(ص) (وقال ابن عباس ﴿عَسِيرٌ﴾: شديد) أخرجه ابن أبي حاتم عن أبيه كما سلف أيضًا.
(ص) (﴿قَسْوَرَةٍ﴾: رِكْزُ النَّاسِ وَأَصْوَاتُهُمْ. وَكُلُّ شَدِيدٍ قَسْوَرَةٌ وقسور) أخرجه أيضًا من حديث عطاء، عن ابن عباس (١)، يريد: فرت من (ضبى) (٢) الناس وأصواتهم، وروى عبد بن حميد عن أبي حمزة قال: قلت لابن عباس: أرأيت قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١)﴾ أهو الأسد؟ قال: ما هي بلغة أحد من العرب -أو قال الناس- إنما هي عصب الرجال. وفي رواية: الرماة.
(ص) (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قسورة: الأَسَدُ) - أخرجه عبد بن حميد من حديث زيد بن أسلم، عن ابن سيلان، عنه (٣) وقال سعيد بن جبير: هم القناص (٤). ووزن قسورة: فعولة من القسر وهو القهر والغلبة.
ثم قال البخاري: حَدَّثنَا يَحْيَى، ثنَا وَكِيعٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ المُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ، قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ [المدثر: ١] " .. الحديث.
يحيى هذا وقع في بعض النسخ أنه ابن موسى الحداني، وقد أسلفنا في أول الإيمان من هذا الشرح أن الجمهور على أن أول ما نزل من القرآن ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، ثم المدثر من جملة ما أنزل أولًا أيضًا.
стр. 14074
٢ - (باب) (١) قَوْلُهُ: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ [المدثر: ٢]
٤٩٢٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَغَيْرُهُ قَالَا: حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ -قَالَ: «جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ». مِثْلَ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ. [انظر: ٤ - مسلم: ١٦١ - فتح: ٨/ ٦٧٧]
حَدَّثَنِا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، ثنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَغَيْرُهُ قَالَا: ثنَا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ ﵁، عَنِ النَّبِى ﷺ -قَالَ: "جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ". مِثْلَ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ المُبَارَكِ.
لعل المراد بقوله: (وغيره) ما صرح به أبو نعيم الأصبهاني؛ حيث قال: حدثنا أبو إسحاق بن حمزة، ثنا أبو عوانة، ثنا محمد بن بشار، ثنا عبد الرحمن بن مهدي وأبو داود قالا: ثنا حرب فذكره. وقوله: (مثل حديث عثمان إلى آخره) يريد ما أخرجه مسلم عن ابن مثنى، عن عثمان، عن علي بن المبارك (٢).
الصحيحتان جثثت بثاءين أو جئثت بهمزة قبل الثاء، وكذا ذكره المتكلمون في هذا الحديث: أبو عبيدة وغيره، وقالوا: يقال: جَثَثتُ الرجل فهو مجثوث، أي: مرعوب. والطهارة على بابها. وقيل: قَصِّر، وقيل: الثياب: النفس والمراد الأمة.
стр. 14078
٥ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ [المدثر: ٥]
يُقَالُ: الرِّجْزُ والرِّجْسُ: العَذَابُ.
٤٩٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْىِ: «فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ بَصَرِي قِبَلَ السَّمَاءِ، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِىٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَجَئِثْتُ مِنْهُ حَتَّى هَوَيْتُ إِلَى الأَرْضِ، فَجِئْتُ أَهْلِي فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي. زَمِّلُونِي. فَزَمَّلُونِي فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ٥:١] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَاهْجُرْ﴾» -قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَالرِّجْزَ: الأَوْثَانَ- «ثُمَّ حَمِيَ الْوَحْيُ وَتَتَابَعَ». [انظر: ٤ - مسلم: ١٦١ - فتح: ٨/ ٦٧٩]
يقال: الرجز والرجس: العذاب. ساقه أيضًا وفي آخره: قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَالرِّجْزَ: الأَوْثَانَ، وكذا ذكره في باب: بدء الخلق، وقال في الذي قبله: (قبل أن تفترض الصلاة وهي الأوثان) أي: لأنها سبب العذاب، فإن الرجز: العذاب، وقيل: الذنب. وقيل: الظلم، والراء تضم أيضا لغتان بمعنى، قاله الفراء (١)، وقال بعض البصريين: بالكسر: العذاب، ولا يضم، وهذا لا يبعد من قول أبي سلمة؛ لأن عبادة الأوثان مؤدية إلى العذاب.
стр. 14079
(٧٥) سُورَةُ القِيَامةِ
هي مكية.
(ص) (وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿سُدى﴾: هَمَلًا) أخرجه ابن جرير عن علي، ثنا أبو صالح، حدثني معاوية عن علي، عنه، وقال مجاهد: لا يؤمر ولا ينهى (١).
