← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 14456–14495 · переход к 14461.

стр. 14456

الشرح: هذا الحديث -أعني: الأول- سلف في باب مجرد عقب باب: شهود الملائكة بدرًا من حديث عقيل، عن الزهري. وأخرجه أبو داود من حديث يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة وأم سلمة ﵂ (١). قال الحميدي في "جمعه": وأخرجه البرقاني في كتابه بطوله من حديث أبي اليمان بسنده بزيادة: فكيف ترى [يا] (٢) رسول الله ﷺ ؟ قال: "أرضعيه" فأرضعته خمس رضعات، فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة، فبذلك كانت عائشة تأمر بنات أختها وأخيها (٣) أن يرضعن من أحبت عائشة أن يراها ويدخل عليها -وإن كان كبيرًا- خمس رضعات فيدخل عليها، وأبت أم سلمة وسائر أزواج النبي ﷺ أن يدخلن عليهن بتلك الرضاعة أحدًا من الناس حتى يكون في المهد، وقلن لعائشة- ﵂: والله ما ندري لعله رخصة لسالم دون الناس. وفي مسلم في حديث القاسم، عن عائشة: جاءت سهلة إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم. فقال: "أرضعيه" فقالت: وكيف أرضعه وهو رجل كبير؟ فتبسم وقال:

стр. 14457

"قد علمت أنه رجل كبير". وفي رواية ابن أبي مليكة: "أرضعيه تحرمي عليه ويذهب الذي في وجه أبي حذيفة" فرجعت وقالت: أرضعته، فذهب الذي في وجه أبي حذيفة (١). ولمالك: "أرضعيه خمس رضعات" (٢)، وهو ترسيخ لحديث أم الفضل الصحيح المرفوع: "لا تحرم الاملاجة ولا الاملاجتان" (٣). وعن أبي هريرة: "لا تحرم المصة ولا المصتان" صححه عبد الحق (٤). وحديث أم الفضل الآخر المرفوع: "يحرم من الرضاعة المصة والمصتان" ضعيف (٥). فصل: قولها: (وأنكحه ابنة أخيه هند بنت الوليد) وقع في "الموطأ" أن اسمها فاطمة بنت الوليد (٦)، ووهم من ضبطه بضم الهمزة والتاء. وقوله: (وهو مولى لامرأة من الأنصار) هي سلمى، وقيل ثبيتة بنت يعار، وقال أبو طوالة: عَمْرَةُ بنت يعار فيما ذكره أبو عمر (٧).

стр. 14458

فصل: اختلف العلماء في الأكفاء من هم، فقال مالك: الأكفاء في الدين دون غيرهم، والمسلمون بعضهم لبعض أكفاء، ويجوز أن يتزوج العربي والمولى العربية (١). روي ذلك عن عمر قال: لست أبالي أي المسلمين نكحت وأيهم أنكحت (٢). وبمثله عن ابن مسعود، ومن التابعين عن عمر بن عبد العزيز وابن سيرين (٣). وقال أبو حنيفة: قريش كلهم أكفاء بعضهم لبعض، والعرب أكفاء بعضهم لبعض، ولا يكون أحد من العرب كفؤًا لقريش ولا أحد من الموالي كفؤًا للعرب، ولا يكون كفؤًا من لا يجد المهر والنفقة (٤). وقال الشافعي: ليس نكاح غير الأكفاء بمحرم (فأرده) (٥) بكل حال، وإنما هو تقصير بالمتزوجة والأولياء، فإن تزوجت غير كفؤٍ فإن رضيت به وجميع الأولياء جاز، ويكون حقًّا لهم تركوه، وإن رضيت به وجميع الأولياء إلا واحدًا منهم فله فسخه (٦). وقال بعضهم: إن رضيت به وجميع الأولياء لم يجز. وكان الثوري يرى التفريق إذا نكح مولى عربية، ويشدد فيه (٧).

