلى آخره .. يدل على أن الآية نزلت في الواهبة نفسها، وبه قال الشعبي. وظاهر استئذانه أنه لم يخرج أحدًا، وهو قول الزهري: ما علمت أنه أرجأ أحدًا من أزواجه. وصححه الواحدي (٢)، وقال قتادة: أطلق له أن يقسم بينهن كيف شاء، فلم يقسم إلا بالقسط. روى عبد في "تفسيره" عن أبي رزين أن الآية لما نزلت آوى عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب، فكان يقسم بينهن سواء، لا يفضل بعضهن على بعض، وأرجأ ميمونة وسودة وجويرية وصفية وأم حبيبة، وصححه بعضهم، وجعل الداودي أم حبيبة في المؤويات، وهو غريب. وعن الشعبي: إن نساء وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ (فدخل) (٣) ببعضهن وأرجأ بعضهن ولم يفارقهن حتى توفي، ولم ينحكن بعده، منهم أم شريك (٤). قال البيهقي: إن صح سنده كأنه أرجأهن ولم يقبلهن، وإن كن حلالًا له، ولما أرجأ خولة تزوجها عثمان بن مظعون (٥).

стр. 13733

فوائد: الأولى: اختلف في الواهبة نفسها لرسول الله ﷺ على أقوال: أحدها: أم شريك، قاله عروة، وأخرجه النسائي عنها (١)، وهي بنت جابر بن ضباب بن حجر، من بني عامر بن لؤي. قاله مقاتل، وكانت تحت أبي العسر الدوسي، فولدت له شريكًا ومسلمًا، ثم مات عنها. ثانيها: ميمونة بنت الحارث، قاله ابن عباس. ثالثها: زينب بنت خزيمة الأنصارية، أم المساكين، قاله الشعبي (٢). رابعها: خولة بنت حكيم، قالته عائشة، ففي "الصحيح" كما سيأتي عنها: كانت خولة بنت حكيم من اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ ، فقالت عائشة: أما تستحي المرأة تهب نفسها للرجل، فلما نزلت: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ وقلت: يا رسول الله، ما أرى ربك إلا يسارع في هواك، وهذا يدل على أن معنى قوله: ﴿تُرْجِي﴾: تؤخر فلا تقبل هبتها، وتؤوي إليك من تشاء بقبول هبتها، كما هو أحد الأقوال السالفة. وهذا الحديث أخرجه من حديث محمد بن سلام، ثنا ابن فضيل، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، ﵂، قال: ورواه أبو سعيد المؤدب، ومحمد بن بشر، وعبدة، عن هشام، عن أبيه، عنها، يزيد بعضهم على بعض (٣). أما رواية أبي سعيد فأخرجها الإسماعيلي من حديث منصور بن أبي مزاحم، عنه.

стр. 13734

وأما رواية محمد بن بشر فأخرجها من حديث أبي كريب، ثنا أبو أسامة ومحمد بن بشر، عن هشام به. وأما رواية عبدة فأخرجها مسلم، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عنه، عن هشام به (١). وقال السهيلي: اسمها غزية، وقيل: غزيلة (٢)، وقيل: إن الواهبة ليلى بنت الخطيم. وعند أبي عبيدة أن فاطمة بنت شريح وهبت نفسها له؛ فنزلت ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾ وعند عبد بن حميد، عن الشعبي: وهبت امرأة من الأنصار نفسها له. وقوله للجونية: "هبي لي نفسك" إنما قاله لها وهي زوجه. أي: مكنيني، فليس مما نحن فيه. الثانية: اختلف في عقد النكاح بلفظ الهبة لغير سيدنا رسول الله ﷺ على قولين: أحدهما: صحته ولها ما سمي، وإلا فلها فرض مثلها، قاله أبو حنيفة وأصحابه (٣). والثاني: لا، وذلك من خصائصه، وبه قال الشافعي ومالك، قال ابن القاسم: قال مالك: لا يحل ذلك لأحد بعد رسول الله ﷺ . وحكاه أبو عبيد، عن ابن المسيب قال: وبه قالت الأمة جميعها أن الهبة محرمة على البشر بعده؛ لقوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ثم روى بإسناد عن عطاء جوازها (٤).

стр. 13735

وعند ابن القاسم صحته بلفظ الهبة إذا أراد به النكاح، كما إذا قال: وهبت لك ابنتي، وأراد به النكاح. وقال ابن المواز: لم يختلف أصحاب مالك أنه يفسخ قبلها، فإن بنى بها فقال ابن القاسم وعبد الملك: لا فسخ. وقال أشهب وابن عبد الحكم: يفسخ (١)، وهو قول الشافعي، لا يصح عنده إلا بأحد لفظين: إما التزويج أو الإنكاح، وهو قول أبي ثور والزهري وربيعة، وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه كما سلف، وأبو عبيد وداود: ينعقد بلفظ الهبة والبيع والتملك والصدقة (٢). وعن مالك: انعقادها بذلك إذا ذكر المهر (٣)، وأورد الطحاوي على الشافعي قوله: لا ينعقد النكاح بما سماه الله الطلاق فإنه ينعقد بالكنايات، وجوابه: أن النكاح نوع تعبد فاختص، بخلافه، أما سيدنا رسول الله ﷺ فالأصح انعقاد نكاحه بلفظ الهبة؛ للآية السابقة، وعلى هذا لا يجب مهر بالعقد، ولا بالدخول كما هو مقتضى الهبة. وحكاه الرازي عن مجاهد وابن المسيب (٤). وهل يشترط لفظ النكاح من جهته أم يكفي بلفظ الإتهاب؟ فيه وجهان لأصحابنا: أحدهما: لا يشترط -كما في حق المرأة، وأصحهما: نعم؛ لقوله تعالى: ﴿أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ فاعتبر في جانبه النكاح (٥).