(ص) (﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ سوْفَ أَتُوبُ، سوْفَ أَعْمَلُ) أي حتى يأتيه الموت على شر أحواله وأسوأ أعماله، قاله سعيد بن جبير. وعن ابن عباس: يكذِّب ما أمامه من البعث والحساب (٢).
(ص) (﴿لَا وَزَرَ﴾: لَا حِصْنَ) أي: ولا حرز ولا ملجأ.
(٧٦) سورة ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾
يُقَالُ مَعْنَاهُ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ، وَ ﴿هَلْ﴾ تَكُونُ جَحْدًا وَتَكُونُ خَبَرًا، وهذا مِنَ الخَبَرِ، يَقُولُ كَانَ شَيْئًا فَلَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا، وَذَلِكَ مِنْ حِينِ خَلَقَهُ مِنْ طِينٍ إلى أَنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحُ، ﴿أَمْشَاجٍ﴾ الأَخْلَاطُ مَاءُ المَرْأَةِ، وَمَاءُ الرَّجُلِ الدَّمُ وَالْعَلَقَةُ. وَيُقَالُ إِذَا خُلِطَ مَشِيجٌ كَقَوْلِكَ: خَلِيطٌ. وَمَمْشُوجٌ مِثْلُ مَخْلُوطٍ، وَيُقَالُ ﴿سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا﴾ وَلَمْ يُجْرِ بَعْضُهُمْ ﴿مُسْتَطِيَرَا﴾ مُمْتَدًّا، البَلَاءُ وَالْقَمْطَرِيرُ الشَّدِيدُ، يُقَالَ: يَوْمٌ قَمْطَرِيرٌ وَيوْمٌ قُمَاطِرٌ، وَالْعَبُوسُ وَالقَمْطَرِيرُ وَالْقُمَاطِرُ وَالْعَصيبُ أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ الأَيَّامِ فِي البَلَاءِ. وَقَالَ مَعْمَرٌ ﴿أَسْرَهُمْ﴾ شدَّةُ الخَلْقِ، وَكُلُّ شَيْءٍ شدَدْتَهُ مِنْ قَتَبٍ فَهْوَ مَأسُورٌ.
هو آدم أو الكل، وهي مكية كما جزم به الثعلبي، ونقل ابن النقيب عن الجمهور أنها مدنية، قلت: وقال قتادة وآخرون: مكية، وعن الكلبي: إلا آيات ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ﴾ إلى ﴿قَمْطَرِيرًا﴾ وعن الحسن إلا: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ وجاءت آثار أنها نزلت بالمدينة في شأن علي وفاطمة وابنيهما وهى مضطربة لا تثبت. وأنكر أن يكون لفاطمة (شعرًا) (١)، وقال مقاتل: نزل: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ﴾ في أبي الدحداح الأنصاري، وهو نقض لقوله: إنها كلها مكية. قال السخاوي: ونزلت
стр. 14084
بعد سورة الرحمن وقبل الطلاق (١).
(ص) (قال يحيى: مَعْنَاهُ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ، وَ ﴿هَلْ﴾ تَكُونُ جَحْدًا وَيمُونُ خَبَرًا، وهذا مِنَ الخَبَرِ، يَقُول: كَانَ شَيْئًا فَلَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا، وَذَلِكَ مِنْ حِينِ خَلَقَهُ مِنْ طِينٍ إلى أَنْ نفخ فِيهِ الرُّوح) (٢).
يحيى هذا هو أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منصور الفراء، صاحب "معاني القرآن" وقوله أنها (تكون جحدًا) فيه تجوز، وإنما الاستفهام في الحقيقة استعلام للفائدة واستطلابها ضمن فعلها، وقال سيبويه والكسائي والفراء (٣): (هل) بمعنى قد، وقال ابن كيسان: يجوز أن تكون على بابها أي: كما يقال: كفيت في أمرك.
وقوله: (يقول: كان شيئًا ولم يكن مذكورًا) إلى آخره. هو رد على المعتزلة حيث قالوا: كان شيئًا ولم يكن مذكورًا. فعندهم يطلق الشيء على المعدوم.
(ص) (﴿أَمْشَاجٍ﴾ أخلاط، مَاءُ المَرْأَةِ وَمَاءُ الرَّجُلِ الدَّمُ وَالْعَلَقَةُ. وَيُقَالُ إِذَا خُلِطَ مَشِيجٌ كَقَوْلِكَ خَلِيطٌ. وَمَمْشُوجٌ مِثْلُ مَخْلُوطٍ) قلت: وقال ابن مسعود: أمشاج نطفة دم علقة مضغة قيل: وهو اختلاط بالدم، وواحد الأمشاج، مشيج، أي: بفتح الميم وكسرها، ومشيج ذكره ابن منده فقال: والمشيج كل لونين اختلطا، وقيل: هو ما اختلط من حمرة وبياض، وقيل: كل شيئين مختلطين.
