٣٧ - باب اقْرَءُوا القُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ قُلُوبُكُمْ
٥٠٦٠ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ قُلُوبُكُمْ، فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنْهُ". [٥٠٦١، ٧٣٦٤، ٧٣٦٥ - مسلم: ٢٢٦٧ - فتح ٩/ ١٠١]
٥٠٦١ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سَلاَّمُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ جُنْدَبٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ فَإِذَا اْخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنْهُ». [انظر: ٥٠٦٠ - مسلم: ٢٦٦٧ - فتح ٩/ ١٠١]
تَابَعَهُ الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ وَلَمْ يَرْفَعْهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَأَبَانُ. وَقَالَ غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ سَمِعْتُ جُنْدَبًا قَوْلَهُ. وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ: عَنْ أَبِي عِمْرَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ عُمَرَ قَوْلَهُ، وَجُنْدَبٌ أَصَحُّ وَأَكْثَرُ.
٥٠٦٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنِ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلاً يَقْرَأُ آيَةً، سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ خِلَافَهَا، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ فَاقْرَآ" أَكْبَرُ عِلْمِي قَالَ: "فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اخْتَلَفُوا فَأَهْلَكَهُمْ». ٦/ ٢٤٦ [انظر: ٢٤١٠ - فتح ٩/ ١٠١].
ذكر فيه حديث جرير، أخرجه من حديث حماد بن زيد وسلامة بن أبي مطيع، عن أبي عمران الجوني -واسمه عبد الملك بن حبيب الأزدي البصري- عن جندب بن عبد الله أنه ﵇ قَالَ: "اقْرَءُوا القُرْآنَ مَا اْئْتَلَفَتْ قُلُوبُكُمْ، فَإِذَا اختَلَفْتُمْ قُومُوا عَنْهُ".
تابعه الحارث بن عبيد وسعيد بن زيد، عن أبي عمران. ولم يرفعه حماد بن سلمة وأبان. وقال غندر عن شعبة، عن أبي عمران: سمعت جندبًا قوله.
وقال ابن عون، عن أبي عمران، عن عبد الله بن الصامت، عن عمر قوله. وجندب أصح وأكثر.
стр. 14387
وقال في كتاب الاعتصام: قال يزيد بن هارون، عن هارون الأعور. وهذا أخرجه النسائي عن عبد الله بن الهيثم، عن مسلم بن إبراهيم، عن هارون بن موسى النحوي.
وقول ابن عون أخرجه النسائي أيضًا عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، عن إسحاق الأزرق، عن عبد الله بن عون به (١).
وأخرجه الإسماعيلي عن عبد الكريم، ثنا بندار، ثنا معاذ، ثنا ابن عون به. قال الإسماعيلي: وعن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر مثله.
وقول غندر أخرجه الإسماعيلي عن ابن عبد الكريم، ثنا بندار، ثنا شعبة به.
وقوله: ("اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم") فيه الحض على الألفة والتحذير من الفرقة في الدين، فكأنه قال ﵇ اقرءوا القرآن والزموا الائتلاف على ما دل عليه وقاد إليه، فإذا اختلفتم فقوموا عنه، أي: فإذا عرض عارض شبهة توجب المنازعة الداعية إلى الفرقة فقوموا عنه. أي: فاتركوا تلك الشبهة الداعية إلى الفرقة، وارجعوا إلى التحكم الموجب للألفة، وقوموا عن الاختلاف وعن ما أدى إليه [وقاد إليه لا أنه] (٢) أمرهم بترك قراءة القرآن باختلاف القراءات التي أباحها لهم؛ لأنه قال لابن مسعود الآتي، وللرجل الذي أنكر عليه مخالفته له في القراءة: "كلاكما محسن" فدل أنه لم ينهه ﵇ عما جعله فيه محسنًا، وإنما نهاه عن الاختلاف المؤدي إلى الهلاك بالفرقة في الدين.
стр. 14388
وحديث النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ آيَةً سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يقرأ خِلَافَهَا، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ فَانْطَلَقْتُ بِهِ إلى رسول الله ﷺ فَقَالَ: "كِلَاكُمَا مُحْسِن فَاقْرَآ" أكثر عِلْمِي قَالَ: "فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اختَلَفُوا فَأَهْلَكَهُمْ الله".
وقد سلف في أول الخصومات (١).
قال ابن الجوزي: كان اختلاف الصحابة يقع في القراءات واللغات، فأمروا بالقيام عند الاختلاف؛ لئلا يجحد أحدهم ما يقرؤه الآخر فيكون جاحدًا لما أنزل الله.
آخر فضائل القرآن ولله الحمد والمنَّة.
стр. 14389
٦٧
كِتابُ النِّكَاحِ
стр. 14390
٦٧ - كِتابُ النِّكَاحِ
هو في اللغة الضم، وهو عندنا حقيقة في العقد مجاز في الوطء (١)، وعكس أبو حنيفة وقال به بعض أصحابنا (٢)، وقيل: إنه حقيقة فيهما بالاشتراك، وله عدة أسماء جمعها أبو القاسم اللغوي (٣) فبلغت ألف اسم وأربعين اسمًا (٤).
وفيه: أن النكاح من سنن الإسلام. وفي الترمذي أنه من سنن المرسلين (١)، فلا رهبانية في شريعتنا، وأن من ترك النكاح رغبة عن السنة فهو مذموم مبتدع، ومن تركه من أجل أنه أرفق له وأعون على العبادة فلا ملامة عليه، كما قاله المهلب، إذ لم يرغب عن سنة نبيه وطريقته.
