← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 14246–14285 · переход к 14251.

стр. 14246

وقال مجاهد في قوله: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [الفتح: ٢٦]: لا إله إلا الله (١). وأما الثاني: فهو توسعة من الله على عباده لما هم عليه من اختلاف اللغات، وقد روى أبو عبيد من حديث حذيفة مرفوعًا: "لقيت جبريل عند أحجار المراء فقلت: يا جبريل، إني أرسلت إلى أمة أمية: الرجل والمرأة والغلام والجارية والشيخ الفاني الذي لم يقرأ كتابًا قط، قال: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف" (٢). ويمكن أن تكون هذِه السبعة أوجه من اللغات، وذكر ثابت (٣) في هذا المعنى أنه يريد -والله أعلم- على لغات شعوب من العرب سبعة أو جماهيرها -كما قال الكلبي- خمسة منها بهوازن وحرفان لسائر الناس. وقال ابن عباس: نزل على سبعة أحرف صارت في عجز هوازن منها خمسة. وقال أبو حاتم: عجز هوازن: ئقيف وبثو سعد بن بكر وبنو جشم وبنو نضر، خص هؤلاء دون ربيعة وسائر العرب؛ لقرب جوارهم من جوار رسول الله ﷺ ومنزل الوحي، وإنما مضر وربيعة أخوان. وقال قتادة: عن سعيد بن المسيب قال: نزل القرآن على لغة هذا الحي من لدن هوازن وثقيف إلى خزيمة (٤).

стр. 14247

أما الثالث فإنها تكون في أوجه كثيرة منها: تغيير اللفظ نفسه كـ ﴿مَلِكِ﴾ و ﴿مَالِكِ﴾ [الفاتحة: ٤]، و ﴿الصِّرَاطَ﴾ [الفاتحة: ٦] بالسين والصاد والزاي. ومنها: الإثبات والحذف، ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ [البقرة: ١١٦] ﴿وَسَارِعُوا﴾ [آل عمران: ١٣٣] ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا﴾ [التوبة: ١٠٧] قالوا: (و) ودونه. ومنها: تبديل الأدوات كقوله: (فَتَوكّلْ عَلَى العَزِيزِ الرّحِيمِ) ﴿وَتَوَكَّلْ﴾ [الشعراء: ٢١٧] (فَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا) [الشمس: ١٥] بالفاء والواو. ومنها: التوحيد والجمع كالريح والرياح ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (رسالاته) [المائدة: ٦٧]، (آيَةٌ لِلسَّائِلِينَ) ﴿آيَاتٌ﴾ [يوسف: ٧] ومنها: التذكير والتأنيث ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨] بالتاء والياء، (فَنَادَاهُ المَلَائِكَةُ) و ﴿فَنَادَتْهُ﴾ [آل عمران: ٣٩]، و (استهواه الشياطين) و ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾ [الأنعام: ٧١]. ومنها: التشديد والتخفيف (بِمَا كَانُوا يُكْذِّبونَ) [البقرة: ١٠] (ولكن الشّيْاطِينَ) [البقرة: ١٠٢] (ولكن البِرّ) [البقرة: ١٧٧]. ومنها: الخطاب والإخبار ﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٧٤] و ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٦]، ﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٣]. ومنها: الإخبار عن النفس كقوله: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [الزمر: ٧٤] بالنون والياء (وَنَجْعَلُ الرّجْسَ) [يونس: ١٠٠] بالنون والياء. ومنها: التقديم والتأخير كقوله: (قتلوا وقاتلوا) ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٩٥]، و (فيقتلون ويقتلون) [التوبة: ١١١] وكذا (زَيّنَ لِكَثِيرٍ مّنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَائِهِمْ) و ﴿قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾

стр. 14248

[الأنعام: ١٣٧] وشبه ذلك. ومنها: النهي والنفي كقوله: (وَلَا تَسْأَلْ عَنْ أَصْحَابِ الجَحِيمِ) [البقرة: ١١٩] بالجزم على النهي وبالرفع على النفي (وَلَا تُشْرِكْ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا [الكهف: ٢٦] بالتاء والجزم على النهي، وبالياء والرفع على النفي. ومنها: الأمر والإخبار كقوله: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ [البقرة: ١٢٥]، بكسر الخاء وفتحها، و ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٩٣] و ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ﴾ [الأنبياء: ٤] الأمر، و ﴿قَالَ﴾ على الخبر وشبهه. ومنها: تغيير الإعراب وحده كـ ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٠] بالنصب والرفع، و ﴿تِجَارَةً حَاضِرَةً﴾ [البقرة: ٢٨٢] بهما، و ﴿أَرْجُلِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] بالنصب والجر. ومنها: تغيير الحركات اللوازم كقوله: (وَلَا يَحْسِبَنّ) [آل عمران: ١٧٨] بكسر السين وفتحها، ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ﴾ [الحجر: ٥٦] و ﴿يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] بكسر النون وفتحها، و ﴿يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] و ﴿يَعْكُفُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] بكسر الراء والكاف وضمهما، و ﴿الْوَلَايَةُ﴾ [الكهف: ٤٤] بكسر الواو وفتحها. ومئها: التحريك والتسكين كـ ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: ١٦٨] بضم الطاء وإسكانها و ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] بفتح الدال وإسكانها. ومنها: الإتباعُ وتَرْكه ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ [البقرة: ١٧٣] و ﴿أَنِ اعْبُدُوا﴾ [المائدة: ١١٧] ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ﴾ [الأنعام: ١٠] بالضم والكسر؛ فالضم لالتقاء الساكنين إِتْباعًا لضم ما بعدها؛ والكسرُ للساكن من غير إِتْباع.

стр. 14249

ومنها: الصرف وتركه كـ (عَادًا وَثَمُودًا) [الفرقان: ٣٨] و ﴿أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ [هود: ٦٨] بالتنوين وتركه. ومنها: اختلاف اللغات كـ ﴿وَجِبْرِيلَ﴾ ومنها: التصرف في اللغات نحو الإظهار إلى آخر ما سلف. وقد ورد التوقيف عن الشارع بهذا الضرب من الاختلاف وأذن فيه لأمته في الأخبار الثابتة، وقد روى أبو عبيد، عن نعيم بن حماد، ثنا بقية، عن حصين بن مالك قال: سمعت شيخًا يكنى أبا محمد، عن حذيفة رفعه: "اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها" (١): مذاهبها وطباعها. ووجه هذا الاختلاف في القرآن أنه ﵇ كان يعرض القرآن على جبريل في كل عام عرضة، وفي عام موته عرضتين، وكان جبريل يأخذ عليه في كل عرضة بوجه من هذِه الوجوه والقراءات المختلفة؛ ولذلك قال أن القرآن أنزل عليها، وأنها كلها كاف شاف. وأباح لأمته القراءة بما شاءت منها مع الإيمان بجميعها إذ كانت كلها من عند الله منزلة ومنه ﵇ مأخوذة، ولم يلزم أمته حفظها كلها ولا القراءة بها بأجمعها، بل هي مخيرة في القراءة بأي حرف شاءت منها، كتخييرها في كفارة حنث اليمين والفدية، ألا ترى أنه ﵇ صوب من قرأ ببعضها كما صوب قراءة هشام وعمر حين تناكرا القراءة، وأقر أنه كذلك قرئ عليه، وكذا أنزل عليه. وأما الرابع؛ فإنه يشتمل على ثلاث معان: اختلاف اللفظ والمعنى واحد كـ ﴿الصِّرَاطَ﴾ كشما سلف. و ﴿عَلَيْهِمْ﴾ و ﴿إِليْهِم﴾ بضم الهاء مع إسكان الميم وبكسر الهاء مع ضم الميم وإسكانها وشبه ذلك.

