← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 14281–14320 · переход к 14286.

стр. 14281

أخرجه ابن الضريس، عن موسى بن إسماعيل، عن حماد، عن عاصم بن بهدلة، عن علقمة به (١). وقريب منه: "أقل ما يكفي من قيام الليل آيتان" يريد مع أم القرآن. وقال ابن شبرمة في البخاري بعد هذا: نظرت كم يكفي الرجل من القرآن فلم أجد سورة أقل من ثلاث آيات، فقلت: لا ينبغي لأحد أن يقرأ أقل من ثلاث آيات (٢). وفيه: قول ثان: تكفيه مما يكون من الآفات تلك الليلة. وثالث: من الشيطان وشره. ورابع: من خوفه إن كان له خوف من القرآن. وقيل: حسبه بهما أجرًا وفضلًا. فصل: في "مستدرك الحاكم" من حديث النعمان بن بشير مرفوعًا: "إن الله كتب كتابًا قبل خلق السموات والأرض بألفي عام، وأنزل به آيتين ختم بهما سورة البقرة؛ لا يقرآن في دار فيقربها الشيطان ثلاث ليال". ثم قال: على شرط مسلم (٣). ومن حديث عقبة بن عامر مرفوعا: "اقرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة، فإني أعطيتهما من تحت العرش"، ثم قال: صحيح على شرط مسلم (٤).

стр. 14282

وعن أبي ذر ﵁ بنحوه على شرط البخاري (١). ومن حديث معاذ لما مسك الجني الذي سرق تمرة مرة بعد أخرى فقال له في الثانية: إني لا أعود، وآية ذلك أنه لا يقرأ أحد منكم خاتمة سورة البقرة فيدخل أحد منا في بيته تلك الليلة. ثم قال: صحيح الإسناد (٢). فصل: في "مستدرك الحاكم " -وقال: صحيح الإسناد- من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "سيدة آي القرآن آية الكرسي" (٣). وفي "جامع الترمذي" -وقال: غريب- عنه مرفوعًا: "لكل شيء سنام، وإن سنام القرآن سورة البقرة فيها آية الكرسي" (٤). وأصله في "صحيح ابن حبان" (٥) زاد ابن عيينة في "جامعه" من حديث أبي صالح عنه: "فيها آية الكرسي وهي سنام آي القرآن، ولا تقرأ في دار فيها شيطان إلا خرج منها". وعن ابن مسعود ﵁ قال: ما خلق الله في سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي (٦). زاد أبو ذر الهروي في "فضائل القرآن" مرفوعًا: "أعظم آية في القرآن ﴿اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ " (٧).

стр. 14283

وللحاكم: "إن لكل شيء سنامًا وسنام القرآن البقرة". وصحح إسناده، قال: وقد روي موقوفًا (١). قلت: وأخرجه ابن الضريس بإسناد فيه مجهول، عن أبي ذر قلت: يا رسول الله أيما أنزل عليك أعظم؟ قال: "آيه الكرسي" (٢) والنسائي في "عمل اليوم والليلة" من حديث أُبي بن كعب بنحو حديث أبي هريرة (٣). وقال الضياء: وقد ذكر نحوه عن معاذ بن جبل وأبي أسيد وزيد بن ثابت، وفي "الدلائل للبيهقي" عن بريدة بن الحصيب نحوه، وقال: هذا غير قصة معاذ؛ فيحتمل أن يكونا محفوظين، ويذكر عن أبي أيوب الأنصاري أنه وقع له ذلك (٤). وأخرجه ابن أبي شيبة عنه مرفوعًا: "والذي نفسي بيده إن لهذِه الآية -يعني: آية الكرسي- لسانًا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش" (٥) وروى أبو الشيخ من حديث سلمة بن وردان -المضعف- عن أنس مرفوعًا: "آية الكرسي ربع القرآن العظيم" (٦).

стр. 14284

فصل: إذا كان من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة كفتاه، ومن قرأ آية الكرسي كان عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح، فما ظنك بمن قرأها كلها، من كفاية الله تعالى له وحرزه وحمايته من الشيطان وغيره، وعظم ما يدخر له من ثوابها؛ وقد روي هذا المعنى عن رسول الله ﷺ ، وروى معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "تعلموا القرآن، فإنه شافع لأصحابه يوم القيامة، تعلموا البقرة وآل عمران، تعلموا الزهراوين فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، -أو غيايتان. أو كأنهما فرقان من طير صواف- تحاجان عن صاحبهما، وتعلموا البقرة فإن تعلمها بركة، وإن في تركها حسرة، ولا تطيقها البطلة" (١)، وقال ابن مسعود: إن الشيطان يخرج من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة (٢). والمراد: يأتيان كأنهما غمامتان: ثوابهما، والغمامتان السحابتان، والغيايتان: المزانتان، وهو شك من الراوي. فصل: في حديث أبي هريرة أن الجن تبدى في صورة رجل، وأنهم يطعمون مما يأكل الناس ويحفظون القرآن، وأنه ربما انتفع الموعوظ دون الواعظ، وأن الكذوب ربما صدق ولعل ذلك شيطان قرأ آيه الكرسي فنجاه الله بها.

стр. 14285

١١ - باب فَضْل الكَهْفِ ٥٠١١ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ وَإِلَى جَانِبِهِ حِصَانٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنِ، فَتَغَشَّتْهُ سَحَابَةٌ، فَجَعَلَتْ تَدْنُو وَتَدْنُو، وَجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ بِالْقُرْآنِ». [انظر: ٣٦١٤ - مسلم: ٧٩٥ - فتح: ٩/ ٥٧] ذكر فيه حديث البَرَاءِ ﵁ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الكَهْفِ وَإِلَى جَانِبِهِ حِصَانٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنِ، فَتَغَشَّتْهُ سَحَابَةٌ، فَجَعَلَتْ تَدْنُو وَتَدْنُو، وَجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ للقرآن". هذا الحديث سلف (١). والحصان: الفحل من الخيل. وقال ابن التين: هو بكسر الحاء: الفرس العتيق. قيل: سمي بذلك؛ لأنه ظُنَّ بمائه فلم يُنْزَ إلا على كريمة، ثم كثر ذلك حتى سموا كل ذكر من الخيل حصانًا (٢). والشطن: الحبل، وقيل: هو الطويل. وفي مسلم أيضًا: فجعلت تدور وتدنو (٣). وروى الثوري عن أبي هاشم الواسطي عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، عن أبي سعيد الخدري قال: من قرأ سورة الكهف كما أنزلت ثم أدرك الدجال لم يسلط عليه، ومن قرأ خاتمة سورة الكهف أضاء نوره من حيث قرأها مما بينه وبين مكة (٤).