وفيه: الاقتداء بالأئمة في العبادة، والبحث عن أحوالهم وسيرهم في الليل والنهار، وأنه لا يجب أن يتعدى طرق الأئمة الذين وصفهم الله ليقتدى بهم في الدين والعبادة، وأنه من أراد الزيادة على سيرهم فهو (مقل) (٢)، وفي الأخذ بالعبادة بالتوسط والقصد أولى حتى لا يعجز عن شيء منها ولا ينقطع دونها لقوله ﵇: "خير العمل ما دام عليه صاحبه وإن قل" (٣) وعند داود وأتباعه أنه واجب في حق الخائف. أي: العقد دون الدخول مرة في العمر، فإن عجز عن الطول نكح أمة للحديث الآتي: "من استطاع منكم الباءة فليتزوج" وآخر الحديث يرد عليه، وأن المقصود به الوطء، فكيف يحصل المقصود بالعقد بالمرأة؟
ومن قدر على غض بصره وتحصين فرجه فلا يجب عليه.
وعند أكثر العلماء أنه لا يجب (٤)، وفي رواية عن أحمد: يجب
стр. 14393
التزويج أو التسري عند خوف العنت (١)، وهو وجه لنا (٢)، والآية خيرته بين النكاح والتسري في قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:: ٣] والتسري لا يجب بالاتفاق، ثم الآية قصدت لبيان أعداد النساء: فقط.
وقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] هو أمر للأولياء بالإنكاح لا للأزواج به، والحكمة في النكاح الاختبار، والابتلاء، وكثرة النسل، والعفة وغير ذلك، وسيأتي أن خير هذِه الأمة أكثرها نساء (٣).
فصل:
وذكر البخاري أيضًا حديث عائشة ﵂ في قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ [النساء:٣] إلى آخره سلف في تفسير سورة النساء (٤).
وفيه من الفقه:
ما قاله مالك من صداق المثل والرد إليه فيما فسد صداقه ووقع الغبن في مقداره؛ لقولها: (من سنة صداقها)، فوجب أن يكون الصداق
стр. 14394
معروفًا لكل طبقة من الناس على قدر أحوالهم، وقد قال مالك: و (للناس) (١) مناكح قد عرفت لهم وعرفوا لها (٢). أي: للناس صدقات وأكفاء، فإذا كان الله تعالى قد نهى [عن] نكاح اليتيمة حتى يبلغها صداق مثلها، فواجب أن لا يجوز نكاح بقبضة تبن، ولا بما لا خطر له، ولا حطب، وعنده أن أقله هو الذي يؤدي إليه النظر على كتاب الله ويصححه القياس من أنه لا يستباح عضو مسلمة بأقل مما استباحه الشارع من عضو مسلم بالسرقة، وذلك ربع الدينار، فما كان أقل من ذلك فلا (٣).
وجوابه: السنة ثبتت بأقل منه وهو وقوعه على نعلين، وجاء أنه ما يراضى به الأهلون، ومنع ما ذكره من القياس.
وفيه: أن تفسير القرآن لا يؤخذ إلا عمن له علم به كما كانت عائشة أولى الناس بعلمه من قبل الشارع لاختصاصها منه.
وفيه: أن المرأة غير اليتيمة لها أن تنكح بأدنى من صداق مثلها؛ لأنه تعالى إنما حرج ذلك في اليتامى، وأباح سائر النساء بما أجبن إليه من الصداق.
وفيه: أن لولي اليتيمة أن ينكحها من نفسه إذا عدل في صداقها.
٣ - باب مَنْ لَمْ يَسْتَطِعِ البَاءَةَ فَلْيَصُمْ
٥٠٦٦ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَارَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ عَلْقَمَةَ وَالأَسْوَدِ عَلَى عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ شَبَابًا لَا نَجِدُ شَيْئًا، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهُ ﷺ : «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ». [انظر: ١٩٠٥ - مسلم: ١٤٠٠ - فتح ٩/ ١١٢].
ذكر فيه أيضًا بزيادة الأسود: فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: كُنَّا مَعَ رسول الله ﷺ شَبَابًا لَا نَجِدُ شَيْئًا، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ … " الحديث بزيادة: "فَإِنَّهُ أَغَض لِلْبَصَرِ وَأًحْصَنُ لِلْفَرْجِ"، وقد سلف في الصوم، وجماعة الفقهاء على أنه مندوب إليه للقادر عليه كما سلف، ورددنا على أهل الظاهر، وقد تركه جماعة من الصحابة مع القدرة وعكفوا على العبادة، ولم ينكر.
وقول معاذ بن جبل: زوجوني لئلا ألقى الله أعزب (١). وقول عمر لأبي الزوائد: لم لا تتزوج؛ لا يمنعك منه إلا عجز أو فجور (٢). محمول على تأكده، وهو أبو الزوائد: صحابي لم يتزوج؛ ولأنه قضاء شهوة فلم يجب، ولا يقاس على الغذاء؛ لأنه يؤدي تركه إلى الهلاك، بخلافه، وفي قيام الإجماع على أن من صبر ولم يقتحم محرمًا، أنه غير مرتكب الإثم حجة لما قلناه أن الأمر يحمل على الندب. وحاصل
стр. 14397
مذهبنا أن الناس في النكاح قسمان: تائق، وغيره. وكل منهما واجد أهبة وفاقدها، فالتائق الواجد يستحب في حقه، والفاقد يكسر شهوته بالصوم، وغير التائق الفاقد يكره في حقه، والواجد يستحب، إن لم يتعبد. والمسألة مبسوطة في كتب الفروع فلتراجع منه.
