← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 13861–13900 · переход к 13866.

стр. 13861

إذا ربا، وهو فعل يفعل، نادر، شاذ، وأنكر الداودي قوله: (فلما كثر لحمه صلى جالسًا)، وقال إنما في الحديث: فلما بدن (١)، يعني: كبر، وهذا في رسم الخط يقع على أخذ اللحم وعلى الكبر، فرواه بعضهم على ما يحتمل من التأويل، ونقل غيره: لما كبر وسمن مثل ما هنا ومن صفاته أنه لما كبر سمن. وقال ابن الجوزي: لم يصفه أحد بالسمن أصلًا، ولقد مات وما شبع من خبز الخمير في يوم مرتين، وأحسب أن بعض الرواة روى قولها: (بدن) ظنه كثر لحمه، وأن قومًا ظنوا ذلك، وليس كذلك. فإن أبا عبيد قال: بدن الرجل يبدن: إذا أسن، فيحتمل أن يكون المعنى: لما ثقل عليه حمل لحمه وإن كان قليلًا طعن في السن (٢). فائدة: صلاته ﷺ جالسًا كصلاته قائمًا -كما ثبت في "صحيح مسلم" من حديث عبد الله بن عمرو (٣). وفي الحديث: الأخذ بالشدة في العبادة وإن أضر ذلك بدنه، وذلك له حلال مع جواز أخذه بالرخصة، ألا ترى إلى قوله: "أفلا أكون عبدًا شكورًا" نبه على ذلك المهلب (٤). وفيه أيضًا أن لمطيق القيام أن يجلس، فإنه يجلس في بعض الركعة

стр. 13862

ويقوم في بعضها، ومذهب ابن القاسم أن من ابتدأ قائمًا له الجلوس (١)، وخالفه أشهب (٢). وفي الآية المذكورة أقوال للمفسرين: منها: أن المراد بذلك أمته، أو لو وقع ذلك لغفر. ومنها: قول مجاهد: ما قبل الرسالة وما بعدها (٣). ومنها: قول الطبري: المتقدم: قوله يوم بدر: "اللهم إن تهلك هذِه العصابة لا تعبد في الأرض أبدًا" (٤). فأوحي إليه: من أين تعلم ذلك، والمتأخر: رميه بالحصى يوم حنين وقال: "لو لم أرمهم لم ينهزموا". فنزلت: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] (٥).

стр. 13863

٣ - [باب] قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الفتح: ٨] ٤٨٣٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي فِي الْقُرْآنِ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨)﴾ [الفتح: ٨] قَالَ: فِي التَّوْرَاةِ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَحِرْزًا لِلأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخَّابٍ بِالأَسْوَاقِ وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ. فَيَفْتَحَ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا. [انظر: ٢١٢٥ - فتح: ٨/ ٥٨٥] ذكر فيه حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصي ﵄ أَنَّ هذِه الآيَةَ التِي فِي القُرْآنِ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨)﴾ [الفتح: ٨] قَالَ: فِي التَّوْرَاةِ: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشَرًا ونذيرًا وَحِرْزًا لِلأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ المُتَوَكَلَ لَيْسَ بِفَظ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخَّاب بِالأَسْوَاقِ وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ ولكن يَعْفُو ويصفَحُ وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللهُ حتَّى يُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ العَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إله إِلَّا اللهُ. فَيَفْتَحَ به أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا. الشرح: الشاهد هو المبين؛ لأنه يبين الحكم، فسمي شاهدًا لمشاهدته المآل والحقيقة، فكأنه الناصر بما شاهد، ويشهد عليهم أيضًا بالتبليغ وبأعمالهم من طاعة ومعصية، وبين ما أرسل إليهم، وأصلها الإخبار

стр. 13864

بما شوهد. وعن قتادة: شاهدًا على أمته وعلى الأنبياء، ومبشرًا بالجنة لمن أطاعه (١). ونذيرًا أي: من النار، أصله الإنذار، وهو التحذير. والمتوكل: هو الذي يكل أمره إلى الله. فصل: هذا الحديث أخرجه هنا عن عبد الله، وهو ابن مسلم كما صرح به ابن السكن. وأخرجه في البيوع عن محمد بن سنان، وقال أبو مسعود: عبد الله الذي لم ينسبه، يقال: إنه ابن رجاء، وقال بعضهم: هو ابن صالح. والحديث عندهما عن الماجشون، ونقل ما أسلفنا عن ابن السكن الجيانيُّ وقال: إنه ضعيف. والذي عندي أنه عبد الله بن صالح كاتب الليث، على أن الحاكم قطع أن البخاري لم يخرج في "صحيحه" عنه شيئًا (٢).

стр. 13865

٤ - [باب] قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ [الفتح: ٤] ٤٨٣٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَقْرَأُ، وَفَرَسٌ لَهُ مَرْبُوطٌ فِي الدَّارِ، فَجَعَلَ يَنْفِرُ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ فَنَظَرَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، وَجَعَلَ يَنْفِرُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ بِالْقُرْآنِ». [انظر: ٣٦١٤ - مسلم: ٧٩٥ - فتح: ٨/ ٥٨٦] ذكر فيه حديث البَرَاءِ ﵁: بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رسول الله ﷺ يَقْرَأُ وله فَرَسٌ مَرْبُوطٌ فِي الدَّارِ، فَجَعَلَ يَنْفِرُ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ فَنَظَرَ فَلَمْ يَرَ شيْئًا، وَجَعَلَ يَنْفِرُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ذَكَرَ ذَلِكَ لرسول الله ﷺ فَقَالَ: "تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ بِالْقُرْآنِ". ويأتي في فضائل القرآن، في فضل سورة الكهف (١)، وأخرجه أيضًا مسلم والترمذي والنسائي (٢)، وهذا الرجل هو أسيد بن حضير -كما جاء في رواية أخرى- وأنها سورة الكهف (٣). وفيه: أنها جسم، وعلقه البخاري من حديث أبي سعيد أيضًا، وأنه قرأ البقرة وفي آخره: فقال ﵇: "وتدري ما ذاك؟ تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها" وأسنده النسائي (٤)، وزعم بعضهم تعدد الواقعة، ويحتمل أنه قرأهما كلتيهما، أو أن الراوي ذكر المهم وهو نزول الملائكة، وهي السكينة.

