قال المهلب: وهذِه نعمة أنعم الله بها على هذِه الأمة بخلاف سائر الأمم، ألا ترى أن إسرائيل لما حرم على نفسه ما حرم لزمه ذلك التحريم، ونبينا عليه أفضل الصلاة والسلام لم يجعل له أن يحرم إلا ما حرم الله عليه.
فائدة:
قال الزمخشري في هذِه السورة: إن قلت: هل كفر رسول الله ﷺ بذلك؛ قلت: عن الحسن أنه لم يكفر؛ لأنه كان مغفورًا له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وإنما هو تعليم للمؤمنين. وعن مقاتل أنه ﵇ أعتق رقبة في تحريم مارية (١).
ثم ساق البخاري حديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زينَبَ بنت جَحْشٍ وَيَمْكُثُ عِنْدَهَا، فَتَوَاطَأْتُ أَنَا وَصفية على أَيَّتُنَا يدخل عَلَيْهَا رسول الله ﷺ فَلْتَقُلْ لَهُ: أَكَلْتَ مَغَافِيرَ، إني أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ. قَالَ: "لَا، لَكِنِّي كنْتُ أَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَلَنْ أَعُودَ، وَقَدْ حَلَفْتُ لَا تُخْبِرِي بِذَلِكِ أَحَدًا". يبتغي بذلك مرضاة أزواجه.
وأخرجه في الطلاق والنذور والأيمان، وأخرجه أيضًا مسلم وأبو داود والنسائي (٢).
واختلف في التي شرب في بيتها العسل، فعند البخاري زينب كما ترى، وأن القائلة له: (أكلت مغافير). عائشة وحفصة. وقال النسائي: إسناده صحيح غاية (٣).
стр. 14037
وقال الأصيلى: إنه الصحيح. وهو أولى لظاهر الكتاب في قوله: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ فهما ثنتان لا ثلاث. وفي رواية: أنها حفصة، وأن القائلة: (أكلت مغافير) عائشة وسودة وصفية. وأيضًا ذكرها في النكاح (١).
وفي "تفسير عبد بن حميد" أنها سودة، كان لها أقارب أهدوا لها من اليمن عسلًا، والقائل له عائشة وحفصة. ويؤيد الأول أن أزواجه كن حزبين، قالت عائشة: أنا وسودة وحفصة وصفية فى حزب، وزينب وأم سلمة والباقيات في حزب (٢).
ومعنى (تواطأت). اتفقت، وهو بالهمز.
والمغافير -بفتح الميم ثم غين معجمة ثم بعد الألف فاء- جمع مغفور، وحكى فيه أبو حنيفة مغثورًا بثاء مثلثة. قال الداودي: ويروى به أيضًا، وميم مغفور أصلية. وقال الفراء: زائدة، وواحده: مَغفر، وحكى غيره: مُغفر وقيل: مغفار. وقال الكسائي: مِغفر. وقال ابن قتيبة: ليس في الكلام مفعول إلا مغفور ومغرود، وهو ضرب من الكمأة، ومنخور وهو المنخر، ومعلوق واحد المعاليق (٣).
والمغفور: صمغ أو شبيهه حلو كالناطف، وله رائحة كريهة ينضحه شجر يسمى العرفط -بعين مهملة مضمومة وراء مضمومة أيضًا- نبات مميز، له ورقة عريضة تنفرش على الأرض وله شوكة وثمرة بيضاء كالقطن، مثل زر قميص، خبيث الرائحة. ووقع للمهلب أن رائحة
стр. 14038
العرفط والمغافير حسنة.
وذكره ابن بطال في النكاح أيضًا، وهو خلاف ما يتضمنه الحديث واللغة، فإنهم قالوا: إنه من شجر العضاه، وهو كل شجر له شوك (١). وقد أسلفنا أن رائحته كريهة.
قال أبو حنيفة: وهو خبيث الرائحة، وتخبث رائحة راعيته ورائحة ألبانها حتى يتأذى بروائحها وأنفاسها الناس فيتجنبونها، وهو معنى قول أبي زياد: والعرفط زخمة ريح. وجاء في كتاب النكاح: جرست نحلُه العرفط، وهو بجيم وراء والسين المهملة - أي: أكلتْ. وأصل الجرس: الصوت الخفى، يقال: سمعت جرس الطير. أي صوت مناقيرها على ما تأوله. قال الأصمعي: كنت في مجلس شعبة بن الحجاج فروى حديثًا أنه يسمعون جرش طير الجنة. قالها بالشين المعجمة، فقلت: جرس -بالسين المهملة- فنظر إليَّ وقال: خذوها عنه، هو أعلم بها (٢). وفي كتاب الخليل: الجرش -بالشين المعجمة- الأكل (٣).
وقيل: المغافير: هي البُظر. وذكره ابن غلبون في "تذكرته" وكان ﵇ يكره أن توجد منه رائحة، ويتوقى كل طعام ذي رائحة.
وقوله: (لا تغرنك هذِه التي أعجبها حسنها حبُّ رسول الله ﷺ إياها- يريد عائشة) كذا هو بالرفع فيهما أعني: (حُسْنُها) و (حُبُّ) بخط الدمياطي، وقال في (حب): كذا. وقال ابن التين: يقرأ: حسنها بالضم؛ لأنه فاعل و (حب) بالنصب؛ لأنه مفعول من أجله. أي: أعجبها حسنها لأجل حب رسول الله ﷺ إياها.
