١ - باب
٤٨٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَت: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي فَقَالَ: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ، وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ». فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ يَقْرَأُ بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ. [انظر: ٤٦٤ - مسلم: ١٢٧٦ - فتح: ٨/ ٦٠٣]
٤٨٥٤ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثُونِي، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁، قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧)﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٧] كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ. قَالَ سُفْيَانُ: فَأَمَّا أَنَا فَإِنَّمَا سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ : يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ. لَمْ أَسْمَعْهُ زَادَ الَّذِي قَالُوا لِي. [انظر: ٧٦٥ - مسلم: ٤٦٣ - فتح: ٨/ ٦٠٣]
هي مكية، قال الكلبي: إلا قوله: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ نزلت فيمن قتل ببدر من المشركين. وقال مقاتل: لما كذبت كفار قريش أقسم الله بالطور، وهو الجبل -بلغة النبط- الذي كلم الله موسى عليه (١) بالأرض المقدسة. وقال الجوزي: بمدين طور سيناء (٢). وفي "تفسير ابن عباس" أنه ﵇ خوف أهل مكة العذاب فلم يؤمنوا ولم يصدقوا وقالوا: لن نؤمن بما جئت به. فأنزل الله يقسم (بستة) (٣) أشياء لنبيه ﵇ أن العذاب نازل بهم.
стр. 13898
(ص) (قَالَ مُجَاهِدٌ: الطُّورُ الجَبَلُ (بِالسُّرْيَانِيَّةِ) (١) وهذا أخرجه ابن أبي حاتم من حديث ابن أبي نجيح عنه، ورواه مرة عنه، عن ابن عباس (٢). وقوله: (بالسريانية) لعله وافق لغتهم، وحكي عنه وعن عكرمة وقتادة وغيرهما أنه جبل فقط، وكذا قال ابن فارس (٣)، وكذا ما سيأتي عن أهل اللغة أنه جبل.
قال مقاتل بن حيان: هما طوران: طور زيتا، وطور تينا؛ لأنهما ينبتان الزيتون والتين. وقال أبو عبد الله الحموي (٤) في "مشتركه": طور زيتا مقصور أيضا جبل بالبيت المقدس. وفي الأثر: مات بطور زيتا تسعون ألف نبي؛ قتلهم الجوع، وهو شرقي وادي سلوان، والطور أيضًا جبل مطل على مدينة طبرية بالأردن وبأرض مصر أيضًا. واختلف في طور سيناء، فقيل: هو جبل بقرب أيلة. وقيل: هو بالشام. وسيناء حجازية، وقيل: شجر فيه، وطور عبدين اسم لبليدة نصيبين في بطن الجبل المشرف عليها المتصل بجبل الجودي، وطور هارون جبل مشرف قبلي بيت المقدس، فيه -فيما قيل- قبر هارون ﵇. وقال صاحب "المحكم": الجبل: الطور، وقد غلب على طور سيناء جبل بالشام، وهو بالسريانية طورى، والنسبة إليه طواري وطوراني (٥)، وكذا قال القزاز وأبو عبيدة في "مجازه": كلُّ جبل طورٌ (٦).
стр. 13899
وقال نوف: أوحى الله إلى الجبال إني نازل على جبل متمكن فارتفعت وانتفخت وشمخت إلا الطور فإنه تواضع، وقال: أرضى بما قسم لي الله، فكان الأمن عليه.
(ص) (وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿مَسْطُور﴾: مَكْتُوبٍ) هو كما قال.
(ص) (﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾: صحِيفَةٍ) قلت: حكاه الجوزي عن مجاهد، وذكره ابن عباس في "تفسيره" بزيادة: وذلك الرق ما بين المشرق والمغرب. وقال مقاتل: ﴿فِي رَقٍّ﴾ يعني: في أديم الصحف. قال الجوزي: يريد القرآن. وقيل: التوارة. وقيل: اللوح المحفوظ. وقيل: ما يكتبه الحفظة (١).
(ص) (﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾: السَمَاء) قلت: سماها سقفًا؛ لأنها للأرض كالسقف للبيت، دليله ونظيره ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾.
(ص) (﴿الْمَسْجُورِ﴾: المُوقَدِ) هو قول مجاهد فيما حكاه الجوزي (٢)، يريد: المملوء نارًا. عن علي: هو بحر تحت العرش، أي: (مملوء) (٣) ماءً يسمى نهر الحيوان، يحيي الله به الموتى فيما بين النفختين. ويروى أن البحر -وفي رواية: البحار- تسجر يوم القيامة نارًا.
(ص) (وَقَالَ الحَسَنُ: تُسْجَرُ حَتَّى يَذْهَبَ مَاؤُهَا فَلَا يَبْقَى فِيهَا قَطْرَةٌ وهذا رواه الطبري من حديث قتادة عنه، وعنه: المسجور: المملوء، مثل قوله: (﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ وعن ابن عباس: المسجور:
стр. 13900
المحبوس (١). قال: وقال رسول الله ﷺ : "سقف محفوظ وموج مكفوف عن العباد" (٢).
(ص) (وقال مجاهد: ﴿أَلَتْنَاهُمْ﴾: نقصناهم) أخرجه ابن أبي حاتم من حديث ابن أبي نجيح، عنه (٣).
