إعادة الأرواح إلى تلك الأعيان التي هي جزء منها، كما أنه لما أمات عزيرًا وحماره أبقى عظام الحمار فكساها؛ ليعلم أن هذا المنشأ ذلك الحمار لا غيره، ولولا إبقاء شيء لجوزت الملائكة أن تكون الإعادة للأرواح إلى أمثال الأجساد لا إلى أعيانها. نبه عليه ابن عقيل الحنبلي، وما ورد في بعض الروايات إطلاق البلى على كل شيء من الإنسان محمول على ما قيد هنا وهو ما عدا عجب الذنب (١)، وخص من ذلك أيضا الأنبياء، فإن الله حرم على الأرض فني أجسادهم، وكذلك الشهداء أو من [في] (٢) معناهم كالمؤذن المحتسب وشبهه.
١ - باب
٤٨١٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ مَا صَنَعَ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ، إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، فَأَخَذَ بِمَنْكِبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَوَى ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ بِمَنْكِبِهِ، وَدَفَعَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَالَ ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [انظر: ٣٦٧٨ - فتح: ٨/ ٥٥٣]
(ص) (قَالَ مُجَاهِدٌ: مَجَازُهَا مَجَازُ أَوَائِلِ السُّوَرِ) أخرجه الطبري من حديث ابن أبي نجيح عنه (١).
(ص) (وُيقَالُ بَلْ هُوَ اسْمٌ لِقَوْلِ شُرَيْحِ بْنِ أَبِي أَوْفَى العَبْسِيِّ:
يُذَكِّرُنِي حَامِيمَ وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ … فَهَلَّا تَلَا حَامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ)
ويروى:
يذكرني حاميم لما طعنته .....................
هذا البيت من أبيات ذكرها الحسن بن المظفر النيسابوري في "مأدبة الأدباء" أولها:
وأشعث قوام بآيات ربه … قليل الأذى فيما ترى العين مسلم
هتكت تحت الرمح جيب قميصه … فخرَّ صريعًا لليدين وللفم
على غير شيء غير أن ليس تابعًا … عليًا ومن لا يتبع الحق يندم
يذكرني حاميم ............... البيت.
стр. 13794
ويروى: ولقته بالرمح من تحت بزه .. فخرّ .. إلى آخره.
ويروى: (شارع) بدل (شاجر).
ويروى بدل (يندم) (يظلم)، ويروى أيضًا بعد ذلك:
شككت إليه بالسنان قميصه … فأرديته عن ظهر طرف مسوم
أقمت له في وقعة الجمل صلبه … بمثل قدامي النسر حران لهزم
قال: فكان شريح مع علي يوم الجمل، وكان شعار أصحاب علي يومئذ حاميم، فلما نهد (١) شريح لمحمد بن طلحة بن عبيد الله، الملقب بالسجاد وطعنه قال: حاميم، فقال شريح هذا الشعر، وقال بعضهم: لما طعنه شريح قال: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله فهو معنى قوله: يذكرني حاميم. قال الحسن: والأول أصح.
وقال الزبير: إن طلحة أمر ابنه محمدًا السجادَ يوم الجمل أن يتقدم باللواء وأمرته عائشة بالكف فتقدم، وثنى درعه بين رجليه وقام عليها فجعل كلما حمل عليه رجل قال: نشدتك بحاميم. فينصرف، حتى شد عليه رجل من بني أسد بن خزيمة، يقال: حديد، فنشده بحاميم، فلم ينته فطعنه فقتله، و (قتل قبله من بني أسد رجلًا (٢) يقال له: كعب بن مدلج). وقيل: قتله شداد بن معاوية العبسي، وقيل: قتله عبد الله بن معكبر من بني غطفان حليف بني أسد، وقيل: قتله ابن مكيسرة الأزدي، وقيل: قتله معاوية بن شداد العبسي، وقيل:
стр. 13795
عصام بن المقشعر النصري، وعليه كثرة الحديث (١).
وقال المرزباني: هو الثبت، وقال الذي قتله:
وأشعث قوام .. إلى آخره.
وفي نسخة يتيمة البحترية، قال عدي بن حاتم الطائي:
من بلغ أفناء مذحج أنني … ثأرت بحالي ثم لم أتأثم
تركت أبا بكر ينوء بصدره … بصفين مخضوب الكعوب من الدم
يذكرني ثأري غداة لقيته … فأجررته رمحي فخر على الفم
يذكرني يس لما طعنته … فهلا تلا يس قبل التقدم
وذكر أبو زيد عمر بن شبة في كتابه "حرب الجمل" من طريق ابن إسحاق أن مالكًا الأشتر النخعي قتل مجمد بن طلحة، وقال في ذلك شعرًا فذكره، وحدثنا علي بن سلمة، عن داود بن أبي هند قال: كان على محمد بن طلحة يومئذ عمامة سوداء، فقال علي: لا تقتلوا صاحب العمامة السوادء فإنه أخرجه برُّه بأبيه، فلقيه شريح فأهوى إليه بالرمح فتلا حاميم فقتله.
وذكر أبو مخنف لوط (٢) في كتابه: "حرب الجمل" -التي أنكرها ابن حزم وغيره-، الذي قتل محمدًا مدلج بن كعب، رجل من بني [سعد] (٣) بكر، وقيل: شداد.