стр. 14459

وقال أحمد: يفرق بينهما (١). واحتج الذين (٢) جعلوا الكفاءة في النسب والمال، فقالوا: العار به يدخل على الأولياء والمناسبين؛ لأن حق الكفاءة رفع العار عنها وعنهم. قالوا: وقد روي عن ابن عباس أنه قال: قريش بعضهم لبعض كفؤ والموالي بعضهم لبعض كفؤ إلا الحاكة والحجامين. ورواه نافع عن مولاه مرفوعًا. قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: هو حديث منكر، ورواه هشام الرازي فزاد فيه: أو دباغ قال: فخرج عليه الدباغون، حتى إن بعض الناس حسن الحديث، وقال: إنما معناه أو دباب. كذا أراد هؤلاء الذين يتخذون الدباب (٣). واحتج أهل المقالة الأولى بحديث عائشة الذي في الباب أن أبا حذيفة تبنى سالما وأنكحه ابنة أخيه، وهي سيدة أيامى قريش، وسالم مولى لامرأة من الأنصار، وتزوج ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب بنت عم رسول الله ﷺ [المقداد] (٤) وهو عربي حليف الأسود بن عبد يغوث، تبناه ونسب إليه، وهو وجه إيراد البخاري له في الباب، حيث قال في آخره: (وكانت تحت المقداد بن الأسود). وروى الدارقطني عن حنظلة بن أبي سفيان، عن أبيه: رأيت أخت عبد الرحمن بن عوف تحت بلال (٥).

стр. 14460

واحتجوا بحديث الباب: "فاظفر بذات الدين تربت يداك" وهو وجه إيراد البخاري له هنا، فجعل العمدة ذات الدين، فينبغي أن يكون العمدة في الرجل مثل ذلك. ألا ترى قوله في حديث سهل حين فضل الفقير الصالح على الغني، وجعله خيرًا من ملء الأرض منه. وذكره البخاري أيضًا في الرقاق (١)، وذكره أبو مسعود في "أطرافه": أن مسلمًا أخرجه، وذكره الخليلي وابن الجوزي في المتفق عليه (٢). واحتجوا أيضًا بقوله ﵇ لبني بياضة: "أنكحوا أبا هند" فقالوا: يا رسول الله، أتزوج بناتنا من موالينا؟ فنزلت ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ الآية [الحجرات: ١٣] رواه أبو داود (٣)، وفي الترمذي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه" ثم رواه الليث، عن ابن عجلان، عن أبي هريرة مرسلًا. قال محمد: وهو (أشبه) (٤). وعن أبي حاتم المزني مرفوعًا: "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه" ثم قال: غريب، ولا يعلم لأبي حاتم، عن رسول الله ﷺ غيره (٥).

стр. 14461

وأجاب بعضهم عن حديث سالم وغيره أن ذلك كان قبل أن يدعى إلى أبويهما وأنهم كانوا يرون أن من تبنى أحدًا فهو ابنه، وآخر حديث سالم صريح فيه. وقال المهلب: الأكفاء في الدين هم المتشاكلون، وإن كان في النسب [تفاضل] (١)، فقد نسخ الله ما كان يحكم به العرب في الجاهلية من شرف الأنساب بشرف الصلاح والدين، فقال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ الآية [الحجرات: ١٣]، وقد نزع بهذِه الآية مالك بن أنس. وأما دعوى دخول العار عليها وعلى الأولياء فيقال: مع الدين لا عار، فمعه [يحمل] (٢) كل شيء، وفي النسب مع عدم الدين كل عار، وقد تزوج بلال امرأة قرشية كما سلف، وأسامة بن زيد فاطمة بنت قيس وهي قرشية (٣)، وقد كان عزم عمر بن الخطاب على تزوبج ابنته من سلمان الفارسي حتى قال عمرو بن العاصي لسلمان: لقد تواضع لك أمير المؤمنين. فقال سلمان: لمثلي يتواضع، والله لا أتزوجها أبدا. ولولا أن ذلك جائز ما أراده عمر ولا هم به؛ لأنه لا يدخل العار نفسه وعشيرته (٤). فصل: قد أسلفنا وجه دخول حديث ضباعة هنا، وقد أجازه طائفة عملًا به -أعني: الاشتراط (٥) - ومنهم عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وعمار

