← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 14211–14250 · переход к 14216.

стр. 14211

وحد، وأبدلت كامرأة أناة، أصله وناة، من الونا وهو الفتور، ثم ساق حديث أبي هريرة ﵁: "قال الله: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك؛ فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني .. " الحديث وقد سلف.

стр. 14212

[باب قَوْلِهِ] ﴿اللهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ الإخلاص: ٢] وَالْعَرَبُ تُسَمِّي أَشْرَافَهَا الصَّمَدَ. قَالَ أَبُو وَائِلٍ: هُوَ السَّيِّدُ الذِي انْتَهَى سُؤْدَدُهُ. ٤٩٧٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «قَالَ اللهُ: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، أَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ أَنْ يَقُولَ: إِنِّي لَنْ أُعِيدَهُ كَمَا بَدَأْتُهُ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ أَنْ يَقُولَ: اْتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا، وَأَنَا الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُؤًا أَحَدٌ». ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ٣ - ٤]: كُفُؤاً وَكَفِيئاً وَكِفَاءً وَاحِدٌ. [انظر: ٣١٩٣ - فتح: ٨/ ٧٣٩] (ص) (﴿اللهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ وَالْعَرَبُ تُسَمِّي أَشْرَافَهَا الصَّمَدَ. قَالَ أَبُو وَائِلٍ: الصمد السَّيِّدُ الذِي انْتَهَى سُؤْدَدُهُ). أخرج هذا ابن جرير من حديث الأعمش عنه (١)، وفيه قول آخر أنه من لا يطعم، أو من لا جوف له، أو من يقصد إذا صمده إذا قصده. قال ابن خالويه: وأحسن ما قيل فيه أنه الباقي الذي لا يفنى بعد خلقه (٢).

стр. 14213

ثم ساق البخاري حديث أبي هريرة المذكور ثم قال: كُفُؤًا وَكَفِيئًا وَكِفَاءً وَاحِدٌ. قلت: الأول بضم أوله وثانيه، وبسكون الثاني أيضًا، والثاني بالفتح وكسر ثانيه، والثالث بكسر أوله وبالمد، وروي بكسر الكاف وسكون الفاء، ولم يقرأ بالفتح وسكون الفاء، والكفؤ اسم يحل محل المصدر، وقال أبو حاتم: لا أثبت عن أبي عبيدة كفى مقصور، ولكن يقال: امرؤ لا كفاء له ممدود، وقال ابن التين: مأخوذ من كفأت الرجل أي: فعلت نظير ما فعل، ومنه كفأت الماء، وأكفأت في الشعر حرفًا مكان حرف.

стр. 14214

(١١٣) [سورة] ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿غَاسِقٍ﴾: اللَّيْلُ. ﴿إِذَا وَقَبَ﴾: غُرُوبُ الشَّمْسِ، ويُقَالُ: هو أَبْيَنُ مِنْ فَرَقِ وَفَلَقِ الصُّبْحِ. ﴿وَقَبَ﴾ إِذَا دَخَلَ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَأَظْلَمَ. ١ - باب ٤٩٧٦ - حَدَّتنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمٍ وَعَبْدَةَ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ سَألت أُبَي بْنَ كَعْبٍ عَنِ الُمعَوِّذَتَيْنِ فَقَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "قِيلَ لِي فَقُلْتُ:" فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ . [٤٩٧٧ - فتح: ٨/ ٧٤١] ثم ساق عن زر قَالَ: سَأَلْتُ أُبَى بْنَ كَعْبٍ عَنِ المُعَوِّذَتَيْنِ فَقَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فقَالَ: "قِيلَ لِي فَقُلْتُ" فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . وهو من أفراده، وأخرجه النسائي أيضًا (١).

стр. 14215

(١١٤) [سورة] ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ وَيُذْكَرُ عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﴿الْوَسْوَاسِ﴾ إِذَا وُلدَ خَنَسَهُ الشَّيْطَانُ، فَإِذَا ذُكِرَ اللهُ ذَهَبَ، وَإِذَا لَمْ يُذْكَرِ اللهُ ثَبَتَ على قَلْبِهِ. ١ - باب ٤٩٧٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ وَحَدَّثَنَا عَاصِم، عَنْ زِرٍّ قَالَ سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قُلْتُ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ أُبَيٌّ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ لِي: "قِيلَ لِي فَقُلْتُ"، قَالَ: فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . [انظر: ٤٩٧٦ - فتح: ٨/ ٧٤١] ثم ساق حديث زِر: سَأَلْتُ أُبَيٌّ بْنَ كَعْبٍ قُلْتُ: أَبَا المُنْذِرِ، إِنَّ أَخَاكَ ابن مَسْعُودٍ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ أُبَيٌّ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "قِيلَ لِي فَقُلْتُ": فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . الشرح: أُبَيٌّ هو ابن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار، وهاتان السورتان مدنيتان، وبه جزم الثعلبي، وعن قتادة وغيره، مكيتان والصواب الأول، نزلتا في اليهودي لبيد بن الأعصم سحر سيدنا رسول الله ﷺ وجعل سحره في راعوفة بئر ذروان، يعني: الحجر الذي في أسفل البئر إذا نزل الإنسان بفم البئر قام عليه، ويقال: إنه العقد التي عقدها لبيد، وهي إحدى عشرة عقدة في وتر ومشط ومشاطة أعطاها غلام يهودي يخدمه لهم، وصورة من عجين فيها إبر مغروزة، فبعث عليًّا والزبير وعمارًا فاستخرجوه

стр. 14216

وشفاه الله (١)، ويقال: إنه سحره امرأتان من البحرين بحضرته بحائل بينهما وجعلا ينفثان ويعقدان فنزلت الفلق، وفي رواية: لبيد بن عامر بن مالك وأم عبد الله اليهودية، وفي رواية في "الصحيح" قالت عائشة: هلا استخرجته قال: "قد عافاني الله وكرهت أن أثور منه على الناس شرًّا" (٢). وفيه مخالفة لما سبق. وفي رواية: فهلا أحرقته (٣). وظاهره دال على الذي سحر به، كما قاله ابن الجوزي، إلا أنا قد روينا من طريق آخر: قالوا يا رسول الله، أفلا نأخذ الخبيث فنقتله (٤)، وهو دال على أن الإشارة إلى اليهودي الساحر، والظاهر أن هذا للساحر وذاك للسحر، ويجوز أن يكون ذلك منها على وجه الاستفهام فيحتج به إذن على قتل الساحر، وجاء في رواية: أنه لما سحر احجتم على رأسه بقرن -وهو اسم موضع كما قال ابن السيرافي. وقال المهلب: وقع فاستخرجه، ووقع في باب السحر قلت: يا رسول الله، أفلا استخرجته فأمر بها فدفنت. قال: وهو اختلاف من الرواة، ومداره على هشام بن عروة وأصحابه يختلفون في استخراجه، فأثبته سفيان في رواية من طريقين، ووافق سؤال عائشة على النشرة، ونفى الاستخراج عن عيسى بن يونس، ووافق سؤالها النبي ﷺ عن الاستخراج، ولم يذكر أنه جاوب على الاستخراج بشيء، وحقق أبو أسامة ﵇ إذ سألته عائشة ﵂