стр. 14250

اختلافهما جميعا مع جواز اجتماعها في شيء واحد لعدم تضاد اجتماعهما فيه كـ ﴿مَالِكِ﴾ و (ملك)، فإن المراد: الرب تعالى، وكذا ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠] لأن المراد المنافقون؛ وذلك لأنهم كانوا يَكذِبون في أخبارهم ويُكذبون رسول الله ﷺ . اختلافهما جميعًا مع الامتناع كقوله: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: ١١٠] بالتشديد. وأما الخامس: فلأنه لا يمكن القراءة بها في ختمة واحدة، فإذا قرأ القارئ برواية من رواية القراء فإنما قرأ ببعضها لا بكلها؛ لأنا قد أوضحنا أن المراد بالسبعة أحرف سبعة أوجه من اللغات، كنحو اختلاف الإعراب والحركات والسكون وغيرهما مما قدمناه، وإذا كان كذلك فمعلوم أنه من قرأ بوجه من هذِه الأوجه، فإنه لا يمكنه أن يحرك الحرف ويسكنه في حالة واحدة أو يقدمه ويؤخره أو يظهره ويدغمه إلى غير ذلك. غير أنا لا ندري أي هذِه السبعة كان آخر العرض، وأن جميع هذِه الأحرف قد ظهر واستفاض عن رسول الله ﷺ وضبطتها الأمة على اختلافها عنه، وأن معنى إضافة كل حرف منها إلى ما أضيف إليها كأُبَيِّ وزيدٍ وغيرهم من قبل أنه كان أضبط له وأكثر قراءة وأقرأ به، وكذلك إضافة القراءات إلى أئمة الأمصار إضافة اختيار (١).

стр. 14251

٦ - باب تَأْلِيفِ القُرْآنِ ٤٩٩٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي يُوسُفُ بْنُ مَاهَكَ قَالَ: إِنِّي عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ إِذْ جَاءَهَا عِرَاقِيٌّ فَقَالَ: أَيُّ الْكَفَنِ خَيْرٌ؟ قَالَتْ: وَيْحَكَ، وَمَا يَضُرُّكَ؟ قَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَرِينِي مُصْحَفَكِ. قَالَتْ: لِمَ؟ قَالَ: لَعَلِّي أُوَلِّفُ الْقُرْآنَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُقْرَأُ غَيْرَ مُؤَلَّفٍ. قَالَتْ: وَمَا يَضُرُّكَ أَيَّهُ قَرَأْتَ قَبْلُ، إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنَ الْمُفَصَّلِ فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الإِسْلَامِ نَزَلَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ: لَا تَشْرَبُوا الْخَمْرَ. لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الْخَمْرَ أَبَدًا. وَلَوْ نَزَلَ: لَا تَزْنُوا. لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الزِّنَا أَبَدًا. لَقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ أَلْعَبُ ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦)﴾ [القمر: ٤٦]، وَمَا نَزَلَتْ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ إِلاَّ وَأَنَا عِنْدَهُ. قَالَ: فَأَخْرَجَتْ لَهُ الْمُصْحَفَ فَأَمْلَتْ عَلَيْهِ آىَ السُّوَرِ. [انظر: ٤٨٧٦ - فتح: ٩/ ٣٨] ٤٩٩٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ، سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالْكَهْفِ وَمَرْيَمَ وَطَهَ وَالأَنْبِيَاء: إِنَّهُنَّ مِنَ الْعِتَاقِ الأُوَلِ، وَهُنَّ مِنْ تِلَادِي [انظر: ٤٧٠٨ - فتح: ٩/ ٣٩] ٤٩٩٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، سَمِعَ الْبَرَاءَ ﵁ -قَالَ: تَعَلَّمْتُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ [الأعلى: ١] قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ النَّبِيُّ ﷺ . ٤٩٩٦ حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ، قَدْ عَلِمْتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَؤُهُنَّ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. فَقَامَ: عَبْدُ اللهِ وَدَخَلَ مَعَهُ عَلْقَمَةُ، وَخَرَجَ عَلْقَمَةُ فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ: عِشْرُونَ سُورَةً مِنْ أَوَّلِ الْمُفَصَّلِ عَلَى تَأْلِيفِ ابْنِ مَسْعُودٍ آخِرُهُنَّ الْحَوَامِيمُ ﴿حم (١)﴾ [الدُّخَانُ: ١] وَ ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١)﴾ [النبأ: ١]. [انظر: ٧٧٥ - مسلم: ٨٢٢ - فتح: ٩/ ٣٩]

стр. 14252

ذكر فيه أربعة أحاديث: أحدها: حديث يُوسُفَ بْنِ مَاهَك قَالَ: إِنّي عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂ أُمِّ المُؤْمِنِينَ إِذْ جَاءَهَا عِرَاقِيٌّ فَقَالَ: أَيُّ الكَفَنِ خَيْرٌ؟ قَالَتْ: ويحَكَ، وَمَا يَضُرُّكَ؟ قَالَ: يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، أَرِينِي مُصْحَفَكِ. قَالَتْ: لِمَ؟ قَالَ: لَعَلِّي أُؤَلِّفُ القُرْآنَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُقْرَأُ غَيْرَ مُؤَلَّفٍ. قَالَتْ: وَمَا يَضُرُّكَ أَيَّهُ قَرَأْتَ قَبْلُ، إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ سُورَةٌ مِنَ المُفَصَّلِ فِيهَا ذِكْرُ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ .. الحديث. ومعنى (أول ما نزل .. ) إلى آخره، تريد: المدثر، والمشهور: ﴿اقْرَأْ﴾ كما تقدم، وأراد العراقي تأليف القرآن على ما نزل أولًا فأولًا، لا يقرأ المدني قبل المكي، والقرآن ألفه رسول الله ﷺ بالوحي، كان جبريل ﵇ يقول له: اجعل آية كذا في سورة كذا. وقولها: (ما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده) فيه دلالة أن السورة تسمى بما يذكر فيها ومعنى: (ثاب الناس) رجعوا، ثاب الشيء يثوب ثؤوبًا: رجع، ومنه ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٢٥] الحديث. الثاني: حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ: سَمِعْتُ ابن مَسْعُودٍ ﵁ يَقُولُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالْكَهْفِ وَمَرْيَمَ وَطَهَ وَالأَنْبِيَاءِ: إِنَّهُنَّ مِنَ العِتَاقِ الأُوَلِ، وَهُنَّ مِنْ تِلَادِي (١).

стр. 14253

وسلف في تفسير سورة بني إسرائيل بسنده سواء (١). وقوله: (من تلادي) يعني هنَّ مما نزل من القرآن أولًا، قال صاحب "العين": العتيق: القديم من كل شيء (٢)، والتلاد: ما كسب من المال قديمًا. فيريد أنهن من أول ما حفظ من القرآن. الحديث الثالث: حديث البَرَاءِ ﵁: تَعَلَّمْتُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ [الأعلى: ١] قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ النَّبِيُّ ﷺ . سلف قريبًا في تفسير سورة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ (٣). الحديث الرابع: حديث أَبِي حَمْزَةَ -واسمه محمد بن ميمون السكري المروزي- عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: قَدْ عَلِمْتُ النَّظَائِرَ التِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَؤُهُنَّ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. فَقَامَ عَبْدُ اللهِ وَدَخَلَ مَعَهُ عَلْقَمَةُ، وَخَرَجَ عَلْقَمَةُ فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ: عِشْرُونَ سُورَةً مِنْ أَوَّلِ المُفَصَّلِ عَلَى تَأْلِيفِ ابن مَسْعُودٍ، آخِرُهُنَّ الحَوَامِيمُ ﴿حم (١)﴾ [الدخان: ١] الدُّخَانُ و ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١)﴾ [النبأ: ١] سلف أيضا (٤). قال الداودي في قوله: (قَدْ عَلِمْتُ النَّظَائِرَ .. ) إلى آخره. يريد في صلاة الصبح، قال: وكان يقرأ الجاثية في الأولى، و ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١)﴾ في الثانية، والأحقاف في الأولى من اليوم الثاني، والمرسلات في