стр. 14085
(ص) (وَيُقْرَاُ: ﴿سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا﴾ وَلَمْ يُجْرِ (١) بَعْضُهُمْ) أي: فقرأ سلاسل (٢).
(ص) (﴿مُسْتَطِيرًا﴾: مُمْتَد البَلَاء) أي: فاشيًا، يقال: استطار الصدع في الزجاجة، واستطال إذا امتد.
(ص) (وَالْقَمْطَرِيرُ الشَّدِيدُ، يُقَالَ يَوْمٌ قَمْطَرِيرٌ ويوْمٌ قُمَاطِرٌ، وَالْعَبُوسُ وَالْقَمْطَرِيرُ وَالْقُمَاطِرُ وَالْعَصِيبُ أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ الأَيَّامِ فِيِ البَلَاءِ) زاد غيره: عصبصب وقماطر بضم القاف.
(ص) (وَقَالَ مَعْمَرٌ ﴿أَسْرَهُمْ﴾ شِدَّةُ الخَلْقِ) أخرجه عبد بن حميد عن عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة وذكره عن مجاهد وغيره بنحوه (٣).
ثم قال البخاري: (وكل شيء شددته من قتب أو غبيط فهو مأسور) والغبيط أي: بالغين المعجمة: شيء تركبه النساء: شبه المحفة قلت: ومنه قول امرئ القيس:
تقول وقد مال الغبيط بنا معًا … عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزلِ
وهو الموضع الذي يوطأ للمرأة على البعير كالهودج (٤).
شَرَّ هَا" [انظر: ١٨٣٠ - مسلم: ٢٢٣٤ - فتح: ٨/ ٦٨٥]
هي مكية، قال مقاتل: وفيها من المدني: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨)﴾ ونزلت بعد الهمزة، وقبل ﴿ق﴾، قاله السخاوي (١).
(ص) (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿جِمَالَاتٌ﴾ حِبَالُ السفن) أخرجه عبد بن حميد عن شبابة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عنه (٢)، وقاله أيضًا عكرمة، وقال قبلهما ابن عباس بزيادة: تجمع بعضها إلى بعض حتى تكون كأوساط الرجال في الأصل، و (جمالات) بكسر الجيم، وقيل: بالضم: إبل سود واحدها جمالة، وجمالة جمع جمل. وقرئ (جمالة) على التوحيد، وقرئ بضمهما أيضًا (٣).
قال الهروي: ومن قرأ (جمالات) ذهب به إلى الحبال الغلاظ.
وقال مجاهد في قوله: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] هو حبل السفينة (٤)، وذكر الفراء -فيما حكاه ابن فارس- أن الجُمالات ما جمع من الحبال (٥)، فعلى هذا يقرأ بالضم فيما ذكره مجاهد.
(ص) (﴿ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾: لَا يُصلُّونَ) قلت: هو الركوع نفسه، يقال: عليك بحسن الركوع.
(ص) (وَسُئِلَ ابن عَبَّاسٍ ﴿لَا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ فَقَالَ: إِنَّهُ ذُو أَلْوَانٍ مَرَّةً يَنْطِقُونَ، وَمَرَّةً
стр. 14088
يُخْتَمُ عَلَيْهِمْ) أخرجه عبد بن حميد عن سليمان بن حرب، ثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن أبي الضحى: أن نافع بن الأزرق وعطية أتيا ابن عباس فسألاه فذكره (١).
ثم ساق حديث عَبْدِ اللهِ ﵁ -قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُول اللهِ ﷺ وَأنْزَلَ الله عَلَيْهِ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ [المرسلات: ١]، وَإِنَّا لَنَتَلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ، فَخَرَجَتْ حَيَّةٌ، فَابْتَدَرْنَاهَا، فَسَبَقَتْنَا فَدَخَلَتْ جُحْرَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وُقِيَتْ شَرَّكُمْ، كمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا". هذا الحديث سلف في بدء الخلق (٢).
وفيه: الإقدام على قتلها في الحرم؛ لأن ذلك في غار بمنى كما سيأتي في آخر السورة. وذكر بعد فقال: (في غار) من حديث جرير عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله. وساقه أولًا من حديث (عبيد الله بن موسى عن إسرائيل) (٣)، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عنه.
ثم ساق من حديث يحيى بن آدم عن إسرائيل به -وكذا ساقه في بدء الخلق- وعن إسرائيل عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بمثله. وتابعه أسود بن عامر، عن إسرائيل.
وقال: حفص وأبو معاوية وسليمان بن قرم عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود وهكذا ذكره بعد حيث قال: حدثنا عمر بن حفص بن غياث ثنا أبي، ثنا الأعمش به. وأخرجه مسلم من حديث
стр. 14089
يحيى وغيره عن أبي معاوية به (١).