стр. 14286

وقال قتادة: من قرأ عشر آيات من أوِل سورة الكهف عصم من الدجال (١). فصل: اختلف أهل التأويل في تفسير السكينة، فعن علي: هي ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان (٢). وعنه أنها ريح حجوح ولها رأسان (٣). وعن مجاهد: لها رأس كرأس الهر وجناحان وذنب كذنب الهر (٤). وعن العباس والربيع: هي دابة مثل الهر لعينيها شعاع فإذا التقى الجمعان أخرجت (بكرتها) (٥) فنظرت إليهم فينهزم ذلك الجيش من الرعب (٦). وعن ابن عباس والسدي: هي طست من ذهب من الجنة يغسل فيها قلوب الأنبياء (٧). وعن أبي مالك: طست من ذهب ألقى فيه موسى الألواح والتوراة والعصا (٨).

стр. 14287

وعن وهب: روح من الله تتكلم إذا اختلفوا في شيء بين لهم ما يريدون (١). وعن الضحاك: الرحمة (٢). وعن عطاء: ما تعرفون من الآيات فتسكنون إليها. وهو اختيار الطبري (٣). وتنزل السكينة لتسمع القرآن يدل على خلاف قول السدي أنها طست من ذهب، ويشهد لصحة قول من قال أنها روح أو شيء فيه روح. فصل: جاء في "مستدرك الحاكم" من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين" ثم قال: صحيحًا (٤). قلت: فيه نعيم بن حماد وقد أخرج له البخاري ووثقه أحمد وجماعة، وتكلم فيه غيرهم (٥). وفي رواية البيهقي: "أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق". قال: وروي موقوفًا (٦).

стр. 14288

وعنه أيضًا: "من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور فيما بينه وبين البيت العتيق". رواه الدارمي من حديث أبي مجلز عن قيس بن عباد عن أبي سعيد (١). وفي الباب عن ابن عمر أيضًا مرفوعًا (٢). قال ابن التين: ويقال: إنها حرز لقائلها من الجمعة إلى الجمعة إذا لم يفرق بين تلاوتها.

стр. 14289

١٢ - باب فَضْل سُورَةِ الفَتْحِ ٥٠١٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَسِيرُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسِيرُ مَعَهُ لَيْلاً، فَسَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ شَيْءٍ فَلَمْ يُجِبْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَقَالَ عُمَرُ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، نَزَرْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلَّ ذَلِكَ لَا يُجِيبُكَ. قَالَ عُمَرُ: فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي حَتَّى كُنْتُ أَمَامَ النَّاسِ، وَخَشِيتُ أَنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ، فَمَا نَشِبْتُ أَنْ سَمِعْتُ صَارِخًا يَصْرُخُ. قَالَ: فَقُلْتُ: لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ فِيَّ قُرْآنٌ. قَالَ: فَجِئْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: «لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ». ثُمَّ قَرَأَ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ [الفتح: ١]. [انظر: ٤١٧٧ - فتح: ٩/ ٥٨] ذكر فيه حديث زيد بن أسلم عن أبيه السالف في سورة الفتح من التفسير (١). وقد سلف أن معنى نزرت: ألححت، وأنه روي بالتشديد والمعروف التخفيف. وفيه حديث عائشة ﵂: "وما كان لكم أن تنزروا رسول الله ﷺ على الصلاة" (٢). أي: تلحوا عليه فيها. وقول عمر: (فحركت بعيري) .. إلى آخره. رواه ابن أسلم عن عمر، ولا شك فيه. وقوله: (فما نشبت) أي لبثت.

стр. 14290

فصل: فإن قلت: فما معنى قوله ﵇: "لَهِيَ أَحَبُّ إِفَيَ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ". مع خساسة قدر الدنيا عنده وضِعة منزلتها؟ قلتُ: له وجهان: أحدهما: أن المراد بما ذكر أنها أحب إليه من كل شيء لا شيء إلا الدنيا والآخرة؛ فأخرج عن ذكر الشيء بذكر الدنيا، إذ لا شيء سواها إلا الآخرة. ثانيهما: أنه خاطب بذلك على ما جرى في الاستعمال في المخاطب من قولهم إذا أراد أحدهم الخبر عن نهاية محبتِه الشيءَ: هو أحب إلي من الدنيا وما أعدل به من الدنيا شيئًا، كما قال تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق: ١٥] ومعنى ذلك المذلة بذلك فخاطبهم بما يتعارفونه.

стр. 14291

١٣ - باب فَضْل ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١] فِيهِ عَمْرَةُ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النِّبيِّ ﷺ . [٧٣٧٥] ٥٠١٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَجُلاً سَمِعَ رَجُلاً يَقْرَأُ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١] يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ -وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا- فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «وَالَّذِى نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ». [٦٦٤٣، ٧٣٧٤ - فتح: ١/ ٥٨] ٥٠١٤ - وَزَادَ أَبُو مَعْمَرٍ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَخْبَرَنِي أَخِي قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ أَنَّ رَجُلاً قَامَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَقْرَأُ مِنَ السَّحَرِ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١] لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ نَحْوَهُ. [فتح: ٩/ ٥٩] ٥٠١٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ وَالضَّحَّاكُ الْمَشْرِقِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَصْحَابِهِ: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ». فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا: أَيُّنَا يُطِيقُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: «اللهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ الْقُرْآنِ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: عَنْ إِبْرَاهِيمَ مُرْسَلٌ، وَعَنِ الضَّحَّاكِ الْمَشْرِقِيِّ مُسْنَدٌ. [فتح: ٩/ ٥٩] ثم ساق حديث أبي سعيد الخدري رضي- الله عنه مرفوعًا: "إنها لتعدل ثلث القرآن". قاله حين سمع رجلًا يقرؤها ويرددها. وزًادَ أَبُو مَعْمَرٍ: ثنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مَالِكٍ، فذكر نَحْوَهُ. وفي رواية: "أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ القُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ". فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا: أَيُّنَا يُطِيقُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: "اللهُ الوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ القُرْآنِ".

стр. 14292

الشرح: قوله (وزاد أبو معمر) هو شيخه عبد الله بن عمرو المقعد. كذا قاله الدمياظي، ووقع لشيخنا (١) أنه إسماعيل بن إبراهيم بن معمر بن الحسن الهروي البغدادي، فليحرر هذا (٢). وأسنده الإسماعيلي عن أبي يعلى والحسن بن سفيان وغيرهما عنه به. قال الدارقطني: ورواه كذلك أيضًا أبو صفوان وعباد بن صهيب وإبراهيم بن المختار (٣). وعمر بن هارون عن مالك عند الإسماعيلي. وفي "مسند ابن وهب" عن ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن أبي الهيثم عن أبي سعيد أنه قال: بات قتادة بن النعمان يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾ حتى أصبح، فذكرها لرسول الله ﷺ ، فقال: "والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن أو نصفه". قال أبو عمر: هذا شك من الراوي لا من الشارع على أنها لفظة غير محفوظة في هذا الحديث، ولا في غيره، والصحيح الثابت في هذا الحديث وغيره: "إنها لتعدل ثلث القرآن". دون شك (٤).