فصل:
قول عثمان لعبد الله ﵄: (إن لي إليك حاجة). فيه: جواز ذلك للخليفة. وقوله: (فخلوا) في بعض النسخ: (فخليا). وذكره ابن التين بلفظ: فخليا، ثم قال: صوابه: فخلوا؛ لأنه من ذوات الواو مثل قوله: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا﴾ [الأعراف: ١٨٩].
فائدة:
في إسناد الثاني عمارة، وهو ابن عمير التيمي، تيم اللات بن ثعلبة الكوفي، مات في خلافة سليمان بن عبد الملك.
سودة بنت زمعة، وهبت يومها لعائشة؛ ابتغاء رضي رسول الله ﷺ خشية المفارقة، وتوفي ﷺ وهي في عصمته، والباقيات: عائشة، وحفصة، وأم سلمة هند، وأم حبيبة رملة، وهؤلاء قرشيات، وميمونة الهلالية، وزينب بن جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث الخزاعية، وصفية بنت حيي الإسرائيلية. ووهم عطاء فقال: التي لم يقسم لها صفية، وهو من وهم ابن جريج عليه كما قاله الحفاظ.
وفيه: أن حرمة المسلم ميتا كحرمته [حيًّا] (١)؛ لأن ابن عباس راعى من توقيرها بعد موتها كحياتها.
والزعزعة: تحريك الشيء إذا أردت رفعه، وكذلك تحريك الريح الشجرة، والزلزلة: الاضطراب، أخذ من زلزلة الأرض، ذكره في الفتن.
الحديث الثاني:
حديث سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنه ﷺ كَانَ يَطُوفُ على نِسَائِهِ فِي الليلة الواحدة، وَلَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ.
هذا الحديث سلف في الغسل معلقًا بقوله: وقال شعبة عن قتادة أن أنسًا حدثهم: تسع نسوة. وقد أسنده هنا كما علمت ثم قال هنا: وقال لي خليفة: ثنا يزيد بن زريع، ثنا سعيد، عن قتادة أن أنسًا حدثهم عن النبي ﷺ نحو حديث مسدد (٢).
الحديت الثالث:
حديث سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ لِي ابن عَبَّاسٍ: هَلْ تَزَوَّجْتَ؟ قُلْتُ: لَا.
стр. 14400
قَالَ: فَتَزَوَّجْ، فَإِنَّ خَيْرَ هذِه الأُمَّةِ أَكْثَرُهَا نِسَاءً.
فيه: الحض الظاهر على ذلك، ولم يرد ابن عباس أن من كثر نساؤه من المسلمين أنه خيرهم، وإنما قاله على معنى الحض والندب إلى النكاح وترك الرهبانية في الإسلام، وأنه ﵇ الذي يجب علينا الاقتداء به واتباع سنته كان أكثر أمته نساءً؛ لأنه أحل له منهن تسع فأكثر بالنكاح، ولم يحل لأحد من أمته غير أربع.
وتزوج سعيد بن جبير كما أمره ابن عباس، وحصل من نسله من اتصف بالعلم.
فائدة:
شيخ البخاري في هذا هو علي بن الحكم أنصاري مروزي الملجكاني من بعض قرى مرو، روى عنه، وقال: مات سنة ست وعشرين ومائتين (١)، وروى النسائي عن رجل عنه.
وفي إسناده: رقبة، وهو ابن مصقلة العبدي الكوفي أبو عبد الله. وطلحة: اليامي، ويقال: الأيامي صحيح.
стр. 14401
٥ - باب مَنْ هَاجَرَ أَوْ عَمِلَ خَيْرًا لِتَزْوِيجِ امْرَأَةٍ فَلَهُ مَا نَوى
٥٠٧٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الْعَمَلُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لاِمْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ». [انظر: ١ - مسلم: ١٩٠٧ - فتح ٩/ ١١٥].
حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ -وهو قرشي حجازي- ثثَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الحَارِثِ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الْعَمَلُ بِالنِّيَّةِ، ولكل امرئ مَا نَوى" .. الحديث.
قد سلف بفوائده أول الكتاب.
قال محمد بن الحسين الآجري: لما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة وجب على جميع المسلمين ممن هو بمكة أن يهاجر وَيَدَعُوا أهليهم وعشائرهم، يريدون بذلك وجه الله، فكان الناس يهاجرون على هذا النعت، فخرج الرجل من مكة مهاجرًا في الظاهر، وقد شمله الطريق مع الناس ولم يكن مراده الله ورسوله، وإنما كان مراده تزويج امرأة من المهاجرات هاجرت قبله، أراد تزويجها، فلم يعده في المهاجرين، وسمي: مهاجر أم قيس.
стр. 14402
٦ - باب تَزْوِيجِ المُعْسِرِ الذِي [مَعَهُ] القُرْآنُ وَالإِسْلَامُ
فِيهِ سَهْل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
٥٠٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَيْسَ لَنَا نِسَاءٌ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا نَسْتَخْصِي؟ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ. [انظر: ٤٦١٥ - مسلم: ١٤٠٤ - فتح ٩/ ١١٦].
فيه حديث سهل ﵁، عن النبي ﷺ ، يريد حديث الذي أنكحها على ما معه من القرآن، وقد سلف (١).
ثم ساق حديث ابن مسعود: كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ لَنَا نِسَاءٌ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا نَسْتَخْصِي؟ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ.
وذكره بعده وقال: ليس لنا شيء. وزاد: ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب، ثم قرأ علينا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية (٢) [المائدة: ٨٧].