والمشربة: شبه الغرفة بفتح الراء وضمها.
وقوله: (يرقى إليها بعجلة) يريد: الخشب. وقال ابن فارس: العجلة: خشبة معترضة على نعامة البئر (١).
والقرظ -بالظاء- ورق السلم يدبغ به الأديم (٢). يقال: أدم مقروظ.
والمصبور -بالصاد المهملة- المجموع، ووقع بالمعجمة أيضًا. قال النووي: وكلاهما صحيح (٣).
والأهب بفتح الهمزة والهاء وضمهما لغتان مشهورتان، وهو جمع إهاب: وهو الجلد، وقيل: قبل أن يدبغ.
стр. 14042
٣ - باب ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣)﴾ [التحريم:٣]
فِيهِ: عَائِشَةُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [انظر: ٤٩١٢]
٤٩١٤ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ حُنَيْنٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: أَرَدْتُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَنِ الْمَرْأَتَانِ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ فَمَا أَتْمَمْتُ كَلَامِي حَتَّى قَالَ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ. [انظر: ٨٩ - مسلم: ١٤٧٩ - فتح: ٨/ ٦٥٩]
ثم ساق حديث ابن عباس: أردت أن أسأل عمر فقلت: يا أمير المؤمنين، من المرأتان اللتان تظاهرتا على رسول الله ﷺ ؟ فما أتممت كلامي حتى قال: عائشة وحفصة. وهو من الحديث السالف.
ولا أعرف الألف من (أو) ولا الفاء من (قفوا)، ويجوز أن يكون المراد: أوقفوا أهليكم. أي: عن المعصية، والنار عن عمل يؤدي إليها. وقيل: المعنى: لا تعصوا فيعصي (أهليكم) (١)، مثل: لا تَزَنِ فيزنى بأهلك. وصواب (أوقفوا) على ما تقدم: (قفوا)، إلا أن وقف ثلاثي، يقال: وقفتُ الدابة أقفها وقفًا.
ثم ساق قطعة من حديث ابن عباس السالف مطولًا.
стр. 14045
٥ - باب ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ [التحريم: ٥]
٤٩١٦ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﵁: اجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْغَيْرَةِ عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُنَّ: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبَدِّلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. [انظر: ٤٠٢ - مسلم: ٢٣٩٩ - فتح: ٨/ ٦٦٠]
ساق فيه حديث أنس ﵁ -قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﵁: اجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الغَيْرَةِ عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُنَّ: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبَدّلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ. فَنَزَلَتْ هذِه الآيَةُ. وهذا أحد ما وافق فيه ربه تعالى كما سلف في موضعه، وقد سلف في الصلاة في باب: ما جاء في القبلة وسورة البقرة والأعراف (١).
стр. 14046
(٦٧) سورة ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾
التَّفَاوُتُ: الاخْتِلَافُ، وَالتَّفَاوُتُ وَالتَّفَوُّتُ وَاحِدٌ. ﴿تَمَيَّزُ﴾: تَقَطَّعُ، ﴿مَنَاكِبِهَا﴾: جَوَانِبِهَا. ﴿تَدْعُونَ﴾: وَتَدْعُونَ مِثْلُ تَذَّكَّرُونَ وَتَذْكُرُونَ. ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾: يَضْرِبْنَ بِأَجْنِحَتِهِنَّ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿صَافَّاتٍ﴾ بَسْطُ أَجْنِحَتِهِنَّ، ﴿وَنُفُورٍ﴾ الكُفُورُ.
هي مكية، وهي المانعة المنجية من عذاب القبر، كما أخرجه الترمذي من حديث ابن عباس. وقال: غريب (١)، وحسن من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إن سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له، وهي سورة تبارك" (٢).
ونزلت قبل الحاقة وبعد الطور كما قاله السخاوي (٣).
(ص) (التَّفَاوُتُ: الاخْتِلَافُ، وَالتَّفَاوُتُ وَالتَّفَوُّتُ وَاحِدٌ) قلت: هما لغتان كالتعهد والتعاهد، والتحمل والتحامل، والتظهر والتظاهر. قراءة الكسائي وحمزة: (من تَفَوُّتٍ) بغير ألف. وقراءة الباقين بإثباتها (٤). وقيل: تفاوت، أي: ليس هو متباينًا وتفوت أن بعضه لم يفت بعضًا. و ﴿خَلْقِ الرَّحْمَنِ﴾. قيل: إنه جميعه. وقيل: إنه السماء.
(ص) (﴿تَمَيَّزُ﴾: تَقَطَّعُ) أي: من الغيظ على أهلها انتقامًا.
стр. 14047
(ص) (﴿مَنَاكِبِهَا﴾: جَوَانِبِهَا) هو قول الفراء (١). وقال ابن عباس وقتادة: جبالها (٢).
(ص) (﴿تَدْعُونَ﴾ وتَدعُونَ مِثْلُ تَذْكُرُونَ وَتَذَّكَّرُونَ) قلت: إلا أن في افتعل معنى شيء بعد شيء، يقع للقليل والكثير.
(ص) (﴿وَيَقْبِضْنَ﴾: يَضْرِبْنَ بِأَجْنِحَتِهِنَّ) أي: بعد انبساطها.