ثم قال البخاري: وقَالَ يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ: ثنا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ. وسلف هناك وكذا متابعة الثلاثة. ثم قال: وقال ابن إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبد الله. وهذا وصله أبو نعيم في "مستخرجه".
وبين أنه محمد بن إسحاق، وما وقع في بعض نسخ البخاري: (وقال: أبو إسحاق) وهَم، وابن إسحاق سمع من عبد الرحمن المذكور كما صرح به ابن معين. ثم ساقه من حديث قتيبة عن جرير، عن الأعمش به.
٣ - باب ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣)﴾ [المرسلات: ٣٣]
٤٩٣٣ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَابِسٍ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿تَرْمِى بِشَرَرٍ﴾ [المرسلات: ٣٢] كُنَّا نَعْمِدُ إِلَى الْخَشَبَةِ ثَلَاثَةَ أَذْرُعٍ وَفَوْقَ ذَلِكَ، فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتَاءِ فَنُسَمِّيهِ الْقَصَرَ. ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَاتٌ صُفْرٌ (٣٣)﴾ [المرسلات: ٣٣] حِبَالُ السُّفْنِ تُجْمَعُ حَتَّى تَكُونَ كَأَوْسَاطِ الرِّجَالِ. [انظر: ٤٩٣٢ - فتح: ٨/ ٦٨٨]
ثم ساق فيه أيضًا عنه: كُنَّا نَعْمِدُ إِلَى الخَشَبَةِ ثَلَاثَةَ أَذْرُعٍ أوَ فَوْقَ ذَلِكَ، فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتَاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصَرَ. ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣)﴾ [المرسلات: ٣٣]: حِبَالُ السُّفْنِ تُجْمَعُ حَتَّى تَكُونَ كَأَوْسَاطِ الرِّجَالِ.
قوله: (فنسمِّيه القصر) ضبط كما قال ابن التين: بفتح الصاد وإسكانها، والقصر هو المبنى في معنى ﴿بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾، وقيل: هو القصر من قصور حفاة الأعراب.
قال الخطابي: وقوله: (فنسميه القصر) هو جمع قصرة أي: كأعناق الإبل (١)؛ ولذلك قرأ ابن عباس (كالقَصَر) بفتح القاف والصاد، الواحدة قصرة، قيل: وهو أصول الشجر، وقيل: أعناق النخل.
قلت: قراءة الجمهور بإسكان الصاد، واحده قصرة وقصر. وقرئ بفتح القاف وكسر الصاد. وقرئ بضمهما وبكسر القاف مع فتح الصاد (٢) وكلها لغات بمعنى.
стр. 14092
وقوله: (ثلاثة أذرع أو أقل) وقال ثانيًا: (أو فوق) روى عبد الرزاق: ذراعين أو ثلاثة وفوق ذلك ودون ذلك (١). وروى سعيد بن منصور عن إبراهيم: أما إني لا أقول كالشجر ولكن كالحصون والمدائن.
وقوله: (كأوساط الرحال) هو بالحاء المهملة (٢).
(٧٨) سورة عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ
قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾ لَا يَخَافُونَهُ. ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾ لَا يُكَلِّمُونَهُ إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿وَهَّاجًا﴾ مُضِيئًا. ﴿عَطَاءً حِسَابًا﴾ جَزَاءً كَافِيًا، أَعْطَانِي مَا أَحْسَبَنِي أَيْ كَفَانِي.
هي مكية، وتسمى سورة النبأ.
(ص) (قال مجاهد: ﴿لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾: لا يخافونه) أخرجه عبد بن حميد عن شبابة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عنه بلفظ: لا يبالون فيصدقون بالبعث (١).
(ص) (﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾: لَا يُكَلِّمُونَهُ إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ) قلت: وقيل: [لا] (٢) شفاعة إلا بإذنه.
(ص) (﴿وَقَالَ صَوَابًا﴾: حقًّا في الدنيا وعمل به) (٣). قلت: وقال أبو صالح: لا إله إلا الله في الدنيا.
(ص) (وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿وَهَّاجًا﴾ مُضِيئًا) أخرجه ابن أبي حاتم عن أبيه، عن أبي صالح، عن معاوية، عن علي، عنه (٤).
(ص) (وقال غيره: ﴿وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: ٢٥]: غَسَقَتْ عَيْنُهُ).
стр. 14095
(﴿عَطَاءً حِسَابًا﴾ جَزَاءً كَافِيًا، أَعْطَانِي مَا أَحْسَبَني أَيْ: كَفَانِي). وغسق الجُرْحُ: سال، وَكَأَنَّ الغَسَاقَ والغسيق وَاحِدٌ. قلت: وهو بالتخفيف والتشديد: ما يسيل من صديد أهل النار وغسالتهم. وقيل: هو ما يسيل من دموعهم. وقرئ: (حَسابًا) بفتح الحاء والتشديد، أي كربًا. وقرأ ابن عباس: (عطاء حسنًا) بالنون.