стр. 14217

عن استخراجه فكان الاعتبار يعطي أن سفيان [أولى] (١) بالقول لتقدمه في الضبط وأن الوهم على أبي أسامة في أنه لم يستخرجه، ويشهد لذلك أنه لم يذكر النشرة وكذلك عيسى بن يونس لم يذكر ﵇ أنه جاوب على استخراجه بلا، وذكر النشرة، والزيادة من سفيان مقبولة؛ لأنه أثبتهم لاسيما فيما حقق من الاستخراج، وفي ذكره النشرة في جواب النبي ﷺ مكان الاستخراج، ويحتمل أن يحكم بالاستخراج لسفيان، ويحكم لأبي أسامة بقوله لا، على أنه استخرج الجف بالمشاقة ولم يستخرج صورة ما في الجف لئلا يراه الناس فيتعلمونه (٢). ثم اعلم أن السحر مرض من الأمراض، وعارض من العلل غير قادح في نبوته، وطاح بذلك طعن الملحدة -قاتلهم الله- وما ورد أنه كان يخيل إليه أثه فعل الشيء وما فعله، فذاك فيما يجوز طروؤه عليه في أمر دنياه دون ما أمر بتبليغه، يؤيده الرواية الأخرى أنه يأتي أزواجه ولا يأتيهن، أو يحمل على خيل لا يعتقد صحته، وقد روي عن المسيب وعروة سحره حتى كاد ينكر بصره (٣)، وعن عطاء الخرساني: حبس عن عائشة سنة، قال عبد الرزاق: وحبس عنها خاصة حتى أنكر بصره (٤)، قلت: وما أسلفناه من رواية ثلاثة أيام أو أربعة هو أصوب، وسنة بعيد.

стр. 14218

فصل: ﴿الْفَلَقِ﴾: الصبح، لأن الليل يفلق عنه، فهو معنى مفلوق، أو كل ما فلقه الله من خلق قال تعالى: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام: ٩٥]، أو وادٍ، أو جب في جهنم، أو هو جهنم، إذا فتح صاح أهل النار من شدة حره، والغاسق: الليل كما ذكره عن مجاهد، وقاله ابن عباس أيضًا وقال الحسن: أول الليل إذا أظلم، وقال محمد بن كعب: هو النهار إذا دخل في الليل، وفي رواية: غروب الشمس إذا وجب، وقال أبو هريرة: الغاسق: كوكب، وعنه مرفوعًا: "النجم"، وقال ابن زيد: العرب تقول: الغاسق سقوط الثريا (١) وفي الصحيح عن عائشة مرفوعًا: "القمر" (٢) وقيل: إذا كسف واسود، ﴿وقب﴾ دخل كما فسره، وقال قتادة: ذهب، واستغربه الطبري (٣). فصل: وما ذكره في ﴿الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ عن ابن عباس هو كذلك لكن قوله: (خنسه الشيطان) الذي في اللغة خنس إذا رجع، و ﴿الْخَنَّاسِ﴾: الرجاع، وقيل: هو الشيطان يوسوس في الصدر، قال قتادة: له خرطوم كخرطوم الكلب في صدر الإنسان فإذا ذكر العبد ربه خنس (٤) أي تأخر، وجاء أن له رأسًا كرأس الحية (٥)، وإذا ترك يطبع في

стр. 14219

القلب يوسوس فيه وقوله: (إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا) يريد لم يدخل المعوذتين في مصحفه، وهو من أفراده لكثرة ما كان يرى الشارع يتعوذ بهما فظن أنهما من الوحي وليسا من القرآن. والصحابة أجمعت عليهما، وأثبتهما في المصحف، وكان أُبَيٌّ ﵁ أدخل سورتي القنوت في مصحفه وهما "اللهم إنا نستعينك" إلى "بالكفار ملحق". وأول السورة الثانية: "اللهم إياك نعبد" (١). آخر كتاب التفسير ولله الحمد والمنة.

стр. 14220

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٦٦ - كتاب فضائل القرآن ١ - باب كيف نُزُولُ الوَحْيِ وَأَوَّلُ مَا نَزَلَ قَالَ ابن عَبَّاس: المُهَيْمِنُ: الأَمِينُ، القُرْآنُ أَمِينٌ عَلَى كُلِّ كِتَابٍ كان قَبْلَهُ. ٤٩٧٨ - ٤٩٧٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃ قَالَا: لَبِثَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرًا. [انظر:٤٤٦٤ - ٣٨٥١ - فتح: ٩/ ٣] ٤٩٨٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: أُنْبِئْتُ أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَعِنْدَهُ أُمُّ سَلَمَةَ فَجَعَلَ يَتَحَدَّثُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأُمِّ سَلَمَةَ: «مَنْ هذا؟». أَوْ كَمَا قَالَ. قَالَت: هَذَا دِحْيَةُ. فَلَمَّا قَامَ قَالَتْ: وَاللهِ مَا حَسِبْتُهُ إِلاَّ إِيَّاهُ، حَتَّى سَمِعْتُ خُطْبَةَ النَّبِيِّ ﷺ يُخْبِرُ خَبَرَ جِبْرِيلَ. أَوْ كَمَا قَالَ. قَالَ أَبِي: قُلْتُ لأَبِي عُثْمَانَ: مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ. [انظر: ٣٦٣٣ - مسلم: ٢٤٥١ - فتح: ٩/ ٣]

стр. 14221

٤٩٨١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلاَّ أُعْطِيَ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيَّ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ». [٧٢٧٤ - مسلم: ١٥٢ - فتح: ٩/ ٣] ٤٩٨٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ اللهَ تَعَالَى تَابَعَ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ قَبْلَ وَفَاتِهِ حَتَّى تَوَفَّاهُ أَكْثَرَ مَا كَانَ الْوَحْيُ، ثُمَّ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدُ. [مسلم: ٣٠١٦ - فتح: ٩/ ٣] ٤٩٨٣ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا يَقُولُ: اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ، مَا أُرَى شَيْطَانَكَ إِلاَّ قَدْ تَرَكَكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ [الضحى: ١ - ٣]. (قَالَ ابن عَبَّاسٍ: المُهَيْمِنُ: الأَمِينُ، القُرْآنُ أَمِينٌ عَلَى كُلِّ كِتَابٍ كان قَبْلَهُ.) أخرجه عبد بن حميد عن سليمان بن داود، عن شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت التميمي عنه، وقيل: إنه الشاهد، وقيل: ( … ) (١) وأصله ( … ) (٢) فأبدلت الهمزة هاء لقرب مخرجيهما (٣)، وهذا الكتاب ذكره ابن بطال في "شرحه" في أواخره بعد الرقاق وقبل التمني فاعلمه (٤).

стр. 14222

ثم ذكر في الباب خمسة أحاديث: أحدها: حديث أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃ قَالَا: لَبِثَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ، وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرًا. وقد سلف قبيل التفسير (١). ثانيها: حديث أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: أُنْبِئْتُ أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَعِنْدَهُ أُمُّ سَلَمَةَ فَجَعَلَ يَتَحَدَّثُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأُمِّ سَلَمَةَ: "مَنْ هذا؟ ". أَوْ كَمَا قَالَ. قَالَتْ: هذا دِحْيَةُ. فَلَمَّا قَامَ [قَالَتْ] (٢): والله مَا حَسِبْتُهُ إِلَّا إِيَّاهُ، حتَّى سَمِعْتُ خُطْبَةَ النَّبِيِّ ﷺ يُخْبِرُ خَبَرَ جِبْرِيلَ. أَوْ كَمَا قَالَ. قَالَ أَبِي: قُلْتُ لأَبِي عُثْمَانَ: مِمَّنْ سَمِعْتَ هذا؟ قَالَ: مِنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ. وأخرجه مسلم أيضًا (٣)، وذكره أبو مسعود وخلف في مسند أسامة، ويصلح كما قال الحميدي أن يكون في مسند أم سلمة، ومنهم من ذكره (٤). وقوله: (قال أبي) أبوه سليمان بن طرخان، والقائل هو المعتمر، وأبو عثمان هو النهدي. وقد أسلفنا في باب وفاته ﵇ وغيره أن إسرافيل وكِّل به ثلاث سنين يأتيه بالكلمة ونحوها، ووقع لابن التين ميكائيل بدله، والمشهور أن جبريل أبدأه بالوحي، وقوله لأم سلمة: "من هذا؟ " قال الداودي: إنما يكون ذلك بعد أن ذهب جبريل، وظاهر الحديث خلافه.