стр. 13736

قال أصحابنا: وينعقد نكاحه بمعنى الهبة حتى لا يجب مهر ابتداء ولا انتهاء، وفي وجه غريب أنه يجب المهر، والذي خص به هو انعقاد نكاحه بلفظ الهبة دون معناها (١). وقال الماوردي مرة بسقوط المهر (٢)، وقال أخرى: اختلف أصحابنا فيمن لم يسم لها مهرًا في العقد، هل يلزمه لها مهر المثل؟ على وجهين. وجه المنع أن المقصود منه التوصل إلى ثواب الله تعالى (٣). الثالثة: أغرب الماوردي فحكى خلافًا عن العلماء: هل كانت عنده ﵇ امرأة موهوبة أم لا؟ من أجل اختلاف القراء في فتح (أن) وكسرها من قوله: ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا﴾ (٤) فعلى الثاني يكون شرطًا مستقبلًا، وعلى الأول يكون خبرًا عن ماض، قال: وعليه اختلف في من هي؟ فذكر بعض ما أسلفناه من الأقوال (٥). فائدة تنعطف على التخيير: هل كان يحرم عليه - عليه أفضل الصلاة والسلام - طلاق من اختارته؟ فيه وجهان لأصحابنا: أحدهما وبه قطع الماوردي (٦)، ونص عليه في "الأم": نعم كما يحرم إمساكها لو رغبت عنه، ومكافأة لهن

стр. 13737

على صبرهن، وبه يشعر قوله تعالى: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ فإنه فراقهن وتزوج غيرهن. وأصحهما: لا، كما لو أراد واحد من الأمة طلاق زوجته لا يمنع منه، وإن رغبت فيه، ولأن البدل معناه مفارقتهن أولًا والتزويج بأمثالهن بدلًا عنهن، وذلك مجموع أمرين، فلا يقتضي المنع من أولهما، وادعاء الحجر على الشارع في الطلاق بعيد. وفي وجه ثالث أنه يحرم عقب اختيارهن، ولا يحرم إذا انفصل عنه (١). وذكر النحاس في الآية أقوالًا منها: أنها منسوخة بالسنة، وهو أولاها (٢). قالت عائشة: ما مات رسول الله ﷺ حتى حل له النساء. صححه الترمذي (٣). وكذا قالت أم سلمة بزيادة: إلا ذات محرم، وقال تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ ويجوز أن تكون عائشة أرادتها، والآية وإن كانت متقدمة في التلاوة فهي متأخرة في النزول، كما وقع ذلك في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ إلى قوله: ﴿عَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] لأنه ناسخ لقوله: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ [البقرة: ٢٤٠] وإن كان متأخرًا عنه في التلاوة، فقد يسبق التالي (٤) إلى معرفة الحكم الذي استقر. ومنها أنها محكمة. خاتمة: فيه: لا بأس بعرض المرأة نفسها على أهل الخير.

стр. 13738

٨ - [باب] قَوْلِهِ: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٣] يُقَالُ: ﴿إِنَاهُ﴾: إِدْرَاكُهُ، أَنَى يَأْنِي أَنَاةً ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣] إِذَا وَصَفْتَ صِفَةَ المُؤَنَّثِ قُلْتَ قَرِيبَةً وَإِذَا جَعَلْتَهُ ظَرْفًا وَبَدَلًا، وَلَمْ تُرِدِ الصِّفَةَ نَزَعْتَ الهَاءَ مِنَ المُؤَنَّثِ، وَكَذَلِكَ لَفْظُهَا فِي الوَاحِدِ وَالاِثْنَيْنِ وَالْجَمِيعِ لِلذَّكَرِ وَالأُنْثَى. ٤٧٩٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﵁ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ، فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ الْحِجَابِ. [انظر: ٤٠٢ - مسلم: ٢٣٩٩ - فتح: ٨/ ٥٢٧] ٤٧٩١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرَّقَاشِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَان، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَبُو مِجْلَزٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَيْنَبَ ابْنَةَ جَحْشٍ دَعَا الْقَوْمَ، فَطَعِمُوا ثُمَّ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ وَإِذَا هُوَ كَأَنَّهُ يَتَهَيَّأُ لِلْقِيَامِ فَلَمْ يَقُومُوا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَامَ، فَلَمَّا قَامَ قَامَ مَنْ قَامَ، وَقَعَدَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَدْخُلَ، فَإِذَا الْقَوْمُ جُلُوسٌ ثُمَّ إِنَّهُمْ قَامُوا، فَانْطَلَقْتُ فَجِئْتُ فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهُمْ قَدِ انْطَلَقُوا، فَجَاءَ حَتَّى دَخَلَ، فَذَهَبْتُ أَدْخُلُ فَأَلْقَى الْحِجَابَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٥٣]. [٤٧٩٢، ٤٧٩٣، ٤٧٩٤، ٥١٥٤، ٥١٦٣، ٦٨٦٦، ٥١٦٨، ٥١٧٠، ٥١٧١، ٥٤٦٦، ٦٢٣٨، ٦٢٣٩، ٦٢٧١، ٧٤٢١ - مسلم: ١٤٢٨ - فتح: ٨/ ٥٢٧]. ٤٧٩٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِهَذِهِ الآيَة -آيَةِ الْحِجَابِ- لَمَّا أُهْدِيَتْ زَيْنَبُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ كَانَتْ مَعَهُ فِي الْبَيْتِ، صَنَعَ طَعَامًا، وَدَعَا الْقَوْمَ، فَقَعَدُوا يَتَحَدَّثُونَ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْرُجُ، ثُمَّ يَرْجِعُ، وَهُمْ قُعُودٌ يَتَحَدَّثُونَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا

стр. 13739

الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] فَضُرِبَ الْحِجَابُ، وَقَامَ الْقَوْمُ. [انظر: ٤٧٩١ - مسلم: ١٤٢٨ - فتح: ٨/ ٥٢٧] ٤٧٩٣ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: بُنِيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِزَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ بِخُبْزٍ وَلَحْمٍ، فَأُرْسِلْتُ عَلَى الطَّعَامِ دَاعِيًا فَيَجِيءُ قَوْمٌ فَيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ فَيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ، فَدَعَوْتُ حَتَّى مَا أَجِدُ أَحَدًا أَدْعُو فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ مَا أَجِدُ أَحَدًا أَدْعُوهُ. قَالَ: "ارْفَعُوا طَعَامَكُمْ". وَبَقِىَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ يَتَحَدَّثُونَ فِي الْبَيْتِ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَانْطَلَقَ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ وَرَحْمَةُ اللهِ». فَقَالَتْ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ، كَيْفَ وَجَدْتَ أَهْلَكَ بَارَكَ اللهُ لَكَ؟ فَتَقَرَّى حُجَرَ نِسَائِهِ كُلِّهِنَّ، يَقُولُ لَهُنَّ كَمَا يَقُولُ لِعَائِشَةَ، وَيَقُلْنَ لَهُ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ، ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ فَإِذَا ثَلَاثَةُ رَهْطٍ فِي الْبَيْتِ يَتَحَدَّثُونَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ شَدِيدَ الْحَيَاءِ، فَخَرَجَ مُنْطَلِقًا نَحْوَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ فَمَا أَدْرِي أخْبَرْتُهُ أَوْ أُخْبِرَ أَنَّ الْقَوْمَ خَرَجُوا، فَرَجَعَ حَتَّى إِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي أُسْكُفَّةِ الْبَابِ دَاخِلَةً وَأُخْرَى خَارِجَةً أَرْخَى السِّتْرَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَأُنْزِلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ. [انظر: ٤٧٩١ - مسلم: ١٤٢٨ - فتح: ٨/ ٥٢٧] ٤٧٩٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أَوْلَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ بَنَى بِزَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ، فَأَشْبَعَ النَّاسَ خُبْزًا وَلَحْمًا ثُمَّ خَرَجَ إِلَى حُجَرِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ صَبِيحَةَ بِنَائِهِ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِنَّ وَيَدْعُو لَهُنَّ وَيُسَلِّمْنَ عَلَيْهِ وَيَدْعُونَ لَهُ فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ رَأَى رَجُلَيْنِ جَرَى بِهِمَا الْحَدِيثُ، فَلَمَّا رَآهُمَا رَجَعَ عَنْ بَيْتِهِ، فَلَمَّا رَأَى الرَّجُلَانِ نَبِيَّ اللهِ ﷺ رَجَعَ عَنْ بَيْتِهِ وَثَبَا مُسْرِعَيْنِ، فَمَا أَدْرِي أَنَا أَخْبَرْتُهُ بِخُرُوجِهِمَا أَمْ أُخْبِرَ فَرَجَعَ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ، وَأَرْخَى السِّتْرَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَأُنْزِلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، سَمِعَ أَنَسًا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [انظر: ٤٧٩١ - مسلم: ١٤٢٨ - فتح: ٨/ ٥٢٨]

стр. 13740

٤٧٩٥ - حَدَّثَنِي زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجَتْ سَوْدَةُ بَعْدَ مَا ضُرِبَ الْحِجَابُ لِحَاجَتِهَا، وَكَانَتِ امْرَأَةً جَسِيمَةً لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ يَعْرِفُهَا، فَرَآهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ يَا سَوْدَةُ: أَمَا وَاللهِ مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا، فَانْظُرِي كَيْفَ تَخْرُجِينَ، قَالَتْ: فَانْكَفَأَتْ رَاجِعَةً، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِي، وَإِنَّهُ لَيَتَعَشَّى. وَفِي يَدِهِ عَرْقٌ فَدَخَلَتْ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي خَرَجْتُ لِبَعْضِ حَاجَتِي فَقَالَ لِي عُمَرُ كَذَا وَكَذَا. قَالَتْ: فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ ثُمَّ رُفِعَ عَنْهُ وَإِنَّ الْعَرْقَ فِي يَدِهِ مَا وَضَعَهُ فَقَالَ: «إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ». [انظر: ١٤٦ - مسلم: ٢١٧٠ - فتح: ٨/ ٥٢٨] يقال: (إِنَاهُ): إِدْرَاكُهُ، أَنَى يَأْنِي أناء. وفي نسخة: أناة، والوجه: أنيًا. ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣] إِذَا وَصَفْتَ صِفَةَ المُؤَنَّثِ قُلْتَ: قَرِيبَةً وَإِذَا جَعَلْتَهُ ظَرْفًا وَلَمْ تُرِدِ الصِّفَةَ نَزَعْتَ الهَاءَ مِنَ المُؤَنَّثِ، وَكَذَلِكَ لَفْظُهَا في الاثْنَيْنِ وَالْجَمِيعِ والذَّكَرِ وَالأُنْثَى. ثم ساق حديث حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، يَدْخُلُ عَلَيْكَ البَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ، فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ الحِجَابِ. وعن أبي مِجْلَزٍ -لاحق بن حميد- عَنْهُ قَالَ: لَمَّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَيْنَبَ بنت جَحْشٍ دَعَا القَوْمَ، فَطَعِمُوا، ثُمَّ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ .. الحديث. وفيه: فألقى الحجاب ونزلت الآية. ثم ساقه من حديث أَبِي قِلَابَةَ، عن أنسٍ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بهذِه الآيَةِ، آيَةِ الحِجَابِ وساق الحديث. وفي آخره: فَضُرِبَ الحِجَابُ، وَقَامَ القَوْمُ. ثم ساق من حديث عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: بُنِيَ عَلَى رسول الله ﷺ بزَيْنَبَ بِخُبْزٍ وَلَحْمٍ، فَأُرْسِلْتُ عَلَى الطَّعَامِ دَاعِيًا، فَيَجِيءُ