стр. 14293

وأخرجها الحاكم في "مستدركه" من حديث أبي هريرة مرفوعًا -وقال: صحيح الإسناد-: "لا ينامن أحدكم حتى يقرأ ثلث القرآن". قالوا: وكيف يستطيع أحدنا أن يقرأ ثلث القرآن؟ قال: "أفلا تستطيعون أن تقروا بـ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾؟ " (١). وعند مسلم: "ألا وإنها -يعني الإخلاص- تعدل ثلث القرآن" (٢). فصل: وهذا المتن وهو: "إنها تعدل ثلث القرآن". رواه مع أبي سعيد جماعة من الصحابة: أبي بن كعب وعمر -وذكرهما ابن عبد البر (٣) - وأم كلثوم بنت عقبة وابن مسعود وأبو الدرداء وابن عمر وأبو أيوب وأبو مسعود الأنصاريان، وسماك عن النعمان بن بشير، وأبان عن أنس (٤). فصل: في كونها ثلث القرآن معان: أحدها: أنه مشتمل على ثلاثة أنحاء: قصص وأحكام وصفات الله تعالى. وهذِه السورة متمحضة للصفات، فهي ثلث وجزء من ثلاثة أجز اء، ذكره المازري (٥) وغيره.

стр. 14294

ثانيها: معناه أن ثواب قراءتها يضاعف بقدر ثلث القرآن بغير تضعيف. ثالثها: أن القرآن لا يتجاوز ثلاثة أقسام: إرشاد إلى معرفة الرب ومعرفة أسمائه وصفاته، أو معرفة أفعاله وسننه في عباده، فلما اشتملت هذِه السورة على أحد هذِه الأقسام الثلاثة وهي التقديس وازنها الشارع بثلث القرآن. وعبارة بعضهم: أنه ثلاثة أجزاء: قصص وعبر وأمثال، والثاني: الأمر والنهي والثواب والعقاب، والثالث: التوحيد والإخلاص. رابعها: أن من عمل بما تضمنته من الإقرار بالتوحيد والإذعان للخالق كمن قرأ ثلث القرآن. خامسها: أنه قال لشخص معين قصده؛ لأنه رددها فحصل له من تردادها وتكرارها قدر تلاوة الثلث، قاله أبو عمر. قال أيضًا: ونقول بما ثبت عن رسول الله ﷺ ولا نعده ونكل ما جهلناه من معناه، فنرده إليه ولا ندري لم تعدل الثلث؟ وقال القابسي: لعل الرجل الذي بات يرددها كانت منتهى حظه، فجاء يقلل عمله فقال له الشارع: "إنها لتعدل ثلث القرآن" (١). ترغيبًا له في عمل الخير وإن قل. وفيه: أن يجازي عبده على اليسير بأفضل مما يجازي على الكثير. سادسها: قاله ابن راهويه: ليس معناها أنه لو قرأ القرآن كله كانت قراءة: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾ تعدل ذلك إذا قرأها ثلاث مرات، ولو قرأها أكثر من مائة مرة، وإنما معناه أن الله جعل لكلامه فضلًا على سائر الكلام، ثم فضل بعض كلامه على بعض بأن جعل لبعضه ثوابًا أضعاف

стр. 14295

ما جعل لبعض، تحريضًا منه على تعلمه وكثرة قراءته (١). قال أبو عمر: من لم يجب في هذا أخلص عمن أجاب فيه (٢). وقال القرطبي: هذِه السورة اشتملت على اسمين من أسمائه يتضمنان جميع أوصاف كماله لم توجد في غيرها من جميع السور، وهما الأحد والصمد، فإنهما يدلان على أحدية الذات المقدسة الموصوفة بجميع أوصاف الكمال، فإن الأحد في أسمائه مشعر بوجوده الخاص الذي لا يشاركه فيه غيره، وأما الصمد فهو المتضمن لجميع أوصاف الكمال؛ لأنه الذي انتهى سؤدده، ولا يصح ذلك مجتمعًا إلا لمن حاز جميع خصال الكمال حقيقة، وذلك لا يكتمل إلا لله؛ فقد ظهر لهذين الاسمين وشمول الدلالة على الله وصفاته ما ليس لغيرهما من الأسماء، وظهرت خصوصية هذِه السورة بأنها ثلث القرآن العظيم (٣). وقال الأصيلي: تعدل لقارئها أي: ثوابها يعدل ثلث القرآن ليس فيه: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾ فأما أن نفضل كلام ربنا بعضه على بعض فلا؛ لأنه كله صفة له ولا تفاضل؛ لأن المفضول ناقص، وهذا ماشٍ على أحد المذهبين أنه لا تفضيل فيه. ونقله المهلب عن الأشعري وأبي بكر بن الطيب والداودي وجماعة علماء السنة. فائدة: روى مسلم بن إبراهيم عن الحسن بن أبي جعفر، ثنا ثابت، عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾ هو مائتي

стр. 14296

مرة غفر له ذنب مائتي سنة". وهو غريب من حديث ثابت، تفرد به الحسن (١) عنه (٢). قوله: ("أيعجز أحدكم") إلى آخره استنبط منه الداودي التكليف بما لا يشق وتأخير البيان إلى وقت الحاجة. وفيه أيضًا أن عدم الترتيب في السور جائز؛ لأنه إذا قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾ فالترتيب أن يقرأ ما بعدها فإذا أعادها فكأنه قرأ ما فوقها. وفي حديث أبي الدرداء: "أيعجز أحدكم أن يقرأ كل ليلة ثلث القرآن؟ ". قالوا: نحن أعجز. قال: "إن الله جزأ القرآن فجعل ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾ جزءًا من أجزاء القرآن" (٣). وهو شاهد لما أسلفناه. فصل: رواية إسماعيل بن جعفر عن مالك السالفة داخلة في رواية الأقران والمدبج (٤).