(ص) (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿صَافَّاتٍ﴾: بَسْطُ أَجْنِحَتِهِنَّ، ﴿وَنُفُورٍ﴾ الكُفُورُ) أخرجه ابن أبي حاتم عن حجاج، عن شبابة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عنه (٣). وعبارة الثعلبي في تباعد عن الحق، وهو بمعناه وفي بعض النسخ: وتفورُ تفوُّرَ القِدر. أي: تغلي كغليان القدر. وهذا تفسير قوله: ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾ [تبارك: ٧].
стр. 14048
(٦٨) سورة نون
وَقَالَ قَتَادَةُ: (﴿حَرْدٍ﴾ جِدٍّ فِي أَنْفُسِهِمْ. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿لَضَالُّونَ﴾ أَضْلَلْنَا مَكَانَ جَنَّتِنَا. وَقَالَ غَيْرُهُ ﴿كَالصَّرِيمِ﴾ كَالصُّبْحِ انْصَرَمَ مِنَ اللَّيْلِ، وَاللَّيْلِ انْصَرَمَ مِنَ النَّهَارِ، وَهْوَ أَيْضًا كُلُّ رَمْلَةٍ انْصَرَمَتْ مِنْ مُعْظَمِ الرَّمْلِ، وَالصَّرِيمُ أَيْضًا المَصْرُومُ، مِثْلُ قَتِيلٍ وَمَقْتُولٍ.
هي مكية، وعن ابن عباس: من قوله إلى: ﴿سَنَسِمُهُ﴾ مكي، ومن بعد ذلك إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ مدني، وهي بعد المزمل، وقبل المدثر (١). وفي "أدب الإملاء" لابن سعد السمعاني من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "أول ما خلق الله القلم ثم خلق النون" وهي الدواة، ودْلك قوله: ﴿ن﴾ الآية (٢).
(ص) (وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿عَلَى حَرْدٍ﴾: جِدٍّ فِي أَنْفُسِهِمْ) أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، عنه (٣). والجد بالكسر: الاجتهاد في الأمر كنقيض الهزل، وربما ضبط بالفتح.
(ص) (وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿لَضَالُّونَ﴾ أَضْلَلْنَا مَكَانَ جَنَّتِنَا) أخرجه ابن أبي حاتم، عن علي بن المبارك، ثنا زيد بن المبارك، ثنا ابن ثور، عن ابن جريج، عنه (٤).
стр. 14049
وقوله: (أَضْلَلْنَا) قال الدمياطي بخطه: صوابه: ضللنا، يقال: ضللت الشيء: إذا جعلته في مكان ولم تدر أين هو، وأضللته: إذا ضيعته وإذا وجدته ضالًا أيضا، وإذا حملته على الضلال وأدخلته فيه أيضا.
(ص) (وَقَالَ غَيْرُهُ ﴿كَالصَّرِيمِ﴾ كَالصُّبْحِ انْصَرَمَ مِنَ اللَّيْلِ، وَاللَّيْلِ انْصَرَمَ مِنَ النَّهَارِ، وَهْوَ أَيْضًا كُلُّ رَمْلَةٍ انْصَرَمَتْ مِنْ مُعْظَمِ الرَّمْلِ)
قلت: فكل شيء قطع من شيء فهو صريم.
(وَالصَّرِيمُ أَيْضًا المَصْرُومُ، مِئْلُ قَتِيلٍ وَمَقْتُولٍ) قلت: وقال ابن عباس: كالرماد الأسود بلغة خزيمة (١).
وقيل: كالزرع الذي حصد.
стр. 14050
١ - باب ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ [القلم: ١٣]
٤٩١٧ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ مُجَاهِدٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ [القلم: ١٣] قَالَ: رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ لَهُ زَنَمَةٌ مِثْلُ زَنَمَةِ الشَّاةِ. [فتح: ٨/ ٦٦٢]
٤٩١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِد، قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ الْخُزَاعِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُول: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ». [٦٠٧١، ٦٦٥٧ - مسلم: ٢٨٥٣ - فتح: ٨/ ٦٦٢]
ساق فيه حديث ابن عباس: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ [القلم: ١٣] قَالَ: رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ لَهُ زَنَمَةٌ كزَنَمَةِ الشَّاةِ.
وعن حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ الخُزَاعِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ: "ألا أُخْبِرُكمْ بِأَهْلِ الجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ لَوْ أَقْسَمَ على اللهِ لأَبَرَّهُ، ألا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ".
الشرح:
هذا الحديث ذكره في الأدب والأيمان والنذور، وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وأبو داود بعضه (١).
العتل: الغليظ والعنيف. وقال الفراء: الجافي عن الوعظ (٢).
стр. 14051
وقيل: الشديد من كل شيء. وقيل: الكافر. وقال الداودي: هو السمين العظيم العنق والبطن. وقال الهروي: هو الجموع المنوع، قال: ويقال: القصير البطين. وقيل: الأكول الشروب الظلوم.
والزنيم: الدعي في النسب الملحق بالقوم وليس منهم، تشبيهًا له بالزنمة، وهو شيء يقطع من أذن الشاة ويترك معلقا بها، وهو أيضا هنة مدلاة في حلق الشاة كالملحقة بها. وعن ابن عباس روايات فيه، فروى عطاء عنه أنه الملصق في قوم ليس منهم (١).