стр. 13866

٥ - [باب] قوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ٨] ٤٨٤٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ. [انظر: ٣٥٧٦ - مسلم: ١٨٥٦ - فتح: ٨/ ٥٨٧] ٤٨٤١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ صُهْبَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ: إِنِّي مِمَّنْ شَهِدَ الشَّجَرَةَ، نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْخَذْفِ. [٥٤٧٩. ٦٢٢٠ - مسلم: ١٩٥٤ - فتح: ٨/ ٥٨٧] ٤٨٤٢ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ صُهْبَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الْمُغَفَّلِ الْمُزَنِيِّ فِي الْبَوْلِ فِي الْمُغْتَسَلِ. فتح: ٨/ ٥٨٧] ٤٨٤٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ﵁ -وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ. [انظر: ١٣٦٣ - مسلم:١١٠ - فتح: ٨/ ٥٨٧] ٤٨٤٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْلَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ سِيَاهٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا وَائِلٍ أَسْأَلُهُ فَقَالَ: كُنَّا بِصِفِّينَ فَقَالَ رَجُلٌ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ. فَقَالَ عَلِيٌّ: نَعَمْ. فَقَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ: اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ -يَعْنِي الصُّلْحَ الَّذِي كَانَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُشْرِكِينَ- وَلَوْ نَرَى قِتَالاً لَقَاتَلْنَا، فَجَاءَ عُمَرُ فَقَالَ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟! قَالَ: «بَلَى». قَالَ: فَفِيمَ أُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا، وَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللهُ بَيْنَنَا. فَقَالَ: «يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنِّي رَسُولُ اللهِ وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللهُ أَبَدًا». فَرَجَعَ مُتَغَيِّظًا، فَلَمْ يَصْبِرْ حَتَّى جَاءَ أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، إِنَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلَنْ

стр. 13867

يضَيِّعَهُ اللهُ أَبَدًا. فَنَزَلَتْ سُورَةُ الفَتْحِ. [انظر: ٣١٨١ - مسلم: ١٧٨٥ - فتح: ٨/ ٥٨٧]. ذكر فيه حديث جابر ﵁ كُنَّا يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ. وقد سلف، وقيل: وخمسمائة، وقيل: وثلاثمائة كما سلف هناك أيضًا. ثم ذكر عن عُقْبَةَ بْنِ صُهْبَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، أي: بالغين المعجمة، المُزَنِيِّ: فيمن شَهِدَ الشَّجَرَةَ، نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الخَذْفِ. وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ صُهْبَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُغَفَّلٍ المُزَنِيِّ: فِي البَوْلِ فِي المُغْتَسَلِ يأخذ منه الوسواس. أما حديث نهيه عن الخذف فسيأتي في الأدب أيضًا. قال الليث: الخذف: رميك حصاة أو نواة تأخذها بين سبابتيك أو بين إبهامك والسبابة، وعبارة ابن فارس: خذفت الحصاة إذا رميتها بين إصبيعك (١). وأما حديث نهيه عن البول في مستحمه، ثم يتوضأ فيه، فإن عامة الوسواس منه، قال الترمذي: حديث غريب (٢)، واستدركه الحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وذكر له شاهدًا (٣)، وأعله عبد الحق كما بين ابن القطان وهمه فيه (٤). قلت: وفي سنده أشعث بن عبد الله الحداني، وثقه النسائي وغيره (٥)، وأورده العقيلي في "الضعفاء"، وقال: وفي حديثه وهَم، ثم ذكر له هذا الحديث (٦).

стр. 13868

وقد روي موقوفًا، وادعى بعض الحفاظ أنه أصح وكره جماعات من الصحابة فمن بعدهم البول في المغتسل، منهم ابن مسعود، حتى قآل عمران (١): من بال في مغتسله لم يطهر، وعن ليث بن أبي سليم، عن عطاء، عن عائشة ﵂ قالت: ما طهر الله رجلًا يبول في مغتسله (٢)، ورخص فيه ابن سيرين وغيره. وروى ابن ماجه، عن علي بن محمد الطنافسي قال: إنما هذا في الحفيرة، وأما اليوم فمغتسلاتهم بجص وصاروج -يعني: النورة، وأخلاطها- والمقير، فإذا بال وأرسل عليها الماء فلا بأس (٣). وكذا قال الخطابي عن مغتسل يكون جددًا صلبًا، ولم يكن له مسلك ينفذ فيه البول (٤)، ويروى عن عطاء: إذا كان يسيل فلا بأس (٥). وعن ابن المبارك: وقد وسع في البول فيه إذا جرى فيه الماء. وقال به أحمد في رواية واختيرت (٦). وروى الثورى، عمن سمع أنس بن مالك يقول: إنما كره مخافة اللمم (٧)، وعن أفلح بن حميد قال: رأيت القاسم بن محمد يبول في مغتسله، وأغرب ابن التين فقال: قوله في البول يريد نهيه ﵇ عن البول في الماء الدائم الذي يغتسل فيه.

стр. 13869

وذكر عن ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ﵁ -وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ. وهذا سلف هناك أيضًا. ثم ذكر حديث ابن أَبِي ثَابِتٍ قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا وَائِلٍ أَسْأَلُهُ فَقَالَ: كُنَّا بِصفِّينَ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الذِينَ يَدعونَ إِلَى كِتَابِ اللهِ. فَقَالَ عَلِيٌّ: نَعَمْ. فَقَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ: اْتَّهِمُوا رأيكم. فذكره في المغازي والجزية والاعتصام (١)، وأخرجه مسلم والنسائي (٢). و (يَدْعون) -بفتح أوله- كذا الرواية. وكأن هذا الرجل لم يرد التلاوة. وقول سهل: (اتهموا رأيكم). يريد: أن الإنسان قد يرى رأيا، والصواب غيره، والمعنى: لا تعلموا بآرائكم يعني: مضي الناس إلى الصلح بين علي ومعاوية، وذلك لأن سهلًا ظهر له من أصحاب علي كراهة التحكيم. قوله: (فلم يصبر حتى جاء أبا بكر). قال الداودي: وليس بمحفوظ، إنما كلَّم أبا بكر ثم كلَّم النبي ﷺ .

стр. 13870

(٤٩) ومن سُورَة الحُجُرَاتِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾: لَا تَفْتَاتُوا على رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى يَقْضيَ اللهُ عَلَى لِسَانِهِ. ﴿امْتَحَنَ﴾: أَخْلَصَ. ﴿تَنَابَزُوا﴾: يُدْعَى بِالْكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلَامِ. ﴿يَلِتْكُمْ﴾: يَنْقُصْكُمْ، أَلَتْنَا نَقَصْنَا (ص) (وقال مجاهد: لا تفتاتوا على رسول الله ﷺ حتى يقضي الله على لسانه) هذِه السورة مدنية، ونزلت بعد المجادلة، وقبل التحريم كما قاله السخاوي (١) والحجرات بضم الجيم وفتحها، ويجوز إسكانها ولم يقرأ به كما قاله الزجاج. وهذا الأثر رواه ابن المنذر من حديث ابن جريح (٢). وقال ابن عباس: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة (٣). وقال الضحاك: لا تقضوا الله ورسوله من شرائع دينكم (٤). وقراءة العامة بضم التاء وكسر الدال، وقرأ يعقوب بفتحها من التقدم، والأول من التقديم، ولا يؤخذ من هذا امتناع تعجيل الزكاة على الوجوب؛ لثبوته بالنص، ولا يحسن تأويله على الخصوصية بالقياس على سد الحاجة. وقال الحسن: ذبح قوم قبل صلاة يوم النحر فأمرهم أن يعيدوا، ونزلت

стр. 13871

هذِه الآية (١) وذكر قول البخاري بعدُ: أنها نزلت في أبي بكر وعمر لما تماريا حتى ارتفعت أصواتهما. (ص) (﴿امْتَحَنَ﴾: أَخْلَصَ) أي: امتحن قلوبكم فوجدها خالصة، يقال: امتحنت الذهب والفضة: خلصتهما. وقيل: اختبر. (ص) (﴿تَنَابَزُوا﴾): يُدْعَى بِالْكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلَامِ) قلت: وكذلك إذا تداعوا بالألقاب. (ص) (﴿يَلِتْكُمْ﴾: يَنْقُصْكُمْ) أي: من أعمالكم شيئًا. (ألتناهم): نقصناهم، وقرأه أبو عمرو بالألف والباقون بحذفها من لات يليت ليتًا (٢).