стр. 13741

القوم فَيَأْكُلُونَ ويخْرُجُونَ .. الحديث. وفي آخره: وَأُنْزِلَتْ آيَةُ الحِجَابِ. ثم ساق عن إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ بَكْرٍ السَّهْمِيِّ، عن حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَوْلَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ بَنَى بِزَيْنَبَ، فَأَشْبَعَ النَّاسَ خُبْزًا وَلَحْمًا ثُمَّ خَرَجَ إلى حُجَرِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ .. الحديث وفي آخره: وَأُنْزِلَتْ آيَةُ الحِجَابِ. وَقَالَ ابن أَبِي مَرْيَمَ: أَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ الطَّوِيْلُ، سَمِعَ أَنَسًا، عَنِ رسول الله ﷺ . ويحيى هذا هو ابن أيوب الغافقي، استشهد به البخاري، واحتج به مسلم. ثم ساق من حديث هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجَتْ سَوْدَةُ بَعْدَ مَا ضُرِبَ الحِجَابُ لِحَاجَتِهَا، وَكَانَتِ امْرَأَةً جَسِيمَةً لَا تَخْفَى على مَنْ يَعْرِفُهَا، فَرَآهَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ فَقَالَ يَا سَوْدَةُ: أَمَا والله مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا، فَانْظُرِي كَيْفَ تَخْرُجِينَ، قَالَتْ: فَانْكَفَأَتْ رَاجِعَةً، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِي، وَإِنَّهُ لَيَتَعَشَّى. وَفِي يَدِهِ عَرْقٌ فَدَخَلَتْ وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي خَرَجْتُ لِبَعْضِ حَاجَتِي فَقَالَ لِي عُمَرُ كَذَا وَكَذَا. قَالَتْ: فَأُوْحِيَ إِلَيْهِ ثُمَّ رُفِعَ عَنْهُ وَإِنَّ العَرْقَ فِي يَدِهِ مَا وَضعَهُ فَقَالَ: "إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ ". وهذِه الأحاديث كلها دالة على الحجاب. والحديث الأخير وإن لم يذكر فيه، بل قوله: "قد أذن لكن" إلى آخره ظاهره عدمه، فالبخاري ذكره في مواضع أخر من حديث الزهري، عن عروة، عنها: أن أزواج النبي ﷺ كن يخرجن بالليل قبل المناصع، وكان عمر يقول: يا رسول الله، احجب نساءك. فلم يكن رسول الله ﷺ يفعل، فخرجت سودة، فناداها عمر: قد عرفناك

стр. 13742

يا سودة؛ حرصًا على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله الحجاب (١)، ومن عادته الإحالة على أصل الحديث، لكن هذا غير الحجاب الأول، فإنه أراد هنا حجبة الشخص مطلقًا، وإن كن متلفعات، وفي الأول نزل الحجاب في الدخول عليهن، كما ستعلمه من أنهن كن يحجبن أشخاصهن عن الرجال، كما فعلته حفصة وغيرها. قال القاضي عياض: فرض الحجاب مما اختص به أزواجه، فهو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف ذلك لشهادة ولا غيرها، ولا إظهار شخوصهن وإن كن مستترات، إلا ما دعت إليه ضرورة من براز كما في حديث حفصة لما توفي عمر ﵄ سترها النساء عن أن يُرى شخصها، فلما توفيت زينب جعلوا لها قبة تستر شخصها (٢). وقد أسلفنا ذلك في الصلاة في الحجاب أحد ما وافق عمر فيه ربه تعالى، ولا خلاف أن غيرهن يجوز لهن أن يخرجن لما يحتجن إليه من أمورهن الجائزة بشرط أن تكون (بذة) (٣) الهيئة خشنة الملبس، تفلة الريح، مستورة الأعضاء، غير متبرجة بزينة ولا رافعة صوتها. وقوله: (بني على رسول الله ﷺ بزينب بخبز ولحم) وقد سلف قريبًا اختلاف الرواية فيه، والجمع مما ذكرته. وقوله فى الآية: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾: بعد الأكل. وقوله: (وبقي ثلاثة) وفي الرواية الأخرى: رجلان. لعله باعتبارين: كانوا ثلاثة ذهب واحد وبقي اثنان، وهو أولى من قول

стр. 13743

ابن التين: إحداهما وهم. وقوله: (وضع رجله في أسكفة الباب) هي عتبته التي يوطأ عليها، كما قاله الخليل (١). وقوله: (وفي يده عرق) هو بفتح العين وبسكون الراء، عظم عليه لحم. وعبارة الداودي: العرق: البضعة من اللحم. وعبارة ابن فارس: العراق: العظم إذا أخذ لحمه، وفلان معروق اللحم: إذا كان قليل اللحم (٢). وقوله: (وأرخى الستر بيني وبينه، وأنزلت آية الحجاب) زاد الواحدي من حديث عمرو بن شعيب، عن أنس: فلما أرخى الستر دوني، فذكرت ذلك له (٣)، فقال: إن كان ما تقول حقَّا لينزلن فيه قرآن، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ وروى من حديث ليث، عن مجاهد أنه ﵇ كان يطعم ومعه أصحابه، فأصابت يد رجل منهم يد عائشة، وكانت معهم، فكره ذلك رسول الله ﷺ فنزلت آية الحجاب (٤). وقال الفراء: كانت الصحابة يدخلون على رسول الله ﷺ وقت الغداء، فإذا طعموا أطالوا الجلوس، وسألوا أزواجه الحوائج، فاشتد ذلك على رسول الله ﷺ ، فنزلت، فشق ذلك على بعض، وتكلم

стр. 13744

بعضهم في ذلك وقالوا: أننهى أن ندخل على بنات عمنا إلا بإذن ومن وراء حجاب، لئن مات رسول الله ﷺ لأتزوجن بعضهن، فقال أبو بكر وذووه لرسول الله ﷺ : ونحن أيضًا لا ندخلن عليهن إلا بإذن؟! فنزلت ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾ الآية. وأنزل في التزويج ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ﴾ (١). وقال مقاتل: كانوا يجلسون عند رسول الله ﷺ قبل الطعام وبعده، وكان ذلك في بيت أم سلمة. وكذا قاله قتادة فيما ذكر عبد بن حميد، كان ذلك يؤذيه ويستحيي أن يقول لهم: قوموا، وربما خرج وهم في بيته يتحدثون (٢). والجمع بين هذِه الأقوال -والله أعلم- أن بعض الرواة ضم قصة إلى أخرى، ونزلت الآية عند المجموع، وكان ذلك سنة خمس من الهجرة، وكان عمر وقع في ظنه نفرة عظيمة في أن يطلع أحد على حرم رسول الله ﷺ حتى صرح له بقوله: احجب نساءك. ولم يزل ذلك عنده إلى أن نزل الحجاب، وبعده قصد أن لا يخرجن أصلًا، فأفرط في ذلك بحيث أنه أفضى إلى الحرج والمشقة والإضرار بهن، فإنهن محتاجات إلى الخروج كما قال ﵇: "قد أذن لَكُنَّ أن تخرجن لحاجتكن" ثم جاء الحجاب الثاني كما سلف. وما تقدم من كراهته ﵇ لم يظهره، وأظهره عمر فاجتمعت القضايا. ودعوى من ادعى أن هذِه المصلحة التي أشار بها عمر خفيت على غيره يرده ما ذكرناه.