(ص) (﴿أَحْلَامُهُمْ﴾: عقولهم) أي: لأنهم كانوا يعبدون في الجاهلية أهل الأحلام ويوصفون بالعقل، كنى عن العقل بالحلم؛ لأن الحلم لا يكون إلا بالعقل.
(ص) (وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿الْبِرَّ﴾: اللَّطِيفُ. ﴿كِسَفًا﴾: قِطْعًا. المَنُونُ: المَوْتُ) هذا أخرجه ابن أبي حاتم أيضًا من حديث علي بن أبي طلحة عنه (٤).
ثم قال: (ص) (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿يَتَنَازَعُونَ﴾: يَتَعَاطَوْنَ) ما ذكره في البر هو أحد الأقوال. وقيل: المحسن. وقيل: الصادق فيما وعد أولياءه. وقيل: خالق البشر. وقيل: العطوف على خلقه. وقيل غير ذلك.
وقوله: (﴿كِسَفًا﴾: قطعًا) ويقال: قطعة. هو جمع كسفة كقربة وقرب، ومن قرأ بالسكون على التوحيد، فجمعه أكساف وكسوف، وهو واحد، ويجوز أن يكون جمع كسف كسدرة وسدر.
стр. 13901
وقوله: (﴿الْمَنُونِ﴾: الموت) قال مجاهد: إنه حوادث الدهر (١). وهو المعروف عند أهل اللغة. وقال أبو عبيدة: إنه الدهر. قال ابن فارس: وإنما قيل للمنية: المنون، لأنه ينقص العدد ويقطع المدد - قال الداودي: هو جمع منية. وليس كما ذكر، فقد قال الأصمعي: إنه واحد لا جمع له. وقال الأخفش: هو جمع لا واحد له. وقال الفراء: يقع للجميع وللواحد.
وقوله: (﴿يَتَنَازَعُونَ﴾: يتعاطون). أي: ويتبادلون ويتداولون.
ثم ساق البخاري حديث أم سلمة في طوافها راكبة. وقد سلف في الصلاة (٢).
وفيه: طواف النساء: ليلًا وفي حال صلاة الناس، والركوب فيه للضرورة، وقد يستدل على طهارة روث ما يؤكل لحمه، وقد سلف ما فيه.
ثم ساق أيضًا حديث جبير بن مطعم في قراءته ﵇ في المغرب بالطور، وقد سلف أيضًا هناك مختصرًا. وقوله هنا: (فلما بلغ هذِه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ إلى آخرها، كاد قلبي أن يطير): إنما كان ذلك منه لحسن تلقيه (هذِه معنى) (٣) الآية ومعرفته بما تضمنته من تبليغ الحجة، وهي آية صعبة جدًّا، وفيها قولان:
أحدهما: ليس هو بأشد خلقًا من خلق السماوات والأرض، يخلقهما من غير شيء وهم خلقوا من آدم، وآدم من تراب.
стр. 13902
ثانيهما: خلقوا باطلًا لا يحاسبون ولا يؤمرون ولا ينهون. واختار الخطابي أن المعنى: أم خُلقوا من غير شيء خَلَقَهم فوجدوا بلا خالق؟ هذا محال؛ لأن تعلق الخلق بالخالق من ضرورة الاسم فإن أنكروه فهم الخالقون لأنفسهم، ثم قال: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾. أي: فليدعوا ذلك، ولا يمكنهم بوجه. ثم ذكر العلة التي عاقتهم عن الإيمان وهي عدم اليقين، ولهذا انزعج جبير بن مطعم (١).
стр. 13903
(٥٣) ومن سورة وَالنَّجْمِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾: ذُو قُوَّةٍ. ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ حَيْثُ الوَتَرُ مِنَ القَوْسِ. ﴿ضِيزَى﴾: عَوْجَاءُ. ﴿وَأَكْدَى﴾: قَطَعَ عَطَاءَهُ ﴿رَبُّ الشِّعْرى﴾: هُوَ مِرْزَمُ الجَوْزَاءِ ﴿الَّذِي وَفَّى﴾: وَفَّى مَا فُرِضَ عَلَيْهِ ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧)﴾: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ ﴿سَامِدُونَ﴾ البَرْطَمَةُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: يَتَغَنَّوْنَ بِالْحِمْيَرِيَّةِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾ أَفَتُجَادِلُونَهُ، وَمَنْ قَرَأَ: (أَفَتَمْرُونَهُ) يَعْنِي أَفَتَجْحَدُونَهُ ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ﴾ بَصَرُ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿وَمَا طَغَى﴾: وَلَا جَاوَزَ مَا رَأى. ﴿فَتَمَارَوْا﴾: كَذَّبُوا. وَقَالَ الحَسَنُ: (إِذَا هَوى): غَابَ. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿أَغْنَى وَأَقْنَى﴾: أَعْطَى فَأَرْضَى.
هي مكية، قال مقاتل: غير آية نزلت في نبهان التمار وهي: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾ وقال الكفار: إن محمدًا يقول هذا من تلقاء نفسه (١)، فنزلت.