стр. 13872

[باب] قوله: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الآيَةَ ﴿تَشْعُرُونَ﴾: تَعْلَمُونَ، وَمِنْهُ الشَّاعِرُ. ٤٨٤٥ - حَدَّثَنَا يَسَرَةُ بْنُ صَفْوَانَ بْنِ جَمِيلٍ اللَّخْمِيُّ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: كَادَ الْخَيِّرَانِ أَنْ يَهْلِكَا -أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ- ﵄ رَفَعَا أَصْوَاتَهُمَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ رَكْبُ بَنِي تَمِيمٍ، فَأَشَارَ أَحَدُهُمَا بِالأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ أَخِي بَنِي مُجَاشِعٍ، وَأَشَارَ الآخَرُ بِرَجُلٍ آخَرَ -قَالَ نَافِعٌ: لَا أَحْفَظُ اسْمَهُ- فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ: مَا أَرَدْتَ إِلاَّ خِلَافِي. قَالَ: مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ. فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا فِي ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ الآيَةَ. قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَمَا كَانَ عُمَرُ يُسْمِعُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ عَنْ أَبِيهِ، يَعْنِي: أَبَا بَكْرٍ. ٤٨٤٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ قَالَ: أَنْبَأَنِي مُوسَى بْنُ أَنَس، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ افْتَقَدَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا أَعْلَمُ لَكَ عِلْمَهُ. فَأَتَاهُ فَوَجَدَهُ جَالِسًا فِي بَيْتِهِ مُنَكِّسًا رَأْسَهُ فَقَالَ لَهُ: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ: شَرٌّ. كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ، وَهْوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَأَتَى الرَّجُلُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ مُوسَى: فَرَجَعَ إِلَيْهِ الْمَرَّةَ الآخِرَةَ بِبِشَارَةٍ عَظِيمَةٍ فَقَالَ: «اذْهَبْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ: إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؛ وَلَكِنَّكَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ». ثم ساق فيه حديثين: أحدهما: حديث نَافِعِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ ابن أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: كَادَ الخَيِّرَانِ أَنْ يَهْلِكَا: أبو بكر وعمرُ، رَفَعَا أَصْوَاتَهُمَا عِنْدَ رسول الله ﷺ حِينَ قَدِمَ

стр. 13873

عَلَيْهِ رَكْبُ بَنِي تَمِيمٍ، فَأَشَارَ أَحَدُهُمَا بِالأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ أَخِي بَنِي مُجَاشِع، وَأَشَارَ الآخَرُ بِرَجُل آخَرَ -قَالَ نَافِعٌ: لَا أَحْفَظُ اسْمَهُ- فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ: مَا أَرَدْتَ إِلَّا خِلَافِي. قَالَ: مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا فِي ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الآيَةَ. قَالَ ابن الزُّبَيْرِ: فَمَا كَانَ عُمَرُ يُسْمِعُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعْدَ هذِه الآيَةِ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ عَنْ أَبِيهِ، يَعْنِي: أَبَا بَكْرٍ. الكلام عليه من وجوه، وقد أخرجه في المغازي والاعتصام (١)، وأخرجه الترمذي والنسائي (٢): أحدها: قوله آخرًا: (قال ابن الزبير) يعلمك أن ابن أبي مليكة يرويه عنه، وبه ظهر اتصاله، فإنه لم يسمعهما -أعني: الخيرين- لصغر سنه عنه. وفي رواية أخرى -ذكرها بعد- من طريق ابن جريج: أخبرني ابن أبي مليكة أن عبد الله بن الزبير أخبرهم، فذكره (٣). ثانيها: (الخيران): بالخاء المعجمة، وتجوز بالمهملة (٤) أيضًا. و (يهلكا) قد أسلفناه بإثبات أن.

стр. 13874

وقال ابن التين: وقع بغير نون، ونصبه بتقدير أن، قال: وهي ثابتة عند أبي ذر. وقوله: (ولم يذكر ذلك عن أبيه -يعني: أبا بكر) فيه أن الجد للأم يسمى أبًا؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٢٢] والجد للأم داخل في ذلك. وأغرب بعض الشراح فقال: يحتمل أنه أراد أبا بكر عبد الله بن الزبير بن العوام، أو أبا بكر عبد الله بن عبد الله بن أبي مليكة، فإن أبا مليكة له ذكر في الصحابة (١) عند أبي عمر وأبي نعيم، وقال أبو عمر: فيه نظر (٢). ثالثها: الرجل الآخر هو القعقاع، وهو الذي أشار به الصديق -كما صرح به بعد في الرواية الأخرى، فقال أبو بكر: أمر القعقاع، وقال عمر: بل أمر الأقرع بن حابس. وهو: ابن معبد بن زرارة بن عديس بن زيد بن عبد الله بن دارم بن مالك بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم. وقال الكلبي في "جامعه" "أنساب العرب": كان يقال له لسخائه: تيار الفرات. قال ابن التين: وكان أرق من الأقرع؛ فلهذا أشار به الصديق. رابعها: جاء في رواية أنه لما نزلت الآية قال أبو بكر: والله لا أكلمك

стр. 13875

يا رسول الله إلا كأخي السرار (١)، فكان بعد لا يبين كلامه له حتى يستفهمه. ولا شك أن رفع الصوت عليه فوق صوته حرام لهذِه الآية، وما ثبت في "الصحيح" أن عمر استأذن على رسول الله ﷺ وعنده نساء من قريش يكلمنه عالية أصواتهن (٢)، فيحتمل أن يكون قبل النهي، أو أن يكون علو الصوت بالهيئة الاجتماعية لا بانفراد كل منهن. ومعنى قوله: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ لا تخاطبوه: يا محمد، يا أحمد، ولكن يا نبي الله، يا رسول الله؛ تكريمًا له وتوقيرًا، وقيل: ﴿له﴾، أي: عليه. ﴿كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ الكاف كاف التشبيه في محل النصب، أي: لا تجهروا له جهرًا مثل جهر بعضكم لبعض. وفيه دلالة أنهم لم ينهوا عن الجهر مطلقًا حتى لا يشرع لهم أن يكلموه إلا بالهمس والمخافتة، وإنما نهوا عن جهر مخصوص مقيد بصفة، وكره بعضهم رفع الصوت عند قبره، وبعضهم رفع الصوت في مجالس العلماء؛ تشريفًا لهم، إذ هم ورثة الأنبياء. الحديث الثاني: حديث ابن عَوْنٍ أَنْبَأَنِي مُوسَى بْنُ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسِ أنه ﵇ افْتَقَدَ ثَابِتَ ابْنَ قَيْسٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا أَعْلَمُ لَكَ عِلْمَهُ. فَأَتَاهُ فَوَجَدَهُ جَالِسًا فِي بَيْتِهِ مُنَكِّسًا رَأْسَهُ فَقَالَ لَهُ: مَا شَانُكَ؟ فَقَالَ: شَرٌّ. كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِ رسول الله ﷺ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ، وَهْوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ.