стр. 14297

فصل: الرجل الذي كان يتقالها هو قتادة بن النعمان الظفري كما أسلفناه من "مسند ابن وهب" وهو أخو أبي سعيد الخدري لأمه، فإنه قتادة بن النعمان بن زيد بن عامر بن سواد بن ظفر، وهو كعب بن الخزرج بن عمرو ابن النبيت بن مالك بن الأوس أخي الخزرج ابني حارثة أبو عمرو أو أبو عبد الله، وأُم أبي سعيدٍ سعدٍ والفريعةِ (١) ابني مالك بن الشهيد -واسمه سنان بن ثعلبة بن عبيد بن أبجر، وهو خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج أخي الأوس- أنيسةُ بنت عمرو بن قيس بن مالك بن عدي بن عامر بن تميم بن عدي بن النجار. شهد (٢) العقبة وبدرًا وأحدًا، وسائر المشاهد، وقدم المدينة بـ ﴿كهيعص (١)﴾ بعد قدوم رافع بن مالك بسورة يوسف، فكان يكثر أن يقرأها في الدار وكانوا يستهزءون به، وكان أهل المجلس إذا رأوه طالعًا قالوا: هذا زكريا قد جاءكم لكثرة ما فيها من زكريا. وأصيبت عينه يوم أحد، وكان حديث عهد بعرس، فأخذها رسول الله ﷺ بيده

стр. 14298

فردها في موضعها ثم غمزها بردائه ثم قال: "اللهم اكسه جمالًا" وكانت سالت على خده وأرادوا قطعها، فكانت أحسن عينيه وأحدهما نظرًا (١). وعمه رفاعة بن زيد بن عامر بن سواد، وهو الذي سرق بنو أبيرق درعَهُ وطعامَهُ ونزل فيهم: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآيات [النساء: ١٠٧]. مات قتادة سنة ثلاث وعشرين وصلى عليه عمر، ونزل في قبره أخوه أبو سعيد ومحمد بن مسلمة والحارث بن خزيمة. وشهد قتادة العشاء مع رسول الله ﷺ في ليلة ذات ظلمة وبرق ومطر، فقال له ﷺ : "إذا انصرفت فأتني" فلما انصرف أعطاه عرجونًا، فقال: "خذ هذا فسيضيء أمامك عشرًا وخلفك عشرًا" (٢) وكان مع قتادة راية بني ظفر يوم الفتح، وهو راوي حديث الباب، وهو الذي يقرؤها ويتقالها -كما سلف. من ولده: عاصم بن عمر بن قتادة المحدث النسابة (٣). فصل: وراوي الحديث الأول والثاني عن أبي سعيد هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصة عنه، وعبد الرحمن هو ابن الحارث بن أبي صعصعة، عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول بن عمرو

стр. 14299

ابن غنم بن مازن بن النجار. وقتل أبو صعصعة في الجاهلية وكان سيد بني مازن وإليه ينسب ابن أبي صعصعة، شهد العقبة وبدرًا، وكان على الساقة يومئذ، وابناه أبو كلاب وجابر ابنا أبي صعصعة شهدا أحدًا، وقتلا يوم مؤتة. والحارث بن سهل بن أبي صعصعة استشهد يوم الطائف، والحارث بن أبي صعصعة قتل يوم اليمامة. وانفرد البخاري بعبد الرحمن، ومحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي صعصعة. وثانيهما: عبد الله. وراوي حديثه الثالث عنه إبراهيم. والضحاك المشرقي هو الضحاك بن شراحيل المشرقي -بكسر الميم وفتح الراء- ومِشْرَق بن زيد بن جشم بن حاشد بن خيوان بن نوف بن همدان، اتفقا عليه، كذا ساقه الرشاطي، وزعم ابن أبي حاتم مشرق موضع باليمن (١)، وما قيده ( … ) (٢) بكسر الميم وفتح الراء كذا قيده عياض (٣) وغيره، وعكسه ابن ماكولا (٤)، وقال العسكري: إن من فتح الميم صحف. وأما ابن السمعاني فذكر الضحاك في ترجمتين كسر الميم، وفي الآخر فتح الميم وكسر الراء وفي الآخِر قاف، ورده عليه ابن الأثير؛ فقال: لو ركب من الترجمتين ترجمة واحدة كسر أولها وجعل في آخرها قافًا لأصاب (٥).

стр. 14300

فصل: في آخر حديث المشرقي هذا (قال أبو عبد الله: عن إبراهيم مرسل، وعن الضحاك مسند). قال الفربري: سمعت أبا جعفر محمد بن حاتم وراق أبي عبد الله قال: أبو عبد الله .. فذكره. وقال الحميدي: كذا وقع في البخاري، وإبراهيم عن أبي سعيد مرسل لم يلقه، والضحاك عنه مسند. قال: وهذا المعنى مذكور عن البخاري في بعض النسخ (١)، وقال خلف في "أطرافه": أخرج البخاري في فضائل القرآن: عن عمر بن حفص، ثنا أبي، ثنا الأعمش، ثنا إبراهيم والضحاك المشرقي، عن أبي سعيد، وثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، ثنا الوليد، ثنا الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة والضحاك عنه.

стр. 14301

١٤ - [باب فَضْلِ] (١) المُعَوِّذَاتِ ٥٠١٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُ بِيَدِهِ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا. [انظر: ٤٤٣٩ - مسلم: ٢١٩٢ - فتح: ٩/ ٦٢] ٥٠١٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا فَقَرَأَ فِيهِمَا: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١] وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ [الفلق: ١] وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ [الناس: ١] ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ، يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. [٥٧٤٨، ٦٣١٩ - فتح: ٩/ ٦٢] ذكر فيه حديث عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا اشْتَكَى قَرَأَ على نَفْسِهِ بِالْمُعَوّذَاتِ وَيَنْفُثُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُ بِيَدِهِ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا. وحديثها أنه ﵇ كَانَ إِذَا أَوى إلى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا فَقَرَأَ فِيهِمَا: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١] و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ [الفلق: ١] وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ [الناس: ١] ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ، يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. الشرح: هذان الحديثان متباينان، وجعله أبو مسعود الدمشقي حديثًا واحدًا.

стр. 14302

وقد عاب ذلك عليه الطَرْقِيُّ، وفرق بينهما في كتابه، وكذا فعله خلف الواسطي. وسيأتي حديث عائشة ﵂ في الطب، في الرُّقى بالمعوذات (١). ودل فعله ﵇ في رقية نفسه عند شكواه وعند نومه يتعوذ بهما- على عظيم البركة في الرقي بهما والتعوذ بالله من كل ما يخشى في النوم، وقد روى عبد الرزاق، عن الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عقبة بن عامر مرفوعًا: "أنزل علي آيات لم أسمع بمثلهن: المعوذتين" (٢) وقال عقبة في حديثه مرة أخرى: قال لي رسول الله ﷺ : ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ تعوذ بهن فإنه لم يتعوذ بمثلهن قط" (٣) وسيأتي في كتاب: المرضى في باب: النفث في الرقية، من كره النفث من العلماء في الرقية ومن أجازه (٤). وقوله: (أوى) يقال: أويت إلى منزلي بقصر الألف، وأويت غيري وآويته. وأنكر بعضهم المقصور في المتعدي، وأبى ذلك الأزهري وقال: هي لغة فصيحة (٥). وقوله: (ثم نفث فيهما) قال أبو عبيد: النفث أقل من التفل (٦). وقد سلف ذكره. وقيل في غير هذا أنه ينفث -بعد أن يقرأ- بريق قراءته.