وجه الاستنباط على ما ترجمه أنه لما نهى أصحابه المعسرين عن الخصاء، ووكلهم إلى النكاح دل على جواز تزويج المعسر، ولو لم يجز التزويج إلا للأغنياء، لحظره عليهم من أجل عسرتهم، وحصل الشطط (٣)، فهو دليل في حديث ابن مسعود، ونص في حديث سهل بقوله: "قد زوجتكها بما معك من القرآن" (٤) وكتاب الله شاهد لهذا
стр. 14403
المعنى، وهو قوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] الآية. ودل أن الكفاءة إنما هي في الدين لا في المال، فإذا استجازت المرأة أو الولي التقصير في المال، جاز النكاح.
وادعى المهلب أن قوله: (تزويج المعسر الذي معه القرآن والإسلام) -. دال على (أن من) (١) لم يملكها إياه على التعليم، ولو كان عليه لما كان معسرًا.
وقوله: (والإسلام) يدل على ذلك، لأنها كانت مسلمة، فلا يجوز أن يعلمها الإسلام، فيكون على معنى الأجرة، وإنما راعى له ﵇ حرمة حفظ القرآن وعلى التعليم فقد يجوز أن لا تتعلم شيئًا، ولا يستحقه الزوج، وقد ملكه الشارع إياها قبل التعليم (٢).
هذا كلامه، ومراد البخاري المعسر من المال لا ما ذكره.
وفي الدارقطني بإسناد ضعيف من حديث عبد الله بن سخبرة، عن ابن مسعود في قصة الواهبة أنه ﵇ في الثالثة قال الخاطب: أحفظ سورة البقرة وسورًا من المفصل:
"أنكحتها على أن تقرئها وتعلمها، وإذا رزقك الله عوضتها" فتزوجها الرجل على ذلك (٣).
وفي النسائي من حديث عسل بن سفيان -وفيه ضعف- عن عطاء، عن أبي هريرة ﵁ فيها أنه لما ملكته أمرها، وقال له: أحفظ البقرة أو التي تليها، قال: "فقم فعلمها عشرين آية، وهي امرأتك" (٤).
стр. 14404
وعند أبي داود: والتي تليها (١). وروى ابن أبي شيبة وغيره من حديث أنس ﵁ أنه ﵇ سأل رجلًا من أصحابه فقال: "يا فلان تزوجت؟ " قال: لا، وليس عندي ما أتزوج به. قال: "أليس معك ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾؟ " قال: بلى. قال: "ربع القرآن" (٢) وفي غيره: "ثلث القرآن" (٣) .. الحديث.
وفي رواية أبي الشيخ: "أليس معك آية الكرسي"؟ قال: بلى. قال: "ربع القرآن" (٤). وزعم ابن حبيب فيما حكاه ابن الطلاع عنه أنه منسوخ بقوله: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" (٥) وهو عجيب وأين التاريخ؛ قال غيره: إنه من خواصه دون الصحابة فمن بعدهم، سوى الشافعي، إذ لعل المرأة كانت تحفظ تلك السور بعينها، أو لعلها لو قرأتها لم تحفظها، وهي إنما كانت رضيت برسول الله ﷺ . ولم يتزوج أحد من الصحابة بأقل من خمسة دراهم، وليس كما زعم، فالحديث شاهد بنفي الخصوصية ثم الأصل عدمها.
وزعم ابن الطلاع أنه يقال: إن هذِه المرأة كانت خولة بنت حكيم ويقال: أم شريك. قلت: وقيل غير ذلك كما أوضحته في "الخصائص" (٦).
стр. 14405
٧ - باب قَوْلِ الرَّجُلِ لأَخِيهِ: انْظُرْ أَيَّ زَوْجَتَي شِئْتَ حَتَّى أنزِلَ لَكَ عَنْهَا
رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ [انظر: ٢٠٤٨]
٥٠٧٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَآخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيِّ، وَعِنْدَ الأَنْصَارِيِّ امْرَأَتَانِ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُنَاصِفَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، فَقَالَ: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ، فَأَتَى السُّوقَ، فَرَبِحَ شَيْئًا مِنْ أَقِطٍ وَشَيْئًا مِنْ سَمْنٍ، فَرَآهُ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ أَيَّامٍ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ، فَقَالَ: «مَهْيَمْ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ؟». فَقَالَ تَزَوَّجْتُ أَنْصَارِيَّةً. قَالَ: «فَمَا سُقْتَ؟». قَالَ: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ». [انظر: ٢٠٤٩ - مسلم: ١٤٢٧ - فتح ٩/ ١١٦].
ثم ساقه من حديث أنس ﵁ قَالَ: قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَآخَى رسول الله ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ .. الحديث سلف في البيوع بفوائده وضبط ألفاظه.
وفيه: ما كان عليه الصدر الأول من هذِه الأمة من الإيثار على أنفسهم وبذل النفس لإخوانهم كما وصفهم الله تعالى في كتابه.
وفيه: جواز عرض الرجل أهله على أهل الصلاح من إخوانه.
وفيد: أنه لا بأس أن ينظر الرجل إلى المرأة قبل أن يتزوجها.
وفيه: المواعدة (بطلاق) (١) المرأة لمن يحب أن يتزوجها.
وفيه: تنزه الرجل عما يبذل له، ويعرض عليه من المال وغيره، والأخذ بالشدة على نفسه في أمر معاشه.
стр. 14406
وفيه: أن العيش من متجر أو صناعة أولى بنزاهة الأخلاق من العيش من الصدقات والهبة وشبهها.