وهي أول سورة أعلنها رسول الله ﷺ بأمر الله، فلما بلغ آخرها سجد، وسجد من بحضرته من الإنس والجن (٢)، نزلت بعد الإخلاص وقبل عبس، كما قاله السخاوي (٣).
стр. 13904
﴿وَالنَّجْمِ﴾ هو الثريا، وقيل: كل نجم (١). (إِذَا هَوى): إذا غرب، وقيل: هو آيات القرآن (٢). وقيل: رسول الله ﷺ لما نزل من المعراج. وقال جعفر بن محمد: (هَوى): انشرح من الأنوار، وانقطع عن غير الله. قال ابن أبي لهب -واسمه لهب، وبه كني أبوه كما ذكره الحاكم وغيره-: إني كفرت برب النجم، فنزلت، فقال ﵇: "أما تخاف أن يسلط الله كلبًا من كلابه عليك"، فسلط عليه الأسد في بعض أسفاره فابتلع هامته (٣).
(ص) (وقال مجاهد: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾: ذو قوة) أخرجه ابن أبي حاتم من حديث ابن أبي نجيح عنه. وقال قتادة: ذو خلق طويل حسن (٤).
(ص) (﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾: حيث الوتر من القوس) هو قول مجاهد أيضًا (٥)، والقاب: القدر، وهو ما بين مقبض القوس وسيته، ولكل قوس قابان، وهو القاب والقيب (٦). وقال مجاهد: القوس: الذراع بلغة أزد شنوءة (٧).
(ص) (﴿ضِيزَى﴾: عَوْجَاءُ) أسنده عبد بن حميد، عن شبابة، عن
стр. 13905
ورقاء، عن ابن أبي نجيح عنه (١)، وعن ابن عباس والضحاك وقتادة: جائرة (٢)؛ حيث جعلتم لربكم من الولد ما تكرهون لأنفسكم. وعن ابن كثير همزها والباقون بعدمه (٣)، وأصلها ضيزى بضم الضاد، لأن النحويين مجمعون -إلا من شذ منهم- أنه ليس في كلام العرب فِعلى بكسر الفاء نعت، وإنما في كلامهم فَعلى بالفتح، وفُعلى بالضم، وإنما كسرت الضاد لتصح الياء كقولهم بيض (٤).
(ص) (﴿وَأَكْدَى﴾: قَطَعَ عَطَاءَهُ) أي: ومنع الخير. قال مجاهد: هو الوليد بن المغيرة أعطى قليلًا ثم قطع (٥). وقال السدي: نزلت في العاصي بن وائل السهمي، وذلك أنه كان ربما يوافق رسول الله ﷺ في بعض الأمور. وقال محمد بن كعب القرظي: نزلت في أبي جهل، وذلك أنه قال: والله ما يأمرنا محمد إلا بمكارم الأخلاق فذلك قوله: ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤)﴾ أي: لم يؤمن به (٦).
(ص) (﴿رَبُّ الشِّعْرَى﴾: هُوَ مِرْزَمُ الجَوْزَاءِ) هو قول مجاهد أيضًا، أخرجه بالإسناد السالف (٧)، والمرزمان: مرزما الشعريين يريد الهنعة؛ لأن الشعرى كوكب يقابلها من جهة القبلة لا يفارقها، وهما نجمان أحدهما في الشعرى والآخر في الذراع، قاله في "الصحاح" (٨).
стр. 13906
وعبارة الثعلبي: الشعرى: كوكب خلف الجوزاء يتبعه يقال له: مرزم الجوزاء، وهما شعريان: العَبور والغميصاء يقال: إنهما وسهيلًا كانت مجتمعة فانحدرت سهيل قصده يمانيًّا فتبعته الشعرى العبور، فعبر به المجرة، فسميت العبور، وأقامت الغميصاء، فبكت لفقد سهيل حتى غمصت عينها -أي: سال دمعها- فسميت بالغميصاء؛ لأنها أخفى من الأخرى، وأراد هنا الشعرى العبور، وكانت خزاعة تعبدها، وأول من سن ذلك رجل من أشرافهم يقال له: أبو كبشة عبد الشعرى العبور، وقال: لأن النجوم تقطع السماء عرضًا والشعرى طولًا، فلما خرج رسول الله ﷺ على خلاف العرب في الدين شبهوه بأبي كبشة؛ فسموه ابن أبي كبشة لخلافه إياهم كخلاف أبي كبشة في عبادة الشعرى (١). وعن قتادة: هو النجم الذي رأسه لا إله إلا الله. وقال مقاتل: كان ناس من خزاعة وغسان وغطفان يعبدونها، ويقال لها: المرزم. ووصفها أبو حنيفة في "أنوائه" فأوضح.
(ص) (﴿الَّذِي وَفَّى﴾: مَا فُرِضَ عَلَيْهِ) هو قول مجاهد (٢) كما أخرجه عبد بالإسناد السالف. وقال قتادة: وفَّى بالطاعة والرسالة (٣). وفي لفظ: ﴿وَفَّى﴾ ما فرض عليه (٤). وقيل: بالعشر التي ابتلي بها.
وقيل: بذبح ابنه واختتانه، وقد جعل على نفسه أن لا يقعد على طعام إلا ومعه يتيم أو مسكين (٥). ووفَّى أبلغ من وَفَى؛ لأن الذي امتحن به ﵇ من أعظم المحن (٦).