стр. 14223

وفيه: فضل أم سلمة وفضل دحية لاختصاص جبريل بالتمثيل بصورته. وفيه: الحكم بالقافة. وقوله: (بخبر جبريل) هو بباء موحدة مكسورة ثم خاء معجمة مفتوحة ثم موحدة مفتوحة، وصوبه النووي (١)، وعند مسلم: (يخبر) بمثناه في أوله ثم خاء معجمة ثم باء (٢)، وهو في بعض نسخ البخاري. ثالثها: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيّ إِلَّا أُعْطِيَ مَا مِثْلُهُ آمنَ عَلَيْهِ البَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الذِي أُوتيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللهُ إِلِيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ القِيَامَةِ". الشرح: يأتي في الاعتصام بالسنة أيضًا (٣)، وأخرجه مسلم والنسائي أيضًا (٤). يريد أن الأنبياء أعطوا الآيات: أعطي صالح الناقة، وموسى العصا، وعيسى إحياء الموتى، ولم يؤت هو عن سؤال فيكون تحديًا، وإنما أراهم الآيات الكثيرة من نفسه، وأوتي القرآن وهو المعجرة، يبينه قوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١] وقوله: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩].

стр. 14224

قوله: ("آمن") بالمد وفتح الميم، قال صاحب "المطالع" ويروى: (أومن) بهمزة مضمومة ثم واو، قال ابن دحية: وكذا قيدناه في رواية الكشميهني والمستملي، وقيده بعضهم (ايتمن) حكاه صاحب "المطالع"، وقيده بعضهم: (إيمن) بهمزة مكسورة بعدها ياء وميم مضمومة، حكاه ابن دحية، وكله راجع إلى معنى الإيمان، وعن القابسي: (أمن) من الأمان بالقصر مع كسر الميم، وليس موضعه، وإنما معناه أن الله أيد كل نبي بعثه من الآيات -يعني: المعجزات- بما يصدق دعواه كما سلف، وقيل: إن كل نبي أعطي من المعجزات ما كان مثله لمن كان قبله من الأنبياء فآمن به البشر، وأما معجزتي العظمى الظاهرة فهي القرآن الذي لم يعط أحد مثله؛ فلهذا أنا أكثرهم تابعًا. وقيل: معناه أن الذي أوتيت لا يتطرق إليه تخيل بسحر وشبهه، بخلاف معجزة موسى، فإنه قد يخيل الساحر بشيء ما يقارب صورة، كما خيلت السحرة في صورة عصا موسى. وقيل: إن معناه: أن معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم ولم يشاهدها إلا من حضر، ومعجزة نبينا القرآن المستمر إلى يوم القيامة مع خرقه العادة في أسلوبه وبلاغته وإخباره بالمغيبات وعجز الإنس والجن عن أن يأتوا بسورة مثله مجتمعين أو متفرقين في جميع الأعصار مع اعتنائهم بمعارضته فلم يقدروا وهم أفصح القرون مع غير ذلك من وجوه الإعجاز. وقال ابن الجوزي: الإشارة بالآيات الحسيات كناقة صالح وعصا موسى وإحياء الموتى، فهذِه معجزة ترى بالحس، ومعجزة نبينا الكبرى هي القرآن، فهي تشاهد بعين العقل، وقد كان في جمهور الأمم السالفة بَلَادَةٌ حتى قال قائلهم: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة،

стр. 14225

والبليد لا يصلح إلا بآيات الحس، والذين بعث إليهم نبينا ﷺ كانوا أرباب ذكاء وفطنة، وكفاهم القرآن معجزة، غير أن القضاء قضى على قوم من أذكيائهم بالشقاء مع وجود الفهم، كما قال عمرو بن العاصي: تلك عقول كادها بارئها لكبرهم، تكبرهم عن ذلك الاتباع، وعادوا على أسلافهم من تخطيئهم في عبادة الأصنام، وحسدوا الشارع لما ميز عنهم ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦] على أنه لم يكن للأنبياء معجزة إلا ولنبينا عليه وعليهم أفضل الصلاة السلام من جنسها، فإن الرعب الذي أيد به كان يوقع في قلوب أعدائه (١) ما لم توقعه عصى موسى في قلوب أعدائه. قلت: وكذا تسخير الريح لسليمان فإن عدوه كان على مسيرة شهر يخاف غدوه عليه أو رواحه، ورعب نبينا كان العدو يخافه من مسيرة شهر مع علمه أنه لا يغدو عليه في يومه ولا يروح، وقد روي: "شهر أمامي وشهر خلفي" (٢) فهذِه زيادة، ونبع الماء من بين أصابعه (٣)، أعظم من تفجره من حجر؛ إذ الأحجار من عاداتها تفجرها بالماء، ولم تخبر عادة بجريان الماء من بين لحم وعظم، وخطاب الذراع له أعظم من تكليم الموتى لعيسى.

стр. 14226

وقوله: ("فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا") فيه علم من أعلام النبوة فإنه أخبر بهذا في زمن قلة المسلمين، فانتهى الأمر إلى ما ترى من الكثرة. الحديث الرابع: حديث أنس بن مالك ﵁ أَنَّ الله تَعَالَى تَابَعَ الوَحْيَ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ قَبْلَ وَفَاتِهِ حَتَّى تَوَفَّاهُ أَكْثَرَ مَا كَانَ الوَحْيُ، ثُمَّ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدُ. أخرجه مسلم والنسائي أيضًا (١). قلت: سببه تكميل البلاع. الحديث الخامس: حديث جندب سلف في تفسير الضحى (٢)، وفي قيام الليل من الصلاة (٣). وحاصل الأحاديث التي ذكرها ما ترجم له وهو إثبات نزول الوحي وبعضها في كيفيته، وأن جبريل نزل عليه به، ومصداق ذلك قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣)﴾ [الشعراء: ١٩٣]، وهو جبريل، لكن أنزل جملة ثم نجم في عشرين (٤) سنة كما قاله ابن عباس وغيره كما أسنده أبو عبيد وغيره. وقول البخاري: (وأول ما نزل) قد سلف أنه ﴿اقْرَأْ﴾ على الصواب. زاد مجاهد ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾، وأما آخره نزولا فقد سلف الكلام فيه؛ قال عثمان: من آخره براءة، وقال البراء: آية الكلالة، وقال عطاء وابن شهاب: آية الربا وآية الدين، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ [البقرة: ٢٨١].