стр. 14303

١٥ - باب نُزُولِ السَّكِينَةِ وَالْمَلَائِكَةِ عِنْدَ قِرَاءَةِ القُرْآنِ ٥٠١٨ - وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ قَالَ: بَيْنَمَا هُوَ يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَفَرَسُهُ مَرْبُوطٌ عِنْدَهُ إِذْ جَالَتِ الْفَرَسُ، فَسَكَتَ فَسَكَتَتْ، فَقَرَأَ فَجَالَتِ الْفَرَسُ، فَسَكَتَ وَسَكَتَتِ، الْفَرَسُ، ثُمَّ قَرَأَ فَجَالَتِ الْفَرَسُ، فَانْصَرَفَ، وَكَانَ ابْنُهُ يَحْيَى قَرِيبًا مِنْهَا فَأَشْفَقَ أَنْ تُصِيبَهُ، فَلَمَّا اجْتَرَّهُ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى مَا يَرَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ حَدَّثَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ، اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ». قَالَ: فَأَشْفَقْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ تَطَأَ يَحْيَى وَكَانَ مِنْهَا قَرِيبًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَانْصَرَفْتُ إِلَيْهِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ فِيهَا أَمْثَالُ الْمَصَابِيحِ، فَخَرَجَتْ حَتَّى لَا أَرَاهَا. قَالَ: «وَتَدْرِى مَا ذَاكَ؟». قَالَ: لَا. قَالَ: «تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ، وَلَوْ قَرَأْتَ لأَصْبَحَتْ يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْهَا، لَا تَتَوَارَى مِنْهُمْ». قَالَ ابْنُ الْهَادِ: وَحَدَّثَنِي هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ اللهِ بْنُ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ. [فتح: ٩/ ٦٣] وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ الهَادِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ قَالَ: بَيْنَمَا هُوَ يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ سُورَةَ البَقَرَةِ .. الحديث المتقدم وفي آخره: قَالَ ابن الهَادِي: وَحَدَّثَنِي بهذا الحَدِيثِ عَبْدُ اللهِ بْنُ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ. وصله أبو نعيم بإسناده إلى يحيى بن بكير عن الليث به. ولما رواه الإسماعيلي من حديث ابن أبي مريم، عن يحيى بن أيوب، عن يزيد، عن عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد، عن أسيد، قال: وأخبرني ابن الهادي، عن محمد بن إبراهيم، عن أسيد بن حضير، أخبرنيه البغوي، ثنا محمد بن زنبور المكي، ثنا ابن أبي حازم، عن يزيد،

стр. 14304

به. ثم قال: قال: حدثني هذا الحديث أيضًا عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد، عن أسيد. قال الإسماعيلي: ذكره البخاري عن الليث بلا خبر، ومتنه مضطرب، وجمع بين الإسنادين؛ فالأول عن محمد بن إبراهيم مرسل، والثاني عن ابن خباب عن أبي سعيد متصل، وقد ذكرنا يحيى بن أيوب للموافقة. قال: وهذا حديث ابن أبي حازم، وهو من شرط أبي عبد الله جاء به بمتن صحيح والإسنادين جميعا. ورواه النسائي عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب عن خالد، عن ابن أبي هلال، عن يزيد بن عبد الله، عن عبد الله بن خباب، عنه (١). وعن علي بن محمد بن علي، عن داود بن منصور، عن الليث، عن خالد به (٢). وفي المناقب عن أحمد بن سعيد الرباطي، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن يزيد بن الهادي، عن عبد الله بن خباب عن أبي سعيد أن أسيد بن حضير بينما هو ليلة يقرأ في مربد .. الحديث (٣). ولم يقل عن أسيد، إلا أن لفظه يدل على أن أبا سعيد يرويه عن أسيد. قال أبو القاسم: وعند يزيد بن عبد الله لهذا الحديث إسناد آخر، فإنه يرويه عن محمد بن إبراهيم عن أسيد، ولم يدركه، وقد جمعهما يحيى بن عبد الله بن بكير، عن الليث. فصل: تقدم قوله ﵇: "السكينة تنزلت للقرآن" فلأجل هذا -والله أعلم- بوب البخاري. وفي هذا الباب: نزول السكينة والملائكة عند قراءة

стр. 14305

القرآن. وفهم البخاري تلازمهما كما نبه عليه ابن المنير (١). وفهم من الظلة أنها السكينة؛ فلذلك ساقها في الترجمة. وسبقه ابن بطال فإنه قال: في هذا الحديث أن أسيد بن الحضير رأى مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، وقال ﷺ : "تلك الملائكة تنزلت للقرآن" فمرة أخبر عن نزول السكينة، ومرة أخبر عن نزول الملائكة، فدل على أن السكينة كانت في تلك الظلة، وأنها تتنزل أبدًا مع الملائكة (٢)، وهو طبق ترجمة البخاري. فصل: في الحديث أن الملائكة تحب أن تسمع القرآن من بني آدم لاسيما قراءة المحسنين منهم، وكان أسيد بن حضير حسن الصوت به. ودل قوله لأسيد: "لو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم". على حرص الملائكة على سماع كتاب الله من بني آدم، وقد جاء في الحديث أن البيت الذي يقرأ فيه القرآن يضيء لأهل السماء كما يضيء النجم لأهل الأرض وتحضره الملائكة (٣). وهذا كله ترغيب في حفظ القرآن وقيام الليل به، وتحسين قراءته. وفيه؛ جواز رؤية بني آدم الملائكة إذا تصوروا في صور يمكن للآدميين رؤيتها كما جرى يوم بدر وغيره، وكان جبريل يظهر في

стр. 14306

صورة رجل فيكلمه، وكثير ما كان يأتيه في صورة دحية (١). وهو للمؤمنين رحمة وللكفار عذاب، وقد تقدم في باب الكهف تفسير السكينة فراجعه. وقوله: ("لو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم") هو حجة لمن قال: إن السكينة هي روح أو شيء فيه روح؛ لأنه لا يصح حب استماع القرآن إلا لمن يعقل. وقوله: (فخرجت حتى لا أراها) في "صحيح مسلم": فعرجت إلى السماء حتى لا أراها (٢).