стр. 13907
(ص) (﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧)﴾: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) هو كما قال.
(ص) (﴿سَامِدُونَ﴾: البَرْطَمَةُ) قلت: وهو بفتح الباء وسكون الراء: الانتفاخ من الغضب، ورجل مبرطم: متكبر. وقيل: متغضب. وقيل: هو الغناء الذي لا يفهم.
(وَقَاْلَ عِكْرِمَة: يَتَغَنَّوْنَ بِالْحِمْيَرِيَّةِ) هذا والذي قبله أسندهما عبد بن حميد، الأول عن مجاهد، والثاني عن عكرمة (١). ولما روى الأول، عن ليث، عن مجاهد أنها البرطمة قال: قلت: وما البرطمة؟ قال: الإعراض. وساق عن ابن عباس أنه الغناء، وكانوا إذا سمعوا القرآن لعبوا وتغنوا (٢). وقال عكرمة: وهي بلغة أهل اليمن إذا أراد اليماني أن يقول: تغن قال: اسمد (٣). وقال قتادة ﴿سَامِدُونَ﴾ غافلون (٤).
وقال صالح أبو الخليل: لما نزلت هذِه الآية ما رُئي رسول الله ﷺ ضاحكًا ولا متبسمًا حتى ذهب (٥)، وقيل: الهائم. وقيل: الساكت: وقيل: الحزين الخاشع. وقيل: القائم: وقيل: مجيء الإمام إلى الصلاة.
стр. 13908
(ص) (وقال إبراهيم: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾: أَفَتُجَادِلُونَهُ، وَمَنْ قَرَأَ أَفَتَمْرُونَهُ يَعْنِي أَفَتَجْحَدُونَهُ)، هذا أخرجه عبد بن حميد، عن عمرو بن عون، عن هشيم، عن مغيرة، عنه (١). وقال الشعبي: كان شريح يقرؤه بالألف، وكان مسروق وابن عباس يقرآنها بحذفها، وهي قراءة حمزة والكسائي، وقرأ الباقون بالألف ﴿فَتَمَارَوْا﴾: كذبوا (٢).
(ص) (﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ﴾: بَصَرُ مُحَمَّدٍ ﷺ ، ﴿وَمَا طَغَى﴾: وَلَا جَاوَزَ مَا رَأى) أي: ما جاوز ما أمره به ولا مال عما قصد.
(ص) (وَقَالَ الحَسَنُ: (إِذَا هَوى): غَابَ) أخرجه عبد عن عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عنه. وقال مجاهد: هو الثريا إذا غارب، وقد سلف (٣).
(ص) (وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿أَغْنَى وَأَقْنَى﴾: أَعْطَى فَأَرْضَى) أخرجه ابن أبي حاتم عن أبيه، عن أبي صالح، عن معاوية، عن علي، عنه (٤). وقيل: ﴿أقنى﴾ من القنية. وقيل: أخدم. وقيل: ﴿ولَّى﴾. وقيل: يضع. وقيل في ﴿أغنى﴾: قنع (٥).
стр. 13909
١ - [باب]
٤٨٥٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَامِر، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂: يَا أُمَّتَاهْ، هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ ﷺ رَبَّهُ؟ فَقَالَتْ: لَقَدْ قَفَّ شَعَرِى مِمَّا قُلْتَ، أَيْنَ أَنْتَ مِنْ ثَلَاثٍ مَنْ حَدَّثَكَهُنَّ فَقَدْ كَذَبَ؟! مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ. ثُمَّ قَرَأَتْ ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٣]. ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فَقَدْ كَذَبَ ثُمَّ قَرَأَتْ ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤] وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ كَتَمَ فَقَدْ كَذَبَ ثُمَّ قَرَأَتْ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٦٧]، وَلَكِنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ ﵇ فِي صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ. [انظر: ٣٢٣٤ - مسلم: ١٧٧ - فتح: ٨/ ٦٠٦]
ثم ساق البخاري حديث عائشة ﵂ في الرؤية، وقد سلف، وشيخه فيه حدثنا يحيى -هو ابن موسى الحداني- كما نسبه ابن السكن، فيما حكاه الجياني (١).
وقولها: (قفَّ شعري) أي: اقشعر حين قام ما عليه من الشعر.
وقول مسروق لعائشة: (يا أمتاه) هو نداء كقوله: يا أباه عند الريف، وإذا وصلوا قيل: يا أبة كـ ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ وإذا فتحوا للندبة قالوا: يا أبتاه والهاء للوقف، ولا يقولون: يا أبتي، ولا يا أُمَّتي، زعمًا أن الهاء بمنزلة قولهم: رجل يفعة، وغلام يفعة، واحتجاج عائشة ﵂ بالآيتين تريد نفي الرؤية في الدنيا وهو مذهبها، والجمهور على أنه رآه بعيني رأسه (٢). والمراد بالإدراك الإحاطة.