стр. 13745

فائدة: تزويجه بزينب إما سنة ثلات -كما قاله أبو عبيدة- وفيه نظر، لأن الحجاب كان حين زواجها سنة خمس، لا جرم أن قتادة قال: كان سنة خمس. وقيل غير ذلك كما سلف في الصلاة. فائدة أخرى: (انكفأت) في حديث عائشة بالهمز. أي: انقلبت وانصرفت. ووقع لبعض الرواة: انكفت بتركه، وكأنه لما سهل الهمزة بقيت الألف ساكنة فلقيها ساكن فحذفت، والصواب الأول كما نبه عليه القرطبي (١). فائدة أخرى: ﴿بيُوُتَ﴾ بضم الباء وكسرها وهما قراءتان، والكسر عن عاصم وجماعة أهل الكوفة، ولا يراه البصريون ويقولون: إن الضم بعد الكسر لا يوجد في كلام العرب. والمختار عند أهل الكوفة أيضا الضم (٢). وقوله: (فيستحيي منكم) هو بيائين ويجوز بواحدة.

стр. 13746

٩ - [باب] قَوْلِهِ: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [الأحزاب: ٥٤، ٥٥] ٤٧٩٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَت: اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ أَفْلَحُ أَخُو أَبِي الْقُعَيْسِ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ، فَقُلْتُ: لَا آذَنُ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ فِيهِ النَّبِيَّ ﷺ فَإِنَّ أَخَاهُ أَبَا الْقُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ اسْتَأْذَنَ، فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَكَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَمَا مَنَعَكِ أَنْ تَأْذَنِينَ عَمُّكِ». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ. فَقَالَ: «ائْذَنِي لَهُ فَإِنَّهُ عَمُّكِ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ». قَالَ عُرْوَةُ: فَلِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ حَرِّمُوا مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا تُحَرِّمُونَ مِنَ النَّسَبِ. [انظر: ٢٦٤٤ - مسلم: ١٤٤٥ - فتح: ٨/ ٥٣١] ذكر فيه حديث عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ ﵂ السالف في الشهادات: اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ أَفْلَحُ أَخُو أَبِي القُعَيْسِ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الحِجَابُ .. الحديث بطوله. وهو ليس فيه من تفسير الآية شيء وإن كان يجوز أن يكون أراد به بيان جواز دخول الأعمام والآباء من الرضاعة على أمهات المؤمنين لقوله: "ائذني له إنه عمك، تربت يمينك". ومن فوائده: إثبات اللبن للفحل، وأن أخا الفحل بمنزلة العم. و ("تربت يمينك") كلمة تدعو بها العرب ولا يريدون حقيقتها ووقوعها، لأن معناها افتقرت. يقال: ترب إذا افتقر. وأترب إذا استغنى، كأنه إذا ترب لصق بالتراب، وإذا أترب صار له من المال بقدر التراب.

стр. 13747

١٠ - [باب] قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٦] قَالَ أَبُو العَالِيَةِ: صَلَاةُ اللهِ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ المَلَائِكَةِ، وَصَلَاةُ المَلَائِكَةِ: الدُّعَاءُ. قَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿يَصِلُونَ﴾ [الأحزاب: ٥٦]: يُبَرِّكُونَ. ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ﴾ [الأحزاب: ٦٠]: لَنُسَلِّطَنَّكَ. ٤٧٩٧ - حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمَّا السَّلَامُ عَلَيْكَ فَقَدْ عَرَفْنَاهُ فَكَيْفَ الصَّلَاةُ قَالَ: «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ». [انظر:٣٣٧٠ - مسلم: ٤٠٦ - فتح: ٨/ ٥٣٢] ٤٧٩٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا التَّسْلِيمُ فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ قَالَ: «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ». قَالَ أَبُو صَالِحٍ عَنِ اللَّيْثِ «عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ». حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا ابن أَبِي حَازِمٍ وَالدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ يَزِيدَ وَقَالَ: "كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ". [٦٣٥٨ - فتح: ٨/ ٥٣٢]

стр. 13748

(قَالَ أَبُو العَالِيَةِ: صَلَاةُ اللهِ : ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ المَلَائِكَةِ، وَصَلَاةُ المَلَائِكَةِ: الدُّعَاءُ). أسقط منه الطحاوي وأبو بكر الرازي لفظة (ثناؤه عليه) وما هنا أصوب، وزاد: إخبار الله الملائكة برحمته لنبيه وتمام نعمته عليه (١). (ص) (وقال ابن عَبَّاسٍ: ﴿يُصَلُّونَ﴾: يُبَرِّكُونَ) هذا أسنده ابن أبي حاتم عن أبيه، عن أبي صالح، عن معاوية، عن علي، عنه (٢)، وقد أفرد نفسه بالذكر، وكذا نبيه، وإن جمع بين اسمه واسم ملائكته في الضمير، ولا امتناع فيه مثل: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] وقد قيل: إن قوله: ﴿يُصَلُّونَ﴾ ضمير الملائكة دون اسم الله تعالى. (ص) (﴿لَنُغْرِيَنَّكَ﴾: لَنُسَلِّطَنَّكَ) أي: عليهم، ولنأمرنك بقتالهم. ثم ساق حديث كعب بن عجرة وحديث أبي سعيد الخدري بالصلاة عليه، وقد سلفا.