стр. 14307

١٦ - باب مَنْ قَالَ: لَمْ يَتْرُكِ النَّبِيُّ ﷺ إِلَّا مَا بَينَ الدَّفَّتَيْنِ ٥٠١٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَشَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، فَقَالَ لَهُ شَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ: أَتَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَ: مَا تَرَكَ إِلاَّ مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ. قَالَ: وَدَخَلْنَا عَلَى مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ فَسَأَلْنَاهُ، فَقَالَ: مَا تَرَكَ إِلاَّ مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ. [فتح: ٩/ ٦٤] ذكر فيه حديث عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَشَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ عَلَى ابن عَبَّاسٍ ﵄، فَقَالَ لَهُ شَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ: أَتَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ شَيءٍ؟ قَالَ: مَا تَرَكَ إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ. قَالَ: وَدَخَلْنَا عَلَى مُحَمَّدِ ابن الحَنَفِيَّةِ فَسَأَلْنَاهُ، فَقَالَ: مَا تَرَكَ إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ. ثم ساق بعدها بابًا آخر (١). ثم قال:

стр. 14308

١٧ - باب الوَصَاةِ بِكِتَابِ اللهِ -. ٥٠٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى: أَوْصَى النَّبِيُّ ﷺ ؟ فَقَالَ: لَا. فَقُلْتُ: كَيْفَ كُتِبَ عَلَى النَّاسِ الْوَصِيَّةُ، أُمِرُوا بِهَا وَلَمْ يُوصِ؟ قَالَ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللهِ. [انظر: ٢٧٤٠ - مسلم: ١٦٣٤ - فتح: ٩/ ٦٧] وساق فيه حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵄، وقد سأله طلحة بن مصرف: أَوْصَى النَّبِيُّ ﷺ ؟ فَقَالَ: لَا. فَقُلْتُ: كَيْفَ كُتِبَ عَلَى النَّاسِ الوَصِيَّةُ، أَوْ أُمِرُوا بِهَا؟ قَالَ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللهِ. وقد سلف هذان البابان، ويردان قول من زعم أنه ﵇ أوصى إلى أحد، وأن علي بن أبي طالب وصي، ولذلك قال علي بن أبي طالب حين سئل عن ذلك فقال: ما عندنا إلا كتاب الله وما في هذِه الصحيفة. لصحيفة مقرونة بسيفه فيها: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مؤمن بكافر، ويأتي. فالمراد بما بين الدفتين القرآن، وهما جانبا المصحف، جعل بعد وفاة رسول الله ﷺ ، وقد ترك من السنةِ كثيرًا. ويحتمل أن المراد: ما ترك شيئًا من الدنيا أو ما ترك علمًا مسطرًا سواه.

стр. 14309

١٨ - باب فَضْلِ القُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الكَلَامِ ٥٠٢٠ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ أَبُو خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ -قَالَ: «مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالأُتْرُجَّةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ، وَالَّذِى لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالتَّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهَا، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ طَعْمُهَا مُرٌّ وَلَا رِيحَ لَهَا». ٥٠٥٩، ٥٤٢٧. ٧٥٦٠ - مسلم: ٧٩٧ - فتح: ٩/ ٦٥] ٥٠٢١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ -قَالَ: «إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ خَلَا مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَمَغْرِبِ الشَّمْسِ، وَمَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالاً، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى الْعَصْرِ؟ فَعَمِلَتِ النَّصَارَى، ثُمَّ أَنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِنَ الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ بِقِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، قَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلاً وَأَقَلُّ عَطَاءً، قَالَ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَذَاكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ شِئْتُ». [انظر: ٥٥٧ - فتح: ٩/ ٦٦] ساق فيه حديث أَبِي مُوسَى ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَثَلُ الذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَالأُتْرُجَّةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ، وَالَّذِي لَا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَالتَّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهَا، وَمَثَلُ الفَاجِرِ الذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرُّ، وَمَثَلُ الفَاجِرِ الذِي لَا يَقْرَأُ القُرْآنَ كمَثَلِ الحَنْظَلَةِ طَعْمُهَا مُرٌّ وَلَا رِيحَ لَهَا". وحديث ابن عمر السالف (١).

стр. 14310

ووجه ذكره لهما هنا لمَّا كان ما جمع طيب الرائحة والطعم أفضل المأكولات. وشبه الشارع المؤمن الذي يقرأ القرآن بالأترجة التي جمعت طيب الرائحة وطيب الطعم، دل ذلك أن القرآن أفضل الكلام، ودل هذا الحديث على مثل القرآن وحامله والعامل به، والتارك له، وكذا حديث ابن عمر لمَّا كان المسلمون أكثر أجرًا من الفريقين دل ذلك على فضله على التوراة والإنجيل؛ لأن المسلمين إنما استحقوا هذِه الفضيلة بالقرآن الذي فضلهم الله به، وجعل فيه الحسنة عشر أمثالها والسيئة واحدة، وتفضل عليهم بأن أعطاهم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات كما قال ابن مسعود (١)، وأسنده مرفوعًا أيضًا (٢)، وقد وردت آثار كثيرة في فضائل القرآن والترغيب في قراءته. روى سفيان عن عاصم عن زر عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها" (٣). وقالت عائشة ﵂: جعلت درج الجنة على عدد آي القرآن، فمن قرأ ثلثه كان على الثلث منها، ومن قرأ نصفه كان على النصف منها، ومن قرأ كله كان في (علية) (٤) لم يكن فوقه إلا نبي

стр. 14311

أو صديق أو شهيد (١). وروى أبو قبيل، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "إن القرآن والصيام يشفعان يوم القيامة لصاحبهما، فيقول الصيام: يارب إني منعته الطعام والشراب فشفعني فيه. ويقول القرآن: يارب إني منعته النوم بالليل فشفعني فيه، فيشفعان فيه" (٢). وروى أبو نعيم، عن بشير بن المهاجر، عن عبد الله بن بُريدة عن أبيه قال: كنت جالسًا عند رسول الله ﷺ فسمعته قول: "إن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل (الشاب) (٣) فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك. فيقول: أنا صاحبك القرآن الذي أظمأك في الهواجر وأسهرك ليلك، وإن كل تاجر وراء تجارته، وإنك من وراء كل تجارة، فيعطى الملك بيمينه، والحلة بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسى والداه حلتين لا تقوم لهما الدنيا،

стр. 14312

فيقولان: بما كسينا هذا؟ فيقال لهما: بأخذ ولدكما القرآن. ثم يقال: اقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها، فهو في صعود ما دام يقرأ هذا كان أو ترتيلًا" (١). وقال ابن عباس: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر (٢). فصل: ذكر هنا في الفاجر الذي لا يقرأ: "كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها"، وفي البخاري قريبًا في باب: من راءى به: "وريحها مرٌّ" (٣). وكأن ما هنا أجود؛ لأن الريح لا طعم له؛ إذ المرارة عَرَضٌ، والريح عَرَضٌ، والعَرَضُ لا يقوم بالعَرَضِ. وقد يقال: إن ريحها لما كان كريهًا استعار للكراهية لفظ المرارة لما بينهما من الكراهة المشتركة. وروى ابن الضريس من حديث الجريري، عن قسامة بن زهير، عن أبي موسى: "مثل الذي يقرأ القرآن ويعمل به مثل الأترجة طيب ريحها طيب (خارجها) (٤)، ومثل الذي يعمل به ولا يقرؤه كمثل النخلة طيب (خارجها) ولا ريح لها .. " الحديث (٥).