стр. 13796
فصل:
وفي (حم) أقوال أخر: هل هو اسم من أسماء القرآن، أو اسم الله الأعظم، أو حم الأمر، أو حروف الرحمن مقطعة الر، وحم، ونون.
وقول البخاري الماضي: ويقال: هو اسم. لعله يريد على قراءة من قرأ حاميم بفتح الميم، أي: اتل حاميم، ولم يصرفه؛ لأنه جعله اسمًا للسورة.
ويجوز أن يكون لالتقاء الساكنين، ويجوز فتح الحاء وكسرها، وهما قراءتان (١).
(ص) (الطَّوْلُ: التَّفَضُّلُ) قلت: وأصله الإنعام الذي تطول مدته على صاحبه.
(ص) (﴿دَاخِرِينَ﴾ خَاضِعِينَ) قلت: وقيل: صاغرين، وقيل: أذلاء، والمعنى متقارب.
(ص) (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿النَّجَاةِ﴾ الإِيمَانِ) هذا أسنده ابن أبي حاتم من حديث ابن أبي أبي نجيح عنه (٢).
(ص) (﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ يَعْنِي الوَثَنَ) أي: لأن الأوثان لا تأمرنا بعبادة، ولم تدع الربوبية، وفي الآخرة تتبرأ من عبادتها.
(ص) (﴿تَمْرَحُونَ﴾ تَبْطَرُونَ) أي: بالفخر والخيلاء.
(ص) (﴿يُسْجَرُونَ﴾ تُوقَدُ بِهِمِ النَّارُ) قال مجاهد: يصيرون وقودًا لها (٣).
стр. 13797
(ص) (وَكَانَ العَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ يُذَكِّرُ النَّارَ، فَقَالَ رَجُل لِمَ تُقَنِّطُ النَّاسَ؟ فقَالَ وَأَنَا أَقْدِرُ أَنْ أُقَنِّطَ النَّاسَ والله يَقُولُ ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾ ويقُولُ ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ وَلَكِنَّكُمْ تُحِبُّونَ أَنْ تُبَشَّرُوا بِالْجَنَّةِ على مَسَاوِئِ أَعْمَالِكُمْ، وَإِنَّمَا بَعَثَ اللهُ مُحَمَّدًا ﷺ مبَشِّرًا بِالْجَنَّةِ لِمَنْ أَطَاعَهُ، وَمُنْذِرًا بِالنَّارِ مَنْ عَصَاهُ).
قال ابن مسعود ومجاهد وعطاء في المسرفين هم: السفاكون للدماء (١).
وقال ابن عباس: نزلت: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ في وحشي قاتل حمزة (٢)، وكان ابن عباس يقرأ: (إِنّ اللهَ يَغْفِرُ الذّنُوبَ جَمِيعًا لمن يشاء).
ثم ساق البخاري حديث عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِي: أَخْبِرْنِي بأَشَدِّ مَا صَنَعَ المُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِفِنَاءِ الكَعْبَةِ، إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، فَأَخَذَ بِمَنْكِبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ولَوى ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ به خَنْقًا شَدِيدًا، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ بِمَنْكِبِهِ، وَدَفَعَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثم قَالَ: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر: ٢٨].
هذا الحديث سلف في المبعث (٣)، وآخر مناقب الصديق، ومعنى ﴿أَن يَقُولَ﴾: كان يقول، وهذا كما قال يوشع في موسى.
فَإِذَا فَعَلُوهُ عَصَمَهُمُ اللهُ، وَخَضَعَ لَهُمْ عَدُوُّهُمْ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ.
هي مكية.
(ص) (وَقَال طَاوُسٌ عَنِ ابن عَبَّاسٍ: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ أَعْطِيَا. ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ أَعْطَيْنَا) أخرجه ابن أبي حاتم من حديث سليمان الأحوال، عن طاوس، عنه به (١)، وليس ﴿ائْتِيَا﴾ بمعنى أعطيا في كلامهم، لا جرم قال ابن التين: فيه نظر إلا أن يكون ابن عباس قرأ بالمد؛ لأن أتى مقصور معناه: جاء، وممدود رباعي معناه: أعطى، ونقل غيره عن ابن جبير أنه قرأها (آتيا) بالمد على معنى أعطيا الطاعة، وأن ابن عباس قرأ (آتينا) بالمد أيضًا على المعنى المذكور، وجمعه بالياء والنون وإن كان مختصًا بمن يعقل؛ لأن معناه: أتينا بمن فيها أو لأنه لما خبر عنهن بفعل من يعقل جاء فيهن بالياء والنون، كقوله: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] وأجاز الكسائي أن يجمع كل شيء بالياء والنون، والواو والنون، وفيه بعد (٢).
(ص) (وَقَال المِنْهَالُ عَنْ سَعِيدٍ بن جبير قَالَ: قَال رَجُلٌ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: إِنِّي أَجِدُ فِي القُرْآنِ شيئًا (٣) يختلف عَلَيَّ، قَالَ: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾. ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)﴾. ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا﴾ ﴿(٤) رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فَقَدْ كَتَمُوا فِي هذِه الآيَةِ، وَقَال ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ إلى قوله: ﴿دَحَاهَا﴾ فَذَكَرَ خَلْقَ السَّمَاءِ قَبْلَ خَلْقِ الأَرْضِ،
وعن أبي بكر البرقاني فيما ذكره ابن جبرون أنه قال: قال لي إبراهيم بن محمد الأزدستاني: شوهدت نسخة لكتاب "الجامع" فيها على الحاشية: حدثنا محمد بن إبراهيم (١)، ثنا يوسف بن عدي، فذكره، ورواه الإسماعيلي، عن أحمد بن زنجويه، ثنا إسماعيل بن عبد الله بن خالد الرقي، ثنا عبيد الله بن عمرو به.