стр. 14254

الثانية، ثم كذلك في عشرين صلاة، ثم يرجع إلى ذلك في أكثر أحواله، والذي تأول البخاري وغيره أنه كان يقرأ سورتين في كل ركعة، وقد بوب عليه كذلك في الصلاة (١)، وأجازه مالك في "مختصر ابن عبد الحكم". وقوله: (عشرون سورة من أول المفصل .. ) إلى آخره: ظاهرُهُ أن الدخان من المفصل. والمذكور عن ابن مسعود أن أول المفصل الجاثية، ذكره الداودي، وعنه في البخاري أن أوله القتال، وعند العامة أنه السُبع الآخر. وعن ابن مسعود أنه السدس الآخر، وهو دال على أن أوله الأحقاف، وقيل: أوله ﴿ق﴾، وقيل غير ذلك. وقوله: (على تأليف ابن مسعود) صحيح؛ لأنها على تأليف القرآن خمس وثلاثون سورة من الدخان إلى ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١)﴾. وتأليف ابن مسعود شيء آخر. فصل: قد اختلف في ترتيب سور القرآن، فمنهم من كتب في مصحفه السور على تاريخ نزولها، وقدم المكي على المدني، ومنهم من جعل في أول مصحفه ﴿الْحَمْدُ﴾، ومنهم من جعل في أوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، وهذا أول مصحف علي، وأما مصحف ابن مسعود فإن أوله ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ثم البقرة، ثم النساء على ترتيب مختلف رواه طلحة بن مصرف، عن يحيى بن وثاب، عن علقمة، عنه، ومصحف أُبي كان أوله ﴿الْحَمْدُ﴾ ثم البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران، ثم الأنعام، ثم الأعراف، ثم المائدة كذلك على اختلاف شديد، وأجاب القاضي

стр. 14255

أبو بكر ابن الطيب بأنه يحتمل أن يكون ترتيب السور على ما هي عليه اليوم في المصحف كان على وجه الاجتهاد من الصحابة، وقد قال قوم من أهل العلم: إن تأليف السور على ما هو عليه في مصحفنا كان على توقيف من رسول الله ﷺ لهم على ذلك وأمر به. وأما ما روي من اختلاف مصحف أبي وعلي وعبد الله إنما كان قبل العرض الأخير، وأنه ﵇ رتب لهم تأليف السور بعد أن لم يكن فعل ذلك. روى يونس، عن ابن وهب قال: سمعت مالكًا يقول: إنما ألف القرآن على ما كانوا يسمعونه من قراءة رسول الله ﷺ . ومن قال هذا القول لا يقول: إن تلاوة القرآن في الصلاة والدرس يجب أن يكون مرتْبا على حسب الترتيب الموقف عليه المصحف، بل إنما يجب تأليف سوره في الرسم والكتابة خاصة، لا نعلم أن أحدًا منهم قال: إن ترتيب ذلك واجب في الصلاة، وفي القراءة والدرس، وأنه لا يحل لأحد أن يحفظ الكهف قبل الروم، ولا الحج بعد الكهف، ألا ترى قول عائشة ﵂ للذي سألها أن تريه مصحفها ليكتب مصحفًا على تأليفه: (لا يضرك أيُّه قرأْتَ قبل). وأما ما روي عن ابن مسعود وابن عمر ﵃ أنهما كرها أن يقرأ القرآن منكوسًا، وقالا: ذلك منكوس القلب. وإنما عنيا بذلك من يقرأ السورة ويبتدئ من آخرها إلى أولها؛ لأن ذلك حرام محظور، وفي الناس من يتعاطى هذا في القرآن؛ والشعر ليذلل لسانه بذلك، ويقتدر على الحفظ، وهذا مما حظره الله في قراءة القرآن؛ لأنه إفساد لصورته ومخالفة لما قصد بها. ومما يدل أنه لا يجب إثبات القرآن في المصاحف على تاريخ نزوله؛ لأنهم لو فعلوا ذلك لوجب أن يجعلوا

стр. 14256

بعض آية سورة في سورة أخرى، وأن ينقضوا ما وقفوا عليه من سياقة ترتيب السور ونظامها؛ لأنه قد صح وثبت أن الآيات كانت تنزل بالمدينة فيؤمر بإثباتها في السورة المكية، ويقال لهم: ضعوا هذِه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا. ألا ترى قول عائشة ﵂: (وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده) تعني: بالمدينة، وقد قدمتا في المصحف على ما نزل قبلهما من القرآن بمكة. ولو ألفوا على تاريخ النزول، لوجب أن ينتقض ترتيب آيات السورة، وقد كان النبي ﷺ يقرأ بالناس في الصلاة السورة في الركعة، ثم يقرأ في الركعة الأخرى بغير السورة التي تليها (١).

стр. 14257

٧ - باب كَانَ جِبْريلُ يَعْرِضُ القُرْآنَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ - وَقَالَ مَسْرُوقٌ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ ﵍ أَسَرَّ إِلَى النَّبِيُّ ﷺ : "أَنَّ جِبْرِيلَ [كَانَ] يُعَارِضُنِي بِالْقُرْآنِ كلَّ سَنَةٍ، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي العَامَ مَرَّتَيْنِ، وَلَا أُرَاهُ إِلاَّ حَضَرَ أَجَلِي". [انظر: ٣٦٢٣] ٤٩٩٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالخيْرِ، وَأَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ؛ لأنًّ جِبْرِيلَ كَانَ يَلْقَاهُ فِي كلِّ لَيْلَةٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، يَعْرِضُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ القُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ أَجْوَدَ بِالخيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ. [انظر: ٦ - مسلم: ٢٣٠٨ - فتح: ٩/ ٤٣] ٤٩٩٨ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ يَعْرِضُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الْقُرْآنَ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً، فَعَرَضَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ، وَكَانَ يَعْتَكِفُ كُلَّ عَامٍ عَشْرًا، فَاعْتَكَفَ عِشْرِينَ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ. [انظر: ٢٠٤٤ - فتح: ٩/ ٤٣] هذا سلف مسندًا في باب: علامات النبوة، عن أبي نعيم، عن زكريا، عن فراس، عن الشعبي، عن مسروق (١)، وليس لسيدة نساء العالمين سواه، وبعضهم خرجه من مسند عائشة، ﵄. ثم ذكر البخاري بإسناده حديث ابن عَبَّاسٍ قال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ .. الحديث بطوله، سلف في أوائل الصوم (٢).

стр. 14258

وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: كَانَ يَعْرِضُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ القُرْآنَ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً، فَعَرَضَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ فِي العَامِ الذِي قُبِضَ فيه، وَكَانَ يَعْتَكِفُ كُلَّ عَامٍ عَشْرًا، فَاعْتَكَفَ عِشْرِينَ فِي العَامِ الذِي قُبِضَ فيه. وسلف في الاعتكاف (١). وفي إسناده أبو بكر -وهو ابن عياش الأسدي مولاهم- عن أبي حصين -وهو بفتح الحاء عثمان بن عاصم الأسدي- عن أبي صالح -وهو ذكوان السمان الراوي- عن أبي هريرة. وزعم بعضهم أن اعتكافه عند وفاته عشرين يومًا اقتداء بما فعله جبريل، فإنه لما كرر العرض كرر الاعتكاف، وقد أسلفنا ثَمّ من حديث أبي هريرة أنه ﵇ كان يعكتف عشرًا، فسافر عامًا ولم يعتكف، فاعتكف من قابل عشرين يومًا. وهذا الباب حذفه ابن بطال من "شرحه" وكأنه لسبقه.