وروى سعيد عنه أنه يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها (٢)، وروى ابن أبي زياد عنه: أنه الذي زنمته كزنمة الشاة أسفل من أذنه. وعبارة مقاتل: في أصل أذنه مثل زنمة الشاة زيادة في خلقه (٣).
وروى الوالبي عنه: أنه الظلوم (٤)، وروى ابن أبي زياد عنه: أن الموصوف بهذِه الصفات الوليد بن المغيرة المخزومي. قال مجاهد: كانت له ست أصابع، في كل يد أصبع زائدة (٥).
وفيه قول ثان: أنه الأخنس بن شريق، قاله السدي (٦). يعني: أنه كان ثقفيًّا، ويعد في بني زهرة. قال ابن قتيبة: إنما قيل له: زنيم للتعريف به لا على جهة الذم له (٧).
стр. 14052
وقول ثالث: أنه الأسود بن عبد يغوث، أو عبد الرحمن بن الأسود، قاله مجاهد (١).
وروى ابن عباس مرفوعًا: "ثلاثة لايدخلون الجنة: الجواظ والعتل والجعظري" قيل: يا رسول الله، وما الجواظ؟ قال: "الجموع المنوع، البخيل بما في يده" (٢) والجعظري: الفظ بما ملكت يمينه، والغليظ لقرإبته وجيرانه وأهل بيته، والعتل: الوثيق الخلق إلى حيث الخوف، الأكول الشروب الغشوم الظلوم.
وفي الزنيم أقوال أخر: الهجين الكافر، قاله علي (٣). أو الفاجر أو اللئيم أو النمام.
فصل:
وحارثة بن وهب هذا هو أخو عبيد الله بن عمر لأمه، أمهما أم كلثوم بنت جرول بن مالك بن المسيب الخزاعية. وأم عبد الله وحفصة زينب بنت مظعون (ابن) (٤) أخت عثمان.
فصل:
وقوله: "كل ضعيف مُتَضَعَّف" هو بفتح العين المشددة، وكذا ضبطه الدمياطي. قال ابن الجوزي: وغلط من كسرها، وإنما هو بالفتح. يريد أن الناس يستضعفونه ويقهرونه. وقال النووي: روي بالفتح عند الأكثرين وبكسرها، ومعناه: التواضع والتذلل والخمول (٥).
стр. 14053
فصل:
والجواظ -بجيم ثم واو مشددة ثم ظاء معجمة- الشديد الصوت في الشر، أو القصير البطين، أو المتكبر المختال في مشيته الفاجر، أو الكثير اللحم، أو الجموع المنوع أقوال (١).
وقوله: ("ألا أخبركم بأهل الجنة؟ ") أي: معظمهم، كما أن معظم أهل النار القسم الآخر، وليس المراد الاستيعاب في الطرفين.
стр. 14054
٢ - باب ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]
٤٩١٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ، وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِئَاءً وَسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا». [انظر: ٢٢ - مسلم: ١٨٣ - فتح: ٨/ ٦٦٣]
ساق فيه حديث أَبِي سَعِيدٍ الخدري ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ، وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِئَاءً وَسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا". وهو مختصر من حديث الرؤية، ومتفق على إخراجه، وقد اختلف العلماء في هذا الحديث (١)، فمنهم من توقف عن كشف معناه. ومنهم من أقدم عليه فأولها بالشدة والكرب؛ لأنه يستعمل في اللغة على معنى شدة الأمر، كقوله: وقامت الحرب على ساق.
وعبر بعضهم عنه بالقيامة وهولها، وبعضهم بأول ساعاتها، وهي أفظعها وأشدها، ومنهم من قال: المراد ما يبرز من أمور القيامة
стр. 14055
وشدتها، فترتفع معه شدائد الامتحان، ويؤذن لأهل اليقين والإخلاص في السجود، ويكشف الغطاء عن أهل النفاق، فتعود ظهورهم طبقًا لا يستطيعون السجود، ويؤيده حديث أبي موسى "فيكشف لهم الحجاب فينظرون إلى الله" (١) وعن ابن مسعود "إذا كان يوم القيامة قام الناس لرب العالمين أربعين عامًا" فيه: "فعند ذلك يكشف عن ساق ويتجلى لهم .. " (٢) الحديث.
وقريب منه أن المراد بالساق: النفس. ومنه قول علي حين راجعه أصحابه في قتال الخوارج فقال: والله لأقاتلنهم ولو تلفت ساقي. يريد: نفسه (٣).
والمراد: التجلي وكشف الحجب حتى إذا رأوه سجدوا له، ومنهم من قال: المراد: يكشف لهم عن ساق بعض المخلوقين من الملائكة، فيجعل لهم شيئًا لبيان ما يشاء من حكمته في أهل الإيمان والنفاق.
وقرأها ابن عباس بضم الياء، ورد الحكيم الترمذي على ابن قتيبة حيث قال في "مشكله": المراد بقوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ أي: عن شدة الأمر (٤) بحديث ابن مسعود السالف. وأن هذا يوم سرور المؤمنين وقرة عيونهم إذا كشف لهم الغطاء عن معبودهم، وأما في غير هذِه الآية فالأمر كما قاله، وأما قوله تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩)﴾
стр. 14056
فالمراد: ساق الدنيا أو أمرها أو أعمالها بالآخرة عند الموت. وقيل: يلفان في الأكفان (١).