стр. 14227

٢ - باب نَزَلَ القُرْآنُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ وَالْعَرَبِ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢] ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٥]. ٤٩٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: وَأَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: فَأَمَرَ عُثْمَانُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنْ يَنْسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ، وَقَالَ لَهُمْ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي عَرَبِيَّةٍ مِنْ عَرَبِيَّةِ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهَا بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ بِلِسَانِهِمْ فَفَعَلُوا. [انظر: ٣٥٠٦ - فتح: ٩/ ٨] ٤٩٨٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا عَطَاءٌ. وَقَالَ مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، أَنَّ يَعْلَى كَانَ يَقُولُ: لَيْتَنِي أَرَى رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ. فَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْجِعْرَانَةِ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ قَدْ أَظَلَّ عَلَيْهِ وَمَعَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ فِي جُبَّةٍ بَعْدَ مَا تَضَمَّخَ بِطِيبٍ؟ فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ سَاعَةً، فَجَاءَهُ الْوَحْيُ، فَأَشَارَ عُمَرُ إِلَى يَعْلَى أَنْ تَعَالَ، فَجَاءَ يَعْلَى فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ، فَإِذَا هُوَ مُحْمَرُّ الْوَجْهِ يَغِطُّ كَذَلِكَ سَاعَةً، ثُمَّ سُرِّىَ عَنْهُ فَقَالَ: «أَيْنَ الَّذِي يَسْأَلُنِي عَنِ الْعُمْرَةِ آنِفًا؟». فَالْتُمِسَ الرَّجُلُ فَجِيءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا، ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ». [انظر: ١٥٣٦ - مسلم: ١١٨٠ - فتح: ٩/ ٩] ساق فيه حديث الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: فَأَمَرَ عُثْمَانُ بْنُ عفَّانَ زيدَ بْنَ ثَابِتٍ … الحديث في نسخ المصحف، إلى أن قال: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِت فِي عَرَبِيَّةٍ مِنْ عَرَبِيَّةِ القُرْآنِ فَاكْتُبُوهَا بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ بِلِسَانِهِمْ. فَفَعَلُوا.

стр. 14228

هو مطابق لما ترجم له، وذكر عن ابن شهاب أنه قال: اختلفوا يومئذ في التابوت فقال: (التابوه). وقال ابن الزبير: التابوت ومن معه فترافعوا إلى عثمان؛ فقال: اكتبوه (التابوت) بلغة قريش، سيأتي عقب هذا الباب، وأخرجه في فضائل قريش أيضًا (١)، وروى ابن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، عن ابن عون، عن محمد: أن عليا ﵁ أول من جمع القرآن في أول ما توفي رسول الله ﷺ (٢). ودل قول عثمان: (إذا اختلفتم … ) إلى آخره، على تشريف قريش على سائر الناس وتخصيصهم بالفضيلة الباقية إلى الأبد حين اختار الله إيثار وحيه الهادي من الضلالة بلغتهم وتقييده بلسانهم وحسبك شرفًا. قال أبو بكر بن الطيب: ومعنى نزوله بلسانهم: معظمه وأكثره؛ لأن في القرآن همزًا كثيرًا وقريش لا تهمز، وفيه كلمات على خلاف لغة قريش، وقد قال تعالى ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢] ولم يقل قرشيًّا، وليس لأحد أن يقول: أراد قريشًا دون غيرها؛ لأنه تحكم. وقال سعيد بن المسيب: نزل القرآن بلغة هذا الحي من لدن هوازن وثقيف إلى ضرية، وقال ابن عباس: نزل بلسان قريش ولسان خزاعة؛ لأن الدار كانت واحدة. قال ﵇: "أنا أفصحكم لأني من قريش ونشأت في بني سعد بن بكر" (٣) فلا يجب لذلك أن يكون القرآن منزلًا بلغة

стр. 14229

سعد بن بكر لا يمنع أن ينزل بلغة أفصح العرب ومن دونها في الفصاحة إذا كانت فصاحتهم غير متقاربة، وقد جاءت الروايات أنه ﵇ كان يقرأ بلغة قريش ويقر لغتها كما أخرجه ابن أبي شيبة عن الفضل بن أبي خالد قال: سمعت أبا العالية يقول: قرأ القرآن على رسول الله ﷺ خمسة رجال فاختلفوا في اللغة فرضي قراءتهم كلهم، وكانت بنو تميم أعرب القوم (١). فهذا يدل أنه كان يقرأ بلغة تميم وخزاعة وأهل لغات مختلفة قد أقر جميعها ورضيها. الحديث الثاني: حديث في الجبة، وقد سلف في الحج (٢) وغزوة الطائف (٣)، وأخرجه أيضا مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي (٤). وَوُجِّهَ أن القرآن والسنة كلاهما بوحي واحد ولسان واحد كما نبه عليه بن المنير (٥). وذكره ابن بطال قبله، وأنه ﵇ لم يخاطب من الوحي كله إلا بلسان العرب، وبه تكلم ﵇ إلى السائل عن الطيب للمحرم، ويبين هذا قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ فهذا حكم من الله

стр. 14230

لكل أمة بعث إليها رسولًا ليببين لهم ما أنزل إليهم من ربهم، فإن عزب معناه على بعض من سمعه بينه الرسول له بما يفهمه المبين له (١). وطلبوا مصحف عبد الله بن مسعود أن يحرقوه كما فعلوا بغيره فامتنع، أخرجه الترمذي مطولًا (٢)، ومسألة المعتبة في الإحراق إنما هي فيما التبس من كلام الخصوم كما أوضحه ابن رشد، وذكر الترمذي الحكيم في "ختم الأولياء" أنه ﵇ روي عنه أنه قال: "إن الله تعالى لم ينزل وحيا قط إلا بالعربية" (٣)، ويترجم جبريل لكل رسول بلسان قومه، والرسول صاحب الوحي يترجم بلسان أولئك، فإنما الوحي باللسان العربي. وفيه الرغبة في رؤية كيفية تلقيه ﵇ الوحي ليزداد يقينًا، فإنه لا ينطق عن الهوى.

стр. 14231

٣ - باب جَمْعِ القُرْآنِ ٤٩٨٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ﵁ -قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عِنْدَه، قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ، فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ. قُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟! قَالَ عُمَرُ: هَذَا وَاللهِ خَيْرٌ. فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللهُ صَدْرِي لِذَلِكَ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ. قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْر: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ فَوَاللهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ. قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟! قَالَ: هُوَ وَاللهِ خَيْرٌ. فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللهُ صَدْرِي لِلَّذِى شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الْعُسُبِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ، حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرَهُ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ، فَكَانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ ﵁. [انظر: ٢٨٠٧ - فتح: ٩/ ١٠] ٤٩٨٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ، وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّأْمِ فِي فَتْحِ إِرْمِينِيَةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ اخْتِلَافَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ أَنْ أَرْسِلِى إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ، فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ، فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَعَبْدَ

стр. 14232

اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ، وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ. فَفَعَلُوا، حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا، وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ. [انظر: ٣٥٠٦ - فتح: ٩/ ١١] ٤٩٨٨ - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، سَمِعَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: فَقَدْتُ آيَةً مِنَ الأَحْزَابِ حِينَ نَسَخْنَا الْمُصْحَفَ قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا، فَالْتَمَسْنَاهَا فَوَجَدْنَاهَا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] فَأَلْحَقْنَاهَا فِي سُورَتِهَا فِي الْمُصْحَفِ. [انظر: ٢٨٠٧ - فتح: ٩/ ١١] ذكر فيه حديثين: أحدهما: حديث عبيد بن السباق السالف في آخر تفسير سورة براءة (١). ثانيهما: حديث ابن شِهَاب، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمَانِ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ، وَكًانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّاْمِ فِي فَتْحِ إِرْمِينِيَةَ وَأَذْرَبيجَانَ مَعَ أَهْلِ العِرَاقِ. فذكر الحديث في نسخ المصاحف؛ وقال في آخره: قَالَ ابن شِهَاب: وَأَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: سَمِعتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: فَقَدْتُ آيَةً مِنَ الأَحْزَابِ .. فَالْتَمَسْنَاهَا فَوَجَدْنَاهَا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] فَأَلْحَقْنَاهَا فِي سُورَتِهَا فِي المُصْحَفِ. معنى (يغازي: يغزو) (٢)، وإرمينية: بكسر أوله، وفتحه ابن