ويوسف هذا هو ابن عدي بن زريق التيمي مولاهم أبو يعقوب الكوفي، أخو زكريا، سكن مصر، روى عن إسماعيل بن عياش وشريك ومالك، وعنه البخاري هذا الحديث (ويقاون بواسطة وفي يوم وليلة بواسطتين وجمع) (٢)، وثقه أبو زرعة وابن حبان، مات بعد الثلاثين ومائتين (٣) وروى له في حديث: الدعاء إذا انتبه من الليل فقط (٤).
وما ذكره ابن عباس في قوله: ﴿فَلَا أَنْسَابَ﴾ الآية. جواب حسن، وقيل: إن ذلك عند اشتغالهم بالصراط وعند الميزان وتناول الصحف، وهم فيما بين ذلك يتساءلون.
وقوله: (والسماء بناها). كذا وقع، والتلاوة ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧] وكلام ابن عباس يدل أن (ثم) على بابها في ترتيبها
стр. 13803
الخبر، لأنه دحى الأرض أخرى، أي: بسطها، وقيل: إن (ثم) هنا بمعنى الواو، وفيه بعد، وذكر بعض المفسرين أن (ثم) هنا على بابها، وقيل: المعنى: ثم أخبركم بهذا، كقوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧].
وهذِه الأيام من أيام الدنيا، وقيل: كل يوم ألف سنة. قال ابن عباس، وعبد الله بن سلام: ابتدأ خلق الأرض يوم الأحد، فخلق سبع أرضين فيه وفي يوم الإثنين، ثم جعل فيها رواسي وبارك فيها وقدر فيها الأقوات في يومين: الثلاثاء والأربعاء، ثم استوى إلى السماء فخلق سبع سموات في يومين: الخميس والجمعة، فلذلك سمي يوم الجمعة؛ لاجتماع الخلق فيه (١)، وهو دال على أن (ثم) عند ابن عباس على الترتيب في هذِه الآية -كما سلف- وهو ظاهر إيراد البخاري، وقيل: كان خلق السموات يوم الثلاثاء والأربعاء، ودحا الأرض في الخميس والجمعة، وهو ظاهر إيراد الطبري أيضًا.
والآكام جمع أكمة: وهي التل، وقيل: الجبل الصغير.
(ص) (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ قال: غير مَحْسُوبٍ) أخرجه عبد بن حميد، عن عمر بن سعد، عن سفيان، عن ابن جريج، عنه (٢)، وقيل: غير مقطوع، وقيل: لا يمن فيه، وقيل: غير منقوص (٣).
(ص) (﴿أَقْوَاتَهَا﴾ أَرْزَاقَهَا. ﴿فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ مِمَّا أَمَرَ بِهِ. ﴿نَّحِسَاتٍ﴾ مَشَائِيمَ، ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ﴾ قُرنائهم (٤). ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ عِنْدَ
стр. 13804
المَوْتِ. ﴿اهْتَزَّتْ﴾ بِالنَّبَاتِ. ﴿وَرَبَتْ﴾ ارْتَفَعَتْ. ﴿مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ حِينَ تَطْلُعُ. ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ أَيْ بِعَمَلِي فيقول: أَنَا مَحْقُوقٌ بهذا).
هذا كله من كلام مجاهد، أسنده عبد من حديث حجاج، عن ابن جريج، عنه، ومن حديث سفيان وورقاء، عن ابن أبي نجيح، عنه (١). والمراد بالقوت: ما يتقوت به ويؤكل، وقال قتادة: جعل اليماني باليمن، وكذا غيره في مكانه، فجعل فيها ما يتجر فيه.
وقوله: (مما أمر به)، أي: ما أراده. وقال قتادة: خلق شمسها وقمرها ونجومها وأفلاكها (٢).
قوله: (قرنَّا بهم) أي: الشياطين.
(ص) (وقال غيره) يعني: غير مجاهد. (﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ قَدَّرَهَا سَوَاءً) قلت: المعنى في تتمة أربعة أيام استوت استواء، وقيل: جوابا للسائلين، وقيل: للمحتاجين، وقول ابن زيد: (قدرها) على تقدير مسألتهم علم تعالى ذلك قبل كونه، وعليه يخرج ما في البخاري، فإنه جعل (سواء) متعلقًا بـ (قدَّر)، وهو قول الفراء أيضًا (٣).
(ص) (﴿فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ دَلَلْنَاهُمْ عَلَى الخَيْرِ وَالشَّرِّ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾ وَكَقَوْلِهِ: ﴿هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ وَالْهُدى الذِي هُوَ الإِرْشَادُ بِمَنْزِلَةِ أسعدناه (٤)، مِنْ ذَلِكَ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ قلت: وخفيف (٥): تسهيل طريق الخير بخلاف الخذلان نسأل الله السلامة.