стр. 14259

٨ - باب القُرَّاءِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ - ٤٩٩٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مَسْرُوقٍ: ذَكَرَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ: لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَسَالِمٍ، وَمُعَاذٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ». [انظر: ٣٧٥٨ - مسلم: ٢٤٦٤ - فتحِ: ٩/ ٤٦] ٥٠٠٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: خَطَبَنَا عَبْدُ اللهِ فَقَالَ: وَاللهِ لَقَدْ أَخَذْتُ مِنْ فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً، وَاللهِ لَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ أَنِّي مِنْ أَعْلَمِهِمْ بِكِتَابِ اللهِ، وَمَا أَنَا بِخَيْرِهِمْ. قَالَ شَقِيقٌ: فَجَلَسْتُ فِي الْحِلَقِ أَسْمَعُ مَا يَقُولُونَ، فَمَا سَمِعْتُ رَادًّا يَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ. [مسلم: ٢٤٦٢ - فتح: ٩/ ٤٦] ٥٠٠١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: كُنَّا بِحِمْصَ فَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ سُورَةَ يُوسُفَ، فَقَالَ: رَجُلٌ مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ: قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أَحْسَنْتَ. وَوَجَدَ مِنْهُ رِيحَ الْخَمْرِ فَقَالَ: أَتَجْمَعُ أَنْ تُكَذِّبَ بِكِتَابِ اللهِ وَتَشْرَبَ الْخَمْرَ؟!. فَضَرَبَهُ الْحَدَّ. [مسلم: ٨٠١ - فتح: ٩/ ٤٧] ٥٠٠٢ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ ﵁: وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ إِلاَّ أَنَا أَعْلَمُ أَيْنَ أُنْزِلَتْ، وَلَا أُنْزِلَتْ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ إِلاَّ أَنَا أَعْلَمُ فِيمَ أُنْزِلَتْ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنِّي بِكِتَابِ اللهِ تُبَلِّغُهُ الإِبِلُ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ. [مسلم: ٢٤٦٣ - فتح: ٩/ ٤٧] ٥٠٠٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁: مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ. تَابَعَهُ الْفَضْلُ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنَسٍ. [انظر: ٣٨١٠ - مسلم: ٢٤٦٥ - فتح: ٩/ ٤٧]

стр. 14260

٥٠٠٤ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنِي ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ وَثُمَامَةُ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يَجْمَعِ الْقُرْآنَ غَيْرُ أَرْبَعَةٍ: أَبُو الدَّرْدَاءِ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ. قَالَ: وَنَحْنُ وَرِثْنَاهُ. [انظر: ٤٤٨١ - فتح: ٩/ ٤٧] ٥٠٠٥ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: أُبَيٌّ أَقْرَؤُنَا، وَإِنَّا لَنَدَعُ مِنْ لَحَنِ أُبَيٍّ، وَأُبَىٌّ يَقُولُ أَخَذْتُهُ مِنْ فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَا أَتْرُكُهُ لِشَيْءٍ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نَنْسَأْهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا). [البقرة: ١٠٦]. [انظر: ٤٤٨١ - فتح: ٩/ ٤٧] ذكر فيه أحاديث: أحدها: حديث مَسْرُوقٍ: ذَكَرَ عَبْدُ الله بْنُ عَمْرٍو عَبْدَ الله بْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ: لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: "خُذُوا القُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، وَسَالِمٍ، وَمُعَاذٍ بنِ جَبَلٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ". سلف في ترجمته (١). ثانيها: حديث شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: خَطَبَنَا عَبْدُ الله فَقَالَ: والله لَقَدْ أَخَذْتُ مِنْ فِي رَسُولِ الله بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً، والله لَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ أَنِّي مِنْ أَعْلَمِهِمْ بِكِتَابِ الله، وَمَا أَنَا بِخَيْرِهِمْ. قَالَ شَقِيقٌ: فَجَلَسْتُ فِي الحِلَقِ أَسْمَعُ مَا يَقُولُونَ، فَمَا سَمِعْتُ رَادًّا يَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ.

стр. 14261

ثالثها: حديث عَلْقَمَةَ: كُنَّا بِحِمْصَ فَقَرَأَ ابن مَسْعُودٍ سُورَةَ يُوسُفَ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ؛ فَقَالَ: قَرَأْتُ عَلَى رَسولِ الله فَقَالَ: "أَحْسَنْتَ". وَوَجَدَ مِنْهُ رِيحَ الخَمْرِ فَقَالَ: أَتَجْمَعُ أَنْ تُكَذِّبَ بِكِتَاب الله وَتَشْرَبَ الخَمْرَ؟! فَضَرَبَهُ الحَدَّ. وأخرجه مسلم والنسائي أيضًا (١)، وإسناده اجتمع فيه ثلاثة تابعيون بعضهم عن بعض: الأعمش، وإبراهيم، وعلقمة. رابعها: حديث مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ الله: والله الذِي لَا إله غَيْرُهُ مَا أُنْزِلَتْ سورَةٌ مِنْ كِتَابِ الله إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ أَيْنَ أُنْزِلَتْ، وَلَا أُنْزِلَتْ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ الله إِلا أَنَا أَعْلَمُ فِيمَ أُنْزِلَتْ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنِّي بِكِتَاب الله تبلِّغُهُ الإِبِلُ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ. وأخرجه مسلم أيضًا (٢). خامسها: حديث قَتَادَةَ: سأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: مَنْ جَمَعَ القُرْآنَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ: أُبَي بْنُ كَعْبٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزيدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ. وأخرجه مسلم أيضًا (٣). وعن ثَابِتٍ وَثُمَامَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَاتَ النَّبِيُّ وَلَمْ يَجْمَعِ القُرْآنَ غَيْرُ أَرْبَعَةٍ: أَبُو الدَّرْدَاءِ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزيدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ. قَالَ: وَنَحْنُ وَرِثْنَاهُ.

стр. 14262

تَابَعَهُ الفَضْلُ بن موسى السيناني، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنَسٍ سادسها: حديث ابن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: عليٌّ أقضانا، وأُبَي أَقْرَؤُنَا، وَإِنَّا لَنَدَعُ مِنْ لَحَنِ أُبَي، وَأُبَيٌّ يَقُولُ: أَخَذْتُهُ مِنْ فِي رَسُولِ الله فَلَا أَتْرُكُهُ لِشَيءٍ. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ الآية [البقرة: ١٠٦]. أخرجه هنا عن صدقة عن يحيى -وهو القطان- عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد، عن ابن عباس. وساقه في التفسير عن عمرو بن علي، عن يحيى (١). قال المزي في "أطرافه": وليس في حديث صدقة ذكر علي (٢). قلت: هو في أصل الدمياطي مخرجًا مصححًا (٣). الشرح: الأمر بالأخذ عن هؤلاء الأربعة للتأكيد، لا أن غيرهم لا يؤخذ عنهم. وزيادة أبي الدرداء قال الداودي: لا أراه محفوظًا. وقال الإسماعيلي -بعد أن ذكره-: هذان الحديثان مختلفان، ولا يجوز أن يجمعا في "الصحيح" على تباينهما -أعني ذكر أُبَيٍّ وذكر أبي الدرداء - وإنما الصحيح أحدهما.

стр. 14263

وابن مسعود لم يحفظ جميعه في حياته ﵇؛ لكنه كان يجيد ما يحفظه، وذلك أنه قال: أخذت من في رسول الله ﷺ بضعًا وسبعين سورة. وفهم بعضهم أن هؤلاء الأربعة هم الذين جمعوا القرآن كله في عهد رسول ﷺ ، وليس كذلك، فقد جمعه الخلفاء الأربعة كما ذكره ابن عبد البر، وأبو عمرو الداني؛ قال أبو عمرو: جمعه أيضًا على عهده عبد الله بن عمرو بن العاصي. قلت: وثبت أنه سأل النبي ﷺ : كم يقرأ القرآن؟ فقال: "في شهر". فقال: إني أطيق أكثر من ذلك .. وذكر الحديث (١). قلت: وجماعات أخر: عبادة بن الصامت، وأبو أيوب خالد بن زيد. ذكره ابن عبد البر عن محمد بن كعب القرظي، وذكر القاضي أبو بكر أنه تواتر عن عبادة، وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي، وابن عباس ذكره أيضًا من حديث أيوب بن جعفر بن أبي وحشية، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: توفي رسول الله ﷺ وقد قرأت القرآن وأنا ابن عشر سنين. وأبو موسى الأشعري ذكره أبو عمرو الداني، ومجمع بن جارية ذكره ابن إسحاق (٢). قال الشعبي فيما ذكره ابن عساكر عنه: كان قد بقي على مجمع من القرآن سورة أو سورتان حين قبض رسول الله ﷺ (٣)، وقيس بن أبي صعصعة عمرو بن زيد الأنصاري البدري، ذكره أبو عبيد بن سلام من