(٧٩) سورة وَالنَّازِعَاتِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾ عَصَاهُ وَيَدُهُ، يُقَالُ: النَّاخِرَةُ وَالنَّخِرَةُ، سَوَاءٌ مِثْلُ الطَّامِعِ وَالطَّمِعِ وَالْبَاخِلِ وَالْبَخِيلِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: النَّخِرَةُ البَالِيَةُ، وَالنَّاخِرَةُ العَظْمُ المُجَوَّفُ الذِي تَمُرُّ فِيهِ الرِّيحُ فَيَنْخَرُ. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿الْحَافِرَةِ﴾ التِي أَمْرُنَا الأَوَّلُ إِلَى الحَيَاةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ مَتَى مُنْتَهَاهَا، وَمُرْسَى السَّفِينَةِ حَيْثُ تَنْتَهِي.
١ - باب
٤٩٣٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ ﵁ -قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ بِإِصْبَعَيْهِ هَكَذَا بِالْوُسْطَى، وَالَّتِى تَلِى الإِبْهَامَ: «بُعِثْتُ وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ" ﴿الطَّامَّةُ﴾: تَطمُ كل شيء. [٥٣٠١، ٦٥٠٣ - مسلم: ٢٩٥٠ - فتح: ٨/ ٦٩١]
هي مكية ونزلت بعد سورة النبأ وقبل الانفطار، وفي ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾ وما بعده أقوال: الملائكة، الجبل، النجوم، الموت (١).
(ص) (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿الآيَةَ الكُبْرى﴾: عَصَاهُ وَيَدُهُ) أخرجه عبد عن شبابة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عنه (٢).
стр. 14098
(ص) (والنَّاخِرَةُ وَالنَّخِرَةُ، سَوَاءٌ مِثْلُ الطَّامِعِ وَالطَّمِعِ وَالْبَاخِلِ والبخيل) هذا قول الكوفيين، ونقله الثعلبي عن الأَكثرين، قال الفراء: وناخرة أجود، وخالفه ابن جرير لولا تناسب الآي. وقال بعضهم: النخرة البالية، الناخرة العظم المجوف التي تمر فيها الريح فتنخر (١)، أي: تصوت ونخر الشيء بالكسر: بلي وتفتت، ونخر الريح: شدة هبوبها، والنُّخرة كالهُمزة: مقدم الأنف.
(ص) (﴿والطَّامَّةُ﴾: تَطمُّ كل شيء) (٢) وهي القيامة، وهي عند العرب الداهية التي لا تستطاع.
(ص) (وقال ابن عباس: ﴿الْحَافِرَةِ﴾: إلى أمره الأول إلى الحياة) أخرجه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن أبي صالح، حدثني معاوية، عن علي، عنه (٣)، وقال مجاهد: الأرض (٤).
﴿لَمَرْدُودُونَ﴾: خلقًا جديدًا.
(ص) (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ مَتَى مُنْتَهَاهَا، وَمُرْسَى السَّفِينَةِ حَيْثُ تَنْتَهِي) (٥) قلت: وقيل: استقرارها؛ لأن لها شروطًا، وروي عن عائشة ﵂ أنه ﵇ كان يسأل عن الساعة فلما نزلت هذِه الآية انتهى (٦).
стр. 14099
ثم ساق حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ -قَالَ: رَأَيْتُ النبي ﷺ -قَالَ بِإِصْبَعَيْهِ هَكَذَا بِالْوُسْطَى، وَالَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ "بُعِثْتُ وَالسَّاعَةَ كهَاتَيْنِ".
هذا الحديث سلف (١).
وأخرجه في الطلاق والرقاق، ومسلم في الفتن.
وفي رواية: (وضم بين السبابة والوسطى)، وفي رواية: (قرن بينهما) (٢)، وروي بنصب ("الساعة") وضمها، وهذا على العطف والأول على المفعول معه، والعامل بعثت، و"كهاتين" حال، فعلى الأول يقع التشبيه بالضم، وعلى الثاني يحتمل أن يقع التفاوت الذي بين السبابة والوسطى في الطول، يوضحه قول قتادة في رواية: (يفضل إحداهما على الأخرى)، والحاصل: التعريف بسرعة مجيء القيامة.
قال تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾. وذكر السهيلي أن الطبري ذكر الحديث: "وإنما سبقتها بما سبقت هذِه هذِه"، أخرجه من طرق صححها، وأورد معها حديث أبي داود: "لن يعجز الله أن يؤخر هذِه الأمة نصف يوم" (٣) يعني: خمسمائة عام، وهو في معنى ما قبله، يشهد له ويبينه فإن الوسطى تزيد على السبابة بنصف سبع أصبع، كما أن نصف يوم من سبعة نصف سبع؛ لأنه قد روي عن ابن عباس موقوفًا من طرق صحاح أنه قال: الدنيا سبعة أيام كل يوم ألف سنة، وبعث نبينا في آخر يوم منها، وقد مضت منه سنون، أو قال: مئون.