стр. 13805
(ص) (﴿يُوزَعُونَ﴾: يكفون) أي: يساقون ويدفعون إلى النار، وقال قتادة: يحبس أولهم على آخرهم (١).
(ص) (﴿مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ قِشْرُ الكُفرى الكُمُّ واحدها) قلت: والمراد به الستر الذي يكون على الطلعة، وهي تسمى الجف، وقيل: حين تطلع الثمرة من وعائها، والكفرى بتشديد الفاء وتخفيف الراء، كذا هو في بعض النسخ، وفي بعضها عكسه، وهو ما ضبطه أهل اللغة، كما ذكره ابن التين، وفي بعض النسخ (وقال غيره: ويقال للعنب إذا خرج أيضا كافور وكفري) (٢). وهذا أسنده ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن أبي صالح، عن معاوية، عن علي به.
(ص) (﴿وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ القَرِيبُ) قلت: وقيل: صديق.
(﴿مِن مَّحِيصٍ﴾ حَاصَ عنه: حَادَ عنه) أي: ما لهم من مهرب، و (ما) هنا حرف وليس باسم؛ فلذلك لم يعمل فيه الظن، وجعل الفعل ملغى.
(ص) (﴿مِرْيَةٍ﴾ وَمُرْيَةٍ وَاحِدٌ أَيِ امْتِرَاءٌ) قلت: وقرأ الجماعة بالكسر، وقرأ الحسن بالضم (٣)، والامتراء: الشك، وكذلك المراء.
(ص) (وَقَالَ (٤) مُجَاهِدٌ: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ هي وعيد) أي: وتهديد.
(وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿اْلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ الصَّبْرُ عِنْدَ الغَضَبِ أي: والحلم عند الجهل.
стр. 13806
(ص) وَالْعَفْوُ عِنْدَ الإِساءَةِ، فَإِذَا فعلوا ذلك عَصَمَهُمُ اللهُ، وَخَضَعَ لَهُمْ عَدُوُّهُمْ كَأَنَّهُ وَليٌّ حَمِيم) هذا مشهور عنه (١).
قال مقاتل: نزلت في أبي سفيان بن حرب وكان مؤذيًا لرسول الله ﷺ فصار له وليًا بعد أن كان عدوًّا (٢)، نظيره ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ [الممتحنة: ٧] وقيل: معنى ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: قل لمن تلقاه سلام عليكم.
وعن ابن عباس: هما الرجلان يتقاولان، فيقول أحدهما لصاحبه: يا صاحب كذا. فيقول له الآخر: إن كنت صادقًا علي فغفر الله لي، وإن كنت كاذبًا فغفر الله لك.
[باب] قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ الآيَةَ [فصلت: ٢٤]
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَذَثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْصُور، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بِنَحْوِهِ.
ثم ذكره، وقال نحوه، وفي آخر الذي قبله: وَكَانَ سُفْيَانُ يُحَدِّوثنا بهذا فَيَقُولُ: ثنَا مَنْصورٌ أَوِ ابن أَبِي نَجِيحٍ أَوْ حُمَيْدٌ يعني: الأعرج -أَحَدُهُمْ أَوِ اثْنَانِ مِنْهُمْ- ثُمَّ ثَبَتَ عَلَى مَنْصورٍ، وَتَرَكَ ذينك مِرَارًا غَيْرَ مرة.
وقد روي بغير شك أن الرجل من قريش، وذكر الثعلبي أن الثقفي اسمه عبد ياليل بن عمرو بن عمير وختناه زمعة وصفوان بن أمية، وقال ابن بشكوال: القرشي: الأسود بن عبد يغوث، والثقفي: الأخنس بن شريق (١).
ذكره ابن عباس، وفي "تفسير الجُوزي" نزلت في صفوان بن أمية وربيعة وصما بن عمرو الثقفيين، واختلف في الختن هل هو من قبل الزوج أو الزوجة، وقد سلف.
وقوله: (كثيرة شحم بطونهم) يقرأ بإضافة كثيرة إلى شحم، وهو من باب تقديم الخبر على الاسم، وكذلك (فقه قلوبهم) معناه: قلوبهم قليلة فقه، والأول بطونهم كثيرة شحم، وفيه تنبيه على أن الفطنة قلما تكون مع السمن.
стр. 13810
ومعنى ﴿تَسْتَتِرُونَ﴾ تستخفون في قول الأكثرين، وقال مجاهد: تتقون (١). وقال قتادة: تظنون (٢)، وروي أن أول ما ينبئ عن الإنسان فخذه وكفه.
وقوله: (إن أخفينا) جاء في رواية: خافتنا، وهو نحوه؛ لأن المخافتة والخفت إسرار النطق، وأما الإخفاء فهو كذلك أيضًا، وقيل: معناه في اللغة: أظهر، ولا يصح ذلك هنا.
وما ذكره سفيان من التردد أولًا والقطع آخرًا ظاهر لا يقدح؛ لأنه تردد في أي هؤلاء الثقات حدثه ثم ثبت له التعيين واستقر عليه.
وقوله: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا﴾ أي: في الدنيا على أعمال أهل النار ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾: يسترضوا ويطلبوا العتبى ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ وهذا دال على الجزع؛ لأن المستعتب جزع، وقرئ بضم أوله وكسر التاء (٣) (من المعتبين) أي: على إرضائه؛ لأنهم فارقوا دار العمل.