стр. 14313

ثم قال: حدثني مسدد، ثنا أبو عوانة، ثنا قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "المؤمن الذىِ يقرأ القرآن كمثل الأترجة" (١). فصل: تمثيل رسول ﷺ الإيمان بالطعم، والقرآن بالريح في قوله: "طعمها طيب وريحها طيب" لأن الإيمان ألزم للمؤمن من القرآن، إذ جريان الكفر عليه قليل نادر، كما أن الطعم ألزم للجوهر من الريح، وأخص به، إذ كثير من الجواهر يذهب ريحها وطعمها باق. فصل: هذا الحديث يقتضي قسمة رباعية؛ لأن الإنسان إما مؤمن وإما منافق، وكل منهما إما قارئ أو غيره، وكذا الجوهر إما أن يجتمع فيه الطعم أو الريح أو ينتفيا، أو يوجد أحدهما دون الآخر. فصل: قال بعضهم فيما حكاه المنذري: قراءة الفاجر والمنافق لا ترفع إلى الله، ولا تذكر عنده، وإنما يرفع إليه ويذكر عنده من الأعمال ما أريد به وجهه وكان عن نية وقربة، ألا ترى أنه شبه الفاجر القارئ بالريحانة من حيث أنه لم ينتفع ببركة القرآن، ولم يفز بحلاوة أجره، ولم يجاوز الطيب حلوقهم موضع الصوت، ولا بلغ إلى قلوبهم ذلك الطيب؛ لأن طعم قلوبهم مرٌّ بالنفاق المستتر فيها كما استتر طعم الريحانة في عودها مع ظهور رائحتها. فائدة: الأترجة بضم الهمزة وتشديد الجيم، ويقال أترنجة، وفي

стр. 14314

رواية: الأترنجة. وحكى أبو زيد: ترنجة وترنج وترج. وذكر العلامة عبد الوهاب بن سحنون التنوخي في كتاب "الأدوية القلبية" أن بعض الحكماء غضب عليه بعض الأكاسرة وسجنه، وقال: خيروه إدامًا واحدًا لا يزاد عليه؛ فقيل له، فاختار الأترج، فسئل عن ذلك فقال: في العاجل ريحان يسر نفسي، والتبقل بقشره يفرح قلبي، ولحمه وقشره خاصة إدامان يغتذي بهما بدني، وأستخرج من حبه دهنًا أقضي به وطري. قال ابن سحنون: جمع الله فيه مالم يجمع في غيره من الثمار من الفوائد والمنافع. فصل: قد أسلفنا أن الحديث الأول وصف فيه حامل القرآن والعامل به بالكمال، وهو اجتماع المنظر والمخبر، ولم يثبت هذا الكمال لحامل غيره من الكلام. ووصف في الثاني فضل الأمة وخصوصيتها دون سائر الأمم، وما اختصت إلا بالقرآن، فدل على أنه السبب في فضلها، ويؤخذ من ذلك فضل القرآن على غيره من الكتب كما سلف، فكيف بالكلام. فصل: قد أسلفنا في الصلاة أن أبا حنيفة احتج بالحديث الثاني في أن وقت العصر عند مصير الظل مثليه، آخر وقتها المختار عندنا (١)؛ لأن كثرة

стр. 14315

العمل تقتضي طول النهار من الزوال إلى العصر أكثر مما بين العصر إلى المغرب، وعندنا أنها سواء، وقد أجبنا بأن الحديث إنما قصد به الأعمال لا بيان الأوقات. وقولهم: (نحن أكثر عملًا) يعني: أن عمل الفريقين جميعًا أكثر. لا يقال: إن هذا خطأ؛ لأن الفريقين لهما قيراطان؛ لأنهم قالوا: نحن أقل عطاءً، فعلم أنه يعني كل طائفة؛ لأنا نقول: إن الظاهر أن الإخبار بكثرة العمل وشكوا قلة الأجر في مقابلة عملهما بالإضافة إلى أجر المسلمين في مقابلة عملهم، وهذا صحيح عند التقسيط؛ لأن من خاط ثوبًا بقيراط، وأخر خاط اثنين بقيراط فأجر الثاني أقل في مقابلة عمله. وقوله ("هل ظلمتكم من حقكم؟ قالوا: لا") وذلك صحيح، لأنهم استؤجروا برضاهم على عمل معين بأجرة معلومة.

стр. 14316

١٩ - باب مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ وَقَوْلُهُ: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١] . ٥٠٢٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَمْ يَأْذَنِ اللهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ». وَقَالَ صَاحِبٌ لَهُ: يُرِيدُ يَجْهَرُ بِهِ. [٥٠٢٤، ٧٤٨٢، ٧٥٤٤ - مسلم: ٧٩٢ - فتح: ٩/ ٦٨] ٥٠٢٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ -قَالَ: «مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ». قَالَ سُفْيَانُ: تَفْسِيرُهُ يَسْتَغْنِي بِهِ. [انظر: ٥٠٢٣ - مسلم: ٧٩٢ - فتح: ٩/ ٦٨] ذكر فيه حديث أبي سلمة عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَمْ يَأْذَنِ اللهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ". وَقَالَ صَاحِبٌ لَهُ: يُرِيدُ: يجهر بِهِ. ثم ساقه عنه أيضًا بلفظ: "مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيء مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ". قَالَ سُفْيَانُ: تَفْسِيرُهُ: يَسْتَغْنِي بِهِ. قلت: احتج بقوله: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ الآية [طه: ١٣١]. قال: وأمر ﵇ أن يستغنى بالقرآن عن المال. ومعنى: "ما أذن": ما استمع، وذكره في الاعتصام بلفظ: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" (١). زاد غيره: "يجهر به". ذكره في باب قوله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ (٢)، وهو من أفراده.