стр. 14462

وابن عباس. ومن التابعين سعيد بن المسيب وعروة وعطاء وعلقمة وشريح وعبيدة. ذكره ابن أبي شيبة (١) وعبد الرزاق، وهو الأظهر عند الشافعي، وهو قول أحمد وإسحاق وأبي ثور (٢). وأنكر الاشتراط طائفة أخرى وقالوا: هو باطل (٣). روي ذلك عن ابن عمر وعائشة. وهو قول النخعي والحكم وطاوس وسعيد بن جبير (٤)، وإليه ذهب مالك والثوري وأبو حنيفة، وقالوا: لا ينفعه اشتراطه ويمضي على إحرامه حتى يتم (٥). وكان ابن عمر ينكر ذلك ويقول: أليس حسبكم سنة رسول الله ﷺ فإنه لم يشترط، فإن حبس أحدكم بحابس عن الحج فليأت البيت فليطف به وبين الصفا والمروة، ويحلق (و) (٦) يقصر، وقد حل من كل شيء حتى يحج قابلًا، ويهدي أو يصوم إن لم يجد هديًا (٧). وأنكر ذلك طاوس وسعيد بن جبير، وهما رويا الحديث عن ابن عباس، وأنكره الزهري (٨)، وهو راويه عن عروة (٩).

стр. 14463

فهذا كله مما يوهن الاشتراط وادعاء خصوصها وليس بظاهر. وادعى ابن المرابط أن عدم ذكره لهذا الحديث في كتاب الحج دلالة على أن الاشتراط عنده لا يصح، وهو عجيب. وفيه دليل على أن الإحصار لا يقع إلا بعذر مانع، وأن المرض وسائر العوائق لا يقع بها الإحلال، وإلا لما احتاجت إلى هذا الشرط. وهو قول ابن عباس، قال: لا حصر إلا حصر العدو (١)، وروي معناه عن ابن عمر (٢). وقولها: (محلي حيث حبستني) فيه دليل على أن المحصر يحل حيث يحبس، وينحر بدنة هناك، حرامًا كان أو حلالًا. فصل: وحديث أبي هريرة- ﵁: "تنكح المرأة لأربع" إلى آخره. هو إخبار عن عادة الناس في ذلك. قال المهلب: وهو دال على أن للزوج الاستمتاع بمالها، فإنه يقصد لذلك، فإن طابت به نفسًا فهو له حلال، وإن منعت فإنما له من ذلك بقدر ما بذل من صداق، واختلفوا إذا أصدقها وامتنعت الزوجة أن تشتري شيئًا من الجهاز، فقال مالك: ليس لها أن تقضي به دينها، وأن تنفق منه في غير ما يصلحها، إلا أن يكون الصداق شيئًا كثيرًا فتنفق منه شيئًا يسيرًا في دينها (٣).

стр. 14464

وقال أبو حنيفة والثوري والشافعي: لا تجبر على شراء ما لا تريد، والمهر لها تفعل فيه ما شاءت، واحتجوا بأجمعهم بأنها لو ماتت والصداق بحاله أن حكمه حكم سائر مالها. والحديث دال على أن للزوج الاستمتاع بمالها والارتفاق بمتاعها، ولولا ذلك لم يفدنا قوله: "تنكح المرأة لمالها" فائدة، ولساوت العبد الفقير في الرغبة فيها، فقول مالك أشبه بدليل الحديث. فائدة: زاد الزمخشري في "ربيعه" في الحديث مرفوعًا: "فمن نكح للجمال عاقبه الله بالغيرة، ومن نكح للنسب عاقبه الله بالذل، فلا يخرج من الدنيا حتى يكثر حبسه ويخرق ثيابه ويشج وجهه، ومن نكح للمال لم يخرج من الدنيا حتى يبتليه الله بمالها، ثم يقسو عليها فلا تعطيه شيئًا، ومن نكح للدين أعطاه الله المال والجمال والنسب وخير الدنيا والآخرة". فصل: ترب معناه: افتقر، وقيل: استغنى ولم يدع بالفقر، وإنما هي حكمة جرت على ألسنتهم من غير قصد لمعناها كعقرى حلقى ونحوه. وسيأتي أيضًا في الأدب. فصل: وحديث سهل في الباب هو ابن سعد. وذكره الحميدي (١) وأبو مسعود وابن الجوزي في المتفق من مسند سهل، وأبى ذلك الطرقي وخلف فعزياه إلى مسلم، و (حري) بالحاء معناه: حقيق.