стр. 13811
(٤٢) ومن سورة حم عسق
وَيُذْكَرُ عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﴿عَقِيمًا﴾ لَا تَلِدُ. ﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ القُرْآنُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ نَسْلٌ بَعْدَ نَسْلٍ ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا﴾ لَا خُصُومَةَ. ﴿طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ ذَلِيلٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ ﴿فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ يَتَحَرَّكْنَ وَلَا يَجْرِينَ فِي البَحْرِ. ﴿شَرَعُوا﴾ ابْتَدَعُوا.
هي مكية، قال مقاتل: وفيها من المدني ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبَادَهُ﴾ الآية ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩)﴾ إلى قوله: ﴿مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (١) قلت: وقوله: ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ قيل: منسوخة بقوله: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ وقيل: مكية، والمعنى مودة رسول الله ﷺ خاصة أو صلة الرحم، وقيل: مدنية، فإنها في قرابته.
وقوله: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ نزلت في الصديق حين سبه الأنصاري فجاوبه، فقام رسول الله ﷺ ، وقال: "إني رأيت ملكًا بينك وبينه يرد عليه ما يقول لك فلما سببته اعتزلت" فنزلت (٢). وأكثرهم على أن معنى الانتصار هنا: ما كان في الجراح، وما يجوز الاقتصاص منه. فأما السبة والشتمة فهما (أعيان) (٣).
стр. 13812
(ص) (وَيُذْكَرُ عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﴿عَقِيمًا﴾ لَا تَلِدُ. ﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ القُرْآنُ) هذا ذكره جويبر، عن الضحاك، عنه (١)، وقيل في الروح: النبوة. وقيل: الرحمة، وقيل: جبريل، والعقيم -كما ذكر- الذي لا يلد ولا يولد له.
(ص) (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ نَسْلٌ بَعْدَ نَسْلٍ) هذا أسنده ابن أبي حاتم، عن حجاج، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عنه (٢).
وقال الفراء: (فيه) بمعنى (به) (٣)، وقال القتبي: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾، أي: في الزوج، وخطأ من قال: في الرحم؛ لأنها مؤنثة لم تذكر (٤).
(ص) (﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ لَا خُصُومَةَ بيننا. ﴿طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ ذَلِيلٍ) هذا من بقية كلامه، وقيل: ينظرون بقلوبهم؛ لأنهم يحشرون عميًا.
(ص) (وَقَالَ غَيْرُهُ ﴿فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ يَتَحَرَّكْنَ وَلَا يَجْرِينَ فِي البَحْرِ) أي: مع سكونها وثباتها.
(ص) (﴿شَرَعُوْا﴾ ابْتَدَعُوا) أي: فهو مجنب غير مقبول.
стр. 13813
[باب] قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]
٤٨١٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ طَاوُسًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ ﴿إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُرْبَى آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَجِلْتَ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلاَّ كَانَ لَهُ فِيهِمْ قَرَابَةٌ فَقَالَ: "إِلاَّ أَنْ تَصِلُوا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنَ الْقَرَابَةِ". [انظر: ٣٤٩٧ - فتح ٨/ ٥٦٤]
أسلفت الكلام عليها أولًا.
ثم ساق البخاري حديث ابن عَبَّاسٍ ﵄. أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هذِه الآية فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُرْبَى آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ . فَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: عَجلْتَ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَّا كَانَ لَهُ فِيهِمْ قَرَابَةٌ، فَقَالَ: "إِلًّا أَنْ تَصِلُوا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنَ القَرَابَةِ".
أي: لأن قريشًا كانت تصل أرحامها، فلما بعث سيدنا رسول الله ﷺ قطعته، فقال: "صلوني كما كنتم تفعلون" (١) وقال: "إلا أن تتوادوا وتتقربوا إليه بطاعته" (٢) وقيل: هي منسوخة، وقد سلف، والذي سألوه أن يودوه بقراِبته ثم رده اللهٍ إلى ما كان عليه الأنبياء، كما قال نوح وهود: ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا﴾ [هود: ٢٩]، وقال هود ﴿أَجْرًا﴾ [هود: ٥١].
стр. 13814
وعن ابن عباس: لما نزلت ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ﴾ الآية قالوا: يا رسول الله، من هؤلاء الذين نودهم؟ قال: "علي وفاطمة وولدها" (١)(٢).
بَرِيئُونَ. وَقَرَأَ عَبْدُ اللهِ إِنَّنِي بَرِىٌ بِالْيَاءِ، وَالزُّخْرُفُ: الذَّهَبُ. مَلَائِكَةً يَخْلُفُونَ: يَخْلُفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
قال مقاتل: مكية غير آية ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا﴾ الآية (١)، وأصل الزخرف: الذهب -كما نبه عليه ابن سيده- ثم سمى كل زينة زخرفًا، وزخرف البيت: زيَّنهُ وأكمله، وكل ما زوق وزين فقد زخرف (٢).
(ص) (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿عَلَى أُمَّةٍ﴾: على إِمَامٍ) أخرجه ابن أبى حاتم من حديث ابن أبي نجيح، عنه. قلت: وقيل: ملة، والمعنى متقارب، لأنهم يتبعون الملة ويقتدون بها، وفي بعض النسخ هنا: (قال قتادة: ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾: جملة الكتاب، أصل الكتاب) (٣).