стр. 14264

حديث ابن لهيعة، عن حبان بن واسع، عن أبيه، عن قيس بن أبي صعصعة أنه قال لرسول الله ﷺ : في كم أقرأ القرآن؟ قال: "في خمس عشرة". قال: إني أجد أقوى من ذلك. قال: "في كل جمعة" (١). ومن حديث ابن لهيعة، عن واسع، عن عمه، عن سعد بن المنذر الأنصاري البدري قال: يا رسول الله، أقرأ القرآن في ثلاث؟ قال: "نعم إن استطعت" (٢). وسعد بن عبيد بن النعمان بن قيس بن عمرو بن زيد بن أمية، أخي ضبيعة وعبيد أولاد زيد أخي عزيز ومعاوية بن مالك، أخي حنش، وأخي كلفة بني عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس الأوسي. ذكره ابن حبيب في "المحبر" (٣). وقال أبو أحمد العسكري: ذكر أنه أول من جمع القرآن من الأنصار، ولم يجمعه من الأوس غيره. فإن قلتَ: أبو زيد الذي ذكره أنس قيل: اسمه سعد بن عبيدة، فلعله هذا. قلتُ: لا فإن ذاك خزرجي. قال أنس: أحد عمومتي ونحن ورثناه، وهذا أوسي، وسعد بن عباد أو عبادة. ذكره ابن مقسم النحوي في "السبيل إلى علم التنزيل" عن الشعبي، وقيس بن السكن، وهو أبو زيد السالف. وأم ورقة بنت نوفل، وقيل: بنت عبد الله بن الحارث. ذكر ابن سعد (٤) -فيما ذكره ابن الأثير (٥) - أنها جمعت القرآن. فهؤلاء تسعة عشر، وتميم الداري كما سيأتي.

стр. 14265

قال القاضي أبو بكر: وجمعه عمرو بن العاصي، وأقرأه ﵇ خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصل وفي الحج سجدتان (١). وعن محمد بن سيرين قال: جمع القرآن أربعة: أبي، ومعاذ، وزيد، وأبو زيد.

стр. 14266

واختلفوا في عثمان وتميم الداري وأبي الدرداء، وأما رواية أنس: (جمع). السالفة فلا بد من تأويلها، فإنه قد جمع تلاوته وأحصاه حفظًا أعلام الصحابة ممن لا يحصى كثرة. فالجواب: أنه يريد من الأنصار خاصة دون قريش وغيرهم، أو يريد جمعه بجميع وجوهه ولغاته وحروفه وقراءاته التي أنزلها الرب تعالى، وأذن للأمة فيها، وخيرها في القراءة بما شاءت منها، أو يريد: اشتهر أو لم يشتهر بجمع متفرقه، وحفظ ما كان ينزل وقتًا دون وقت إلى انقضاء نزوله وكمال جمعه، أو يريد: الأخذ من في رسول الله ﷺ تلقيًا أو أخذًا دون واسطة، أو يريد أن هؤلاء ظهروا به وانتصبوا لتعليمه وتلقينه، أو يريد جمعه في صحف أو مصحف. ذكرها أجمع أبو عمرو الداني. ويحتمل -كما قال ابن العربي- أنه لم يجمع ما نسخ منه وزيل رسمه بعد تلاوته مع ما ثبت رسمه وبقي فرض حفظه وتلاوته إلا هؤلاء الأربعة، ويبعد أن يكون معنى: جمع القرآن: سمع له وأطاع وعمل بموجبه، يؤيد رواية أحمد في كتاب "الزهد" أن أبا الزاهرية أتى أبا الدرداء؛ فقال: إن ابني جمع القرآن؛ فقال: اللهم غفرًا، إنما جمع القرآن من سمع له وأطاع. وذكر المازري أنه يحتمل أن يراد أنه لم يذكره أحد عن نفسه سوى هؤلاء؛ لأن من أكمله سواهم كان يتوقع نزول القرآن ما دام رسول الله ﷺ ، فقد لا يستجيز النطق بأنه أكمله، واستجازه هؤلاء، ومرادهم أنهم أكملوا الحاصل منه، أو يحتمل أن يكون من سواهم لم ينطق بإكماله خوفًا من الرياء واحتياطًا على الثبات، وهؤلاء الأربعة أظهروه لأمنهم على أنفسهم، أو لرأي اقتضاه ذلك عندهم، وكيف يعرف

стр. 14267

النقلة أنه لم يكمله إلا أربعة، وكيف يتصور الإحاطة بهذا، والصحابة متفرقون في البلاد، وهذا لا يتصور حتى يلقى الناقل كل رجل منهم فيخبره عن نفسه بأنه لم يكمل القرآن، وهذا بعيد تصوره عادة، وكيف وقد نقل الرواة إكمال بعض النساء لقراءته؟! وقد اشتهر حديث عائشة ﵂، وقولها: كنت جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرًا من القرآن (١). وكيف يظن بأبي بكر وعمر أنهما لم يحفظاه؟! على أن الذي رواه ليس بنص جلي، وذلك أن قصاراه أن أنسًا قال: جمع القرآن على عهده أربعة. فقد يكون المراد: لا أعلم سوى هؤلاء، ولا يلزمه أن يعلم كل الحافظين (٢). وحديث أنس حاول بعض الملحدة به القدح في الثقة بنقل القرآن، ولا متروح لها في ذلك؛ لأنا لو سلمنا أن يكون الأمر كما ظنوه، وأنه لم يكمله سوى أربعة، فإنه قد حفظ جميع أجزائه (مئوين) (٣) لا يحصون، وما من شرط كونه متواترًا أن يحفظ الكلَّ الكلُّ؛ بل الشيء الكثير إذا روى جزءًا منه خلق كثير علم ضرورة، وجعل متواترًا، والجواب عن سؤال من سأل عن وجه الحديث من الإسلاميين، فإنه يقال له: علم ضرورة من تدين الصحابة ومبادرتهم إلى الطاعات والقرب التي هي أدنى منزلة من حفظ القرآن لا يعلم منه أنه محال -مع كثرتهم- أن لا يحفظ منه إلا أربعة، وأيضًا فيمن يعلم أن القرآن كان عندهم من البلاغة بحيث هو، وكان الكفار في الجاهلية يعجبون من بلاغته، ونحن نعلم من عادة

стр. 14268

العرب شدة حرصها على تحفظ الكلام البليغ، ولم يكن لها شغل ولا صنعة إلا سوى ذلك، فلو لم يكن للصحابة باعث على حفظ القرآن سوى هذا لكان أدل الدلائل على أن الخبر ليس على ظاهره. قال (١): وقد عددنا من حفظنا منهم وسميناهم نحو خمسة عشر صاحبًا ممن نقل عنه حفظ القرآن في كتابنا المترجم بـ "قطع لسان النائح" وأشرنا فيه إلى تأويلاته لهذا الخبر، وذكرنا اضطراب الرواة في هذا المعنى، فمنهم من زاد في هذا العدد، ومنهم من نقص عنه، ومنهم من أنكر أن يجمعه أحد (٢). وقال القرطبي: إنما نشأ هذا ممن يظن أن لهذا الحديث دليلَ خطاب، فإنه لا يتم له ذلك حتى يقول: تخصيص هؤلاء بالذكر يدل على أنه لم يجمعه أحد غيرهم، فمن ينفي القول بدليل الخطاب سلم من ذلك بقوله به، فأكثرهم يقول: أن لا دليل خطاب لها باتفاق أئمة الأصول، ولا يلتفت لقول الدقاق فيه، فإنه واضح الفساد، ولئن سلمنا أن لا تقع الأعداد دليل خطاب، فدليل الخطاب إنما يصار إليه إذا لم يعارضه المنطوق به، فإنه أضعف وجوه الأدلة عند القائلين به، وههنا أمران أولى منه (من الاتفاق) (٣): النقلُ الصحيح، وما يُعلم من ضرورة العادة، وقد ذكر القاضي أبو بكر وغيره جماعة من الصحابة حفظوه، فمنهم الخلفاء الأربعة، وقد تواترت الأخبار بأنه قتل باليمامة سبعون ممن جمع القرآن (٤) وكانت اليمامة قريبة من وفاة