فصل:
وقوله: ("فيعود ظهره طبقا واحدًا" أي: فلا ينثني للسجود رجاء كأن في ظهورهم السفافيد واحتج به بعض من يرى تكليف ما لا يطاق. قال: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ ورد الداودي بأن الله أمر عباده بالطاعة وجعل فيهم من الاستطاعة ما يطيقون به فعل ما أمروا به وترك ما نهوا عنه، فمن قبله هداه، ومن أباه ختم عليه ومنعه السجود يوم القيامة عقوبة له، لكن مذهب أهل السنة خلاف قوله، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦] لكن من قال به اختلف في وقوعه، والمختار المنع. وإذا قلنا بالتكليف به، فهل ورد به شرع أم لا؟ قيل: نعم، كما في قصة أبي لهب.
فصل:
والطبق: فقار الظهر، واحدها طبقة. يريد أنه صار فقارهم كأنه كالفقارة الواحدة فلا يقدرون على السجود (٢).
стр. 14057
(٦٩) سورة الحَاقَّةِ
﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ يُرِيدُ فِيهَا الرِّضَا ﴿الْقَاضِيَةَ﴾ المَوْتَةَ الأُولَى التِي مُتُّهَا ثُمَّ أُحْيَا بَعْدَهَا ﴿مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ أَحَدٌ يَكُونُ لِلْجَمْعِ وَللْوَاحِدِ. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿الْوَتِينَ﴾ نِيَاطُ القَلْبِ. قَالَ ابن عَبَّاسٍ ﴿طَغَى﴾ كَثُرَ، وَيُقَالُ: ﴿بِالطَّاغِيَةِ﴾ بِطُغْيَانِهِمْ، وَيُقَالُ: طَغَتْ عَلَى الخَزَّانِ. كَمَا طَغَى المَاءُ على قَوْمِ نُوحٍ. ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ﴾: أُصُولُهَا ﴿بَاقِيَةٍ﴾ بَقِيَّةٍ.
مكية، سميت بذلك؛ لأن فيها حواق الأعمال من الثواب والعقاب، ونزلت [قبل] (١) المعارج وبعد الملك، كما قاله السخاوي (٢).
(ص) (وقال ابن جبير: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ يُرِيدُ فِيهَا الرِّضَا) أخرجه سفيان في "تفسيره" عن عطاء، عنه، فراضِية معناه: ذات رضي. وقيل: مرضية كدافق (٣)
(ص) (﴿الْقَاضِيَةَ﴾ المَوْتَةَ الأُولَى التِي مُتُّهَا ثُمَّ أُحْيَا بَعْدَهَا) أخرجه سفيان أيضًا عن عطاء، عنه. قال قتادة فيما رواه عبد: تمنوا الموت ولم يكن شيء في الدنيا أكره عندهم منه (٤).
(ص) (﴿مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ أَحَدٌ يَكُونُ لِلْجَمْيعِ وَللْوَاحِدِ) (٥) قلت:
стр. 14058
والمعنى ما يغني عن عقوبته وما يفعله به.
(ص) (وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿الْوَتِينَ﴾ نِيَاطُ القَلْبِ) أخرجه ابن أبي حاتم من حديث سفيان عن عطاء بن السائب، عن سعيد، عنه (١).
(ص) (قَالَ ابن عَبَّاسٍ ﴿طَغَى﴾: كَثُرَ) أخرجه أيضا من حديث علي عنه (٢).
(ص) ﴿بِطُغْيَانِهِمْ﴾ أي: وعصيانهم (وَيُقَالُ طَغَتْ عَلَى الخَزَّانِ. كَمَا طَغَى المَاءُ على قَوْمِ نُوحٍ) قال قتادة: طغى الماء فوق كل شيء خمسة عشر ذراعًا.
стр. 14059
(٧٠) ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾
الْفَصِيلَةُ أَصغَرُ آبَائِهِ، القُرْبَى إِلَيْهِ يَنْتَمِي مَنِ انْتَمَى. ﴿لِلشَّوى﴾ اليَدَانِ وَالرِّجْلَانِ وَالأَطْرَافُ وَجِلْدَةُ الرَّاًّسِ يُقَالُ لَهَا: شَوَاةٌ، وَمَا كَانَ غَيْرَ مَقْتَلٍ فَهُوَ شَوى، وَالْعِزُونَ: الجَمَاعَاتُ، وَوَاحِدُهَا عِزَةٌ.
هي مكية، وتسمى سورة المعارج.
(ص) (يقال: الفَصِيلَةُ أَصْغَرُ آبَائِهِ، القُرْبَى إِلَيْهِ) (١) قلت: عبر عنه أبو عبيدة بالفخذ (٢) ومجاهد بالقبيلة (٣)، وثعلب بآبائه الأدنين غير أقاربه الأقربين. قال الداودي: وقيل: إن الفصيلة ولظى من أبواب جهنم. وهذا غريب.
(ص) (﴿لِلشَّوى﴾ اليَدَانِ وَالرجْلَانِ وَالأَطْرَافُ وَجِلْدَةُ الرَّأْسِ يُقَالُ لَهَا شَوَاةٌ، وَمَا كَانَ غَيْرَ مَقْتَلٍ فَهُوَ شَوى) قلت: ما ذكره هو قول مجاهد.