стр. 13749

١١ - [باب] قَوْلِهِ: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ إلى قوله: ﴿وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩] ٤٧٩٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ وَخِلَاسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلاً حَيِيًّا، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾ [انظر: ٢٧٨ - مسلم: ٣٣٩ - فتح: ٨/ ٥٣٤] ذكر فيه حديث عَوْفٍ، عَنِ الحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ وَخِلَاسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: "إِنَّ مُوسَى كلانَ رَجُلًا حَيِيًّا، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا﴾ الآية [الأحزاب: ٦٩] ". وقد سلف في الطهارة. وقيل: إنهم قالوا: قتل أخاه هارون في الجبل وكان ألين لنا منه، وأشد (حياء) (١)، فأمر الله الملائكة تحمله، فمروا به على مجالس بني إسرائيل فتكلمت بموته فدفنوه، ولم يعلم موضع قبره إلا الرخم، فإنه أصم أبكم (٢).

стр. 13750

(٣٤) ومن سورة سَبَأ يُقَالُ ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ مُسَابِقِينَ ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ بِفَائِتِينَ ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ مُغَالِبِينَ ﴿سَبَقُوا﴾ فَاتُوا ﴿لَا يُعْجِزُونَ﴾ لَا يَفُوتُونَ ﴿يَسْبِقُونَا﴾ يُعْجِزُونَا قوله: ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ بِفَائِتِينَ، وَمَعْنَى ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ مُغَالِبِينَ يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُظْهِرَ عَجْزَ صَاحِبِهِ. مِعْشَارٌ. عُشْرٌ الأُكُلُ الثَّمَرُ ﴿بَاعِدْ﴾ وَبَعِّدْ وَاحِدٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لَا يَعْزُبُ﴾ لَا يَغِيبُ. العَرِمُ السُّدُّ مَاءٌ أَحْمَرُ أَرْسَلَهُ اللهُ فِي السُّدِّ فَشَقَّهُ وَهَدَمَهُ وَحَفَرَ الوَادِيَ، فَارْتَفَعَتَا عَنِ الجَنْبَيْنِ، وَغَابَ عَنْهُمَا المَاءُ فَيَبِسَتَا، وَلَمْ يَكُنِ المَاءُ الأَحْمَرُ مِنَ السُّدِّ، ولكن كَانَ عَذَابًا أَرْسَلَهُ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ شَاءَ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ: العَرِمُ المُسَنَّاةُ بِلَحْنِ أَهْلِ اليَمَنِ. وَقَالَ غَيْر العَرِمُ الوَادِي. السَّابِغَاتُ الدُّرُوعُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُجَازى يُعَاقَبُ. ﴿أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ بِطَاعَةِ اللهِ. ﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ وَاحِدٌ وَاثْنَيْنِ. ﴿التَّنَاوُشُ﴾ الرَّدُّ مِنَ الآخِرَةِ إِلَى الدُّنْيَا. ﴿وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ مِنْ مَالٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ زَهْرَةٍ. ﴿بِأَشْيَاعِهِم﴾ بِأَمْثَالِهِمْ. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿كَالْجَوَابِ﴾ كَالْجَوْبَةِ مِنَ الأَرْضِ. الخَمْطُ الأَرَاكُ. وَالأَثَلُ الطَّرْفَاءُ. العَرِمُ الشَّدِيدُ. مكية إلا ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ﴾ الآية [سبأ: ٦]، قاله مقاتل (١)، ونزلت بعد الزمر، وقبل: لقمان. قاله السخاوي (٢).

стр. 13751

وفي الترمذي من حديث فروة بن مسيك المرادي مرفوعًا: "إن سبأ رجل ولد عشرة من العرب، فتيامن منهم ستة وتشاءم أربعة: لخم وجذام وغسان وعاملة، والأولون: الأزد والأشعرون وحمير وكندة ومذحج وأنمار". فقال رجل: وما أنمار؟ قال "الذين فيهم خثعم وبجيلة" ثم قال: حسن غريب (١). وأخرجه في "المستدرك" من حديث عبد الرحمن بن وعلة، عن ابن عباس بمثله، ثم قال: صحيح الإسناد، وشاهده حديث فروة (٢). وعند ابن إسحاق: سبأ اسمه: عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قطحان (٣)، وهو يقظان بن عامر، وهو هود بن شالح بن أرفخشد ابن سام بن نوح، وهو أول من سبى من العرب، فلقب بذلك، وقال الكلبي: اسمه عامر، وكان يقال له: عب الشمس، مثل: عبِّ الشمس بالتشديد، وقال أبو العلاء المعري في كتاب "الأيك والغصون": لو كان الأمر على ما يقولون لوجب أن لا يهمز. ولا يمنع أن يدعى أن أصل السبي الهمز، إلا أنهم فرقوا بين سبيت المرأة وسبأت الخمر والأصل واحد. وقال الوزير أبو القاسم في "أدب الخواص": هذا اشتقاق غير صحيح؛ لأن سبأ مهموز والسبي غير مهموز، والصواب أن يكون من سبأت النار جلده إذا أحرقته، ومن سبأت الخمر إذا اشتريتها. قال ابن هشام في "تيجانه" وكان أول متوج، وهو الذي بنى عرين مصر بين البحرين، لتكون صلة بين المشرق والمغرب، وولى عليها ابنه