стр. 14233

السمعاني (١)، وتخفف ياؤها وتشدد كما قاله ياقوت (٢)، وقال صاحبا "المطالع" (٣): بالتخفيف لا غير. وقال أبو عبيد: بلد معروف سميت بكون الأرمن فيها، وهي أمة كالروم، وقيل: سميت بأرمون بن لمطي بن يومن بن يافث بن نوح (٤). قال أبو الفرج: ومن ضم الهمزة غلط؛ قال: وبكسرها قرأته عَلَى أبي منصور اللغوي؛ وقال: هو اسم أعجمي، وأقيمت -كما قال الرشاطي- سنة أربع وعشرين في خلافة عثمان على يد سلميان بن ربيعة الباهلي. قال: وأهلها بنو الرومي بن إرم بن سام بن نوح. وأذربيجان -بفتح أوله بالقصر والمد وبفتح الباء وكسرها وكسر الهمزة أيضًا، حكاه ابن مكي في "تنقيبه"- بلد بالجبال من بلاد العراق يلي كور إرمينينة من جهة المغرب. وقال أبو إسحاق البحيري: الفصيح ذربيجان. وقال الجواليقي: الهمزة في أولها أصلية، لأن أذر مضموم إليه الآخر. وقوله: (وقال ابن شهاب .. ) إلى آخره. رواه البخاري في الأحكام عن موسى بن إسماعيل، عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري، به. هذا إذا

стр. 14234

لم يكن البخاري عطفه على السند الذي قبله (١). فصل: إن قلت: ما وجه نفور الصديق وزيد بن ثابت مع فضلهما عن جمع القرآن. قلت: بينه ابن الباقلاني بقوله: لم نجد الشارع قد بلغ في جمعه إلى الحد من الاحتياط من تجليده وجمعه بين لوحين وكرها أن يجمعاه جزعًا أن يحلا أنفسهما محل [من] (٢) يجاوز احتياطه للدين احتياط رسول الله ﷺ ، فلما (نبههما) (٣) عمر وقال: هو والله خير، وخوفهما من تغير حال القرآن في المستقبل لقلة حفظته ومصيره إلى حالة الخفاء بعد الاستفاضة والظهور علما صواب ما أشار به وأنه خير، وأن فعل رسول الله ﷺ ليس على الوجوب ولا تركه لما تركه على الوجوب، إلا أن يكون قد بيَّن أن مثل فعله لما فعله أوتركه لمثل ما تركه لازم لنا واجب علينا، فلما علمنا أنه لم يحظر جمعه ولا منع منه بسنة ولا بنص ولا هو مما يفسده العقل ويحيله ولا يقتضي فساد شيء من الدين ولا مخالفته، وأما صواب ما أشار به عمر وأسرعا إليه كما فعل عمر وسائر الصحابة في رجوعهم إلى رأي الصديق في قتاله أهل الردة واستَصْوَبُوه، وقد يشمئز الإنسان أحيانًا من فعل المباح المطلق؛ لفرط احتياط ثم يتبين له بعدُ خلافهُ، كرجل قيل له: قد سقط عنه فرض الجهاد والصيام والصلاة قائمًا؛ لزَمَانَةٍ وعَجْز، فأنكر مفارقة العادة عند أول وهلة، فلما تأمل ذلك علم جوازه.

стр. 14235

فصل: يأتي في الأحكام فيما يستحب للكاتب أن يكون أمينًا عاقلًا زيادة بيان في تصويب جمع الصديق للقرآن وأنه أعظم فضائله. فصل: فإن قلت: فما وجه حمل عثمان الناس على مصحفه وقد سبقه الصديق إلى ذلك؟ قلت: سلف في آخر سورة التوبة وجهه (١). فصل: قد أسلفنا آخر سورة التوبة إلجمع بين الروايتين آخر سورة [التوبة] (٢) وآية الأحزاب، وجمع المهلب بأن آية التوبة وجدت مع أبي خزيمة وهو معروف من الأنصار وقد عرفه أنس وقال: نحن ورثناه، والتي في الأحزاب ليست صفة رسول الله ووجدت مع خزيمة بن ثابت وهو غير أبي خزيمة، فلا تعارض، والقصة غير القصة، وآية الأحزاب سمعها زيد وخزيمة من رسول الله ﷺ فهما شاهدان على سماعها منه. وإنما أثبت التي في التوبة بشهادة أبي خزيمة وحده لقيام الدليل على صحتها في صفته ﵇، فهي قرينة تغني عن طلب شاهد آخر. فصل: قال ابن بطال: في أمر عثمان بتحريق الصحف والمصاحف حين جمع القرآن جواز تحريق الكتب التي فيها أسماء الله تعالى، وأن ذلك إكرام لها وصيانة عن الوطء بالأقدام وطرحها في ضياع من الأرض، وروى معمر، عن (طاوس) (٣)، عن أبيه أنه كان يحرق الصحف إذا

стр. 14236

اجتمعت عنده الرسائل فيها: بسم الله الرحمن الرحيم. وحرق عروة ابن الزبير كتب فقه كانت عنده يوم الحرة، وكره إبراهيم أن تحرق الصحف إذا كان فيها ذكر الله، وقول من حرقها أولى بالصواب كما قاله ابن بطال (١). وقال أبو بكر بن الطيب: جائز للإمام تحريق الصحف التي فيها القرآن إذا أداه الاجتهاد إلى ذلك. وأكثر الرواة تقوله هنا بالخاء المعجمة، ورواه المروزي بالحاء المهملة، وروي عن الأصيلي الوجهان. قال ابن عطية: ورواية المهملة أحسن، ومن خرقها دفنها بعد، وهذا حكمُهُ في ذلك الزمن، أما الآن قيل: الغسل أولى إذا دعت الحاجة إلى إزالته، وما فعله عثمان ﵁؛ فلاختلاط الشاذ بالمتواتر وخشية التحريف أيضًا أو الإحراق لإذهاب عينه رأسًا. قال عياض: قد أحرق عثمان والصحابة المصاحف بعد أن غسلوا منها بالماء ما قدروا عليه (٢). قال النووي: وكان ذلك صيانة لمصحف عثمان (٣)، ونقل القرطبي عن الترمذي الحكيم أن من حرمة القرآن ألا نتخذ الصحيفة إذا بليت ودرست وقاية للكتب، فإن ذلك جفاء عظيم ولكن يمحى بالماء (٤)، وقد قال الحسن البصري: لا يحرق مصحف الغال، وكان بعض السلف يستشفى بغُسالته.

стр. 14237

٤ - باب ذِكْر كَاتِبِ النَّبِيِّ ﷺ - ٤٩٨٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ ابْنَ السَّبَّاقِ قَالَ: إِنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ ﵁ -قَالَ: إِنَّكَ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَاتَّبِعِ الْقُرْآنَ. فَتَتَبَّعْتُ حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ آيَتَيْنِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهُمَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرَهُ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] إِلَى آخِرِهِ. [انظر: ٢٨٠٧ - فتح: ٩/ ٢٢] ٤٩٩٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ لَا يَسْتَوِى الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «ادْعُ لِي زَيْدًا وَلْيَجِئْ بِاللَّوْحِ وَالدَّوَاةِ وَالْكَتِفِ" أَوِ "الْكَتِفِ وَالدَّوَاةِ"- ثُمَّ قَالَ: «اكْتُبْ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ [النساء: ٩٥] " وَخَلْفَ ظَهْرِ النَّبِيِّ ﷺ عَمْرُو بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الأَعْمَى قَالَ: يَا رَسُولَ الله، فَمَا تَأْمُرُنِي؟ فَإِنِّي رَجُلٌ ضَرِيرُ البَصَرِ. فَنَزَلَتْ مَكَانَهَا ﴿لَا يَسْتَوِى الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] فِي سَبِيلِ اللهِ: ﴿غَيْرُ أُولِى الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]. [انظر: ٢٨٣١ - مسلم: ١٨٩٨ - فتح: ٩/ ٢٢] ذكر فيه قطعة من الحديث قبله عن الزهري أَنَّ ابن السَّبَّاقِ قَالَ: إِنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: إِنَّكَ كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ .. الحديث. وحديث البَرَاءِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾. وقد سلف في سورة النساء (١)، قال مالك: نزل جبريل بقوله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ قبل أن يجف القلم فأُلحق بما في القلم، وذلك مسيرة ألف سنة في هبوطه وعروجه. وفيه: -كما قال أبو بكر بن الطيب- أنه ﵇ سن جمع القرآن وكتابته وأمر بذلك وأملاه على كتبته، وأن الصديق والفاروق