стр. 14269

رسول ﷺ ، فالذين بقوا في ذلك الجيش لم يقتلوا أكثرُ من أولئك أضعافًا، وإذا كان ذلك جيشًا واحدًا، فانظر كم بقي في مدن الإسلام إذ ذاك في عساكر أخر ممن جمع القرآن، فيظهر من هذا أن الذين جمعوا القرآن على عهده لا يحصيهم أحد، ولا يسعهم عدد. فإن قلتَ: إذا لم يكن له دليل خطاب فلأي شيء خص هؤلاء الأربعة بالتزكية دون غيرهم؟ فالجواب: أنه يحتمل أن يكون ذلك لتعلق غرض المتكلم بهم دون غيرهم، أو بقول: إن هؤلاء في ذهنه دون غيرهم (١). فلما ذكر القاضي أبو بكر وجوه التأويل أنه لم يجمعه على جميع الوجوه، أو أنه لم يجمعه تلقينًا، أو من انتصر له قال: تظاهرت الروايات أن الأئمة الأربعة جمعوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ لأجل سبقهم إلى الإسلام وإعظام الرسول لهم، وقد ثبت عن الصديق بقراءته في المحراب بطوال السور التي لا يتهيأ حفظها إلا لأهل القدرة على الحفظ والإتقان، منها: عن ابن عيينة، عن الزهري، عن أنس: أن الصديق قرأ في الصبح بالبقرة؛ فقال عمر: كادت الشمس أن تطلع فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين (٢). وقد علم أن كثيرًا من الحفاظ وأهل الدربة بالقرآن يتهيبون الصلاة بالناس بمثل هذِه السور الطوال وما دونها، وهذا يقتضي أن أبا بكر كان حافظًا، وقد صح الخبر أنه بنى مسجدًا بفناء داره بمكة قبل الهجرة، وأنه كان يقوم فيه بالقرآن ويكثر بكاؤه ونشيجه عند قراءته،

стр. 14270

ويقف عليه نساء المشركين وولدانهم يسمعون قراءته (١)، ولولا علمه ﷺ ذلك لم يقدمه للإمامة مع قوله: "يؤم الناس أقرؤهم لكتاب الله" (٢). وكذلك تظاهرت الروايات عن عمر ﵁ أنه كان يؤم الناس بالسور الطوال، وقرأ مرة بسورة يوسف في الصبح، فبلغ إلى قوله ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ حتى سمع بكاؤه من وراء الصفوف (٣). وقرأ مرة سورة الحج وسجد فيها سجدتين (٤). روى عبد الملك بن عمير، عن زيد بن وهب، عن ابن مسعود ﵁ قال: كان عمر أعلمنا بالله، وأقرأنا لكتاب الله، وأفقهنا في دين الله (٥). ولولا أن هذِه كانت حالته، وأنه من أقرأ الناس لكتاب الله لم يكن الصديق بالذي يضم إليه زيد بن ثابت، وأمرهما بجمع القرآن، واعتراض ما عند الناس، ويجعل زيدًا تبعًا له؛ لأنه لا يجوز أن ينصب لاعتراض القرآن وجمعه من ليس بحافظ. وأما عثمان فقد اشتهر عنه أنه كان ممن جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ ، وأنه كان من أهل القيام به، وقد قال حين أرادوا قتله فضربوه بالسيف على يده فمدها، وقال: والله إنها لأول يد خطت المفصل (٦)،

стр. 14271

وقالت زوجته: إن تقتلوه فإنه كان يحيي الليل بجميع القرآن في ركعة (١). وكذلك علي بن أبي طالب قد عرف حاله في فضله ومناقبه، وعرف سعة علمه، ومشاورة الصحابة له، وإقرارهم بفضله، وتربية النبي ﷺ له، وأخذه له بفضائل الأخلاق، ورغبته ﵇ في تخريجه وتعليمه، وما كان يرسخه له، ويثبته عليه من أمره، نحو قوله: "أقضاكم علي" (٢). ومن البعيد أن يقول هذا فيه وليس من قراء الأمة، وقد كان يقرئ القرآن، وعليه قرأ أبو عبد الرحمن السلمي وغيره. وروى همام، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء بن السائب: أن أبا عبدالرحمن السلمي حدثه قال: ما رأيت رجلا أقرأ للقرآن من عليِّ بن أبي طالب؛ صلى بنا الصبح فقرأ سورة الأنبياء، فأسقط آية، فقرأ ثم رجع إلى الآية التي أسقطها فقرأها، ثم رجع إلى مكانه الذي انتهى إليه لا يتتعتع (٣). فإذا صح ما قلناه مع ما ثبت من تقدمهم وتقدمة الرسول لهم وجب أن يكونوا حفاظًا للقرآن، وأن يكون ذلك أولى من الأخبار التي ذكر فيها أن الحفاظ كانوا على عهد رسول الله ﷺ أربعة ليس فيهم أحد من هؤلاء الأئمة القادة، الذين هم عمدة الدين وفقهاء المسلمين. فصل: قوله في حديث ابن مسعود: (فوجد منه ريح الخمر، فضربه الحد) هو حجة لمالك وأصحابه وجماعة من أهل الحجاز أن الحد عندهم

стр. 14272

يجب بالرائحة إذا شهد بها عدلان عند الحاكم، وهو خلاف قول الشافعي وأبي حنيفة في آخرين؛ لأنه لا حد بالرائحة، وتأولوا هذا على أنه اعترف، وضرب ابن مسعود له؛ لأنه كان نائبًا عن الإمام إذ ذاك (١). وقوله للرجل: (تُكَذِّبُ بكتاب الله) يعني تنكر بعضه جاهلًا، وليس المراد التكذيب الحقيقي، فإنه لو فعل ذلك حقيقة لكفر؛ لإجماعهم على أن من جحد حرفًا مجمعًا عليه من القرآن كفر، تجري عليه أحكام المرتدين. فصل: حديث شقيق عن عبد الله رواه البخاري عن عمر بن حفص، ثنا أبي، ثنا الأعمش، ثنا شقيق، وهذا هو الصواب، قال الجياني: وفي نسخة أبي محمد عن أبي أحمد: ثنا حفص بن عمر، ثنا أبي. وإنما هو عمر بن حفص (٢). فصل: قول عمر: (أقرؤنا أُبَيٌّ وإنا لندع من لحنه) أي: من لغته. قال الهروي: وكان يقرأ: (التابوه). وإنما ذلك لما علموا من نسخ ما تركوه. واللحن بسكون الحاء: اللغة، وبالفتح: الفطنة، واللحن: إزالة الإعراب عن وجهه، بالإسكان.