وفيه: مباشرة الفضلاء للتجارات بأنفسهم، وتصرفهم في الأسواق في معايشهم، وليس ذلك بنقص لهم.
وفيه: سؤال الرجل عمن تزوج وما نقد؛ ليعينه الناس على وليمته ومؤنته.
وفيه: سؤاله عما تزوج من البكر والثيب، والبكر أولى للملاعبة والانهمال للحلال.
أحدها:
حديث سعد بن أبي وقاص ﵁: رَدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ علَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا.
وفي لفظ: لَقَدْ رَدَّ ذَلِكَ -يَعْنِي: النَّبِيَّ ﷺ على عُثْمَانَ، وَلَوْ أَجَازَ لَهُ التَّبَتُّلَ لَاخْتَصَيْنَا. وقد أخرجه مسلم أيضًا.
ثانيها:
حديث قيس قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ -يعني ابن مسعود-: كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَيْسَ لنَا شيء .. الحديث سلف قريبًا وسيأتي (١).
ثالثها:
وَقَالَ أَصْبَغُ: أَخْبَرَنِي ابن وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنّي رَجُلٌ شَابٌّ، وإني أَخَافُ عَلَى نَفْسِي العَنَتَ وَلَا أَجِدُ مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ النِّسَاءَ. فَسَكَتَ عَنّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، جَفَّ القَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ، فَاخْتَصِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ ذَرْ".
الشرح:
الكلام عليه من وجوه:
أحدها:
كذا وقع في الأصول: (وقال أصبغ .. ) إلى آخره، وكذا ذكره أبو مسعود وخلف، وخالف ذلك أبو نعيم والطرقي فقالا: رواه
стр. 14409
البخاري عن أصبغ. ووصله الإسماعيلي فرواه عن القاسم، ثنا الرمادي، ثنا أصبغ به.
وأما ما وقع في كتاب الطرقي: أصبغ بن محمد فغير جيد؛ لأنا لا نعلم في البخاري شيخًا اسمه أصبغ بن محمد، بل ولا في باقي الستة (١)، وإنما هذا أصبغ بن الفرج وَرّاَق ابن وهب، وأخرجه النسائي من حديث أنس بن عياض، عن الأوزاعي، عن الزهري به.
وقال: الأوزاعي لم يسمعه من الزهري، وهو حديث صحيح (٢).
ثانيها:
العنت بالتحريك: الحمل على المكروه، وقد عنت يعنت، وأعنته غيره. فالعنت: الإثم، وقد عنت: اكتسب إثمًا، والعنت: الفجور والزنا وكل أمر شاق، ذكره فى "المنتهى" وفى "التهذيب": الإعنات: تكليف غير الطاقة (٣).
وقال ابن الأنباري: أصله التشديد.
ثالثها:
التبتل: الانقطاع عن النساء وترك النكاح انقطاعا إلى العبادة، وأصله القطع، ومنه فاطمة البتول، ومريم البتول؛ لانقطاعهما عن نساء زمانهما دينًا وفضلًا ورغبة في الآخرة، وصدقة بتلة. أي: منقطعة عن مالكها.
стр. 14410
قال الطبري: والتبتل الذي أراده عثمان بن مظعون هو ما عزم عليه من ترك النساء: والطيب وكل ما يلتذ به مما أحله الله لعباده من الطيبات مطلقًا، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٨٧] الآية.
وروي هذا عن ابن عباس وجماعة.
وقول أبي زيد: التبتل: العزوبة. يريد نوعًا من أنواع التبتل.
رابعها:
إن قيل: من أين يلزم من جواز التبتل عن النساء: جواز الاختصاء، وهو قطع عضوين شريفين بهما قوام النسل، وربما أفضى بصاحبه إلى الهلاك، وهو محرم بالاتفاق؟ فالجواب: إن ذلك لازم من حيث أن مطلق التبتل يتضمنه، (وكأن قائل الحقيقي) (١) الذي يؤمن معه شهوة النساء: هو الخصاء، وكأنه أخذه بأكثر ما يدل عليه الاسم، والألم العظيم مغتفر في جنب صيانة الدين، فقد يغتفر الألم العظيم في جنب ما هو أعظم منه كقطع اليد للأكَلَةِ، وكالكي والبطِّ، وغير ذلك، ودعوى إفضائه إلى الهلاك غالبًا غير مسلم، بل وقوع الهلاك منه نادر، فلا يلتفت إليه، وخصاء البهائم يشهد لذلك، وما ذكرناه إنما هو تقدير ما وقع لسعد، ولا يظن أن ذلك يجوز لأحد اليوم، بل هو محرم بالإجماع، وكل ما ذكرناه إنما هو يمشي على الأخذ بظاهر قوله: (لاختصينا) ويحتمل أن يريد سعد: لمنعنا أنفسنا منع المختصي، والأول هو الظاهر.
стр. 14411
قال المهلب: وإنما نهى ﵇ عن التبتل والترغيب من أجل أنه مكاثر بهم الأمم يوم القيامة، وأنه في الدنيا يقاتل بهم طوائف الكفار، وفي آخر الزمان يقاتلون الدجال، فأراد ﵇ أن يكثر النسل (١).
قلت: وإذا كان التبتل الذي لا جناية فيه على النفس إنما هو منعها عن المباح لها، فمنعها ما فيه جناية عليها بإيلامها -وهو الخصاء- أحرى أن يكون منهيًّا عنه، وثبت أن قطع شيء من الأعضاء من غير ضرورة تدعو إلى ذلك حرام.