وقال أبو صالح: الشوى: لحم الساقين (٤). والمعروف -كما قال ابن التين- أن الشوى جمع شواة، وهي جلدة الرأس، ولا يبعد ذلك من قول مجاهد (٥).
стр. 14060
(ص) (الْعِزُونَ الجَمَاعَاتُ، وَوَاحِدُهَا عِزَةٌ) يريد به جماعات في تفرقه. ومعنى الآية: فمال للذين كفروا يسرعون منك، فإذا سمعوا تفرقوا ولم يقبلوه.
(ص) (﴿أَطْوَارًا﴾ طَوْرًا كَذَا وَطَوْرًا كَذَا) أي نطفة ثم علقة، ثم مضغة إلى تمام الخلق، كما حكاه عبد بن حميد، عن خالد بن عبد الله. وقال مجاهد: طورًا من تراب ثم من نطفة إلى آخر الخلق (١).
(ص) ثم قال: (عَدَا طَوْرَهُ) أي: قدره.
(ص) (وَالْكُبَّارُ أَشَدُّ مِنَ الكَبِير، وَكُبَار أَيْضًا بِالتَّخْفِيفِ) قلت: يقال: كبير وكبار مثل طويل وطوال وطوَّال. ومعنى كُبَّارًا: عظيمًا.
قال البخاري: (وَكَذَلِكَ جُمَّالٌ -يعني: بالتشديد- وَجَمِيلٌ؛ لأَنَّهَا أَشَدُّ مُبَالَغَةً، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: رَجُلٌ حُسَانٌ وَجُمَالٌ مُخَفَّفٌ) قلت: وتقول أيضا العرب: عجيب وعجاب وكمال، وقرأ القارئ، ووصى الموصي. وقرأ ابن محيصن وعيسى (كبارًا) بالتخفيف (٢).
(ص) (﴿دَيَّارًا﴾ مِنْ دَوْرٍ، وَلَكِنَّهُ فَيْعَالٌ مِنَ الدَّوْرَانِ (٣)، كَمَا قَرَأَ عُمَرُ: (الْحَيُّ القَيَّامُ). وَهْيَ مِنْ قُمْتُ) (٤) قلت: وأصله: قيوام وديران.
ثم قال البخاري: (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿دَيَّارًا﴾ أَحَدًا) يدور في الأرض فيذهب ويجيء، ولم يتقدم عزو ما قبله حتى يقول: (وقال غيره) فابحث عنه (٥). وقال القتبي: أصله من الدار. أي: نازل دار (٦).
стр. 14063
(ص) (﴿تَبَارًا﴾ هَلَاكًا) أي: ودمارًا.
(ص) (وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿مِدْرَارًا﴾: يَتْبَعُ بعضه بَعْضًا) أخرجه ابن أبي حاتم من حديث معاوية عنه.
(ص): (﴿وَقَارًا﴾: عَظَمَةً) أخرجه سفيان في "تفسيره" عن أبي روق، عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس بلفظ: لا تخافون لله عظمة؟! وأخرجه عبد بن حميد من رواية أبي الربيع عنه: ما لكم لا تعلمون منه عظمة، وقال مجاهد: لا تبالون لله عظمة. وفي رواية: لا ترون. وعن الحسن: لا تعرفون لله حقًّا، ولا تشكرون له نعمة. وعن قتادة: لا ترجون لله عاقبة. وعن ابن جبير: لا ترجون لله ثوابًا ولا تخافون عقابًا (١).
ثم ساق البخاري عن إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى، أنا هِشَامٌ، عَنِ ابن جُرَيْجٍ وَقَالَ: عَطَاءٌ عَنِ ابن عَبَّاسٍ: صَارَتِ الأَوْثَانُ التِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ فِي العَرَبِ بَعْدُ، أَمَّا وُدٌّ فكَانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الجَنْدَلِ، وَأَمَّا سُوَاعٌ كَانَتْ لِهُذَيْلٍ، وَأَمَّا يَغُوثُ فَكانَتْ لِمُرَادٍ ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ بِالْجُرُفِ عِنْدَ سَبَا، وَأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ، وَأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ، لآلِ ذِي الكَلَاعِ. ونسر أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إلى قَوْمِهِمْ أَنِ انْصِبُوا إلى مَجَالِسِهِمُ التِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا، وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ فَفَعَلُوا فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ ونسخ العِلْمُ عُبِدَتْ.
стр. 14064
الكلام عليه من وجوه:
أحدها:
عطاء هذا اختلف فيه هل هو ابن أبي رباح أو الخراساني؟ فذكره أبو مسعود من رواية عطاء بن أبي رباح عنه ثم قال: إن حجاج بن محمد وعبد الرزاق روياه عن ابن جريح فقالا: عن عطاء الخراساني. وقال خلف: هو الخراساني. ثم قال: قال أبو مسعود: ظن البخاري أنه ابن أبي رباح، وابن جريج لم يسمع التفسير من الخراساني، إنما أخذ الكتاب من أبيه ونظر فيه.
وقال الإسماعيلي: يشبه أن يكون هذا عن عطاء الخراساني على ما أخبرني به ابن فرج، عن علي بن المديني فيما ذكر في "تفسير ابن جريج" كلامًا معناه: كان يقول عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، فطال على الوراق أن يكتب الجواب -أي في كل حديث- فتركه، فرواه من روى على أنه عطاء بن أبي رباح.