стр. 13876

فَأَتَى الرَّجُلُ رسول الله ﷺ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ: كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ مُوسَى: فَرَجَعَ إِلَيْهِ المَرَّةَ الآخِرَةَ بِبِشَارَةٍ عَظِيمَةٍ فَقَالَ: "اذْهَبْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ: إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وإنك مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ". الكلام عليه من وجوه: أحدها: كذا هو عند البخاري عن علي بن عبد الله، ثنا أزهر بن سعد، أنا ابن عون. وكذا أخرجه في المغازي (١)، وأخرجه مسلم والنسائي من حديث حماد بن سلمة وجعفر بن سليمان وسليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس ﵁ (٢). ورواه أبو نعيم، عن سليمان بن أحمد، عن عبد الله بن أحمد، عن يحيي بن معين، عن أزهر بن سعد، أنا ابن عون، عن ثمامة بن أنس، ثم قال: لا أدري من الواهم؟ وعند مسلم: فكنا نراه -يعني: ثابتًا- يمشي بين أظهرنا رجلًا من أهل الجنة (٣). ثانيها: جاء في غير هذا الموضع: نهانا الله أن نرفع أصواتنا وأنا جهير الصوت، ونهينا عن الخيلاء وأنا أحب الجمال، ونهينا عن الحسد، وما أحب أن يفوتني (٤) أحد بشسع نعلي، فقال له ﵇: "أما ترضى

стр. 13877

أن تعيش حميدًا وتموت شهيدًا وتدخل الجنة؟ " فقتل فيمن خرجوا إلى مسيلمة (١)، فكان هو على الأنصار، وخالد بن الوليد على الجيش كله (٢). ثالثها: البشارة -بكسر الباء- إذا أطلقت تكون للخير بخلاف النذارة. وفقهه سلف في الحديث قبله. رابعها: جاء في مسلم: أنه لما نزلت هذِه الآية جلس ثابت بن قيس في بيته فقال: أنا من أهل النار، واحتبس عن رسول ﷺ ، فسأل رسول الله ﷺ سعد بن معاذ وساق الحديث، وينبغي أن تعلم أن هذِه الآية نزلت في بني تميم في المحرم سنة تسع، وقتل سعد في الخندق سنة خمس. قلنا كل ذلك.

стр. 13878

[باب] قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ الآية ٤٨٤٧ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمِّرِ الْقَعْقَاعَ بْنَ مَعْبَدٍ. وَقَالَ عُمَرُ: بَلْ أَمِّرِ الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا أَرَدْتَ إِلَى -أَوْ: إِلاَّ- خِلَافِي. فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ. فَتَمَارَيَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَنَزَلَ فِي ذَلِكَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَىِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ حَتَّى اْنْقَضَتِ الآيَةُ. [انظر: ٤٣٦٧ - فتح: ٨/ ٥٩٢]. ذكر فيه حديث ابن أبى مليكة السالف.

стр. 13879

(٥٠) ومن سورة ق ﴿رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾: رَدٌّ. ﴿فُرُوجٍ﴾: فُتُوقٍ، وَاحِدُهَا: فَرْجٌ، وَرِيدٌ فِي حَلْقِهِ، الحَبْلُ: حَبْلُ العَاتِقِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ﴾: مِنْ عِظَامِهِمْ. ﴿تَبْصِرَةً﴾: بَصِيَرةً ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾: الحِنْطَةُ. ﴿بَاسِقَاتٍ﴾: الطِّوَالُ ﴿أَفَعَيِينَا﴾: أَفَأَعْيَا عَلَيْنَا. ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ﴾: الشَّيْطَانُ الذِي قُيّضَ لَهُ. ﴿فَنَقَّبُوا﴾: ضَرَبُوا. ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾: لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِغَيْرِهِ حِينَ أَنْشَأَكُمْ وَأَنْشَأَ خَلْقَكُمْ. ﴿رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾: رَصدٌ. ﴿سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾: المَلَكَانِ كَاتِبٌ وَشَهِيدٌ. ﴿شَهِيدٌ﴾: شَاهِدٌ بِالْقَلْبِ. ﴿لُغُوبٌ﴾: النَّصَبُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿نَضِيدٌ﴾: الكُفُرى مَا دَامَ فِي أَكْمَامِهِ، وَمَعْنَاهُ: مَنْضُودٌ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ أَكْمَامِهِ فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ. فِي أَدْبَارِ النُّجُومِ وَأَدْبَارِ السُّجُودِ، كَانَ عَاصِمٌ يَفْتَحُ التِي فِي ق وَيَكْسِرُ التِي فِي الطُّورِ، وَيُكْسَرَانِ جَمِيعًا وَيُنْصَبَانِ. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: يَوْمَ الخُرُوجِ يَخْرُجُونَ مِنَ القُبُورِ. هي مكية، قال الكلبي: إلا قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ الآية. وقال ابن النقيب: إلا قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿لُغُوبٌ﴾ (١). وهو قسم، وقيل: جبل من زبرجدة خضراء محيط بالعالم، وخضرة

стр. 13880

السماء منه، ليس من الخلق على خلقه شيء، والجبال تنبت منه، فإذا أراد زلزلة أوحى إلى الملك الذي عنده أن يحرك عرقًا من الجبل فتتحرك الأرض الذي يريد، وهو أول جبل خلق، وبعده أبو قبيس، ومن دون ق مسيرة سنة، جبل يقال له: الحجاب، وما بينهما ظلمة، وفيه تغرب الشمس قال تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ يعني: الجبل، وهو من وراء الحجاب، وله وجه كوجه الإنسان، وقلب كقلوب الملائكة في الخشية (١). قال السخاوي: ونزلت بعد المرسلات وقبل البلد (٢). (ص) (﴿رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾: رَدٌّ) أي: إلى الحياة بعد الموت. (ص) (﴿فُرُوجٍ﴾: فُتُوقٍ، وَاحِدُهَا: فَرْجٌ) قلت: قال الكسائي: ليس فيها تفاوت ولا اختلاف. (ص) (وريداه فِي حبله، الحَبْلُ حَبْلُ العَاتِقِ) قلت: حبل الوريد، المراد به: عرق الوريد، وهو عرق الحلق. (ص) (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ﴾: مِنْ عِظَامِهِمْ) إلى قوله: ﴿لُغُوبٌ﴾ أسنده ابن المنذر من طريق ابن جريج، عنه (٣).

стр. 13881

وادعى ابن التين أنه وقع: (من أعظامهم) وأن صوابه: (من عظامهم). وكذا هو عند أبي ذر؛ لأن فعلا -بفتح الفاء وسكون العين- لا يجمع على أفعال إلا خمسة أحرف نوادر، وقيل: من أجسامهم. (ص) (﴿تَبْصِرَةً﴾: بَصِيرَةً) أي: جعلنا ذلك تبصرة. (ص) (﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾: الحِنْطَةُ) أي: والشعير وسائر الحبوب التي تحصد، وهذِه الإضافة من باب: مسجد الجامع، وحبل الوريد، وربيع الأول، وحق اليقين ونحوها. (ص) (﴿بَاسِقَاتٍ﴾: الطِّوَالُ) قلت: وقيل: في استقامة. (ص) (﴿أَفَعَيِينَا﴾: أفعيا عَلَيْنَا) أي: يعجزنا عنه وتعذر علينا. (ص) (﴿رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾: رَصَدٌ) أي: حافظ حاضر وهو بمعنى المعد، من قوله: أعتدنا، والعرب تعاقب بين الياء والدال؛ لقرب مخرجيهما. (ص) (﴿سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾: المَلَكَانِ كَاتِبٌ وَشَهِيدٌ) أي: يشهد عليها بما عملت ويكتب، وقيل: سائق يسوقها إلى المحشر، وقيل: السائق من الملائكة، وقيل: شيطانها الذي يكون معها؛ والشاهد من أنفسهم: الأيدي، والأرجل وقيل: العمل. والصواب أنهما جميعًا من الملائكة والأنبياء. (ص) (﴿وَقَالَ قَرِينُهُ﴾: الشَّيْطَانُ الذِي قُيِّضَ لَهُ) قلت: وقال قتادة: الملك الموكل به (١)، وبه جزم الثعلبي. ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣)﴾: محضر.