стр. 14273

فصل: أبو زيد السالف هو قيس بن السكن بن قيس بن زعوراء بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، شهد بدرًا، وقتل يوم جسر أبي عبيد، ولا عقب له. وزيد بن ثابت هو ابن الضحاك بن زيد بن لوزان بن عمرو بن عبد بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار. وأُبي بن كعب هو ابن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية أخي عدي ابني عمرو بن مالك بن النجار. ومعاذ سلف في مناقبه. وأبو الدرداء: عويمر بن زيد بن قيس بن عبسة بن أمية بن مالك بن عامر، أخي ابني عدي، أخي ئعلبة، ابني كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج. فصل: وفي بني الحارث بن الخزرج، أخي الأوس ابن حارثة أبو زيد أيضًا ثابت بن قيس بن زيد بن النعمان بن مالك الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج، الأصغر بن الحارث، فولد أبو زيد بن ثابت بشيرًا -قتل يوم الحرة- وأوسًا وزيدًا (درج) (١) شهد ثابت بن زيد أُحدًا وما بعدها من المشاهد، وقيل: إنه جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ ، نزل البصرة، ثم رجع إلى المدينة فمات بها في عهد عمر، وولده أبو زيد سعيد بن أوس بن ثابت بن بشير بن أبي زيد ثابت بن زيد بن قيس الأنصاري البصري النحوي. قال أبو زيد الأنصاري: هو جدي، وهو أحد الستة الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ وهلك في خلافة عمر بن الخطاب

стр. 14274

بالمدينة، فقام على قبره، فقال: رحمك الله يا زيد، لقد دفن العلم وأعظم أهل الأرض أمانة. وأبو زيد الثالث: سعد بن عبيد بن النعمان السالف الأوسي، وهو الذي يقال له: سعد القارئ، ولم يكن أحد من الصحابة يسمى القارئ غيره، وهو أول من جمع الأنصار من السالف، ولا عقب له، ولم يجمع القرآن من الأوس [غيره] (١) ممن شهد بدرًا وبعدها قيل: إنه قتل بالقادسية سنة ست عشرة، وهو ابن أربع وستين سنة، وكان انهزم يوم الجسر حين أصيب أبو عبيد فغسلها عنه يوم القادسية، وابنه عمر بن سعد له صحبة، ولاه عمر حمصَ بعد سعيد بن عامر الجمحي، وشهد عمَّا سعد: سماكٌ وفضالة بن النعمان أحدًا فصل: قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو راجعة إلى أُبي، وقراءة ابن عامر إلى عثمان، وقراءة عاصم وحمزة والكسائي إلى عثمان وعلي وابن مسعود ﵃.

стр. 14275

٩ - باب فَضْلِ فَاتِحَةِ الكِتَابِ ٥٠٠٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي، فَدَعَانِي النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ أُجِبْهُ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي. قَالَ: «أَلَمْ يَقُلِ اللهُ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾؟ [الأنفال: ٢٤] " ثُمَّ قَالَ: "أَلَا أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ؟». فَأَخَذَ بِيَدِي، فَلَمَّا أَرَدْنَا أَنْ نَخْرُجَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ قُلْتَ: "لأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ". قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢] هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ». [انظر: ٤٤٧٤ - فبَح: ٩/ ٥٤] ٥٠٠٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا وَهْبٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ مَعْبَدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كُنَّا فِي مَسِيرٍ لَنَا فَنَزَلْنَا، فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ فَقَالَتْ: إِنَّ سَيِّدَ الْحَيِّ سَلِيمٌ، وَإِنَّ نَفَرَنَا غُيَّبٌ فَهَلْ مِنْكُمْ رَاقٍ؟ فَقَامَ مَعَهَا رَجُلٌ مَا كُنَّا نَأْبُنُهُ بِرُقْيَةٍ، فَرَقَاهُ فَبَرَأَ، فَأَمَرَ لَهُ بِثَلَاثِينَ شَاةً وَسَقَانَا لَبَنًا، فَلَمَّا رَجَعَ قُلْنَا لَهُ: أَكُنْتَ تُحْسِنُ رُقْيَةً أَوْ كُنْتَ تَرْقِي؟ قَالَ: لَا، مَا رَقَيْتُ إِلاَّ بِأُمِّ الْكِتَابِ. قُلْنَا: لَا تُحْدِثُوا شَيْئًا حَتَّى نَأْتِيَ -أَوْ نَسْأَلَ- النَّبِيَّ ﷺ فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَكَرْنَاهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «وَمَا كَانَ يُدْرِيهِ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟! اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ». وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، حَدَّثَنِي مَعْبَدُ بْنُ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ بِهذا. [انظر: ٢٢٧٦ - مسلم: ٢٢٠١ - فتح: ٩/ ٥٤] ذكر فيه حديث أبي سعيد بن المعلى السالف في تفسير الفاتحة (١)، وحديث أبي سعيد الخدري في الرقية بها، وقد سلف في الإجارة

стр. 14276

وغيرها (١)، وقال هنا: (ثلاثين شاة). وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي (٢). ومحمد في إسناده هو ابن سيرين، روى عن أخيه معبد بن سيرين كما ذكره بعدها. والسليم: اللديغ، من باب التفاؤل. وقوله: (فقام معها رجل ما كنا نأبنه) هو بضم الباء الموحدة وكسرها يقال: أبنت الرجل آبُنه وآبنِه: إذا اتهمته ورميته بشر. وقال صاحب "الأفعال": أبنت الرجل بخير أو شر: نسبتهما إليه، أبنه أبنًا (٣). وقوله: (فبرأ) يقال: برِئ من المرض وبرَأ. ثم ذكر بعد معلقًا عن أبي معمر، عن محمدبن سيرين، ثنا معبد بن سيرين، عن أبي سعيد الخدري بهذا. وأبو معمر اسمه عبد الله بن عمرو المقعد، مات سنة أربع وعشرين ومائتين. وفيه: جواز الرقية وأخذ الأجرة عليها، والتوقف فيما لا يتحقق تحليله ولا تحريمه.

стр. 14277

واختصت الفاتحة بأمور: منها: أنها فاتحة القرآن، ومبدؤُهُ، ومختصة بجميع علومه؛ لاحتوائها على الثناء على الله والأمر بالعبادات والإخلاص فيها والاعتراف بالعجز عن القيام بشيء منها وعلى الابتهال إلى الله والهداية، وعلى بيان عاقبة الجاحدين، نبه على ذلك القرطبي، قال: ويظهر لي أن السورة كلها موضع الرقية لما ذكرناه، ولقوله: ("وما يدريك أنها رقية؟! ") ولم يقل: فيها رقية (١). وأما حديث عبد الرحمن بن حرملة عن ابن مسعود: كان ﵇ يكره الرقى إلا بالمعوذات. أخرجه أبو داود (٢). وقال البخاري في "تاريخه": لا يصح (٣). قال ابن عدي: يعني أن عبد الرحمن لم يسمع من عبد الله (٤). وقال ابن المديني: حديث كوفي، وفي إسناده من لا يعرف، وابن حرملة لا نعرفه في أصحاب عبد الله (٥). وقال أبو حاتم: ليس بحديث عبد الرحمن بأس، روى حديثًا واحدًا ما يمكن أن يعتبر به، ولم أر أحدًا ينكره ويطعن عليه، يحول من الضعفاء (٦). وقال الساجي: لا يصح حديثه. وأما ابن حبان فذكره في "ثقاته" وأخرج حديثه في "صحيحه" (٧)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد (٨).

стр. 14278

فان قلت: كيف شفي الكافر برقية أبي سعيد بالفاتحة، وقد قال تعالى: ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] قلتُ: الرحمة إنما جعلت لهم؛ لأنهم كانوا في مخمصة فانتفعوا بها.

стр. 14279

١٠ - باب فَضْل البَقَرَةِ ٥٠٠٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ -قَالَ: مَنْ قَرَأَ بِالآيَتَيْنِ". [انظر: ٤٠٠٨ - مسلم: ٨٠٧، ٨٠٨ - فتح: ٩/ ٥٥] ٥٠٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ -قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ قَرَأَ بِالآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ. [انظر: ٤٠٠٨ - مسلم: ٨٠٧، ٨٠٨ - فتح: ٩/ ٥٥] ٥٠١٠ - وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ -قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَصَّ الْحَدِيثَ، فَقَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ، لَنْ يَزَالَ مَعَكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «صَدَقَكَ وَهْوَ كَذُوبٌ، ذَاكَ شَيْطَانٌ». [انظر: ٢٣١١ - فتح: ٩/ ٥٥] ذكر فيه حديث إبراهيم، عن عبد الرحمن -وهو ابن يزيد- عن أبي مسعود -واسمه عقبة بن عمرو البدري- عن النبي ﷺ قال: "مَنْ قَرَأَ بِالآيَتَيْنِ -وفي لفظ: مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ- فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ". وقد سلف (١). قال الجياني: وفي نسخة أبي محمد عن أبي أحمد، عن عبد الرحمن، عن ابن مسعود -والصواب أبو مسعود مكنى؛ لأنه مشهور به- وعنه خرجه مسلم والناس (٢).