стр. 14465

فصل: يتعلق بما ذكرناه من تتمة الحديث الأول. ذكر البخاري قريبًا في باب: لا رضاع بعد حولين، من حديث عائشة السالف في الشهادات: "فإنما الرضاعة من المجاعة" (١). وقد اتفق جمهور العلماء على أن رضاع الكبير لا يحرِّم. وفيه حديث في الدارقطني من حديث أبي هريرة، وفي آخره: "لا رضاع بعد فطام، وإنما يحرم من الرضاع ما في المهد" (٢). وعند مالك، عن ابن دينار، عن ابن عمر: إنما الرضاعة رضاعة الصغير. وعن نافع، عن ابن عمر: لا رضاعة لكبير ولا رضاعة إلا ما أرضع في الصغر (٣). وعن أم سلمة قالت: لا رضاع بعد فطام (٤) وقال ابن مسعود: الرضاع ما أنبت اللحم والعظم (٥). ومن حديث جويبر، عن الضحاك، عن النزال، عن علي: لا رضاع بعد الفصال. وعن عمرو بن دينار، عمن سمع ابن عباس ﵄: لا رضاع بعد الفطام، وكذا قاله الحسن والزهري وقتادة وعكرمة (٦).

стр. 14466

وروى هشام، بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أم سلمة مرفوعًا: "لا يُحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام" (١). ولابن عدي عن ابن عباس مرفوعًا: "لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين" (٢)، وشذ الليث وأهل الظاهر فقالوا: يحرم (٣). وحكاه عبد الرزاق، عن علي بن أبي طالب وعطاء (٤)؛ ذهابًا إلى حديث سالم. وجوابه أنه منسوخ، أو خاص، كما قالت أمهات المؤمنين (٥) (٦)، كما نبه عليه ابن بطال وغيره (٧). فإن وقع ذلك لم يلزم بها حكم لا في النكاح ولا في الحجاب. وقال داود: يرفع تحريم الحجاب لا غير. وقال ابن المواز: لو أخذ هذا في الحجاب لم أعبه، وتركه أحب إلي، وما علمت أخذ به هنا إلا عائشة (٨). وقد انعقد الإجماع على خلاف التحريم برضاعة الكبير؛ لأن الخلاف كان أولًا ثم انقطع، وما حكاه عن عائشة فيه نظر؛ لأن نصَّ

стр. 14467

حديث "الموطأ" عنها أنها كانت تأخذ بذلك في الحجاب خاصة (١)، وقد اعتمد الجمهور على الخصوصية بأمور منها: أن ذلك مخالف للقواعد: منها: قاعدة الرضاع؛ فإن الله تعالى قال بعد ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فهذِه أقصى مدة الرضاع المحتاج إليها عادة، فما زاد عليها بمدة مؤثرة فغير محتاج إليها عادة ولا يعتبر شرعًا لندورها، والنادر لا يسلم له. ومنها: تحريم الاطلاع على العورة، فلا خلاف أن ثدي الحرة عورة، وأنه لا يجوز الاطلاع عليه، ويبعد الإرضاع من غير اطلاع (٢)، ونفس الالتقام اطلاع. ومنها: أنه مخالف لحديث أم سلمة من عند الترمذي صحيحًا: "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الطعام" (٣)، وقد سلف. وللحديث السالف: "إنما الرضاعة من المجاعة" (٤) وهو دال على أن الرضاعة المعتبرة إنما هي في الزمان الذي يغني فيه عن الطعام، وذلك إنما يكون في الحولين عند الشافعي (٥) وما قاربها من الأيام اليسيرة بعدها عند مالك، وقد اضطرب أصحابه في تحديدها، فالكثير