(ص) ((وَقِيلَهُ يَا رَبِّ) تَفْسِيرُهُ: أم يحسبون أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ، وَلَا نَسْمَعُ قِيلَهُ يا رب) قلت: أنكر ذلك، وقال: إنما يصح أن لو كانت التلاوة: وقيلهم. وقيل: المعنى إلا من شهد بالحق، وقال: قيله يا رب، على الإنكار. وقيل: لا نسمع سرهم ونجواهم ونسمع قيله. ذكره الثعلبي، وقال أولًا: وقيله يا رب، يعني: وقول محمد شاكيا إلى ربه.
(ص) (وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: لَوْلَا أَنْ يجَعَلَ النَّاسَ كُلَّهُمْ كُفَّارًا لَجَعَلْتُ لِبُيُوتِ الكُفَّارِ سقْفًا مِنْ فِضَّةٍ، ومَعَارجَ مِنْ فِضَّةٍ -وَهْى دَرَجٌ- وَسُرُرُ فِضَّةٍ) أثر ابن عباس هذا أخرجه ابن جرير، عن أبي عاصم، ثنا عيسى، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عنه (٤).
стр. 13817
(ص) (مُقْرِنين: مُطِيقِينَ) ضابطين فارهين، وهو من القرن، كأنه أراد وما كنا له مقارنين في القوة، وقال بعد: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾، يعني: الخيل والإبل والبغال والحمير). وقال بعده: (وقال غيره- يعني: غير قتادة: مقرنين: ضابطين، يقال: فلان مقرن لفلان: ضابط له) (١).
(ص) (﴿ءَاسَفُونَا﴾ أَسْخَطُونَا) قلت: وقيل: أغضبونا. وقيل: خالفونا وكله متقارب.
(ص) (﴿يَعْشُ﴾: يَعْمَى) قراءة العامة بالضم، وقرأ ابن عباس بالفتح، أي: تظلم عينه، أو يضعف بصره (٢).
(ص) (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ أَيْ: تُكَذِّبُونَ بِالْقُرْآنِ، ثُمَّ لَا تُعَاقَبُونَ عَلَيْهِ) أخرجه ابن أبي حاتم بالسند السالف في (أُمَةٍ) (٣).
(ص) (قال قتادة: وإنه لو كان هذا القرآن رفع حين رده أوائل هذِه الأمة لهلكوا، ولكن الله عاد برحمته فكرره عليهم) (٤) وهذا ثابت في بعض النسخ من غير عزو، وقال: (مسرفين): مشركين (٥).
стр. 13818
(ص) (﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾: سُنَّةُ الأَوَّلِينَ) أي: وعقوبتهم.
(ص) (يَنْشَأُ فِي الحِلْيَةِ): الجَوَارِي، يقول: جَعَلْتُمُوهُنَّ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا فَكَيْفَ تَحْكُمُونَ؟) أي: تربى وتنبت وتكبر ﴿فِي الْحِلْيَةِ﴾: في الزينة، يعني: الجواري كما ذكره، والآية دالة على الرخصة للنساء في الحرير والذهب، والسنة واردة أيضًا (١).
قال قتادة في هذِه الآية: قلما تتكلم امرأة فتريد أن تتكلم بحجتها إلا تتكلم بالحجة عليها (٢). ومجاز الآية: أو من ينشأ تجعلونه ربًّا أو بنات الله، تعالى عن ذلك.
(ص) (﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ يَعْنُونَ: الأَوْثَانَ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ يعني: الأَوْثَانُ إِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) هو قول مجا هد، يعني: الأوثان (٣)، وقال قتادة وغيره: يعني: الملائكة. قالوا: وإنما لم يعجل عقوبتنا على عبادتنا إياها لرضاه منا بعبادتنا (٤).
стр. 13819
فرد الله عليهم وقال: ﴿مَّا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ فيما يقولون: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾: يكذبون (١). قيل: قوله: ﴿مَّا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ مردود إلى قوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ والمعنى: أن الله لم يرد عليهم قولهم ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ وإنما المعنى: ما لهم بقولهم: (الملائكة بنات الرحمن) علم؛ يوضحه أن بعده: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: أنزلنا عليهم كتابًا فيه هذا، وقيل: معنى ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: ما لهم عذر في هذا؛ لظنهم أن ذلك عذر فرد الله ذلك عليهم، فالرد محمول على المعنى (٢).
(ص) (﴿فِي عَقِبِهِ﴾: في وَلَدِهِ) يريد وولد ولده. قال ابن فارس: ويقال: بل كل الورثة كلهم عقب (٣).
(ص) [مقترنين] (٤) (يَمْشُونَ مَعًا) أي: متتابعين يقارن بعضهم بعضًا.
(ص) (﴿سَلَفًا﴾: قَوْمُ فِرْعَوْنَ سَلَفًا لِكُفَّارِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ) قلت: وكذا من مضى من غيرهم من الأمم، وقرئ بضم السين واللام وفتحهما (٥).
(ص) (﴿وَمَثَلاً﴾: عبرة) أي: (للآخرين): لمن يجيء بعدهم.