وأما حديث أبي أمامة رفعه: "أربعة لعنهم الله فوق عرشه وأمنت عليه الملائكة، الذي يخصي نفسه عن النساء .. " (٢) الحديث، فهو منكر كما قاله أبو حاتم في "علله" (٣).
ولا التفات إلى ما روي: "خيركم بعد المائتين الخفيف الحاذ (٤) الذي لا أهل له ولا ولد" (٥)، فإنه ضعيف بل موضوع، وكذا قول حذيفة: إذا كان سنة خمسين ومائة فلأن يربي أحدكم جرو كلب خير له من أن يربي ولدًا (٦).
стр. 14412
ومما يوهن ذلك أنه لو قيل بذلك لبطل النسل والجهافى والدين، وغلب أهل الكفر مع ما فيه من تربية الكلاب.
فرع:
قال ابن حزم: وليس النكاح فرضًا على النساء: لقوله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٦٠] الآية، وقوله ﵇ في الخبر الثابت: "الشهادة سبع سوى القتل" فذكر ﵇ "المرأة تموت بجمع شهيدة" (١)، قال: و [هي] التي تموت في نفاسها. "والمرأة تموت بكرًا لم تطمث" (٢). وفيما ذكره نظر، فالنساء شقائق الرجال. وحديث علي: "ثلاث لا تؤخرها" منها: "الأيم إذا وجدت كفؤًا" (٣).
وللحاكم في حديث عائشة مرفوعا: "ما من شيء خير لامرأة من زوج أو قبر" (٤) ولابن الجوزي في كتاب "النساء" من حديث زيد بن أسلم، عن أبيه قال عمر ﵁: زوجوا أولادكم إذا بلغوا ولا تحملوا آثامهم. وعن خليد بن دعلج قال: قال الحسن: بادروا ببناتكم التزويج.
وللخلال في "علله" عن ابن أبي نجيح المكي رفعه: "مسكينة مسكينة امرأة ليست لها زوج" قالوا: يا رسول الله، وإن كانت غنية من المال؟ قال: "وإن كانت غنية من المال" وقال بمثل ذلك في الرجل.
стр. 14413
قال ابن معين: هذا مرسل. وأخرجه أبو نعيم والطبراني في "الأوسط" أيضًا (١).
فصل:
ينعطف على ما مضى: لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم ما أحل الله لعباده المؤمنين على نفسه من طيبات المطاعم والملابس والمناكح إذا خاف على نفسه بإحلال ذلك لها بعض الخبث والمشقة أو أمنه؛ وذلك لرده ﵇ التبتل على عثمان بن مظعون، فثبت أنه لا فضل في ترك شيء مما أحله الله لعباده، وأن الفضل والبر إنما هو في فعل ما ندب عباده إليه، وعمل به رسوله وسنه لأمته، واتبعه على منهاجه الأئمة الراشدون؛ إذ كان خير الهدي هديه، فإذا كان ذلك تبين خطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان إذا قدر على لبس ذلك من حله، وآثر أكل الفول والعدس على أكل خبز البر والشعير، وترك أكل اللحم والودك؛ حذرًا من عارض الحاجة إلى النساء، فإن ظن الظان أن الفضل في غير ذلك، قلنا: لما في لباس الخشن وأكله من المشقة على النفس وصرف فضل ما بينهما من القيمة إلى أهل الحاجة فقد ظن خطأ، وذلك أن الأولى للإنسان بالنفس إصلاحها وعونها له على طاعة ربها، ولا شيء أضر للجسم من المطاعم الرديئة؛ لأنها مفسدة لعقله ومضعفة لأدواته التي جعلها الله سببا إلى طاعاته.
стр. 14414
فصل:
وفيه: أن خصاء بني آدم حرام، وذلك أن التبتل إذا كان منهيًّا عنه ولا جناية فيه على النفس غير منعه المباح، فمنعها ما له فيه جناية عليها بإيلامها وتعذيبها بقطع بعض الأعضاء أحرى أن يكون منهيًّا عنه، فثبت بها أن قطع شيء من أعضاء الإنسان من غير ضرورة تدعو إلى ذلك حرام، كما أسلفناه، وسواء في ذلك الصغير والكبير، ولأن فيه تغيير خلق الله، ولما فيه من قطع النسل وتعذيب الحيوان كما أسلفناه، وأما غير الآدمي فإن كان لا يؤكل فكذلك، كما قاله البغوي، وأما المأكول فيجوز في صغره دون كبره (١).
فصل:
وقوله: ("فاختص على ذلك أو ذر"). وقع في بعض الأصول: "اقتصر". بدل: "اختص". وهذا مثل قوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] لأنه أمر بعد حظر، فهو في معنى الزجر.
قال ابن الجوزي: ليس بأمر، وإنما المعنى: إن فعلت أو لم تفعل فلابد من نفوذ القدر، وقد رأينا بعض جهال الأحداث يزهد في صباه، فلما اشتدت عليه العزوبة (٢) جب نفسه، وبعضهم جبَّها قال: بحيائه من ربه. فانظر ما يصنع الجهل بأهله، فأول ما يقال لهذا: ليس لك أن تتصرف في شيء إلا بإذن من رب العالمين، وهذا أمر لا يقال ما أذن له، بل قد حرمه ثم ينبغي أن الله وضع هذا الأمر لحكمة وهي إيجاد النسل، فمن تسبب في قطعه فقد ضاد الحكمة، ثم من النعمة على
стр. 14415
الرجل خلقه رجلًا ولم يُجعل (١) امرأة، فإذا جب نفسه اختار النقص على التمام، فلو مات من ذلك استحق النار مع مكابدته في العاجلة شدة لا توصف، ومنع نفسه لذة ووجود ولد يذكر به أو يثاب عليه، وكان نسبه متصلًا من آدم إليه فتسبب بقطع ذلك المتصل مع تشويهه نفسه وهواه يعد له بما رجاه، فإن قطع الآلة لا يزيل ما في القلب من الشهوة بل يزاد أضعافًا فيما ذكره الجاحظ في كتاب "الحيوان" (٢) وكتاب "الخصيان"، والعجيب من المتزهد الذي قال: إنه استحيا من الله مما وضعه الله فيه، فلو شاء الله لم يضع هذا في نفسه.