стр. 14238

وزيد بن ثابت وجماعة الأئمة أصابوا في جمعه وتحصينه وإحرازه، وجروا في كتابته على سنن الرسول وسنته، وأنهم لم يثبتوا منه شيئا غير معروف وما لم تقم الحجة به (١). وفيه -كما قال المهلب- أن السنة للخليفة والإمام أن يتخذ كاتبًا يقيد له ما يحتاج إلى النظر فيه من أمور الرعية، ويعينه على تنفيذ أحكام الشريعة؛ لأن الخليفة يلزمه من الفكرة والنظر في أمور من استرعاه الله أمرهم ما يشغله عن الكتاب وشبهه من أنواع المهن، ألا ترى قول الفاروق: لولا الخلافة (٢) لأذنت. يريد أن الخلافة حال شغل بأمور المسلمين عن الأذان وغيره؛ لأن هذا فيه من يقوم مقامه وينوب عنه دون الإمامة، وقد احتج بقوله: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ [النساء: ٩٥] إلى آخره من قال: إن الغنى أفضل من الفقر، وقال: ألا ترى قوله: ﴿فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ﴾ الآية. إلى قوله: ﴿الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥] بفضيلة الجهاد وبذل المال في إعلاء كلمة الله درجة لا يبلغها الفقراء أبدًا. وقوله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ يدل أن أهل الأعذار لا حرج عليهم فيما لا سبيل لهم إلى فعله من الفرائض اللازمة للأصحاء القادرين. وفيه حجة لمن قال: لا يجوز تكليف ما لا يطاق، وهو قول جمهور الفقهاء (٣).

стр. 14239

٥ - باب أُنْزِلَ القُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ٤٩٩١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ -قَالَ: «أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ فَرَاجَعْتُهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ وَيَزِيدُنِي حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ». [انظر: ٣٢١٩ - مسلم: ٨١٩ - فتح: ٩/ ٢٣] ٤٩٩٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْر، أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدٍ الْقَارِيَّ حَدَّثَاهُ أَنَّهُمَا سَمِعَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ، فَلَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ فَقُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ؟ قَالَ: أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَقُلْتُ: كَذَبْتَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أَقْرَأَنِيهَا عَلَى غَيْرِ مَا قَرَأْتَ، فَانْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ بِسُورَةِ الْفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَرْسِلْهُ اقْرَأْ يَا هِشَامُ». فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ». فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ». ثُمَّ قَالَ: «اقْرَأْ يَا عُمَرُ». فَقَرَأْتُ الْقِرَاءَةَ الَّتِي أَقْرَأَنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ». [انظر: ٢٤١٩ - مسلم: ٨١٨ - فتح: ٩/ ٢٣] ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّه ﷺ -قَالَ: "أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ فَرَاجَعْتُهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ وَيَزِيدُنِي حَتَّى انْتَهَى إِلى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ". وسلف في بدء الخلق (١)، وأخرجه مسلم أيضًا (٢).

стр. 14240

وحديث عمر مع هشام السالف في الخصومات (١)، وقال هنا: (كِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ) أي: أنكب عليه، ومنه قوله تعالى ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١]. وفيه: انقياد هشام لعمر، وكانا من أصلب الناس، كان عمر إذا كره شيئًا يقول: لا يكون هذا ما بقيت أنا وهشام بن حكيم. وقد سلف اختلاف العلماء في المراد بالأحرف السبعة، وقيل: سبة معان مختلفة كالأحكام والأمثال والقصص إلى غير ذلك. وهو خطأ؛ لأنه أشار في الحديث إلى جواز القراءة بكل حروفها، وقد قام الإجماع أنه لا يحل إبدال آية أمثال بآية أحكام قال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس: ١٥] وقال ابن شهاب: بلغني أنه في الأمر الواحد، فلا يختلف في حلال ولا حرام. وإليه ذهب ابن مسعود أنه يجعل مكان الكلمة كلمة بمعناها، وروى ذلك عن مالكٍ ابن وهب قال: أقرأ ابن مسعود رجلًا ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤)﴾ فجعل الرجل يقول: اليتيم؛ فقال له ابن مسعود: طعام الفاجر؛ فقلت لمالك: أترى أن يقرأ كذلك؟ قال: نعم، أرى ذلك واسعًا. والذي في "المدونة" أنه منع من أن يأتم بمن يقرأ بقراءة ابن مسعود، وقال: يخرج ويدعه (٢). فصل: هذا الحديث له طرق أخرُ، منها: روى مسلم من حديث أبي بن كعب أنه ﵇ كان عند أضاة بني غفار فأتاه جبريل فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك على حرف. فقال: "أسأل الله معافاته ومغفرته إن أمتي لا تطيق

стр. 14241

ذلك" ثم أتاه ثانيًا فذكر نحو هذا حتى بلغ سبعة، قال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك على سبعة أحرف، فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا (١). وفي كتاب أبي عمرو الداني، و"صحيح الحاكم"، وابن حبان من حديث أبي سلمة عن ابن مسعود مرفوعًا: "كان الكتاب أنزل من باب واحد على وجه واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف: زاجر وآمر وحلال وحرام [ومحكم] (٢) ومتشابه وأمثال" قال الحاكم: صحيح (٣). وأخرجه النسائي -موقوفًا مختصرًا (٤) -، وابن الضريس (٥) -مرفوعًا-: "نزل القرآن على سبعة أحرف" (٦). وأخرجه عباد بن يعقوب في "فضائل القرآن" مرفوعًا بزيادة: "لكل آية منه ظهر وبطن". وروى أبو الوليد الطيالسي، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه مرفوعًا: "أنزل القرآن على سبعة

стр. 14242

أحرف " وفي رواية: "إن جبريل قال: يا محمد، اقرأ القرآن على حرف، فقال ميكائيل: استزده؛ فاستزاده حتى بلغ سبعة أحرف وكلٍّ شاف كاف ما لم يختم آيه رحمة بآية عذاب وآية عذاب بآية رحمة أقبل هلم تعال ادن أسرع أعجل" (١) وعن عبادة بن الصامت مرفوعًا: "استزدت جبريل حتى بلغ سبعة أحرف" (٢) وعن عبيد الله بن أبي يزيد، عن أبيه قال: حدثثي أيوب أنه ﵇ قال: "ونزل القرآن على سبعة أحرف" (٣)، وعن قتادة، عن الحسن، عن سمرة مرفوعًا: "أنزل القرآن على ثلاثة أحرف" وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا (٤)، وله في كتاب "الثواب" عن أبي ميسرة: ثزل القرآن لكل إنسان. والبزار عن عمر مرفوعًا: "أنزل القرآن على سبعة أحرف" ثم قال: هذا الحديث إسناده حسن، ولا نعلمه يروى عن عمر إلا من هذا الوجه. وهذا الكلام قد روي عن أبي وحذيفة وأبي هريرة وغيرهم، وذكرناه عن عمر لجلالة عمر وحسن إسناده (٥). فصل: اختلف في معنى قوله: "سبعة أحرف" فالأكثرون -كما قال المنذري- أنه حصر للعدد وقيل: توسعة وتسهيل لم يقصد به الحصر.