стр. 13752

بابليون، فبه سميت مصر بابليون، وبنى سبأ أيضا السد المذكور في القرآن، وهو سد فيه سبعون نهرًا، ونقل إليه الشجر من مسيرة ثلاثة أشهر في ثلاثة أشهر، ولم يتمه، وأتمه من بعده الصعب بن مراثد ذو القرنين، وكان بين جبل مأرب والجبل الأبلق الذي هو متصل ببحيرة النجاة، ومأرب متصل بجبل عمان، وما فوق السد مسيرة ستة أشهر، وما تحته كذلك، ويأتي إليه من أعلى اليمن (نهرا) (١) سوى ما يأتيه من السيول من حضرموت وأرض برهوت إلى أرض الحبشة، وكان يحبس الماء فيه من الحول إلى الحول، وبلغ من العمر خمسمائة سنة، وبنى سبأ أيضًا قنطرة سنحة، وهي من أوابد الدنيا. (ص) (يُقَالُ: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾: مُسَابِقِينَ، ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾: بِفَائِتِينَ، ﴿سَبَقُوا﴾: فَاتُوا، ﴿لَا يُعْجِزُونَ﴾: لَا يَفُوتُونَ، ﴿يَسْبِقُونَا﴾: يُعْجِزُونَا، وَمَعْنَى ﴿مُعَاجِزِينَ﴾: مُغَالِبِينَ، يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُظْهِرَ عَجْزَ صَاحِبِهِ) قلت: وقال ابن زيد: معاجزين: مجاهدين (٢). (ص) (مِعْشَارٌ: عُشْرٌ) أي: ما أعطيناهم من القوة والعمر والمال والولد. (ص) (الأُكُلُ: الثَّمَرُ) هو كما قال. (ص) (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لَا يَعْزُبُ﴾: لَا يَغِيبُ) هذا أسنده ابن أبي حاتم من حديث أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس (٣). (ص) (﴿سَيْلَ الْعَرِمِ﴾: هو السُّدُّ، مَاءٌ أَحْمَرُ، أَرْسَلَهُ اللهُ فِي السُّدِّ فَشَقَّهُ وَهَدَمَهُ وَحَفَرَ الوَادِيَ، فَارْتَفَعَتَا يعني: الجنتين، وَغَابَ عَنْهُمَا

стр. 13753

المَاءُ فَيَبِسَتَا، وَلَمْ يَكُنِ المَاءُ الأَحْمَرُ مِنَ السُّدِّ، ولكن كَانَ عَذَابًا أَرْسَلَهُ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ شَاءَ) هذا أسنده ابن أبي حاتم من حديث ابن أبي نجيح، عن مجاهد. وقوله: (يعني) في بعض النسخ (عن) من رواية أبي ذر، وهو ظاهر. (ص): (وقال عمرو بن شرحبيل: العرم: المسنَّاة، بلحن أهل اليمن) وهذا أسنده عبد بن حُميد، عن يحيى بن عبد الحميد، عن شريك، عن أبي إسحاق، عنه، وقال: بلسان أهل اليمن، بدل: (بلحن) (١). (ص) (وَقَالَ غَيْرُهُ: العَرِمُ: الوَادِي) هو قول عطاء، وفيه قول آخر أنه اسم الجرذ الذي أرسل عليهم وخرب السد. وآخر: أنه الماء. وفي لفظ: المطر الكثير. وآخر: أنه السد. وقيل: إنه صفة السيل من الحرامة، وهو ذهابُه كل مذهب. وقال أبو حاتم: هو جمع لا واحد له من لفظه (٢). وقول عمرو: إنه المسناة، أي: السد. ذكره السهيلي، وقال: هو قول قتادة (٣). وقال ابن التين: معنى المسناة: ما بني في عرض الوادي ليرتفع السيل ويفيض على الأرض. قال: وقيل: إنها عند أهل العراق كالربية تبنى على سيف البحر ليمتنع الماء. قال: والمسناة بضم الميم وتشديد النون، كذا هو مضبوط في أكثر الروايات، وكذا هو في أكثر اللغة، وضبط في رواية الأصيلي بفتح الميم وسكون السين

стр. 13754

وتخفيف النون، وفي "مغائص الجوهر في أنسالب حمير" قال ابن سرية: في زمن إياس بن رحيعم بن سليمان بن داود بعث الله رجلًا من الأزد يقال له: عمرو بن الحجر، وآخر يقال له: حنظلة بن صفوان، وفي زمنه كان خراب السد، وذلك أن الرسل دعت أهله إلى الله، فقالوا: ما نعرف لله علينا من نعمة، فإن كنتم صادقين فادعوا الله علينا وعلى سدنا، فدعوا عليهم، فأرسل الله عليهم مطرًا جرذًا أحمر، كأن فيه النار أمامه جارس، فلما خالط الجارس السد انهدم. فائدة: قال أبو عبيد البكري في كتابه "اللآلي شرح الأمالي": يقال: إن الذي بنى السد بلقيس. وقال المسعودي: بناه لقمان بن عاد وجعله فرسخًا في فرسخ، وجعل له ثلاثين مثغبًا. (ص) (السَّابِغَاتُ: الدُّرُوعُ) أي: تعم كل البدن. (ص) (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُجَازى: يُعَاقَبُ) هذا أسنده ابن أبي حاتم من حديث ابن أبي نجيح عنه (١)، وقال طاوس فيما ذكره عبد: هي المناقشة -يعني: الحساب- يقول: من نوقش عذب، وهو الكافر لا يغفر له (٢). (ص) (﴿أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾: بِطَاعَةِ اللهِ) أي: بكلمة واحدة، أو عظة واحدة، أو خصلة واحدة. (ص) ﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾: وَاحِدٌ وَاثْنَيْنِ)، أي: اثنين اثنين متناظرين، وفرادى واحدًا واحدًا منفكين.

стр. 13755

(ص) (﴿التَّنَاوُشُ﴾ (١): الرَّدُّ مِنَ الآخِرَةِ إِلَى الدُّنْيَا) هذا قول ابن عباس (٢)، وقيل: التوبة، وقا ل مجاهد: هو التناول. قال قتادة: أي: تناول التوبة (٣). واختار أبو عبيد ترك الهمز، قال: لأن معناه التناول، وإذا همز كان معناه البعد (٤). (ص) (﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾: مِنْ مَالٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ زَهْرَةٍ) هو قول مجاهد، وقال الحسن: حيل بينهم وبين الإيمان لما رأوا العذاب (٥). (ص) (﴿بِأَشْيَاعِهِمْ﴾: بِأَمْثَالِهِمْ) هو كما قال. (ص) (وَقَال ابن عَبَّاسٍ: ﴿كَالْجَوَابِ﴾: كَالْجَوْبَةِ مِنَ الأَرْضِ) هذا أسنده ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن أبي صالح، عن معاوية، عن علي، عنه. وقال مجاهد: هي حياض الإبل (٦)، وأصله في اللغة الجابية، وهو الحوض الذي يجبى فيه الشيء، أي: يجمع، ويقال: إنه كان يجمع على جفنة واحدة ألف رجل يأكلون بين يديه. (ص) (الْخَمْطُ: الأَرَاكُ) هو قول مجاهد والضحاك وغيرهما (٧)، وقال أبو عبيد: كل شجرة فيها مرارة، ذات شوك (٨)، وقال ابن فارس: كل شجر لا شوك له (٩).