стр. 13882

(ص) (﴿فَنَقَّبُوا﴾: ضَرَبُوا) هو قول مجاهد (١)، وهو ظاهر إيراد البخاري، وقال ابن عباس: أثروا (٢). وقرئ: (نقبوا) مخففًا، وكسرها مشددًا. (ص) (﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾: لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِغَيْرِهِ) قلت: وقيل: استمع القرآن، تقول العرب: ألق سمعك. أي: استمع. (ص) (﴿لُغُوبٌ﴾: النَّصَبُ) أي: والإعياء والتعب، نزلت في اليهود (٣). (ص) (﴿شَهِيدٌ﴾: شَاهِدٌ بِالْقَلْبِ) أي: خاصة، وقال قتادة: وهو شاهد على ما يقرأ ويسمع في كتاب الله من نعت نبيه وذكره (٤). (ص) (وقال غيره): أي، غير مجاهد: (﴿نَّضِيدٌ﴾: الكفرى -أي: بفتح الفاء وضمها- مادام في أكمامه، ومعناه: منضود بعضه على بعض، فإذا خرج من أكمامه فليس بنضيد). قلت: قال مسروق: ونخل الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرها منضد أمثال القلال والدلاء، كلما قطعت منه نبتت مكانها أخرى، وأنهارها تجري في غير أخدود (٥). (ص) (﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ و ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ كَانَ عَاصِمٌ يَفْتَحُ التِي فِي ق وَيَكْسِرُ التِي فِي الطُّورِ، وَيُكْسَرَانِ جَمِيعًا ويفتحان) قلت: وافق عاصمًا أبو عمرو بن العلاء وابن عامر والكسائي، وخالفه نافع وابن كثير وحمزة فكسروها (٦).

стр. 13883

وقال الداودي: من قرأ ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ بالكسر يقول: عند قفل النجوم ومن قرأ بالفتح يقول: ذهابها. فائدة: ﴿سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ فقيل: النوافل أدبار المكتوبات. وقيل: الفرائض، ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ يعني: الصبح، ﴿وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ يعني: العصر. وقيل: والظهر، وقيل: وركعتين قبل المغرب. ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ يعني: صلاة العشائين، وقيل: صلاة الليل، ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ الركعتان بعد صلاة المغرب، ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ الركعتان بعد الفجر، وفيه حديث مرفوع عن ابن عباس (١). (ص) (قَالَ ابن عَبَّاسٍ: يَوْمَ الخُرُوج يَخْرُجُونَ مِنَ القُبُورِ) هذا أخرجه ابن المنذر من حديث عطاء عنه (٢).

стр. 13884

١ - [باب] قوله: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] ٤٨٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا حَرَمِيٌّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُلْقَى فِي النَّارِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَضَعَ قَدَمَهُ فَتَقُولُ: قَطِ قَطِ». [٦٦٦١، ٧٣٨٤ - مسلم: ٢٨٤٨ - فتح: ٨/ ٥٩٤] ٤٨٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ الْحِمْيَرِيُّ سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ -وَأَكْثَرُ مَا كَانَ يُوقِفُهُ أَبُو سُفْيَانَ- «يُقَالُ لِجَهَنَّمَ: هَلِ امْتَلأْتِ؟ وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيد؟ فَيَضَعُ الرَّبُّ ﵎ قَدَمَهُ عَلَيْهَا فَتَقُولُ: قَطِ قَطِ». [٤٨٥٠، ٧٤٤٩ - مسلم: ٢٨٤٦ - فتح: ٨/ ٥٩٥]. ٤٨٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «تَحَاجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ. وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: مَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلاَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ؟! قَالَ اللهُ ﵎ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي. وَقَالَ لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابٌ أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي. وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِلْؤُهَا، فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ فَتَقُولُ: قَطٍ قَطٍ قَطٍ. فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَلَا يَظْلِمُ اللهُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللهَ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا». [انظر: ٤٨٤٩ - مسلم: ٢٨٤٦ - فتح: ٨/ ٥٩٥] ذكر فيه أحاديث: أحدها: حديث أَنَسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يُلْقَى فِي النَّارِ وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ. حَتَّى يَضَعَ قَدَمَهُ فيها، فَتَقُولُ: قَطِ قَطِ".

стр. 13885

ويأتي في التوحيد، وأخرجه الترمذي والنسائي (١). ثانيها: حديث عوف -هو الأعرابي- عن محمد -هو ابن سيرين- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ وَأَكْثَرُ مَا كَانَ يُوقِفُهُ أَبُو سُفْيَانَ (٢) يعني: شيخ شيخه سعيد بن يحيى الحذاء "يُقَالُ لِجَهَنَّمَ: هَلِ امْتَلأْتِ؟ وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ فَيَضَعُ الرَّبُّ عليها قَدَمَهُ، فَتَقُولُ: قَطِ قَطِ". ثالثها: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "تَحَاجَّتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ. وَقَالَتِ الجَنَّةُ: مَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلاَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ؟! قَالَ اللهُ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي. وَقَالَ لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابٌ أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي. وَلكُلِّ وَاحِدَةٍ منهما مِلْؤُهَا؛ فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ حتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ فَتَقُولُ: قَطٍ. فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوى بَعْضُهَا إلى بَعْضٍ، وَلَا يَظْلِمُ اللهُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَأَمَّا الجَنَّةُ فَإِنَّ اللهَ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا". الشرح: الكلام على ذلك من وجوه: أحدها: (قط) فيها ثلاث روايات: فتح القاف وسكون الطاء، وفتح القاف مع كسر الطاء من غير تنوين وبه، هذِه ثلاث مع فتح القاف، ورابعة

стр. 13886

بكسرها وسكون الطاء، ومدلول (قط): حسب، وقيل: إن قط صوت جهنم، وقيل: مثل قوله: امتلأ الحوض [وقال:] (١) قطني. أي: مثل ليس يتكلم حقيقة، وهذا السؤال من الله فيه معنى التوبيخ لمن دخلها وإلا فهو عالم بذلك وجعل الله لها عقوبة، وقولها: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ تغيظًا على العصاة. ثانيها: هذا من الأحاديث المشكل ظاهرها وللعلماء فيها مسالك: أحدها: أبعدها: إنكارها جملة وتكذيبها، وهذا إفراط وطعن في الثقات. وأقربها: قبولها وإمرارها على ما جاءت من غير خوض فيها هو مذهب السلف، ومنهم من روى بعضها وأنكر أن يتحدث ببعضها وهو مالك روى حديث النزول وأوله، وأنكر أن يتحدث باهتزاز العرش لموت سعد بن معاذ كما سلف (٢)، ومنهم من تأولها تأويلًا يكاد أن يفضي فيه إلى القول بالتشبيه كقول ابن قتيبة في حديث الصور (٣) (٤): لله صورة لا كالصور (٥)، تعالى الله عن ذلك ومذهب الخلف التأويل،