стр. 13910
وقولها: (ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين) الجمهور على أن المراد: ولقد رآه -يعني: ربه وجبريل- والأول قول الحسن، والثاني قول الجماعة كما نقله عنهم ابن التين. قال: ويدل على صحته حديث ابن مسعود ﵁ الآتي أنه رأى جبريل له ستمائة جناح (١). زاد غير البخاري: يتناثر من ريشه الدر والياقوت (٢).
٤ - [باب] قوله: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم: ١٨]
٤٨٥٨ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيم، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم: ١٨] قَالَ: رَأَى رَفْرَفًا أَخْضَرَ قَدْ سَدَّ الأُفُقَ. [انظر: ٣٢٣٣ - فتح: ٨/ ٦١١]
ذكر فيه عن عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم: ١٨] قَالَ: رَأى رَفْرَفًا أَخْضَرَ قَدْ سَدَّ الأُفُقَ. وقد سلف هناك أيضًا، قد سلف الكلام قريبًا على القاب. قيل: الرفرف: فراش. وقيل: ثوب كان لباسًا له. وقيل: بساط. وفي حديث آخر: رأى جبريل في حلي رفرف (١).
стр. 13914
٥ - [باب] قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩)﴾ [النجم: ١٩]
٤٨٥٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَشْهَبِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْجَوْزَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ: ﴿اللاَّتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩] كَانَ الَّلَاتُ رَجُلاً يَلُتُّ سَوِيقَ الْحَاجِّ. [فتح: ٨/ ٦١١]
٤٨٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ وَاللاَّتِ وَالْعُزَّى. فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ. وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ. فَلْيَتَصَدَّقْ». [٦١٠٧، ٦٣٠١، ٦٦٥٠ - مسلم: ١٦٤٧ - فتح: ٨/ ٦١١]
ساق فيه حديث أبي الأشهب -واسمه جعفر بن حبان- ثنا أبو الجوزاء -بالجيم واسمه أوس بن عبد الله الربعي الأزدي البصري، قتل عام الجماجم سنة ثلاث وثلاثين- عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄ ﴿اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩] كَانَ اللَّاَتُ رَجُلًا يَلُتُّ سَوِيقَ الحَاجِّ.
هذا على قراءة من قرأ بتشديد التاء، وهو خلاف ما عليه الأكثر، والوقف عليها بالتاء خلافًا للكسائي حيث وقف بالهاء (١). قال ابن الزبير: كان رجلًا يلت لهم السويق، قيل: ويبيعه، فإذا شربوه سمنوا، وكان رجلًا معظَّمًا، كذلك يقال: إنه عمرو بن لحي أو ربيعة بن حارثة، ذكره السهيلى (٢)، وهو والد خزاعة، وعمَّر طويلًا.
стр. 13915
قال مجاهد: فلما مات عبدوه، وأحاطوا بقبره، وجعلوا موضع الذي كان يلت فيه منسكًا ثم عبد (١). وقال أبو صالح: كان يقوم على الأصنام ويلت لهم ذلك (٢).
وقال قتادة: اللات والعزى ومناة أصنام، اللات لأهل الطائف، والعزى لقريش، ومناة للأنصار (٣). زاد غيره: وكانت في وجوه الكعبة من حجارة (٤). وهذا مخالف لما سيأتي عن عائشة أن مناة صنم بين مكة والمدنية (٥). وقيل: بمكة. وقال قتادة: بنخلة (٦)، وعن ابن عباس أن مناة كان علي ساحل البحر يعبد، سميت مناة: لأنه يمنى عليها دم الذبائح، أي: يراق. وكانت صنمًا لخزاعة وهذيل (٧). وقال مقاتل: إنما سميت اللات؛ لأنهم أرادوا أن يسموا الله جميعهم فقالوا: اللات.
قلت: وقيل: من لوى؛ لأنهم كانوا يلوون عليها أي: يطوفون، وأرادوا أن يسموا العزيز جميعهم فسموا العزى، وأرادوا أن يسموا
стр. 13916
منانًا جميعهم فسموا مناة. قلت: وقيل: العزى شجرة بعث الشارع خالدًا إليها فقطعها (١). وقيل: وضعها لغطفان سعد بن ظالم (٢). وفي "الموعب" لأبي غالب عن أبي عمرو: العزى: النجم التي مع السماك وفي "روض الأنف" كان عمرو بن لحي ربما نحر في الموسم عشرة آلاف بدنة، وكسا عشرة آلاف حلة. وقيل: إن اللات من سوق الحجيج كان من ثقيف، فلما مات قال لهم عمرو بن لحي: إنه لم يمت، ولكنه دخل في الصخرة، فأمرهم بعبادتها، وأن يبنوا عليها بيتا يسمى اللات، ويقال: دام أمره وأمر ولده على هذا بمكة ثلاثمائة سنة (٣). قال في "المحكم": وأرى العزى تأنيث الأعز (٤)، كالكبرى من الأكبر، فاللام فيه ليست بزائدة، والوجه زيادتها.
ثم ساق البخاري حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: وَاللَّاتِ وَالْعُزى. فَلْيَقُلْ: لَا إله إِلَّا اللهُ. وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أقامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّقْ".
الشرح:
هذا الحديث أخرجه مسلم والأربعة في النذور (٥) والأدب والاستئذان.