فصل:
وفي حديث أبي هريرة إثبات القدر، وأن المرء لا يفعل باختياره شيئًا لم يكن سبق في علم الله سبحانه.
فصل:
قول ابن مسعود: (ثم أرخص لنا أن ننكح بالثوب). يعني: المتعة التي كانت حلالًا في أول الإسلام ثم نسخت بالعدة والميراث والصدقات.
عنه، فذكره مطولًا (١).
وفي الحديث الثاني ضرب الأمثال وتشبيه الإنسان بالشجر. والحديث الثالث يأتي في التعبير في باب كشف المرأة في المنام (٢)، وقد سلف في باب تزويجها قبل الهجرة، وأخرجه مسلم أيضًا.
وفي رواية: "جاء بك الملك" (٣). وفي "طبقات ابن سعد" عنها: لما جاء جبريل بصورتي من السماء في حريرة فقال: تزوجها فإنها امرأتك (٤). ولابن حبان في "صحيحه": جاء بي جبريل إلى رسول الله ﷺ في خرقة حرير فقال: هذِه زوجتك في الدنيا والآخرة (٥).
وفي لفظ: قلت: يا رسول الله من أزواجك في الجنة؟ قال: "أما إنك منهن" قالت: فخيل إلي آن ذاك أنه لم يتزوج بكرًا غيري (٦).
فصل:
والسرقة بفتح السين واحدة السرق وهي شقق الحرير البيض. وقيل: الجيد من الحرير.
قال أبو عبيدة: وأحسبها فارسية، وأصلها سرة وهو الجيد (٧). وادعى المهلب أنها كالكِلة والبرقع، وهو غريب.
стр. 14418
فصل:
قوله: ("فأكشفها") يحتمل -كما قال ابن المنير- أن يكون إنما رأى منها ما يجوز للخاطب أن يراه، ويكون الضمير في "فاكشفها" للسرقة (١).
فصل:
لم يشك ﵇ فيما رأى، فإن رؤيا الأنبياء وحي، إنما احتمل عنده أن تكون الرؤيا اسمًا، واحتمل أن تكون كنية، فإن للرؤيا أسماء وكنى، فسموها بأسمائها وكنوها بكناها، واسمها أن تخرج بعينها، وكنيتها أن تخرج على مثالها وهي أختها أو قرينتها أو جارتها أو سميتها. نبه عليه ابن العربي في "سراجه" وذكر القاضي عياض أن هذِه الرؤيا يحتمل أن تكون قبل النبوة، وإن كانت بعدها فله ثلاثة معان:
أولها: أن تكون الرؤيا على وجهها، فظاهره لا يحتاج إلى تعبير وتفسير فسيمضيه الله وينجزه، فالشك عائد على أنها رؤيا على ظاهرها، أو تحتاج إلى تعبير وصرف عن ظاهرها.
ثانيها: المراد إن كانت هذِه الزوجية في الدنيا يمضه الله، فالشك أنها هل هي زوجته في الدنيا أم في الآخرة، ويرده رواية ابن حبان السالفة.
ثالثها: أنه لم يشك، أخبر على التحقيق وأتى بصورة الشك، وهذا نوع من أنواع البلاغة يسمى مزج الشك باليقين (٢).
стр. 14419
فصل:
فيه: فضل الأبكار على غيرهن، وقد حض الشارع على نكاحهن في حديث جابر الآتي: "هلا جارية تلاعبها وتلاعبك" وفي حديث كعب بن عجرة أنه ﵇ قال لرجل: "هلا بكرًا تعضها وتعضك" أخرجه ابن أبي خيثمة في الأول من "فوائده" (١).
وفي رواية لمسلم: "فهلا بكرًا تلاعبها" (٢).
وفي ابن ماجه من حديث عتبة بن عويم بن ساعدة (٣)، عن أبيه، عن جده مرفوعا: "عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواهًا وأنتق أرحامًا وأرضى باليسير" (٤).
ومن حديث زر، عن عبد الله مرفوعًا مثله (٥)، وقال بعد: "باليسير" يعني: من العمل.
وأخرجه أبو نعيم في "الطب النبوي" من حديث ابن عمر مرفوعًا، زاد بعد: "أرحامًا": "وأسخن إقبالًا، وأرضى باليسير من العمل" (٦).
стр. 14420
وفيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف. وقيل في تفسير "أنتق أرحامًا": أقبل للولد. وفي رواية: "وأطيب أخلاقًا" (١).
وفي البكر معان أخر: حداثة السن، وللنفس في ذلك من الحظ ما هو معلوم، وفرة الحرارة المحركة للباءة، وعدم تعلقها بغير زوجها، إذ المرأة يتعلق قلبها بآتي عذرتها، وأن الطباع تنبو عمن كان لها زوج قديمًا، والتهيؤ للولد، وأن المداعبة تليق بهن دون غيرهن من الكبار، وفي المداعبة انبعاث على اجتماع الماء وكثرته.