стр. 14243

ثم اختلفوا في تعيينها على ما سلف، ومنهم من جعلها في صورة التلاوة، ومنهم من جعلها في الألفاظ والحروف، وذكر ابن حبان البُسْتي فيها خمسة وثلاثين قولًا غير أن غالبها فيه تداخل، وجائز أن يكون منها لقريش وكنانة وأسد وهزيل وتميم وضبة وقيس، فهذِه قبائل مضر. وقال ابن الجوزي: يستوعب سبع لغات على هذِه المراتب، وقد جاء في حديث ابن عباس: أنزل القرآن على لغة الكعبين: كعب قريش وكعب خزاعة؛ لأن الدار واحدة (١). وقد أسلفنا هناك عن أكثر العلماء أنها سبعة أوجه من المعاني المتفقة المتقاربة، ونقله القرطبي أيضًا عن الأكثرين (٢)، وهو قول الطحاوي (٣)، ويمكن أن يقال: أنه ﵇ سمعها من جبريل في عرضات سبع أو في واحدة وأوقفه على المواضع المختلف فيها، ثم لا يشترط أن يكون اختلاف هذِه اللغات السبع في كيفيات الكلمات من الإظهار والإدغام والمد والقصر والإمالة والفتح وبين بين وتخفيفه بالحذف والنقل وبين بين والإسكان والرَّوم والإشمام عند الوقف على أواخر الكلم، والسكوت على اللسان قبل الهمز وما أشبهه واختلاف الإعراب فقط، بل يحوز أن يكون في هذِه كلها وفي ألفاظ مترادفة على معنى واحد، كما قرئ ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الجمعة: ٩] (فامضوا) (٤) وهذا يدل -كما قال

стр. 14244

أبو عبد الله القرطبي- على أن السبعة التي أشير إليها في الحديث ليس بأيدي الناس منها إلا حرف الذي جمع عليه عثمان المصاحف. وقال الطحاوي (١): إنما كانت سعة للناس في الحروف؛ لعجزهم عن أخذ القرآن العظيم، على غير لغاتهم؛ لأنهم كانوا أميين لا يكتب إلا القليل منهم، فكان يشق على كل ذي لغة أن يتحول إلى غيرها من اللغات، ولو رام ذلك لم يتهيأ له إلا بمشقة عظمية، فوسع لهم في اختلاف الألفاظ إذ كان المعنى متفقًا، وكانوا كذلك حتى كثر من يكتب منهم وحتى عادت لغاتهم إلى لسان رسول الله ﷺ ، فقدروا بذلك على تحفظ ألفاظه فلم يسعهم حينئذ أن يقرءوا بخلافها (٢). قال أبو عمر: فلما ارتفعت تلك الضرورة ارتفع حكم هذِه السبعة الأحرف وعاد القرآن حرفًا واحدًا (٣). قال أبو العباس: وأما القراءات السبعة التي تنسب لهؤلاء القراء السبعة؛ فقال كثير من علمائنا -كالداودي والمهلب وغيرهما-: إنها ليست من الأحرف السبعة التي اكتفت الصحابة في القراءة بها، وإنما هي راجعة إلى حرف واحد من تلك السبعة التي جمع عليها عثمان المصاحف، ذكره النحاس وغيره، وهذِه القراءات هي اختيارات أولئك السبعة، وذلك أن كلَّ واحدٍ منهم اختار فيما روى وعلم وجهه من القراءات ما هو الأحسن عنده والأولى، فالتزم طريقه ورواه وأقرأ به فاشتهر عنه وعرف به ونسب إليه فقيل: حرف نافع، وحرف ابن كثير، ولم يمنع أحد اختيار الآخر -وكلٌّ صحيح- ولا أنكره، بل سوغه وجوزه، وكل واحد من هؤلاء السبعة روي عنه اختياران أو أكثر

стр. 14245

وكل صحيح. وقد أجمع المسلمون في هذِه الأعصار على الاعتماد على ما صح عن هؤلاء الأئمة ما رووه ورأوه من القراءات، وكتبوا في ذلك مصنفات، فاشتهر الإجماع على الصواب، وحصل ما وعد الله به من حفظ الكتاب (١). وقال ابن بطال: قد أكثر الناس في تأويل هذا الحديث، ولم أجد فيه قولًا يسلم من المعارضة، وأحسن ما رأيته ما نقله أبو عمرو الداني في بعض كتبه ولم يسم قائله قال: إني تدبرت معنى هذا الحديث وأنعمت النظر فيه بعد وقوفي على أقاويل السلف والخلف، فوجدته متعلقًا بخمسة أوجه وهي محيطة بجميع معانيه: ما معنى الأحرف وكيف تأويلها؟ ما وجه إنزال القرآن على هذِه الأحرف السبعة؟ وما المراد بذلك في أي شيء يكون اختلافها؟ وعلى كم معنى يشتمل اختلافها؟ وهل هي كلها متفرقة في القرآن موجودة فيه في ختمة واحدة حتى إذا قرأ القارئ بأي حرف من حروف الأئمة القُرَّاء بالأمصار المجمع على إمامتهم فقد قرأ بها كلها، أم ليست كلها متفرقة فيه وموجودة في ختمة واحدة؟ فأما الأول فهو يتوجه على وجهين: أحدهما: سبعة أوجه من اللغات، وهذا قدمناه عنه؛ بدليل قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١] أي: الوجه والنعمة. الثاني: أن يكون الشارع سمى القراءات أحرفًا على طريق السعة مجازًا كما يسمون الرسالة والخطبة كلمة؛ إذ كانت الكلمة منها. قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] وقيل: المراد بهذِه الكلمة ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ﴾ الآية [القصص: ٥].

стр. 14246

وقال مجاهد في قوله: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [الفتح: ٢٦]: لا إله إلا الله (١). وأما الثاني: فهو توسعة من الله على عباده لما هم عليه من اختلاف اللغات، وقد روى أبو عبيد من حديث حذيفة مرفوعًا: "لقيت جبريل عند أحجار المراء فقلت: يا جبريل، إني أرسلت إلى أمة أمية: الرجل والمرأة والغلام والجارية والشيخ الفاني الذي لم يقرأ كتابًا قط، قال: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف" (٢). ويمكن أن تكون هذِه السبعة أوجه من اللغات، وذكر ثابت (٣) في هذا المعنى أنه يريد -والله أعلم- على لغات شعوب من العرب سبعة أو جماهيرها -كما قال الكلبي- خمسة منها بهوازن وحرفان لسائر الناس. وقال ابن عباس: نزل على سبعة أحرف صارت في عجز هوازن منها خمسة. وقال أبو حاتم: عجز هوازن: ئقيف وبثو سعد بن بكر وبنو جشم وبنو نضر، خص هؤلاء دون ربيعة وسائر العرب؛ لقرب جوارهم من جوار رسول الله ﷺ ومنزل الوحي، وإنما مضر وربيعة أخوان. وقال قتادة: عن سعيد بن المسيب قال: نزل القرآن على لغة هذا الحي من لدن هوازن وثقيف إلى خزيمة (٤).