стр. 13887

واعلم قبل ذلك أنه لا يجوز أن تظن بالقدم هنا الجارحة، تعالى الله عن ذلك قال تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ فإذا ملأها بغيرهم، ففيه مخالفة خبره، ولا يقع فيتعين ما ذكرناه وقد أول أن المراد به الموضع، وعليه مشى ابن حبان في "صحيحه" حيث قال: هذا من الأخبار التي أطلقت بتمثيل المجاورة. وذلك أن يوم القيامة يلقى في النار من الأمم والأمكنة التي عصي الله عليها، فلا تزال تستزيد حتى يضع الرب تعالى موضعًا من الكفار والأمكنة في النار فتهدأ، لأن العرب تطلق في لغتها اسم القَدَم على الموضع، قال تعالى: ﴿لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ يريد موضع صدق (١)، وكذا قال الحسن البصري أن القدم قوم يعذبهم الله من شرار خلقه إلى النار. وقال الإسماعيلي: الروايتان جميعًا ليس فيها من الذي يضع قدمه فيها، ونقول: إن شك من شك في الرواية فهو على توهمه أن القدم لا تكون إلا رجلًا والرجل قدم، وقال مجاهد: قول النار: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ أي: قد امتلأت وانتهيت بلا موضع فيَّ لمزيد (٢)، وقيل: إنما تقول تغيظًا. قال الإسماعيلي: هذا وجه من وجوه التأويل محتمل في اللغة فيكون خروج الحديث على ذلك أنها قد تزاد، وهي عند نفسها لا موضع فيها للمزيد، وقال: وأما القدم فقد تكون لما قدم من شيء كما سمي ما خبط من الورق خبطًا، ثم ذكر الآية السالفة ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ والمعنى ما قدموا من حسن، قال: فعلى هذا من لم يقدم

стр. 13888

إلا كفرًا ومعاصي على العناد والجحود، فذلك قدمه [و] (١) قدمه ذلك هو ما قدمه للعذاب والعقاب الحالَّين به، والمعاندون من الكفار هم قدم العذاب في النار، وكذا قال ابن التين: لم يبين من المواضع قدمه في هذا الحديث، ومن ذلك في حديث أبي سفيان: الرب سبحانه، إلا أنه لم يرفع الحديث مرة ورفعه أخرى، قال: وأكثر ما كان يوقفه أبو سفيان، كذا وقع يوقفه رباعيًا من أوقف يوقف، والمشهور في اللغة وقفت الدابة وغيرها، قال ابن فارس يقال: للذي يأتي الشيء ثم ينزع عنه قد أوقف (٢). فيحتمل أن يكون أوقفه ثم لم يرفعه فيصح على هذا، وأكثر ما كان يوقفه. والحاصل أن الثابت إما صريح الإضافة من غير رفع، وإما رفع من غير تصريح بها. قلت: وأما رواية (رجله) على ما ورد في بعض النسخ كما سلف فإما أن يدعى أنها من تحريف بعض الرواة، أو تأول بالجماعة كقولهم: رجل من جراد، أي: جماعة، كما نبه عليه ابن الجوزي، ويكون مثل قول من قال: القدم جماعة. وضعفها ابن فورك حيث قال: روي من وجه غير ثابت "حتى يضع رجله فيها فيزوي" (٣) وليس بجيد منه وكذا قال بعده: أنه غير ثابت عند أهل النقل، وزعم بعضهم أنه أراد بالقدم هنا قدم بعض خلقه، فأضيف إليه كما يقال: ضرب

стр. 13889

الأمير اللص، وقيل: يحلف الله ذلك اليوم، وقال بعضهم: أراده الجبار المتجبر من الخلق؛ لأن ذلك من الأوصاف المشتركة دون الخاصة لله، قال تعالى: ﴿كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ فإذا كان كذلك احتمل أن يكون أراد بالجبار جنس الجناية وأن جهنم لم تمتلئ إلا بهم، وقال بعضهم: الجبار هنا إبليس؛ لأنه أول من تكبر على الله، والتكبر على الله والتجبر بمعنى، وجهنم تمتلئ به وبشيعته ولا ينكر وصفهم بالجوارح، والأعضاء (١). وحكى الداودي أنهم من يخرج بشفاعته ﵇ من النار، وقيل: (إنه مثل يراد به إثبات معنى لاحظ الظاهر الاسم فيه من طريق الحقيقة) (٢) وإنما أريد بوضع الرجل عليها نوع من الزجر لها كما يقول القائل: لشيء يريد محوه وإبطاله دخلته تحت رجلي، وضعته تحت قدمي ولما خطب ﵇ عام الفتح قال: "ألا إن كل دم ومأثرة في الجاهلية تحت قدمي هاتين إلا سقاية الحاج وسدانة البيت" (٣) يريد محو تلك المآثر وأكثر ما تضرب العرب من أمثالها بأسماء الأعضاء لا تريد أعيانها كقولهم لمن ندم في شيء: سقط في يده، وكقولهم: رغم أنفه (٤) (٥).

стр. 13890

ثالثها: محاجَّة الجنة والنار تحتمل أن تكون بلسان الحال أو المقال ولا مانع من أن الله يجعل لهما لسانا تميزان وتدركان به -كما سلف- يتحاجان، ولا يلزم من هذا التمييز دوامه فيهما. (وسقطهم) بفتح القاف: ضعفاؤهم المحقرون منهم، يريد شواذ الناس وعامتهم من أهل الإيمان الذين لا يقبلون السنة فتدخل عليهم الفتثة فهم ثابتو الإيمان صحيحو العقائد وهم أكثر أهل الجنة، وأما العارفون والعلماء العاملون والصلحاء المتعبدون فهم قليلون، وهم أصحاب الدرجات العُلى. وقوله: ("وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقًا") هو دال -كما قال النووي- لمذهب أهل السنة من أن الثواب ليس متوقفًا على الأعمال، فإن هؤلاء يخلقون حينئذ، ويعطون في الجنة ما يعطون بغير عمل، ومثله الأطفال والمجانين الذين لم يعملوا طاعة وكلهم في الجنة بفضله، وفيه دلالة على سعة الجنة فقد جاء في الصحيح أن للواحد فيها مثل الدنيا وعشرة أمثالها (١)، ثم يبقى فيها شيء يخلق، فينشئهم الله لها (٢)، ويروى أن الله لما خلقها قال لها: امتدي، فهي تتسع دائمًا أسرع من النبل إذا خرج من القوس.

стр. 13891

٢ - [باب] قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] ٤٨٥١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فَقَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا». ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]. [انظر: ٥٥٤ - مسلم: ٦٣٣ - فتح: ٨/ ٥٩٧] ٤٨٥٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَرَهُ أَنْ يُسَبِّحَ فِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا، يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾. [ق: ٤٠]. [فتح: ٨/ ٥٩٧] ذكر فيه حديث جرير في الرؤية وقد سلف في الصلاة، وأثر مجاهد قال: ابن عباس: أمره أن يسبح في أدبار الصلوات كلها يعني: قوله: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ وقد سلف قريبًا.