ووجه مطابقته للترجمة أنه خاطب أزواجه ونهاهن أن يعرض عليه ربائبه لحرمتهن، وهو تحقيق أنه ﵇ تزوج الثيب ذات البنت. نبه عليه ابن المنير (١).
وحديث جابر سلف في الصلاة وعدة مواضع.
وقوله: ("ولعابها") هو بضم اللام وكسرها. قال عياض: رواية مسلم بالكسر لا غير، يريد الملاعبة (٢). وقال المازري: رواية أبي ذر من طريق المستملي بالضم (٣)، وكذا قال صاحب "المطالع": أنها رواية أبي الهيثم. وكأنه ذهب إلى اللعاب -وهو الريق- يريد رشفه وامتصاصه.
وقال ابن بطال: هو مصدر لاعب ملاعبة ولعابًا، كما تقول: قابل مقابلة وقبالًا (٤).
وقال ابن التين: هو من اللعب، وقيل: من اللعاب، وعلى هذا الضم والكسر.
والعذارى: الأبكار.
فصل:
وفيه: جواز نكاح الثيبات للشبان إذا كان ذلك لمعنى كالمعنى الذي قصد له جابر من سبب أخواته، وذلك أن يكون للناكح بنات أو أخوات غير بالغات يحتجن إلى قيم أو متعهد.
стр. 14423
وفيه: أن نكاح الأبكار للشبان أولى لحضه عليه بقوله: "فهلا جارية".
وفيه: سؤال الإمام عن أحوال أصحابه في نكاحهم ومفاوضتهم في ذلك.
وفيه: أن ملاعبة الأهل مطلوبة؛ لأن ذلك يحبب الزوجين بعضهما لبعض ويخفف المؤنة بينهما، ويرفع حياء المرأة عما يحتاج إليه الرجل في مباعلتها، قال تعالى في نساء أهل الجنة: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧)﴾ [الواقعة: ٣٧] والعروب المتحببة إلى زوجها، ويقال: الغنجة العاشقة له، ويقال: الحسنة التبعل.
فصل:
قوله: ("أمهلوا حتى تدخلوا ليلًا") يريد: حتى يستقبلكم خبر قدومكم إلى أهليكم فتستحد المغيبة وتمتشط الشعثة. أي: تصلح كل امرأة نفسها لزوجها ما غفلت عنه لغيبته، وإنما معنى ذلك؛ لئلا يجد منها ريحًا أو حالة يكرهها، فيكون ذلك سببًا إلى بغضها، وهذا من حسن أدبه.
فإن قلت: هذا مخالف لقوله: "لا يطرقن أحدكم أهله ليلًا" (١) قلت: إن هذا قاله لمن يقدم بغتة من غير أن يعلم أهله، وأما هنا فتقدم خبر مجيء الجيش والعلم لوصوله وقت كذا وكذا، فتستعد الشعثة وتستحد المغيبة.
стр. 14424
فصل:
قوله: ("لا تعرضن") قال ابن التين: ضبط بضم الضاد، ولا أعلم له وجهًا؛ لأنه إنما خاطب النساء أو واحدة منهن، فإن كان خطابه لجماعة النساء -وهو الأبين- فصوابه تسكينها؛ لأنه فعل مستقبل مشى على أصله مع نون جماعة النساء، ولو أدخلت عليه النون المشددة لكان تعرضنان؛ لأنه تجتمع ثلاث نونات فيفرق بينهن بألف، ولو كانت النون الخفيفة لم يصح؛ لأنها لا تدخل في جماعة النساء ولا في الاثنين، وإن كان خطابه لأم حبيبة خاصة، فتكون الضاد مكسورة والنون مشددة، فإن كان الفعل مؤكدًا بالنون الخفيفة كانت النون ساكنة.
стр. 14425
١١ - باب تَزْوِيجِ الصِّغَارِ مِنَ الكِبَارِ
٥٠٨١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عِرَاكٍ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ عَائِشَةَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا أَنَا أَخُوكَ، فَقَالَ: «أَنْتَ أَخِي فِي دِينِ اللهِ وَكِتَابِهِ وَهْيَ لِي حَلَالٌ». [فتح ٩/ ١٢٣].
ذكر فيه حديث عروة بن الزبير أنَ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ عَائِشَةَ إلى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا أَنَا أَخُوكَ، فَقَالَ: "أَنْتَ أَخِي فِي دِينِ اللهِ وَكتَابِهِ، وَهْيَ لِي حَلَالٌ".
هذا الحديث من أفراده، وهو مرسل كما ترى، وقد نبه على ذلك الحميدي (١) والدارقطني (٢) وأبو نعيم الأصبهاني وأبو مسعود الدمشقي وخلف الواسطي، وأما أبو العباس الطرقي فأخرجه في كتابه مسندًا عنه، عن عائشة ﵂.
واعترض الإسماعيلي فقال: ليس في تعيين الرواية ما ترجم عليه، فأما صغر عائشة فمعلوم من غير هذا. وفي "الطبقات" من حديث: لما خطب رسول الله ﷺ عائشة، قال أبو بكر: يا رسول الله، قد كنت وعدت بها أو ذكرتها لمطعم بن عدي لابنه جبير بن مطعم فدعني حتى أسلها منهم، ففعل (٣).
وفي لفظ: فطلقها جبير بن مطعم (٤).
وقام الإجماع على أنه يجوز للآباء تزويج الصغار من بناتهم وإن كن