стр. 13917
والحلف بفتح الحاء وكسر اللام وإسكانها أيضًا. أما الحلف بكسر الحاء وإسكان اللام فإنه العهد. والحكمة في النهي عن الحلف بغير الله أن الحلف يقتضي تعظيم المحلوف به ولا عظيم في الحقيقة سواه. قال ابن عباس: لأن أحلف مائة مرة فآثم خير من أن أحلف مرة واحدة بغير الله (١). وإنما أمره بكلمة التوحيد بعد ذلك؛ لأنه تعاطى تعظيم الأصنام صورة، فإن أراد حقيقة كفر، وممن صرح به ابن العربي (٢)، فإذا حلف باللات أو غيرها من الأصنام، أو قال: إن فعلت هذا فأنا بعد يهودي أو نصراني أو بريء من الإسلام، أو من الشارع، أو من القرآن أو نحو ذلك، فيمينه غير منعقدة، وعليه الاستغفار ويقول: لا إله إلا الله، ولا كفارة عليه، وإن فعله -وفاقًا للأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد والجمهور- رُدَّ لسانه إلى الحق، وقلبه إلى الحق تطهيرًا لما وقع منه. وقال أبو حنيفة. تجب الكفارة في كل ذلك، إلا في قوله: أنا مبتدع أو بريء من رسول الله أو اليهودية، وأمره بالصدقة. وفي مسلم: "فليتصدق بشيء" من باب التكفير لهذِه المعصية، ولا يتقدر بشيء كما هو صريح ما أوردناه. قال الأوزاعي: ويتصدق بمقدار ما كان يريد أن يقامر به، وعن بعض الحنفية أن المراد بها كفارة اليمين.
والقمار: مصدر قامره مقامرة، إذا أراد كل واحد أن يغلب صاحبه في عمل أو قول ليأخذ مالا من غلب، ولا شك في حرمته، واستثني منه سباق الخيل بشروطه.
стр. 13918
وفيه دلالة لمذهب الجمهور -كما حكاه القاضي (١) - أن العزم على المعصية إذا استقر في القلب كان ذنبًا يكتب عليه، بخلاف الخاطر الذي لا استقرار له، وظاهر الحديث -كما قال القرطبي- وجوب الصدقة، وقول: لا إله إلا الله في حق الأول (٢).
عروة، عن عائشة مطولًا (١). وأخرجه هنا من حديث الحميدي عن سفيان، عن الزهري. وأخرجه مسلم والترمذي (٢)، وسلف في سورة البقرة أيضًا (٣)، وقد أسلفت لك آنفًا الكلام على مناة.
فائدة:
عبد الرحمن بن خالد هذا هو أمير مصر لهشام، ثبت، مات سنة سبع وعشرين ومائة، وأخرج له مسلم متابعة (٤).
وقد سلف هذا، وحديث ابن عباس ﵄ في الصلاة، وكذا متابعة ابن طهمان، وأخرج حديث عبد الله في المبعث والمغازي (١)، وأخرجه أيضا مسلم وأبو داود (٢) والنسائي (٣).
وقوله: (ولم يذكر ابن علية) أي: عن أيوب ابن عباس). أي: إنما قاله مرسلًا عن عكرمة كما أوضحه خلف.
стр. 13923
(٥٤) سورة ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [القمر: ١]
قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾: ذَاهِبٌ ﴿مُزْدَجَرٌ﴾: مُتَنَاهٍ. ﴿وَازْدُجِرَ﴾: فَاسْتُطِيرَ جُنُونًا ﴿وَدُسُرٍ﴾: أَضْلَاعُ السَّفِينَةِ، ﴿لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ يَقُولُ: كُفِرَ لَهُ جَزَاءً مِنَ اللهِ. ﴿مُحْتَضَرٌ﴾: يَحْضُرُونَ المَاءَ. وَقَالَ ابن جُبَيْرٍ: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ النَّسَلَانُ، الخَبَبُ السِّرَاعُ. وَقَالَ غَيْرُهُ (فَتَعَاطَى) فَعَاطَهَا بِيَدِهِ فَعَقَرَهَا. ﴿الْمُحْتَظِرِ﴾ كَحِظَارٍ مِنَ الشَّجَرِ مُحْتَرِقٍ. ﴿وَازْدُجِرَ﴾ اْفْتُعِلَ مِنْ زَجَرْتُ. ﴿كَفَرَ﴾ فَعَلْنَا بِهِ وَبِهِمْ مَا فَعَلْنَا جَزَاءً لِمَا صُنِعَ بِنُوحٍ وَأَصْحَابِهِ. ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ عَذَابٌ حَقّ، يُقَالُ: الأَشَرُ: المَرَحُ وَالتَّجَبُّرُ.
هي مكية، قال مقاتل: إلا ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤)﴾ إلى قوله: ﴿وَأْمُرْ﴾ وفي "تفسيره": إلا آية ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ فإنها نزلت في أبي جهل يوم بدر، ونقل أيضًا عن الكلبي غيره، روى أبو جعفر عن الربيع بن أنس قال: هذا يوم بدر (١) -يعني أن الجمع هزموا فيه- فأما الآية عليه، وجاء تأويلها يوم بدر كما رواه حماد، عن أيوب، عن عكرمة (٢).