стр. 13892

(٥١) ومن سورة وَالذَّارِيَاتِ قَالَ عَلِيٌّ ﵇: الرِّيَاحُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: تَذْرُوهُ: تُفَرِّقُهُ. ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾: تَأْكُلُ وَتَشْرَبُ فِي مَدْخَلٍ وَاحِدٍ وَيَخْرُجُ مِنْ مَوْضِعَيْنِ. ﴿فَرَاغَ﴾: فَرَجَعَ ﴿فَصَكَّتْ﴾: فَجَمَعَتْ أَصَابِعَهَا فَضَرَبَتْ جَبْهَتَهَا. وَالرَّمِيمُ: نَبَاتُ الأَرْضِ إِذَا يَبِسَ وَدِيسَ. ﴿لَمُوسِعُونَ﴾ أَيْ: لَذُو سَعَةٍ، وَكَذَلِكَ ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ يَعْنِي: القَوِيَّ ﴿زَوْجَيْنِ﴾: الذَّكَرَ وَالأُنْثَى، وَاخْتِلَافُ الأَلْوَانِ حُلْوٌ وَحَامِضٌ فَهُمَا زَوْجَانِ. ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللهِ﴾: مِنَ اللهِ إِلَيْهِ. ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾: مَا خَلَقْتُ أَهْلَ السَّعَادَةِ مِنْ أَهْلِ الفَرِيقَيْنِ إِلَّا لِيُوَحِّدُونِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: خَلَقَهُمْ لِيَفْعَلُوا، فَفَعَلَ بَعْضٌ وَتَرَكَ بَعْضٌ، وَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ لأَهْلِ القَدَرِ، وَالذَّنُوبُ الدَّلْوُ العَظِيمُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿صَرّةٍ﴾: صَيْحَةٍ ﴿ذَنُوبًا﴾: سَبِيلًا. العَقِيمُ التِي لَا تَلِدُ. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: وَالْحُبُكُ اْسْتِوَاؤُهَا وَحُسْنُهَا. ﴿فِي غَمْرَةٍ﴾: فِي ضَلَالَتِهِمْ يَتَمَادَوْنَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: تَوَاصَوْا: تَوَاطَئُوا. وَقَالَ ﴿مُّسَوَّمَةً﴾: مُعَلَّمَةً مِنَ السِّيمَا. هي مكية، ونزلت بعد الأحقاف وقبل الغاشية، كما قاله السخاوي (١).

стр. 13893

(ص) (قَالَ عَلِيٌّ هي: الرِّيَاحُ) رواه ابن أبي حاتم (١)، والحاكم وقال: صحيح الإسناد (٢)، ورواه جويبر عن الضحاك عنه مطولًا. (ص) (وَقَالَ غَيْرُهُ: تَذْرُوهُ: تُفَرِّقُهُ) قلت: يقال: ذرت الريح التراب، وأذرت. (ص) (﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾: تَأْكُلُ وَتَشْرَبُ فِي مَدْخَلٍ وَاحِدٍ وَيَخْرُجُ مِنْ مَوْضِعَيْنِ) هو قول المسيب بن شريك (٣)، وقيل به التطوير. (ص) (﴿فَرَاغَ﴾: فَرَجَعَ) أي: وعدل ومال. (ص) (﴿فَصَكَّتْ﴾: جَمَعَتْ أَصَابِعَهَا فَضَرَبَتْ جَبْهَتَهَا) أي: كعادة النساء: إذا أنكرت شيئًا أو تعجبن منه. (ص) (وَالرَّمِيمُ: نَبَاتُ الأَرْضِ إِذَا يَبِسَ وَدِيسَ) أي: وطئ بالأقدام القوائم حتى يتفتت، كقولك: طريق مدوس، ومنه دياس الزرع، وقيل: الرميم: الشيء البالي، ومنه ﴿وَهِيَ رَمِيمٌ﴾. (ص) (﴿لَمُوسِعُونَ﴾ أَيْ: لَذُو سَعَةٍ، وَكَذَلِكَ ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ قلت: فهو راجع إلى القدرة كما قال ابن عباس: قادرون، وعنه: لموسعون الرزق على خلقنا (٤). (ص) (﴿زَوْجَيْنِ﴾: الذَكَرَ وَالأُنْثَى، وَاخْتِلَافُ الأَلْوَانِ حُلْوٌ وَحَامِضٌ فَهُمَا زَوْجَانِ) قلت: وكذا السعادة والشقاوة والجن والإنس، والليل والنهار، والسماء والأرض، والشمس والقمر، والبر والبحر، والسهل

стр. 13894

والجبل، والشتاء والصيف، فقوله: ﴿خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ أي: صنفين ونوعين مختلفين. (ص) (﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾: مَا خَلَقْتُ أَهْلَ السَّعَادَةِ مِنْ أَهْلِ الفَرِيقَيْنِ إِلَّا لِيُوَحِّدُونِ) أي: فجعله خصوصًا للمؤمنين، وبه صرح ابن قتيبة (١) -أي خلقنا، فالخلق يوم المعاذير في الذر ويوم الميثاق، وذاك للعبودية فعاتب وأعد فمن عبده جازاه ومن عاند عذبه. وقيل: إلا ليقروا بالعبادة طوعًا وكرهًا، قال تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ وقيل: إلا ليعرفون. ثم قال البخاري: (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: خَلَقَهُمْ لِيَفْعَلُوا، فَفَعَلَ بَعْضٌ وَتَرَكَ بَعْضٌ، يعني بقدر، قال: وَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ لأَهْلِ القَدَرِ). (ص) (وَالذَّنُوبُ: الدَّلْوُ العظيمة) قال مجاهد: ذنوبا: سجلًّا (٢) هذا أخرجه عبد بن حميد، عن روحٍ، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عنه (٣). وقال سعيد بن جبير: سجلّا، وقال قتادة: عذابًا، وقال الحسن: دولة (٤)، وقال الكسائي: حقًّا. ووصف الذنوب بالعظيم هو ما عبر به الشافعي في "مختصره" (٥) ولا يكون ذنوبًا حتى يكون ملآنًا، وقيل: فيها ماء قريب من الثلث.

стр. 13895

(ص) (﴿فِي غَمْرَةٍ﴾: فِي ضلالة وفي نسخة: ضلالتهم يَتَمَادَوْنَ) قلت: وقيل: في شبهة وفي غفلة، وقيل: في غلبة الجهل غافلون. (ص) (وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: وَالْحُبُكُ اسْتِوَاؤُهَا وَحُسْنُهَا) هذا أخرجه ابن أبي حاتم من حديث سعيد عنه (١)، وقال مقاتل: الحبك: الطرائق التي في الرمل من الريح (٢)، وقيل: الماء يصيب الريح فيركب بعضه بعضا، وقال أبو صالح: الخلق الحسن، وقال الجوُزي: هو قَسَمٌ. (ص) ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ (٣): لعن، أي لعن الخراصون أي: الكذابون، وقال ابن عباس: المرتابون (٤)، وقال: مجاهد: الكهنة (٥). (ص) (وَقَالَ غيره: ﴿مُّسَوَّمَةً﴾: مُعَلَّمَةً مِنَ السِّيمَا) أي: العلامة. (ص) (﴿صَرَّةٍ﴾: صَيْحَةٍ) هو قول ابن عباس ﵄ وغيره كما أخرجه ابن أبي حاتم (٦). (ص) وقال مجاهد: العقيم: لا تلقح شيئًا أي: لا تنتج شجرًا ولا تنشئ سحابًا، ولا رحم فيها ولا بركة (٧). (ص) (وَقَالَ غَيْرُهُ: تَوَاصَوْا: تَوَاطَئُوا) أي: أوصى بعضهم بعضًا بالتكذيب وتواطئوا عليه، والألف فيه ألف التوبيخ.