قال الجياني: قال أبو مسعود: ثبت هذا الحديث في "تفسير ابن جريج" عن عطاء الخراساني، وإنما أخذ ابن جريج الكتاب من أبيه ونظر فيه. قال: وهذا تنبيه بديع من أبي مسعود، ورويناه عن صالح بن أحمد، عن علي بن عبد الله، سمعت هشام بن يوسف قال: قال لي ابن جريج: سألت عطاء عن التفسير من البقرة وآل عمران ثم قال: أعفني من هذا. قال هشام: وكان بعد إذا قال: عطاء عن ابن عباس قال: الخراساني. قال هشام: فكتبنا ما كتبنا ثم مللنا يعني: كتبنا ما كتبنا أنه الخراساني - قال ابن المديني: إنما كتبت أنا هذِه القصة؛ لأن محمد بن ثوركان يجعلها عن عطاء، عن
стр. 14065
ابن عباس، فظن الذي حملوا هنا عنه أنه عطاء بن أبي رباح. وعن صالح بن أحمد، عن ابن المديني قال: سألت يحيى بن سعيد عن أحاديث ابن جريج عن عطاء الخراساني فقال: ضعيفة. فقيل ليحيى: إنه يقول: أنا. فقال: لا شيء، كله ضعيف، إنما هو كتاب دفعه إليه (١).
الثاني:
روينا عن عروة بن الزبير وغيره أن آدم اشتكى وعنده بنوه ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، وكان ود أكبرهم. وأبرهم به. وقال محمد بن كعب: كانوا عبادًا فمات منهم رجل فحزنوا عليه، فقال الشيطان: أنا أصور لكم مثله إذا نظرتم إليه ذكرتموه. قالوا: افعل. فصوره في المسجد من صفر ورصاص. ثم مات أخوه فصوره، حتى ماتوا كلهم وتنقضت الأشياء إلى أن تركوا عبادة الله بعد حين، فقال الشيطان للناس: ما لكم لا تعبدون إلهكم وإله آبائكم، ألا ترونها في مصلاكم؟ فعبدوها من دون الله حتى بعث الله نوحًا.
وقال محمد بن قيس، ومحمد بن كعب أيضًا: إنما كانوا قومًا صالحين بين آدم ونوح، وكان لهم أتباع، فلما ماتوا زين لهم الشيطان أن يصوروا صورهم ليذكرونهم بها، فلما ماتوا وجاء آخرون قالوا: ليت شعرنا هذِه الصور ما هي؟ فقال إبليس لهم: هي آلهتكم وكانوا يعبدونها، فعبدوها (٢).
وعند السهيلي: يغوث هو ابن شيث (٣) وابتداء عبادتهم من زمن
стр. 14066
مهلاييل بن قينن (١).
الثالث:
ود بفتح الواو، وقد سلف أنه لكلب بدومة الجندل. وقال صاحب "العين" هو بالفتح صنم كان لقوم نوح، وبضم الواو صنم لقريش، وبه سمي عمرو بن وُد (٢) وقراءة نافع بالضم والباقون بالفتح (٣). وزعم الواقدي أنه على صورة رجل.
قال الماوردي: وهو أول صنم معبود، وسمي ود لودهم له، وكان بعد قوم نوح لكلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن (أنماكي) (٤) ابن قضاعة، وكان بدومة الجندل (٥).
وأما سواع فكان على صورة امرأة، وكان لهزيل بن مدركة بن إلياس بن مضر برهاط موضع بقرب مكة بساحل البحر.
ويغوث قد ذكره في الأصل، وأنه بالجوف عند سبأ من أرض اليمن، كذا هو كانت بالألف واللام.
وذكر أبو عبيد البكري أنه معرفة ولا تدخله الألف واللام (٦).
ورواه الحميدي بالراء كما حكاه ياقوت، قال: ورواه النسفي باللام في آخر الحول (٧). قال أبو عثمان النهدي: رأيته وكان من رصاص على
стр. 14067
صورة أسد وكانوا يحملونه على جمل أجرد ويسيرون معه، لا يهيجونه حتى يكون هو الذي يبرك، فإذا برك نزلوا وقالوا: قد رضي لكم ربكم هذا الموضع، فيضربون عليه بناء وينزلون حوله (١).
ويعوق كانت لهمْدان كما ذكره في الأصل ببلخع وهوبإسكان الميم وبالدال المهملة، وهي قبيلة. وقيل: لكهلان أولًا ثم توارثه بنوه حتى صار في همدان. قال الواقدي: وكان على صورة فرس.
ونسر كان لآل بني ذي الكلاع من حمير، وكان على صورة نسر ويخدشه ما سلف أنهم كانوا على صورة آدميين. وفي "المختار" قال أبو عبيدة عن أبي الخطاب الأخفش: كانوا مجوسًا فغرقهم الله بالطوفان فبثها إبليس في الناس. وفي "المصاحف" لابن أبي داود من قراءة ابن مسعود (يَغُوثًا ويعُوقًا) بجرّبهما (٢).
وقوله: (وأما نسر فكانت لحمير لآل بنى ذي الكلاع، ونسر أسماء رجال صالحين) كذا هو في البخاري، وكأن قوله: (ونسر) تحريف، وصوابه: وهي أسماء رجال صالحين. وعلى تقدير صحتها فهو نوع تكرير ينقض، فإنه كان يلزم إعادة باقي الأسماء قبلها وهي: ود وسواع، ويغوث، ويعوق.