стр. 13924
وسيأتي عن عائشة ﵂ أنها مكية أيضًا (١).
(ص) (وقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾: ذَاهِبٌ) هذا أخرجه عبد بن حميد، عن شبابة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح عنه (٢). وعن قتادة: إذا رأى أهل الضلالة آية من آيات الله قالوا: إنما هذا عمل السحر يوشك أن يستمر ويذهب (٣). وروى عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة، عن أنس: ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾: ذاهب (٤). وكذا ذكره ابن أبي زياد عن ابن عباس ومقاتل في "تفسيره" (٥).
(ص) (﴿مُزْدَجَرٌ﴾: متناهي ﴿وَازْدُجِرَ﴾: فَاسْتُطِيرَ جُنُونًا ﴿وَدُسُرٍ﴾: أَضْلَاعُ السَّفِينَةِ، ﴿لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ يَقُولُ: كُفِرَ لَهُ جَزَاءً مِنَ اللهِ. ﴿مُحْتَضَرٌ﴾: يَحْضُرُونَ المَاء) هذا أخرجه ابن أبي حاتم، عن حجاج بن حمزة، عن شبابة به (٦).
ومعنى ذاهب فيما سلف، أي: سيذهب ويبطل، وقاله الفراء أيضًا واحتقر (٧).
وقال الزجاج: دائم (٨) وقيل: قوي في نحوس، وقيل: مر. وقيل: نافذ ماض فيما أمر به. وقيل: يشبه بعضه بعضًا.
стр. 13925
وقيل: هو يوم الأربعاء الذي لا يدور في الشهر، لعله آخر يوم أربعاء من الشهر (١). وقيل: مستحكم بحكم.
وقوله: (﴿مُزْدَجَرٌ﴾: متناهي) يريد: متناهيًا وهو مفتعل من زجرت الشيء، وأبدلت من التاء دالًا، (كمركب) (٢)، وقول البخاري فيما سيأتي: متْذكر، هو بإسكان التاء، وضبط ابن التين بفتحها وتشديد الكاف. وقوله في ﴿وَازْدُجِرَ﴾ هو معنى قول الحسن، قال: مجنون وتوعدوه بالقتل (٣).
وقال البخاري بعد (﴿وَازْدُجِرَ﴾: اْفْتُعِلَ مِنْ زَجَرْتُ) وفسر قتادة الدسر بالمسامير (٤). قال: وواحد الدسر: دسار (٥)، ككتاب وكتب.
وقوله في ﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِر﴾ قيل فيه أيضًا: قيل: المعنى: جزاء لمن جحد -يعني: نوحًا- فنجيناه ومن معه وأهلكنا الباقين جزاء له، كما ذكره بعد؛ حيث قال: كفر، يقول: فعلنا به وبهم ما فعلنا جزاء لما صنع بنوح وأصحابه (٦).
وقوله في ﴿مُحْتَضَرٌ﴾ أي: كل من له نصيب يحضر ليأخذه.
(ص) (وَقَالَ ابن جُبَيْرٍ: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ النَّسَلَانُ، الخَبَبُ السِّرَاعُ) هذا أخرجه ابن المنذر عن موسى، ثنا يحيى، ثنا شريك، عن سالم،
стр. 13926
عنه (١). وفي رواية قتادة: عامدين إلى الداعي. أخرجه عبد بن حميد (٢). وقيل: مسرعين في خوف (٣). وقيل: ناظرين إلى الداعي. وقال أحمد بن يحيى: المهطع: الذي ينظر في ذل وخشوع ولا يتبع بصره (٤). والنسَّلان بفتح النون والسين: مشية الذئب إذا أعنق.
(ص) (وَقَالَ غَيْرُهُ ﴿فَتَعَاطَى﴾ فَعَاطَهَا بِيَدِهِ فَعَقَرَهَا) كذا هو (فعاطها) وفي بعض النسخ: (فعطاها) قال ابن التين بعد أن ذكره باللفظ الأول: لا أعلم له وجهًا إلا أن يكون من المقلوب الذي قلبت عينه على لامه؛ لأن العطو: التناول، فيكون المعنى: فتناولها بيده. وأما عوط فلا أعلمه في كلام العرب، وأما عيط فليس معناه موافقًا لهذا. والذي قال بعض المفسرين: فتعاطى عقر الناقة فعقرها. وقال ابن فارس: التعاطي: الجرأة، والمعنى: تجرأ فعقر (٥).
(ص) (﴿الْمُحْتَظِرِ﴾ كَحِظَارٍ مِنَ الشَّجَرِ مُحْتَرِقٍ) أي: وهو بفتح الحاء من حظار وكسرها، وهذا أخرجه عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة (٦). وعن مجاهد: هو الرجل يهشم الخيمة (٧).
стр. 13927
وقال ابن جبير: يسقط من الحائط (١). وقال ابن عباس: كالحشيش تأكله الغنم (٢).
(ص) (﴿مُسْتَقِرٌّ﴾ عَذَابٌ حَقٌّ): دائم عام استقر فيهم حتى يفضي إلى عذاب الآخرة.