стр. 14247

أما الثالث فإنها تكون في أوجه كثيرة منها: تغيير اللفظ نفسه كـ ﴿مَلِكِ﴾ و ﴿مَالِكِ﴾ [الفاتحة: ٤]، و ﴿الصِّرَاطَ﴾ [الفاتحة: ٦] بالسين والصاد والزاي. ومنها: الإثبات والحذف، ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ [البقرة: ١١٦] ﴿وَسَارِعُوا﴾ [آل عمران: ١٣٣] ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا﴾ [التوبة: ١٠٧] قالوا: (و) ودونه. ومنها: تبديل الأدوات كقوله: (فَتَوكّلْ عَلَى العَزِيزِ الرّحِيمِ) ﴿وَتَوَكَّلْ﴾ [الشعراء: ٢١٧] (فَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا) [الشمس: ١٥] بالفاء والواو. ومنها: التوحيد والجمع كالريح والرياح ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (رسالاته) [المائدة: ٦٧]، (آيَةٌ لِلسَّائِلِينَ) ﴿آيَاتٌ﴾ [يوسف: ٧] ومنها: التذكير والتأنيث ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨] بالتاء والياء، (فَنَادَاهُ المَلَائِكَةُ) و ﴿فَنَادَتْهُ﴾ [آل عمران: ٣٩]، و (استهواه الشياطين) و ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾ [الأنعام: ٧١]. ومنها: التشديد والتخفيف (بِمَا كَانُوا يُكْذِّبونَ) [البقرة: ١٠] (ولكن الشّيْاطِينَ) [البقرة: ١٠٢] (ولكن البِرّ) [البقرة: ١٧٧]. ومنها: الخطاب والإخبار ﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٧٤] و ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٦]، ﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٣]. ومنها: الإخبار عن النفس كقوله: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [الزمر: ٧٤] بالنون والياء (وَنَجْعَلُ الرّجْسَ) [يونس: ١٠٠] بالنون والياء. ومنها: التقديم والتأخير كقوله: (قتلوا وقاتلوا) ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٩٥]، و (فيقتلون ويقتلون) [التوبة: ١١١] وكذا (زَيّنَ لِكَثِيرٍ مّنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَائِهِمْ) و ﴿قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾

стр. 14248

[الأنعام: ١٣٧] وشبه ذلك. ومنها: النهي والنفي كقوله: (وَلَا تَسْأَلْ عَنْ أَصْحَابِ الجَحِيمِ) [البقرة: ١١٩] بالجزم على النهي وبالرفع على النفي (وَلَا تُشْرِكْ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا [الكهف: ٢٦] بالتاء والجزم على النهي، وبالياء والرفع على النفي. ومنها: الأمر والإخبار كقوله: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ [البقرة: ١٢٥]، بكسر الخاء وفتحها، و ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٩٣] و ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ﴾ [الأنبياء: ٤] الأمر، و ﴿قَالَ﴾ على الخبر وشبهه. ومنها: تغيير الإعراب وحده كـ ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٠] بالنصب والرفع، و ﴿تِجَارَةً حَاضِرَةً﴾ [البقرة: ٢٨٢] بهما، و ﴿أَرْجُلِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] بالنصب والجر. ومنها: تغيير الحركات اللوازم كقوله: (وَلَا يَحْسِبَنّ) [آل عمران: ١٧٨] بكسر السين وفتحها، ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ﴾ [الحجر: ٥٦] و ﴿يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] بكسر النون وفتحها، و ﴿يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] و ﴿يَعْكُفُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] بكسر الراء والكاف وضمهما، و ﴿الْوَلَايَةُ﴾ [الكهف: ٤٤] بكسر الواو وفتحها. ومئها: التحريك والتسكين كـ ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: ١٦٨] بضم الطاء وإسكانها و ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] بفتح الدال وإسكانها. ومنها: الإتباعُ وتَرْكه ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ [البقرة: ١٧٣] و ﴿أَنِ اعْبُدُوا﴾ [المائدة: ١١٧] ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ﴾ [الأنعام: ١٠] بالضم والكسر؛ فالضم لالتقاء الساكنين إِتْباعًا لضم ما بعدها؛ والكسرُ للساكن من غير إِتْباع.

стр. 14249

ومنها: الصرف وتركه كـ (عَادًا وَثَمُودًا) [الفرقان: ٣٨] و ﴿أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ [هود: ٦٨] بالتنوين وتركه. ومنها: اختلاف اللغات كـ ﴿وَجِبْرِيلَ﴾ ومنها: التصرف في اللغات نحو الإظهار إلى آخر ما سلف. وقد ورد التوقيف عن الشارع بهذا الضرب من الاختلاف وأذن فيه لأمته في الأخبار الثابتة، وقد روى أبو عبيد، عن نعيم بن حماد، ثنا بقية، عن حصين بن مالك قال: سمعت شيخًا يكنى أبا محمد، عن حذيفة رفعه: "اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها" (١): مذاهبها وطباعها. ووجه هذا الاختلاف في القرآن أنه ﵇ كان يعرض القرآن على جبريل في كل عام عرضة، وفي عام موته عرضتين، وكان جبريل يأخذ عليه في كل عرضة بوجه من هذِه الوجوه والقراءات المختلفة؛ ولذلك قال أن القرآن أنزل عليها، وأنها كلها كاف شاف. وأباح لأمته القراءة بما شاءت منها مع الإيمان بجميعها إذ كانت كلها من عند الله منزلة ومنه ﵇ مأخوذة، ولم يلزم أمته حفظها كلها ولا القراءة بها بأجمعها، بل هي مخيرة في القراءة بأي حرف شاءت منها، كتخييرها في كفارة حنث اليمين والفدية، ألا ترى أنه ﵇ صوب من قرأ ببعضها كما صوب قراءة هشام وعمر حين تناكرا القراءة، وأقر أنه كذلك قرئ عليه، وكذا أنزل عليه. وأما الرابع؛ فإنه يشتمل على ثلاث معان: اختلاف اللفظ والمعنى واحد كـ ﴿الصِّرَاطَ﴾ كشما سلف. و ﴿عَلَيْهِمْ﴾ و ﴿إِليْهِم﴾ بضم الهاء مع إسكان الميم وبكسر الهاء مع ضم الميم وإسكانها وشبه ذلك.

стр. 14250

اختلافهما جميعا مع جواز اجتماعها في شيء واحد لعدم تضاد اجتماعهما فيه كـ ﴿مَالِكِ﴾ و (ملك)، فإن المراد: الرب تعالى، وكذا ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠] لأن المراد المنافقون؛ وذلك لأنهم كانوا يَكذِبون في أخبارهم ويُكذبون رسول الله ﷺ . اختلافهما جميعًا مع الامتناع كقوله: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: ١١٠] بالتشديد. وأما الخامس: فلأنه لا يمكن القراءة بها في ختمة واحدة، فإذا قرأ القارئ برواية من رواية القراء فإنما قرأ ببعضها لا بكلها؛ لأنا قد أوضحنا أن المراد بالسبعة أحرف سبعة أوجه من اللغات، كنحو اختلاف الإعراب والحركات والسكون وغيرهما مما قدمناه، وإذا كان كذلك فمعلوم أنه من قرأ بوجه من هذِه الأوجه، فإنه لا يمكنه أن يحرك الحرف ويسكنه في حالة واحدة أو يقدمه ويؤخره أو يظهره ويدغمه إلى غير ذلك. غير أنا لا ندري أي هذِه السبعة كان آخر العرض، وأن جميع هذِه الأحرف قد ظهر واستفاض عن رسول الله ﷺ وضبطتها الأمة على اختلافها عنه، وأن معنى إضافة كل حرف منها إلى ما أضيف إليها كأُبَيِّ وزيدٍ وغيرهم من قبل أنه كان أضبط له وأكثر قراءة وأقرأ به، وكذلك إضافة القراءات إلى أئمة الأمصار إضافة اختيار (١).
следующие страницы →