بضمها، وفسرهما أبو بكر فقال: لُبدًا: كثيرًا، ولِبدًا: بعضها على بعض (١)، وقرئ بضم اللام والباء، وهو جمع لبود، وقرئ: (لُبَّدًا) بضم اللام وتشديد الباء، جمع لابد، كراكع وركع. (فهذا) (٢) أربع قراءات (٣).
ثم ساق حديث أبي عَوَانَةَ -واسمه أبو صالح- عَنْ أَبِي بِشْرٍ -واسمه جعفر- عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: (انْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إلى سُوقِ عُكَاظٍ، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ. .) الحديث وقد سلف في الصلاة، في باب: الجهر بقراءة الفجر. وعكاظ موضع بقرب مكة كانوا في الجاهلية يقيمون به أيامًا.
стр. 14070
(٧٣) سورة المُزَّمِّلِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَتَبَتَّلْ﴾ أَخْلِصْ. وَقَالَ الحَسَنُ ﴿أَنْكَالًا﴾ قُيُودًا. ﴿مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ مُثْقَلَةٌ بِهِ. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿كَثِيبًا مَهِيلًا﴾، الرَّمْلُ السَّائِلُ. ﴿وَبِيلًا﴾ شَدِيدًا.
وهي مكية، قال مقاتل: وفيها من المدني: ﴿وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ (١) والمزمل والمدثر والمتلفف والمشتمل بمعنى.
(ص) (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَتَبَتَّلْ﴾: أَخْلِصْ) أخرجه عبد بن حميد، عن شبابة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عنه بلفظ: أخلص له المسألة والدعاء، وفي رواية: أخلص له إخلاصًا، وقال قتادة: أخلص له الدعوة والعبادة. ورواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس وجماعات (٢).
(ص) (وَقَالَ الحَسَنُ ﴿أَنْكَالًا﴾ قُيُودًا) أخرجه عبد بن حميد، عن يحيى بن عبد الحميد، عن حفص، عن عمرو، عنه، وذكره عن مجاهد وجماعات أيضًا (٣). واحدها نكل بكسر النون وسكون الكاف وفتحهما.
(ص) (﴿مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾: مُثْقَلَةٌ بِهِ) أخرجه عبد بن حميد بالسند السالف (٤).
стр. 14071
(ص) (﴿كَثِيبًا مَهِيلًا﴾: الرَّمْلُ السَّائِلُ. ﴿وَبِيلًا﴾: شَدِيدًا) أخرجه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن أبي صالح، حدثني معاوية، عن عليٍّ، عنه (١).
(ص) (وقال ابن عباس ﴿عَسِيرٌ﴾: شديد) أخرجه ابن أبي حاتم عن أبيه كما سلف أيضًا.
(ص) (﴿قَسْوَرَةٍ﴾: رِكْزُ النَّاسِ وَأَصْوَاتُهُمْ. وَكُلُّ شَدِيدٍ قَسْوَرَةٌ وقسور) أخرجه أيضًا من حديث عطاء، عن ابن عباس (١)، يريد: فرت من (ضبى) (٢) الناس وأصواتهم، وروى عبد بن حميد عن أبي حمزة قال: قلت لابن عباس: أرأيت قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١)﴾ أهو الأسد؟ قال: ما هي بلغة أحد من العرب -أو قال الناس- إنما هي عصب الرجال. وفي رواية: الرماة.
(ص) (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قسورة: الأَسَدُ) - أخرجه عبد بن حميد من حديث زيد بن أسلم، عن ابن سيلان، عنه (٣) وقال سعيد بن جبير: هم القناص (٤). ووزن قسورة: فعولة من القسر وهو القهر والغلبة.
ثم قال البخاري: حَدَّثنَا يَحْيَى، ثنَا وَكِيعٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ المُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ، قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ [المدثر: ١] " .. الحديث.
يحيى هذا وقع في بعض النسخ أنه ابن موسى الحداني، وقد أسلفنا في أول الإيمان من هذا الشرح أن الجمهور على أن أول ما نزل من القرآن ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، ثم المدثر من جملة ما أنزل أولًا أيضًا.
стр. 14074
٢ - (باب) (١) قَوْلُهُ: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ [المدثر: ٢]
٤٩٢٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَغَيْرُهُ قَالَا: حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ -قَالَ: «جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ». مِثْلَ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ. [انظر: ٤ - مسلم: ١٦١ - فتح: ٨/ ٦٧٧]
حَدَّثَنِا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، ثنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَغَيْرُهُ قَالَا: ثنَا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ ﵁، عَنِ النَّبِى ﷺ -قَالَ: "جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ". مِثْلَ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ المُبَارَكِ.
لعل المراد بقوله: (وغيره) ما صرح به أبو نعيم الأصبهاني؛ حيث قال: حدثنا أبو إسحاق بن حمزة، ثنا أبو عوانة، ثنا محمد بن بشار، ثنا عبد الرحمن بن مهدي وأبو داود قالا: ثنا حرب فذكره. وقوله: (مثل حديث عثمان إلى آخره) يريد ما أخرجه مسلم عن ابن مثنى، عن عثمان، عن علي بن المبارك (٢).