(ص) (ويُقَالُ: الأَشَرُ: المَرَحُ) أي: في غير طاعة والتجبر. وقرئ: (الأشرّ) بتشديد الراء، وبضم الشين وتخفيف الراء (٣)، وربما كان الفرح من النشاط (٤).
وحديث شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁: سَأَلَ أَهْلُ مَكَّةَ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً فَأَرَاهُمُ انْشِقَاقَ القَمَرِ.
وعن شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: انْشَقَّ القَمَرُ فِرْقَتَيْنِ.
وقد سلف في باب انشقاق القمر بعد إسلام عمر ﵁ آخر المناقب (١)، وفي باب: سؤال المشركين أن يريهم آية (٢).
وللبيهقي من حديث قتادة، عن أنس ﵁ بلفظ: (فأراه) (٣) انشقاق القمر مرتين (٤)، ئم عزاه للبخاري. وفي حديث ابن أبي عروبة عن قتادة: فأراهم مرتين انشقاقه. وقد حفظه عن قتادة ثلاثة: سفيان ومعمر وابن أبي عروبة. واسم ابن أبي نجيح عبد الله بن يسار مولى الأخنس، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة. قال يحيى القطان: كان قدريًّا (٥). واسم أبي معمر عبد الله بن سخبرة، ولأمه سخبرة صحبة ورواية، روى له الترمذي. قال ابن سعد: توفي ابن سخبرة بالكوفة، في ولاية عبيد الله بن زياد (٦).
قلت: كان يزيد بن معاوية أضاف لعبيد الله ولاية الكوفة مع البصرة حين أراد الحسين ﵁ أن يتوجه إليها، وقتل عبيد الله بالزاب من أرض الموصل سنة سبع وستين، قتله إبراهيم بن الأشتر من قبل المختار، وفيها
стр. 13930
قتل المختار، قتله مصعب بن الزبير بن العوام. وقد أسلفنا هناك أنه رواه غير هؤلاء الثلاثة، وممن رواه جبير بن مطعم أيضًا كما سلف هناك، وهو وابن مسعود شاهداه، وابن عباس وأنس أُخبرا به.
وأبعد من قال: إن المراد به يوم القيامة، وأن المعنى: وينشق (١)، وقد وهناه هناك، وصحت الرواية به، وجاء في تفسير أبي عبد الله أن ذلك كان ليلة البدر، وأن نصفه على الصفا والآخر على قعيقعان، وقال عبد بن حميد: أخبرنا قبيصة، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: جمعت مع حذيفة بالمدائن فسمعته يقول: ألا إن القمر انشق على عهد رسول الله ﷺ . قال: الحديث (٢) سنده لا بأس به.
قلت: وقد رواه عن الصحابة المذكورين هنا وهناك أمثالهم كذلك من التابعين ثم كذلك نقل الجم الغفير والعدد الكثير إلى أن انتهى إلينا. وأيضًا قاله الكتاب العزيز كما سلف، فلا ينكره إلا معاند، وأما ما يروى في أنه دخل في كمه ﵇ وخرج في الأخرى فباطل لا أصل له. قال الحليمي في "منهاجه": ومن الناس من قال قوله: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ معناه: ينشق كقوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللهِ﴾ أي: يأتي. قال: فإن كان هكذا فقد أتى، وقد رأيت الهلال وهو ابن ليلتين عرض كل واحد منهما كعرض القمر ليلة أربع أو خمس، وما زلت انظر إليهما حتى اتصلا ثم غابا. وكان معي جماعة من الثقات شاهدوا كذلك. قال وأخبرني من وثقت به، وكان خبره عندي كعياني أنه رأى الهلال وهو ابن ثلاث منشقًّا نصفين.
стр. 13931
قال الحليمي: وإذا كان كذلك ظهر أن الانشقاق في الآية إنما هو الذي من أشراط الساعة دون الانشقاق الذي جعله الله لرسوله وحجة على أهل مكة.
стр. 13932
٢ - [باب] قوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥)﴾ [القمر: ١٤ - ١٥] .
قَالَ قَتَادَةُ: أَبْقَى اللهُ سَفِينَةَ نُوحٍ حَتَّى أَدْرَكَهَا أَوَائِلُ هذِه الأُمَةِ.
٤٨٦٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]. [انظر: ٣٣٤١ - مسلم: ٨٢٣ - فتح: ٨/ ٦١٧]
هذا أسنده ابن أبي حاتم من حديث سعيد عنه: أبقى الله السفينة (يباقرين) (١) من أرض الجزيرة عبرة وآية حتى نظر إليها أوائل هذِه الأمة نظرًا، وكم من سفينة كانت بعدها فصارت رمادًا (٢)! وعند عبد بن حميد: أدركها أوائل هذِه الأمة على الجودي (٣).
ثم ذكر البخاري حديث الأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ ﴿فَهَل مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]. وقد سلف.
стр. 13933
٣ - [باب] قوله: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ﴾ الآية [القمر: ١٧]
قَالَ مُجَاهِدٌ: (يَسَّرْنَا): هَوَّنَّا قِرَاءَتَهُ.
٤٨٧٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. [القمر: ١٧].
هذا أخرجه (عبيد) (١) عن شبابة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عنه (٢).
ثم ساق حديث عبد الله أيضًا.