стр. 14468

يقول: شهر (١)، وكان مالك يشير إلى أنه لا يفطم الصبي دفعة واحدة في يوم واحد، بل في أيام وعلى التدريج، قليل الأيام التي تخاذل فيها فطامه حكمها حكم الحولين؛ لقضاء العادة بمعاودة الرضاع فيها، وجمهور العلماء -كما قال ابن بطال- أن ما كان بعد الحولين لا يحرم (٢). روي عن ابن مسعود وابن عباس، وعليه الشعبي وابن شبرمة، وهو قول الثوري (٣) والأوزاعي ومحمد وأبي يوسف والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور (٤)، وهو قول مالك في "الموطأ" (٥). وفيه قول آخر: روى الوليد بن مسلم، عن مالك: ما كان بعد الحولين شهرًا وشهرين يحرم (٦). وقول آخر عن أبي حنيفة: ما كان بعدها بستة أشهر فإنه يحرم (٧). وقول آخر: قال زفر بن الهذيل: ما دام يجتزئ باللبن ولم يطعم، وإن أتى عليه ثلاث سنين فهو رضاع (٨) وقال الأوزاعي فيما نقله ابن حزم: إن فطم وله عام واحد واستمر فطامه، ثم رجع في الحولين لم

стр. 14469

يحرم هذا الرضاع الثاني شيئًا وإن تمادى رضاعه (١). وجمع ابن التين خمسة أقوال في "المدونة": الرضاع حولان وشهر وشهران (٢)، وفي "المجموعة": الأيام اليسيرة (٣). وقال عبد الملك: الشهر ونحوه (٤)، وعنده في "المبسوط" تعتد بنقص [و] زيادة الشهور. وقاله سحنون عن أبيه (٥). وقال محمد بن عبد الحكم، عن مالك: لا يحرم ما زاد على الحولين (٦). وذكر الداودي عنه: يحرم بعد سنتين ونصف.

стр. 14470

١٦ - باب الأَكْفَاءِ فِي المَالِ، ونكاح المُقِلِّ المُثْرِيَةَ ٥٠٩٢ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ ﵂ ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣] قَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي، هَذِهِ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا فَيَرْغَبُ فِي جَمَالِهَا وَمَالِهَا، وَيُرِيدُ أَنْ يَنْتَقِصَ صَدَاقَهَا، فَنُهُوا عَنْ نِكَاحِهِنَّ إِلاَّ أَنْ يُقْسِطُوا فِي إِكْمَالِ الصَّدَاقِ، وَأُمِرُوا بِنِكَاحِ مَنْ سِوَاهُنَّ، قَالَتْ: وَاسْتَفْتَى النَّاسُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ إِلَى ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣] فَأَنْزَلَ اللهُ لَهُمْ أَنَّ الْيَتِيمَةَ إِذَا كَانَتْ ذَاتَ جَمَالٍ وَمَالٍ رَغِبُوا فِي نِكَاحِهَا وَنَسَبِهَا فِي إِكْمَالِ الصَّدَاقِ، وَإِذَا كَانَتْ مَرْغُوبَةً عَنْهَا فِي قِلَّةِ الْمَالِ وَالْجَمَالِ، تَرَكُوهَا وَأَخَذُوا غَيْرَهَا مِنَ النِّسَاءِ، قَالَتْ: فَكَمَا يَتْرُكُونَهَا حِينَ يَرْغَبُونَ عَنْهَا، فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَنْكِحُوهَا إِذَا رَغِبُوا فِيهَا، إِلاَّ أَنْ يُقْسِطُوا لَهَا وَيُعْطُوهَا حَقَّهَا الأَوْفَى فِي الصَّدَاقِ. [انظر: ٢٤٩٤ - مسلم: ٣٠١٨ - فتح ٩/ ١٣٦]. ذكر فيه عن عائشة ﵂ ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣] السالف في تفسير سورة النساء (١). والمثرية: الكثيرة المال، يقال: ثري القوم إذا كثروا، وأثروا: إذا كثرت أموالهم. ووجه الترجمة: أن الرجل إذا كانت قرابته ملية، وهو غير ملي فيجوز أن يتزوجها إذا أقسط في صداقها وعدل، فصح بهذا أن الكُفُؤ في المال هو تبع للدين على ما سلف، فإن رأى ولي اليتيمة تزويجها من رجل يقصر ماله عن مالها، وكان صالحًا يعدل فيها وفي صداقها، فلا بأس بذلك أيضًا. وحديث عائشة دال على أنه يجوز للولي أن يتزوج يتيمته إذا رضيت