стр. 14100
وصحح الطبري هذا الأصل وعضده بآثار (١).
قال السهيلي: وجدنا في حديث زمل الخزاعي. قلت: صوابه ابن زمل واسمه عبد الله -فيما ذكره العسكري وغيره- وقيل: الضحاك -فيما ذكره الطبراني- وليس خزاعيًّا، وإنما هو جهني، كما قاله الكلبي وغيره - التي قال فيها: رأيتك يا رسول الله على منبر له سبع درجات وإلى جنبك ناقة عجفاء كأنك تمنعها، ففسر له ﵇ الناقة بقيام الساعة التي أنذر بها، وقال في المنبر ودرجاته: "الدنيا" وهي سبعة آلاف بعثت في آخرها ألفًا (٢).
والحديث وإن كان ضعيف الإسناد (٣) ففي موقوف ابن عباس ما يعضده، وإذا قلنا: إنه ﵇ بعث في الألف الأخير بعد ما مضى منه سنون ونظرنا إلى الحروف المقطعة في أوائل السور وجدناها أربعة عشر حرفًا يجمعها: (ألم يسطع نص حق كره) ثم نأخذ العدد بحساب أبي جاد، فنجد هنا تسعمائة وثلاثة ولم يسم آية في أوائل هذِه السور إلا في هذِه الحروف فليس يبعد بأن يكون من بعض مقتضياتها، وبعض فوائدها الإشارة إلى هذا العدد من السنين لما
стр. 14101
قدمناه من حديث الألف السابع، غير أن هذا الحساب يحتمل أن يكون من مبعثه أو من وفاته أو من هجرته (١).
وقد روي أن المتوكل العباسي سأل جعفر بن عبد الواحد القاضي العباسي عما بقي من الدنيا فحدثه بحديث مرفوع: "إن أحسنت أمتي فبقاؤها يوم من أيام الآخرة وذلك ألف سنة، وإن أساءت فنصف يوم" (٢) ففيه تتميم للحديث المتقدم وبيان له (٣).
ونزلت في ابن أم مكتوم كما أسنده الحاكم (١).
(ص) (﴿عَبَسَ﴾: كَلَحَ وَأَعْرَضَ) أي: بوجهه وهو الشارع، وكان يخاطب رجلًا من عظماء المشركين، قيل: هو عتبة بن ربيعة. وقيل: عتبة وشيبة (٢). وقيل: أمية بن خلف (٣). وقيل: أبي بن خلف وكان طامعًا في إسلامه (٤)، فأقبل ابن أم مكتوم ومعه قائده فأشار ﵇ إلى قائده أن كفَّ، فدفعه ابن أم مكتوم، فعند ذلك عبس رسول الله ﷺ في وجهه. قال سفيان: وكان ﵇ بعدُ إذا رآه بسط له رداءه ويقول: "مرحبًا بمن عاتبني فيه ربي" (٥) وأغرب الداودي فقال: الذي عبس للأعمى هو الكافر الذي مع رسول الله ﷺ .
(ص) (﴿مُطَهَّرَةٍ﴾: لَا يَمَسُّهَا إِلَّا المُطَهَّرُونَ وَهُمُ المَلَائِكَةُ، وهذا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ جَعَلَ المَلَائِكَةَ وَالصُّحُفَ مُطَهَّرَةً؛ لأَنَّ الصُّحُفَ يَقَعُ عَلَيْهَا التَّطْهِيرُ، فَجُعِلَ التَّطْهِيرُ لِمَنْ حَمَلَهَا) وعليه جماعة من السلف.
(ص) (﴿سَفَرَةٍ﴾: المَلَائِكَةُ وَاحِدُهُمْ سَافِرٌ، سَفَرْتُ أَصْلَحْتُ بَيْنَهُمْ، وَجُعِلَتِ المَلَائِكَةُ إِذَا نَزَلَتْ بِوَحْي اللهِ وتأديته كَالسَّفِيرِ الذِي يُصْلِحُ بَيْنَ القَوْمِ) قلت: وقال قتادة: سفرة: كتبة (٦) كأنهم يكتبون في السِّفْر
стр. 14104
أعمال العباد، وقاله أبو عبيدة (١)، وسيأتي عن ابن عباس.
(ص) (﴿تَصَدى﴾: تَغَافَلَ عَنْهُ) قلت: الأليق يقبل عليه ويتعرض له. ولم يتقدم من أول السورة عزو لأحد حتى يحَسُنَ قوله هنا: (وقال غيره). فليتأمل.
(ص) (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لَمَّا يَقْضِ﴾: لَا يَقْضِي أَحَدٌ مَا أُمِرَ بِهِ) أخرجه عبد بن حميد عن شبابة بالسند السالف عنه (٢).