стр. 14317

ووهم القرطبي حيث عزاه إلى مسلم (١). قال الشافعي: ومعناه: تحسين الصوت بالقرآن. وكذا قال غيره، ويؤيده قول ابن أبي مليكة في "سنن أبي داود": إذا لم يكن حسن الصوت يحسنه ما استطاع (٢). وقال غيره: يستغنى به. وكذا وقع في رواية أحمد عن وكيع (٣)، فقيل يستغنى به عن أخبار الأمم الماضية والكتب المتقدمة، وقيل: معناه: التشاغل به. والتغني قال ابن الأعرابي: كانت العرب تتغنى إذا ركبت الإبل، وإذا جلست في أفنيتها وعلى أكثر أحوالها، فلما نزل القرآن أحب ﵇ أن يكون هِجِيِّرَاهُمْ مكان التغني، حكاه الخطابي (٤) وابن الجوزي. وقيل: المراد: ضد الفقر. وقال ابن حبان في "صحيحه": معنى "ليس منا": ليس مثلنا في استعمال هذا الفعل؛ لأنا لا نفعله، فمن فعله فليس منا (٥). وقال الإمام: أوضح الوجوه في تأويله: من لم يغنه القرآن ولم ينفعه في إيمانه ولم يصدق بما فيه من وعد ووعيد، فليس منا. وقال غيره: من لم يرتح لقراءته وسماعه. فهذا حاصل اختلاف العلماء في معنى التغني به. وما أسلفناه عن سفيان -وهو ابن عينية- من أنه فسره بضد الافتقار. وذكره عن سعد بن أبي وقاص رفعه، أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم (٦). وكذا فسره وكيع كما سلف.

стр. 14318

ومن تأول هذا التأويل كره القراءة بالألحان والترجيع. روي ذلك عن أنس وسعيد بن المسيب والحسن، وابن سيرين وسعيد بن جبير والنخعي وعبد الرحمن بن القاسم وعبد الرحمن بن الأسود فيما ذكره ابن أبي شيبة في كتاب "الثواب" وقال: كانوا يكرهونها بتطريب، وكانوا إذا قرءوا القرآن قرءوه حدرًا ترتيلًا بحزن. وهو قول مالك، روى ابن القاسم عنه أنه سئل عن الألحان في الصلاة، فقال: لا يعجبني، وأعظمَ القولَ فيه، وقال: إنما هو غناء يتغنون به ليأخذوا عليه الدراهم (١)، وقد روي عن ابن عيينة وجه آخر، ذكره إسحاق بن راهويه، قال: كان ابن عيينة يقول: يعني: ما أذن الله لنبي .. إلى آخره. يريد: يستغني به عما سواه من الكتاب والأحاديث، وهذا لعله يكون هو الذي أراد البخاري من إيراده. وممن قال المراد به تحسين الصوت به والترجيع بقراءته والتغني بما شاء من الأصوات واللحون: الشافعي (٢) وغيره (٣) كما سلف. وهو معنى ما ذكره البخاري بقوله: (وقال صاحب له: يريد يجهر به) قال الخطابي: والعرب تقول: سمعت فلانًا يغني هذا الحديث. أي: يجهر به ويصرح لا يكني. وقال أبو عاصم: أخذ بيدي ابن جريج ووقفني على أشعب الطماع فقال: غَنِّ ابن أخي ما بلغ من طمعك؟ قال: ما زفت امرأة بالمدينة إلا كسحت بيتي رجاء أن يُهدى إليَّ. يقول. أخبر ابن أخي بذلك مجاهرًا غير مساتر. ومنه قول ذي الرمة: أحب المكان القفر من أجل أنني … به أتغنى باسمها غير معجم

стр. 14319

أي: أجهر بالصوت بذكرها لا أكني عنها حذار كاشح أو خوف رقيب (١). وذكر عمر بن شبة (٢) قال: ذكرت لأبي عاصم النبيل تأويل ابن عيينة السالف، فقال: لم يصنع ابن عيينة شيئًا، حدئنا ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير قال: كان لداود ﵇ معزفة يتغنى عليها وتبكي ويبكي، وقال ابن عباس: كان يقرأ الزبور بسبعين لحنًا يلون فيهم، ويقرأ قراءة يطرب منها المحموم، فإذا أراد أن يبكي نفسه لم تبق دابة في بر أو بحر إلا أنصتن يسمعن ويبكين. ومن الحجة لهذا القول أيضًا حديث ابن مغفل فى وصف قراءة رسول الله ﷺ وفيه ثلاث مرات. وهذا غاية الترجيع، ذكره البخاري في الاعتصام (٣). وسئل الشافعي عن تأويل ابن عيينة، فقال: نحن أعلم بهذا، لو أراد الاستغناء لقال: من لم يستغن بالقرآن، ولكن قال: يتغن بالقرآن. علمنا أنه أراد به التغني (٤). وكذلك فسر ابن أبي ملكية أنه تحسين الصوت (٥)، وهو قول ابن المبارك والنضر بن شميل (٦)، وسيأتي رده. وممن اختار الألحان في القرآن فيما ذكره الطبري: عمر بن الخطاب أنه كان يقول لأبي موسى: ذكرنا ربنا (٧)، فيقرأ أبو موسى ويتلاحن. وقال مرة: من استطاع أن يغني بالقرآن غناء أبي موسى فليفعل. وكان عقبة بن عامر من أحسن الناس صوتًا بالقرآن، فقال له عمر: اعرض

стр. 14320

علي سورة كذا، فقرأ عليه، فبكى عمر، وقال: ما كنت أظن أنها نزلت. واختاره ابن عباس وابن مسعود، وروي عن عطاء بن أبي رباح، واحتج بحديث عبيد بن عمير، وكان عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد يتبع الصوت الحسن في المساجد في شهر رمضان. وذكر الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه أنهم كانوا يستمعون القرآن بالألحان. وقال محمد بن عبد الحكم: رأيت أبي والشافعي ويوسف بن عمرو يسمعون القرآن بالألحان. واحتج الطبري لهذا القول وقال: الدليل على أن المراد التحسين المعقول الذي هو تحزين القارئ سامع قرآنه كالغناء بالشعر، وهو الغناء المعقول الذي يطرب سامعه، ما روى سفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رفعه: "ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الترنم بالقرآن". ومعقول عن ذوي الحجا أن الترنم لا يكون إلا بالصوت إذا حسنه المترنم وطرب به. وروي في هذا الحديث: "حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به" ورواه يزيد بن الهادي، عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ (١). قال الطبري: وهذا الحديث أبين البيان أن ذلك كما قلناه (٢). وفي "المستدرك" على شرطهما من حديث الأوزاعي، عن إسماعيل ابن عبيد الله بن أبي المهاجر، عن فضالة بن عبيد، أنه ﵇ قال: "لله أشد أذنا من الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته" (٣).
следующие страницы →