стр. 13820
(ص) (يَصِدِّون: يَضِجُّونَ) يريد بكسر الصاد، ومن قرأ بالضم فالمعنى: يعرضون (١) وقال الكسائي: هما لغتان بمعنى. وأنكر بعضهم الضم، وقال: لو كان مضمومًا لكان (عنه)، ولم يكن: ﴿ومِنْهُ﴾. وقيل: معنى ﴿مِنْهُ﴾: من أجله (٢). فلا إنكار في الضم.
(ص) (﴿مُبْرِمُونَ﴾: مجمعون) قلت: وقيل: محكمون. وهو نحوه.
(ص) (﴿أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾: أَوَّلُ المُؤْمِنِينَ) أي: إن كان للرحمن ولد في (قلوبكم) (٣) فأنا أول من عبده وكذبكم.
وقال الحسن: يقول: ما كان له من ولد.
وقيل (٤): هو من عبد، أي: أنف وغضب، وهو ما قاله البخاري بعدُ (﴿أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ أي: ما كان فأنا أول الآنفين، وهما لغتان: عابد وعَبِدٌ).
قال: (وقرأ عبد الله: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ). قال: (ويقال: ﴿أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾: الجاحدين، من عبِدَ يَعْبَد).
وقوله: (عابد وعبد) كذا هو بكسر الباء من (عبد) بخط الدمياطي، وقال ابن التين: ضبط بفتحها، قال: وكذا هو في ضبط كتاب ابن فارس العبد: الأنف (٥)، وكذا في "الصحاح": العبَد، بالتحريك: الغضب، وعَبِد بالكسر، أي: أنف (٦).
стр. 13821
وأما (عبِدَ) بمعنى: جحد، فهو بكسر الباء في أكثر النسخ وفتحها في مضارعه، وفي بعض الروايات: فتحها ماضيًا وضمها مضارعًا، وفي أخرى: وكسرها أيضًا.
قال: ولم يذكر أهل اللغة عبد بمعنى: جحد. وذكر ابن عُزير أن معنى العابدين والآنفين: الجاحدين.
(ص) وقال غيره، أي: غير مجاهد.
(ص) (﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾) أي: ذو براء (الْعَرَبُ تَقُولُ: نَحْنُ مِنْكَ البَرَاءُ وَالْخَلَاءُ وَالْوَاحِدُ، وَالاِثْنَانِ والجمع مِنَ المُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ يُقَالُ فِيهِ: بَرَاءٌ؛ لأَنَّهُ مَصْدَرٌ) أي: وضع موضع النعت.
(ص) (وَلَوْ قَالَ: بَرِيءٌ. لَقِيلَ فِي الاثْنَيْنِ: بَرِيئَانِ. وَفِي الجمع: بَرِيئُونَ. وَقَرَأَ عَبْدُ اللهِ: (إِنَّنِي بَرِيءٌ) بالياء)، أي: وكسر الراء.
(ص) (وَالزُّخْرُفُ: الذَّهَبُ) هذا قد أسلفته، وقيل: الباطل. وقيل: هو زينة الحياة الدنيا.
(ص) (﴿مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾: يَخْلُفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا) أي: كما يخلفكم أولادكم.
стр. 13822
[باب] قوله: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧)﴾ [الزخرف: ٧٧]
٤٨١٩ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٥٦]. [انظر: ٣٢٣٠ - مسلم: ٨٧١ - فتح: ٨/ ٥٦٨]
وَقَالَ قَتَادَةُ (مَثَلاً لِلآخِرِين): عِظَةً. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿مُقْرَّنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣] ضَابِطِينَ يُقَالُ فُلَانٌ مُقْرِنٌ لِفُلَانٍ: ضَابِطٌ لَهُ. وَالأَكْوَابُ: الأَبَارِيقُ الَّتِي لَا خَرَاطِيمَ لَهَا ﴿أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] أَيْ: مَا كَانَ فَأَنَا أَوَّلُ الأَنِفِينَ وَهُمَا لُغَتَانِ رَجُلٌ عَابِدٌ وَعَبِدٌ. وَقَرَأَ عَبْدُ اللهِ: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ﴾ [الفرقان:٣٠] وَيُقَالُ: أَوَّلُ الْعَابِدِينَ: الْجَاحِدِينَ مِنْ عَبِدَ يَعْبَدُ. وَقَالَ قَتَادَةُ ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ [الزخرف: ٤] جُمْلَةِ الْكِتَابِ أَصْلِ الْكِتَابِ.
ذكر فيه حديث صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَى المِنْبَرِ ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٥٦]. وقد سلف في: بدء الخلق (١)، وهناك قال: قال سفيان بن عيينة: قرأه عبد الله: (يا مال). وصفة النار أيضًا (٢).
وأخرجه أيضًا مسلم وأبو داود والترمذي (٣).
قال الزجاج: وأنا أكرهها؛ لمخالفتها المصحف (٤)، وعند الجُوزي: ينادون مالكًا أربعين سنة فيجيبهم بعدها: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾.
стр. 13823
ثم ينادون رب العزة ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ ل [المؤمنون: ١٠٧] فلا يجيبهم مثل عمر الدنيا، ثم يقول: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] وقيل: نداؤهم لمالك أن يموتوا فيستريحوا، فيجيبهم بعد ألف سنة: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾.
(ص) (وقال قتادة: (مثلًا للآخرين): عظة لمن بعدهم) (١). وفي بعض النسخ: عبرة. بدل عظة، وهو ما سلف قبل، وجزم به الثعلبي.