(ص) (وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿تَرْهَقُهَا﴾: تَغْشَاهَا شِدَّةٌ) أخرجه ابن أبي حاتم عن أبيه، عن أبي صالح، عن معاوية، عن علي، عنه (٣).
(ص) (﴿مُسْفِرَةٌ﴾: مُشْرِقَةٌ. ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥)﴾ قَالَ ابن عَبَّاسٍ: كَتَبَةٍ. ﴿أَسْفَارًا﴾: كُتُبًا) (٤) يقال: واحد الأسفار سفر، أسنده أيضًا.
قلت: السفر بكسر السين، أي: مسطور كالذبح والرعي للمذبوح والمرعي، وجمع سفير سفراء، وجمع سافر سفرة ككاتب وكتبة والسافر: الرسول؛ لأنه سفر إلى الناس برسالات الله، وقيل: السفرة: الكتبة (٥)، وقيل: الصحابة (٦)، وقيل: القراء (٧).
стр. 14105
(ص) (﴿تَلَهَّى﴾ تَشَاغَلَ) بغيره وتعرض وتغافل عنه.
ثم ساق حديث عَائِشَةَ، ﵂ قَالَ: "مَثَلُ الذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ وَهْوَ حَافِظٌ لَهُ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ البررة، وَمَثَلُ الذِي يقرؤه وَهْوَ معاهده وَهْوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ، فَلَهُ أَجْرَانِ". وأخرجه مسلم والأربعة (١)، ومعنى "مَثَل": صفته؛ كقوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ كأنه قال: صفة الذي يحفظ القرآن كأنه مع السفرة فيما يستحقه من الثواب وفي قراءة القرآن، و"السفرة" سلف أيضًا. و"البررة": المطيعون من البر، هو الظاهر، فيكون للماهر بها في الآخرة منازل يكون فيها رفيقًا للملائكة لاتصافه بصفتهم من حمل كتاب الله. ويجوز أن يكون المراد أنه عامل بعمل السفرة وسالك مسلكهم.
وقوله: "فله أجران" بتعاهده قراءته ومشقته، أي: من حيث التلاوة والمشقة. قال عياض وغيره: وليس معناه أنه يحصل له من الأجر أكثر من الماهر، بل الماهر أفضل وأكثر أجرًا لما سلف، من أنه مع السفرة ولم يذكر خبره، وكيف يلحق به من لم يُعن بالقرآن ولا بحفظه وإتقانه (٢)، وقيل: هو ضعف أجر الذي يقرأ حافظًا؛ لأن الأجر على قدر المشقة.
стр. 14106
(٨١) سورة ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾
﴿انْكَدَرَتْ﴾: انْتَثَرَتْ. وَقَالَ الحَسَنُ: ﴿سُجِّرَتْ﴾: ذَهَبَ مَاؤُهَا فَلَا يَبْقَى قَطْرَةٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: المَسْجُورُ المَمْلُوءُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: سُجِرَتْ أَفْضَى بَعْضُهَا إلى بَعْضٍ، فَصَارَتْ بَحْرًا وَاحِدًا، وَالْخُنَّسُ تَخْنِسُ فِي مُجْرَاهَا تَرْجِعُ، وَتَكْنِسُ: تَسْتَتِرُ، كَمَا تَكْنِسُ الظِّبَاءُ. ﴿تَنَفَّسَ﴾: ارْتَفَعَ النَّهَارُ. وَالظَّنِينُ المُتَّهَمُ وَالضَّنِينُ يَضَنُّ بِهِ. وَقَالَ عُمَرُ ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ يُزَوَّجُ نَظِيرَهُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾. ﴿عَسْعَسَ﴾ أَدْبَرَ.
هي مكية.
(ص) (﴿انْكَدَرَتْ﴾: انْتَثَرَتْ) أي: من السماء فتساقطت على الأرض (١).
(ص) (قَالَ الحَسَنُ: ﴿سُجِّرَتْ﴾: ذَهَبَ مَاؤُهَا فَلَا يَبْقَى منه قَطْرَةٌ) أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج، ثنا إسماعيل بن علية، عن أبي رجاء، عنه (٢).
(ص) (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿الْمَسْجُورِ﴾: المَمْلُوءُ) أخرجه أيضًا عن الحسين بن السكن البصري، ثنا سهل بن بكار، ثنا أبو عوانة، عن جابر، عنه.
стр. 14107
وعن الحسن بن مسلم قال: سجرت أوقدت. وقرأ الحسن وأهل مكة والبصرة بالتخفيف والباقون بالتشديد (١).
ثم قال البخاري: (وَقَالَ غَيْرُهُ سُجِرَتْ أَفْضَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، فَصَارَتْ بَحْرًا وَاحِدًا)
قلت: هو قول مقاتل والضحاك، وحكاه الثعلبي عن مجاهد. وقال الحسن: ذهب ماؤها فلم يبق منها قطرة.