стр. 14280

ثم قال البخاري: وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ الهَيْثَمِ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضانَ .. الحديث في آية الكرسي. وقد سلف كذلك في الوكالة (١)، والفضائل (٢)، وصفة إبليس (٣). وأخرجه النسائي عن إبراهيم بن يعقوب، عن عثمان (٤)؛ فكأن البخاري أخذه عنه مذاكرة. فصل: الآيتان من قوله: ﴿ءَامَنَ اَلرَّسُولُ﴾ إلى آخر السورة كما ذكره ابن التين. وسبب تخصيصهما بما تضمنتا من الثناء على رسول الله وعلى أصحابه لجميل انقيادهم إلى الله وابتهالهم ورجوعهم إليه في جميع أمورهم، ولما حصل فيهما من إجابة دعائهم. فصل: وفي قوله ("كفتاه") أقوالٌ: أظهرها: من قيام ليلة، وقد جاء مصرحًا به في رواية علقمة عن أبي مسعود البدري أنه قال: من قرأ خاتمة سورة البقرة أجزأت عنه قيام ليلة. قال: وأعطي رسول الله ﷺ خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش (٥).

стр. 14281

أخرجه ابن الضريس، عن موسى بن إسماعيل، عن حماد، عن عاصم بن بهدلة، عن علقمة به (١). وقريب منه: "أقل ما يكفي من قيام الليل آيتان" يريد مع أم القرآن. وقال ابن شبرمة في البخاري بعد هذا: نظرت كم يكفي الرجل من القرآن فلم أجد سورة أقل من ثلاث آيات، فقلت: لا ينبغي لأحد أن يقرأ أقل من ثلاث آيات (٢). وفيه: قول ثان: تكفيه مما يكون من الآفات تلك الليلة. وثالث: من الشيطان وشره. ورابع: من خوفه إن كان له خوف من القرآن. وقيل: حسبه بهما أجرًا وفضلًا. فصل: في "مستدرك الحاكم" من حديث النعمان بن بشير مرفوعًا: "إن الله كتب كتابًا قبل خلق السموات والأرض بألفي عام، وأنزل به آيتين ختم بهما سورة البقرة؛ لا يقرآن في دار فيقربها الشيطان ثلاث ليال". ثم قال: على شرط مسلم (٣). ومن حديث عقبة بن عامر مرفوعا: "اقرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة، فإني أعطيتهما من تحت العرش"، ثم قال: صحيح على شرط مسلم (٤).

стр. 14282

وعن أبي ذر ﵁ بنحوه على شرط البخاري (١). ومن حديث معاذ لما مسك الجني الذي سرق تمرة مرة بعد أخرى فقال له في الثانية: إني لا أعود، وآية ذلك أنه لا يقرأ أحد منكم خاتمة سورة البقرة فيدخل أحد منا في بيته تلك الليلة. ثم قال: صحيح الإسناد (٢). فصل: في "مستدرك الحاكم " -وقال: صحيح الإسناد- من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "سيدة آي القرآن آية الكرسي" (٣). وفي "جامع الترمذي" -وقال: غريب- عنه مرفوعًا: "لكل شيء سنام، وإن سنام القرآن سورة البقرة فيها آية الكرسي" (٤). وأصله في "صحيح ابن حبان" (٥) زاد ابن عيينة في "جامعه" من حديث أبي صالح عنه: "فيها آية الكرسي وهي سنام آي القرآن، ولا تقرأ في دار فيها شيطان إلا خرج منها". وعن ابن مسعود ﵁ قال: ما خلق الله في سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي (٦). زاد أبو ذر الهروي في "فضائل القرآن" مرفوعًا: "أعظم آية في القرآن ﴿اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ " (٧).

стр. 14283

وللحاكم: "إن لكل شيء سنامًا وسنام القرآن البقرة". وصحح إسناده، قال: وقد روي موقوفًا (١). قلت: وأخرجه ابن الضريس بإسناد فيه مجهول، عن أبي ذر قلت: يا رسول الله أيما أنزل عليك أعظم؟ قال: "آيه الكرسي" (٢) والنسائي في "عمل اليوم والليلة" من حديث أُبي بن كعب بنحو حديث أبي هريرة (٣). وقال الضياء: وقد ذكر نحوه عن معاذ بن جبل وأبي أسيد وزيد بن ثابت، وفي "الدلائل للبيهقي" عن بريدة بن الحصيب نحوه، وقال: هذا غير قصة معاذ؛ فيحتمل أن يكونا محفوظين، ويذكر عن أبي أيوب الأنصاري أنه وقع له ذلك (٤). وأخرجه ابن أبي شيبة عنه مرفوعًا: "والذي نفسي بيده إن لهذِه الآية -يعني: آية الكرسي- لسانًا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش" (٥) وروى أبو الشيخ من حديث سلمة بن وردان -المضعف- عن أنس مرفوعًا: "آية الكرسي ربع القرآن العظيم" (٦).

стр. 14284

فصل: إذا كان من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة كفتاه، ومن قرأ آية الكرسي كان عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح، فما ظنك بمن قرأها كلها، من كفاية الله تعالى له وحرزه وحمايته من الشيطان وغيره، وعظم ما يدخر له من ثوابها؛ وقد روي هذا المعنى عن رسول الله ﷺ ، وروى معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "تعلموا القرآن، فإنه شافع لأصحابه يوم القيامة، تعلموا البقرة وآل عمران، تعلموا الزهراوين فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، -أو غيايتان. أو كأنهما فرقان من طير صواف- تحاجان عن صاحبهما، وتعلموا البقرة فإن تعلمها بركة، وإن في تركها حسرة، ولا تطيقها البطلة" (١)، وقال ابن مسعود: إن الشيطان يخرج من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة (٢). والمراد: يأتيان كأنهما غمامتان: ثوابهما، والغمامتان السحابتان، والغيايتان: المزانتان، وهو شك من الراوي. فصل: في حديث أبي هريرة أن الجن تبدى في صورة رجل، وأنهم يطعمون مما يأكل الناس ويحفظون القرآن، وأنه ربما انتفع الموعوظ دون الواعظ، وأن الكذوب ربما صدق ولعل ذلك شيطان قرأ آيه الكرسي فنجاه الله بها.

стр. 14285

١١ - باب فَضْل الكَهْفِ ٥٠١١ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ وَإِلَى جَانِبِهِ حِصَانٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنِ، فَتَغَشَّتْهُ سَحَابَةٌ، فَجَعَلَتْ تَدْنُو وَتَدْنُو، وَجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ بِالْقُرْآنِ». [انظر: ٣٦١٤ - مسلم: ٧٩٥ - فتح: ٩/ ٥٧] ذكر فيه حديث البَرَاءِ ﵁ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الكَهْفِ وَإِلَى جَانِبِهِ حِصَانٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنِ، فَتَغَشَّتْهُ سَحَابَةٌ، فَجَعَلَتْ تَدْنُو وَتَدْنُو، وَجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ للقرآن". هذا الحديث سلف (١). والحصان: الفحل من الخيل. وقال ابن التين: هو بكسر الحاء: الفرس العتيق. قيل: سمي بذلك؛ لأنه ظُنَّ بمائه فلم يُنْزَ إلا على كريمة، ثم كثر ذلك حتى سموا كل ذكر من الخيل حصانًا (٢). والشطن: الحبل، وقيل: هو الطويل. وفي مسلم أيضًا: فجعلت تدور وتدنو (٣). وروى الثوري عن أبي هاشم الواسطي عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، عن أبي سعيد الخدري قال: من قرأ سورة الكهف كما أنزلت ثم أدرك الدجال لم يسلط عليه، ومن قرأ خاتمة سورة الكهف أضاء نوره من حيث قرأها مما بينه وبين مكة (٤).
следующие страницы →