стр. 13756

(ص) (وَالأَثْلُ: الطَّرْفَاءُ) هي جماعة الشجر، واحدها طرفاء، وقيل: هو شجر يشبه الطرفاء إلا أنه أعظم (١)، وقال الداودي: هو والخمط صنفان من الشجر الذي لا يثمر. (ص) (الْعَرِمُ: الشَّدِيدُ) سلف.

стр. 13757

١ - [باب] قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ الآية [سبأ: ٢٣] ٤٨٠٠ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إِنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَضَى اللهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ، كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ، فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا لِلَّذِى قَالَ: الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ. فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ -وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِكَفِّهِ فَحَرَفَهَا وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ- فَيَسْمَعُ الكَلِمَةَ، فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ ثُمَّ يُلْقِيهَا الآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوِ الْكَاهِنِ، فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا، وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ، فَيُقَالُ أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا؟! فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سَمِعَ مِنَ السَّمَاءِ». [انظر: ٤٧٠١ - فتح: ٨/ ٥٣٧] ذكر فيه حديث أبي هريرة ﵁ "إِذَا قَضَى اللهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ .. " الحديث، سلف قريبًا. و ﴿فُزِّعَ﴾ قرئ بضم الفاء وفتحها (١)، وقرأه الحسن بالراء المهملة، وهو بمعناه (٢). ولما نزل جبريل بالوحي ظثت الملائكة أنه ينزل بشيء من أمر الساعة ففزعت.

стр. 13758

٢ - [باب] قَوْلِهِ: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦] ٤٨٠١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ الصَّفَا ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: «يَا صَبَاحَاهْ» فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ قَالُوا: مَا لَكَ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ الْعَدُوَّ يُصَبِّحُكُمْ أَوْ يُمَسِّيكُمْ أَمَا كُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي؟». قَالُوا: بَلَى. قَالَ: «فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ». فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟! فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] [انظر: ١٣٩٤ - مسلم: ٢٠٨ - فتح: ٨/ ٥٣٩] ذكر فيه حديث ابن عباس ﵄ السالف قريبًا ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ وهناك ذكره مطولًا (١).

стр. 13759

(٣٥) ومن سورة المَلَائِكَةُ قَالَ مُجَاهِدٌ: القِطْمِيرُ: لِفَافَةُ النَّوَاةِ. ﴿مُثْقَلَةٌ﴾ مُثَقَّلَةٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الحَرُورُ بِالنَّهَارِ مَعَ الشَّمْسِ. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: الحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وَالسَّمُومُ بِالنَّهَارِ (وَغَرَابِيبُ): أَشَدُّ سَوَادٍ، الغِرْبِيبُ: الشَّدِيدُ السَّوَادِ. مكية بإجماع، ونزلت قبل مريم، وبعد الفرقان. قاله السخاوي (١). (ص) (قَالَ مُجَاهِدٌ: القِطْمِيرُ: لِفَافَةُ النَّوَاةِ) هذا أسنده ابن أبي حاتم من حديث ابن جريج، عنه (٢)، وهو قول ابن عباس (٣)، ونقله الثعلبي عن أكثر المفسرين، قال: وعن ابن عباس أنه شق النواة (٤)، وعن السدي: هو ما يقطع به القمع والفتيل في شق النواة. والنقير: الحبة التي في وسط النواة، وخالف ابن فارس فجعل هذا القطمير (٥). (ص) (﴿مُثْقَلَةٌ﴾: مُثَقَّلَةٌ) أي: بذنوبها. (ص) (وَقَالَ غَيْرُهُ: الحَرُورُ بِالنَّهَارِ مَعَ الشَّمْسِ. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: الحَرُورُ بِاللَّيْلِ) أي: الحارة (وَالسَّمُومُ بِالنَّهَارِ) أي: مع الشمس، وبه جزم الثعلبي. (ص) ((وَغَرَابِيبُ): أَشَدُّ سَوَادٍ، الغِرْبِيبُ: الشَّدِيدُ السَّوَادِ) هذا قول ابن عباس كما أسنده ابن أبي حاتم.

стр. 13760

(٣٦) ومن سورة ﴿يس (١)﴾ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿فَعَزَّزْنَا﴾: شَدَّدْنَا. ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾: كَانَ حَسْرَةً عَلَيْهِمُ اسْتِهْزَاؤُهُمْ بِالرُّسُلِ. ﴿أَن تُدْرِكَ اَلْقَمَرَ﴾: لَا يَسْتُرُ ضَوء أَحَدِهِمَا ضَوْءَ الآخَرِ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُمَا ذَلِكَ. ﴿سَابِقُ النَّهَارِ﴾: يَتَطَالَبَانِ حَثِيثَيْنِ. ﴿نَسْلَخُ﴾: نُخْرِجُ أَحَدَهُمَا مِنَ الآخَرِ، وَيَجْرِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾: مِنَ الأَنْعَامِ. (فَكِهُونَ): مُعْجَبُونَ. ﴿جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾: عِنْدَ الحِسَابِ. وَيُذْكَرُ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿الْمَشْحُونِ﴾: المُوقَرُ. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿طَائِرُكُمْ﴾: مَصَائِبُكُمْ. ﴿يَنْسِلُونَ﴾: يَخْرُجُونَ. ﴿مَرْقَدِنَا﴾: مَخْرَجِنَا. ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾: حَفِظْنَاهُ. مَكَانَتُهُمْ وَمَكَانُهُمْ وَاحِدٌ. مكية ونزلت قبل الفرقان، وبعد سورة الجن، كما قاله السخاوي (١). وفي الترمذي -وقال: غريب- عن أنس ﵁ مرفوعًا: "من قرأها كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات" (٢) (٣) وصح: "اقرءوا يس على موتاكم" (٤) زاد أحمد: "لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له" (٥) وبعض العرب يقول: يس بفتح النون،
следующие страницы →