(ص) (وَالأَكْوَابُ: الأَبَارِيقُ التِي لَا خَرَاطِيمَ لَهَا) أي: ولا آذان، واحدها كوبة. وعبارة "الكشاف" الكوب: الكوز بلا عروة (٢).
стр. 13824
- [باب] ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥)﴾ [الزخرف: ٥]
: مُشْرِكِينَ. والله لَوْ أَنَّ هذا القُرْاَنَ رُفِعَ حَيْثُ رَدَّهُ أَوَائِلُ هذِه الأُمَّةِ لَهَلَكُوا. ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾ [الزخرف: ٨] عُقُوبَةُ الأَوَّلِينَ (جُزْءًا) [الزخرف: ١٥]: عِدْلًا.
(ص) (﴿جُزْءًا﴾: عِدْلًا) المعنى: أنهم عبدوا الملائكة فجعلوا لله شبهًا، وهذا قول قتادة (١)، وقال عطاء: نصيبًا وشركًا (٢)، ومعنى جعلوا: قالوا هذا ووصفوه. وقيل جزء: إناث، يقال: جزأت المرأة: إذا ولدت أنثى.
стр. 13825
(٤٤) ومن سورة الدُّخَانِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿رَهْوًا﴾: طَرِيقًا يَابِسًا. ﴿عَلَى العَالَمِينَ﴾: على مَنْ بَيْنَ ظَهْرَيْهِ. ﴿فَاْعْتِلُوهُ﴾: اْدْفَعُوهُ. ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ﴾: أَنْكَحْنَاهُمْ حُورًا عِينًا يَحَارُ فِيهَا الطَّرْفُ. ﴿تَرْجُمُونِ﴾: القَتْلُ. وَرَهْوًا: سَاكِنًا. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿كَالْمُهْلِ﴾: أَسْوَدُ كَمُهْلِ الزَّيْتِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿تُبَّع﴾: مُلُوكُ اليَمَنِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُسَمَّى تُبَّعًا؛ لأَنَّهُ يَتْبَعُ صَاحِبَهُ، وَالظِّلُّ يُسَمَّى تُبَّعًا لأَنَّهُ يَتْبَعُ الشَّمْسَ.
هي مكية. وفي الترمذي: غريبًا عن أبي هريرة مرفوعًا: "من قرأ حم الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك" (١) وعنه: "من قرأ الدخان ليلة الجمعة غفر له" (٢).
стр. 13826
(ص) (قال مجاهد: ﴿رَهْوًا﴾: طَرِيقًا يَابِسًا) هذا أسنده ابن أبي حاتم من حديث ابن أبي نجيح عنه. وعنه: منفرجًا. أسنده عبد (١) مع الأول أيضا، وقال في الأول: يابسًا كهيئته بعد أن ضربه، قال: لا تأمره يرجع، اتركه حتى يدخله آخرهم (٢).
ثم قال البخاري: ويقال: [رهوًا] (٣) ساكنًا. أي: كهيئته (٤) -كما ذكرنا- وذلك لأن موسى سأل ربه أن يرسل البحر؛ خوفًا أن يعبر فرعون في أثره فقال الله ذلك، وكان عرضه فرسخين، وفيه قول ثالث: أي: سهلًا (٥). وآخر: صعودًا. قاله مقاتل.
(ص) (﴿عَلَى العَالَمِين﴾ على مَنْ بَيْنَ ظَهْرَيْهِ) أي: من عالمي زمانهم.
(ص) (﴿فَاعْتِلُوهُ﴾: اْدْفَعُوهُ) إلى النار وسوقوه، وقرئ بضم التاء وكسرها (٦).
(ص) (﴿تَرْجُمُونِ﴾: القَتْلُ) قلت: (حصبته) (٧) قاله قتادة، وقال ابن عباس: يشتمون ويقولون: هو ساحر (٨).
стр. 13827
(ص) (وقال ابن عباس: ﴿كَالْمُهْلِ﴾: أسود كمهل الزيت). رواه جويبر، عن الضحاك، وقيل: هو دُرْدِيُه (١)، وقيل: السم. وقال الأصمعي: هو بفتح الميم (٢): الصديد وما يسيل من الميت. وعن غيره: هو كعكر الزيت، وبالضم: الرماد ونحوه، وقيل: هو خبث الجواهر. حكاه ابن سيده (٣)، وقيل: الذي انتهى حرُّه. حكاه عبد، عن ابن جبير (٤).
(ص) (وقال غيره) يعني: غير ابن عباس (﴿تُبَّع﴾: ملوك اليمن كل واحد منهم تبعًا؛ لأنه يتبع صاحبه، والظل يسمى تبعًا؛ لأنه يتبع الشمس) (٥). قلت: وتبع هنا هو تبع الحميري، وكان سار بالجيوش حتى تحير (٦) الحيرة وبنى سمرقند (٧). وقال سعيد: وهو الذي كسا البيت (٨). وفي الحديث: "ما أدري [تبع] (٩) نِبيًّا كان أو غير نبيٍّ." (١٠).
(ص) (﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾: أَنْكَحْنَاهُمْ حُورًا عِينًا يَحَارُ فِيهَا الطَّرْفُ): أي: من بياضها وصفاء لونها. والعِين: العظيمة العَين.