(ص) (الْخُنَّسُ: تَخْنِسُ فِي مُجْرَاهَا تَرْجِعُ وَتَكْنِسُ تَسْتَتِرُ -أي: نهارًا كَمَا تَكْنِسُ الظِّبَاءُ) قلت: وهي الكواكب الخمسة السيارة زحل والمشترى والمريخ والزهرة وعطارد، وقيل: جميع الكواكب تخنس نهارًا وتكنس ليلًا (٢). وقيل: هي بقر الوحش إذا رأت الإنس تخنس وتدخل كناسها (٣).
(ص) (﴿تَنَفَّسَ﴾: ارْتَفَعَ) أي: وامتد، وقيل: أقبل وأضاء وبدا أوله.
(ص) (وَالظَّنِينُ: المُتَّهَمُ، وَالضَّنِينُ: يَضَنُّ بِهِ) (٤) أي: يبخل به، يقال: ضَنِنت بالشيء أَضَنُّ به ضنينًا وضنانة على وزن عملت. قال ابن فارس: ضنَنت أَضِنُّ لغة (٥).
стр. 14108
قلت: وهما قراءتان -أعني: بالظاء والضاد- بمعنيين.
(ص) (وَقَالَ عُمَرُ: ﴿النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ يُزَوَّجُ نَظِيرَهُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ أخرجه عبد بن حميد عن أبي نعيم، ثنا سفيان، عن سماك، عن النعمان بن بشير، عنه (١). وفي لفظ: الفاجر مع الفاجرة والصالح مع الصالحة (٢).
وقال الضحاك: زوجت الأرواح للأجساد. قال عكرمة: أي: ترد إليها (٣). وقال الكلبي: زوج المؤمن الحور العين، والكافر الشيطان (٤).
وقال الربيع بن خثيم: يجيء المرء مع صاحب عمله يزوج الرجل بنظيره من أهل الجنة، وبنظيره من أهل النار (٥).
وقال الحسن: ألحق كل امرئ بشيعته. وقال عكرمة: يحشر الزاني مع الزانية، والمحسن مع المحسنة.
(ص) (﴿عَسْعَسَ﴾: أَدْبَرَ) أخرجه ابن جرير عن ابن عباس. وعن قتادة والضحاك وعلي غيره، وقال مجاهد: إقباله وإدباره (٦). وقال ابن زيد: عسعس: ولَّى وسعسع من ههنا، وأشار إلى المشرق إطلاع الفجر. وقال الحسن: عسعس: أقبل بظلامه. وعنه: إذا غشي الناس (٧). وقيل: دنا من أوله وأظلم.
стр. 14109
(٨٢) سورة الانفطار
وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ: ﴿فُجِّرَتْ﴾ فَاضَتْ. وَقَرَأَ الأَعْمَشُ وَعَاصِمٌ ﴿فَعَدَلَكَ﴾ بِالتَّخْفِيفِ، وَقَرَأَهُ أَهْلُ الحِجَازِ بِالتَّشْدِيدِ، وَأَرَادَ مُعْتَدِلَ الخَلْقِ وَمَنْ خَفَّفَ، يَعْنِي فِي أَيِّ صُورَةٍ شَاءَ، إِمَّا حَسَنٌ وَإِمَّا قَبِيحٌ وَطَوِيلٌ وَقَصِيرٌ.
هي مكية.
(ص) (وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ: ﴿فُجِّرَتْ﴾: فَاضَتْ) (١) أخرجه عبد بن حميد عن أبي نعيم، والمؤمل بن إسماعيل، عن سفيان، عن أبيه عن أبي يعلى عنه به (٢).
(ص) (وَقَرَأَ الأَعْمَشُ وَعَاصِمٌ (فَعَدَلَكَ) بِالتَّخْفِيفِ) أي: صرفك وأحالك.
(وَقَرَأَهُ أَهْلُ الحِجَازِ بالتَّشْدِيدِ أَرَادَ مُعْتَدِلَ الخَلْقِ) أي: لقوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ (٣).
(وَمَنْ خَفَّفَ أراد: فِي أَيِّ صُورَةٍ شَاءَ، إِمَّا حَسَنٌ وإِمَّا قَبِيحٌ أوَ طَوِيلٌ أوَ قَصِيرٌ). قلت: قول ابن أبي حاتم، وقيل: معناه مثل المشدد من قولهم: عدل فلان على فلان في الحكم أي: سوى نصفيه، أي: لم
стр. 14110
يعدل به إلى طريق الجور، وقيل: معنى التشديد جعل خلقك مستقيمًا ليس فيه شيء زائد على شيء، وفي الحديث أنه ﵇ كان إذا نظر إلى الهلال قال: "آمنت بالذي خلقك فسواك فعدَّلك" (١) بتشديد الدال باتفاق الرواة كما قاله ابن النقيب.