стр. 13896

(٥٢) ومن سورة الطُّورِ وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿مَسْطُورٍ﴾: مَكْتُوبٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الطُّورُ الجَبَلُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ. ﴿رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾: صَحِيفَةٍ. ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥)﴾: سَمَاءٌ. ﴿الْمَسْجُورِ﴾: المُوقَدِ. وَقَالَ الحَسَنُ: تُسْجَرُ حَتَّى يَذْهَبَ مَاؤُهَا فَلَا يَبْقَى فِيهَا قَطْرَةٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَلَتْنَاهُمْ﴾: نَقَصْنَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿تَمُورُ﴾: تَدُورُ. ﴿أَحْلَامُهُمْ﴾: العُقُولُ. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿الْبِرَّ﴾: اللَّطِيفُ. ﴿كِسَفًا﴾: قِطْعًا. المَنُونُ: المَوْتُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿يَتَنَازَعُونَ﴾: يَتَعَاطَوْنَ.

стр. 13897

١ - باب ٤٨٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَت: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي فَقَالَ: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ، وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ». فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ يَقْرَأُ بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ. [انظر: ٤٦٤ - مسلم: ١٢٧٦ - فتح: ٨/ ٦٠٣] ٤٨٥٤ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثُونِي، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁، قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧)﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٧] كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ. قَالَ سُفْيَانُ: فَأَمَّا أَنَا فَإِنَّمَا سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ : يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ. لَمْ أَسْمَعْهُ زَادَ الَّذِي قَالُوا لِي. [انظر: ٧٦٥ - مسلم: ٤٦٣ - فتح: ٨/ ٦٠٣] هي مكية، قال الكلبي: إلا قوله: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ نزلت فيمن قتل ببدر من المشركين. وقال مقاتل: لما كذبت كفار قريش أقسم الله بالطور، وهو الجبل -بلغة النبط- الذي كلم الله موسى عليه (١) بالأرض المقدسة. وقال الجوزي: بمدين طور سيناء (٢). وفي "تفسير ابن عباس" أنه ﵇ خوف أهل مكة العذاب فلم يؤمنوا ولم يصدقوا وقالوا: لن نؤمن بما جئت به. فأنزل الله يقسم (بستة) (٣) أشياء لنبيه ﵇ أن العذاب نازل بهم.

стр. 13898

(ص) (قَالَ مُجَاهِدٌ: الطُّورُ الجَبَلُ (بِالسُّرْيَانِيَّةِ) (١) وهذا أخرجه ابن أبي حاتم من حديث ابن أبي نجيح عنه، ورواه مرة عنه، عن ابن عباس (٢). وقوله: (بالسريانية) لعله وافق لغتهم، وحكي عنه وعن عكرمة وقتادة وغيرهما أنه جبل فقط، وكذا قال ابن فارس (٣)، وكذا ما سيأتي عن أهل اللغة أنه جبل. قال مقاتل بن حيان: هما طوران: طور زيتا، وطور تينا؛ لأنهما ينبتان الزيتون والتين. وقال أبو عبد الله الحموي (٤) في "مشتركه": طور زيتا مقصور أيضا جبل بالبيت المقدس. وفي الأثر: مات بطور زيتا تسعون ألف نبي؛ قتلهم الجوع، وهو شرقي وادي سلوان، والطور أيضًا جبل مطل على مدينة طبرية بالأردن وبأرض مصر أيضًا. واختلف في طور سيناء، فقيل: هو جبل بقرب أيلة. وقيل: هو بالشام. وسيناء حجازية، وقيل: شجر فيه، وطور عبدين اسم لبليدة نصيبين في بطن الجبل المشرف عليها المتصل بجبل الجودي، وطور هارون جبل مشرف قبلي بيت المقدس، فيه -فيما قيل- قبر هارون ﵇. وقال صاحب "المحكم": الجبل: الطور، وقد غلب على طور سيناء جبل بالشام، وهو بالسريانية طورى، والنسبة إليه طواري وطوراني (٥)، وكذا قال القزاز وأبو عبيدة في "مجازه": كلُّ جبل طورٌ (٦).

стр. 13899

وقال نوف: أوحى الله إلى الجبال إني نازل على جبل متمكن فارتفعت وانتفخت وشمخت إلا الطور فإنه تواضع، وقال: أرضى بما قسم لي الله، فكان الأمن عليه. (ص) (وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿مَسْطُور﴾: مَكْتُوبٍ) هو كما قال. (ص) (﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾: صحِيفَةٍ) قلت: حكاه الجوزي عن مجاهد، وذكره ابن عباس في "تفسيره" بزيادة: وذلك الرق ما بين المشرق والمغرب. وقال مقاتل: ﴿فِي رَقٍّ﴾ يعني: في أديم الصحف. قال الجوزي: يريد القرآن. وقيل: التوارة. وقيل: اللوح المحفوظ. وقيل: ما يكتبه الحفظة (١). (ص) (﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾: السَمَاء) قلت: سماها سقفًا؛ لأنها للأرض كالسقف للبيت، دليله ونظيره ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾. (ص) (﴿الْمَسْجُورِ﴾: المُوقَدِ) هو قول مجاهد فيما حكاه الجوزي (٢)، يريد: المملوء نارًا. عن علي: هو بحر تحت العرش، أي: (مملوء) (٣) ماءً يسمى نهر الحيوان، يحيي الله به الموتى فيما بين النفختين. ويروى أن البحر -وفي رواية: البحار- تسجر يوم القيامة نارًا. (ص) (وَقَالَ الحَسَنُ: تُسْجَرُ حَتَّى يَذْهَبَ مَاؤُهَا فَلَا يَبْقَى فِيهَا قَطْرَةٌ وهذا رواه الطبري من حديث قتادة عنه، وعنه: المسجور: المملوء، مثل قوله: (﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ وعن ابن عباس: المسجور:

стр. 13900

المحبوس (١). قال: وقال رسول الله ﷺ : "سقف محفوظ وموج مكفوف عن العباد" (٢). (ص) (وقال مجاهد: ﴿أَلَتْنَاهُمْ﴾: نقصناهم) أخرجه ابن أبي حاتم من حديث ابن أبي نجيح، عنه (٣). (ص) (﴿أَحْلَامُهُمْ﴾: عقولهم) أي: لأنهم كانوا يعبدون في الجاهلية أهل الأحلام ويوصفون بالعقل، كنى عن العقل بالحلم؛ لأن الحلم لا يكون إلا بالعقل. (ص) (وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿الْبِرَّ﴾: اللَّطِيفُ. ﴿كِسَفًا﴾: قِطْعًا. المَنُونُ: المَوْتُ) هذا أخرجه ابن أبي حاتم أيضًا من حديث علي بن أبي طلحة عنه (٤). ثم قال: (ص) (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿يَتَنَازَعُونَ﴾: يَتَعَاطَوْنَ) ما ذكره في البر هو أحد الأقوال. وقيل: المحسن. وقيل: الصادق فيما وعد أولياءه. وقيل: خالق البشر. وقيل: العطوف على خلقه. وقيل غير ذلك. وقوله: (﴿كِسَفًا﴾: قطعًا) ويقال: قطعة. هو جمع كسفة كقربة وقرب، ومن قرأ بالسكون على التوحيد، فجمعه أكساف وكسوف، وهو واحد، ويجوز أن يكون جمع كسف كسدرة وسدر.
следующие страницы →