стр. 14471

به دون السلطان، وقد أجازه الحسن البصري وربيعة ومالك والليث والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأبو ثور وابن حزم، وقال زفر والشافعي: لا يجوز أن يتزوجها إلا بالسلطان أو يزوجها منه ولي هو أقعد بها منه أو مثله في القعود. وقاله أيضًا داود بن علي (١)، واحتجوا بأن الولاية من شرط العقد، وكما لا يكون الشاهد ناكحًا ولا منكحًا، كذلك لا يكون الناكح منكحًا، ويفسخ النكاح عند مالك قبل الدخول وبعده. وفيه قول آخر، وهو أن تجعل أمرها إلى رجل يزوجها منه. قال ابن بطال: وروي هذا عن المغيرة بن شعبة، وبه قال أحمد، ذكره ابن المنذر (٢)، وسيأتي في البخاري أن المغيرة خطب امرأة هو أولى الناس بها فأمر رجلًا فزوجه (٣). وسيأتي مسندا (٤). واحتج الأولون بالهبة لها حيث يتخذ العاقد والقابض، وكذلك النكاح. ألا ترى أنه ﵇ زوج المرأة من الرجل بما معه من القرآن، فكذلك أن يزوجها من نفسه لو قبلها -كما فعل في خبر صفية حين جعل عتقها صداقها، وجويرية كما سلف. وكذا حديث الباب أيضًا، فإن الله تعالى لما عاتب الأولياء أن يتزوجوهن إن كن من أهل المال والجمال إلا على سنتهن من الطلاق،

стр. 14472

وعاتبهم على ترك نكاحهن إذا كن قليلات الأموال، فاستحال أن يكون ذلك منه تعالى فيما لا يجوز نكاحه؛ لأنه لا يجوز أن يعاتب أحدًا على ترك ما هو حرام عليه. ألا ترى أنه أمر وليها أن يقسط لها في صداقها، ولو أراد بذلك بالغًا لما كان في ذكره أعلا شبيهًا في الصداق، يعني: إذا كان له أن يراضيها على ما يشاء، ثم يتزوجها على ذلك، فثبت أن الذي أمر أن يبلغ بها أعلا شبيهًا في الصداق هي التي لا أمر لها في صداقها المولى عليها وهي غير بالغ، وما أسلفناه من عند البخاري عن المغيرة قد أسنده أبو عبيد عن سالم بإسناد صحيح عن قبيصة، عن سفيان، عن عبد الملك بن عمير قال: أراد المغيرة (١) أن يتزوج [امرأة هو وليها، فأمر] (٢) وليها من غير ثقيف فزوجها إياه (٣). وحدثنا هشيم، ثنا محمد بن سالم عن الشعبي: أراد المغيرة أن يتزوج بنت عمه عروة بن مسعود، فأرسل إلى عبد الله بن أبي عقيل، فقال له: زوجنيها. فقال: ما كنت لأفعل، أنت أمير البلد وابن عمها، فأرسل إلى عثمان بن أبي العاصي فزوجها إياه (٤). وقال البخاري: وقال عبد الرحمن بن عوف لأم حكيم بنت قارظ: أتجعلين أمرك إلي؟ فقالت: نعم. فقال: قد تزوجتك. وقال عطاء: لتشهد أني قد نكحتك، أو لتأمر رجلًا من عشيرتها (٥).

стр. 14473

والأول رواه ابن سعد، عن ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد: أن أم حكيم قالت .. الحديث (١). والثاني رواه ابن أبى خيثمة، عن أبيه، عن سفيان، عنه. قال ابن المنذر: كان عطاء يجيز للمرأة أن تزوج نفسها إذا كان بشهادة (٢). وذكر أبو الفرج الأموي في "تاريخه" بإسناد جيد: أن النوار جعلت أمرها بيد ابن عمها همام بن غالب، فزوجها من نفسه فلم ينكر عليه من كان في عصره من الصحابة والتابعين (٣). وأما فعل المغيرة فهو من باب الأدب في النكاح أن يأمر الولي رجلًا بعقد نكاحه مع وليته، ولو تولى هو عقده إذا رضيت به لكان حسنًا. قال أبو عبيد: وجدنا سُنَّتين في هذا الباب: الأولى: أن يكون الولي هو الذي تزوجها من نفسه من غير أن يولي ذلك أحدًا سواه كما فعل ﵇ بصفية وجويرية، إذ تزوجهما من غير أن توليا ذلك غيره؛ لأنه كان هو المعتق والسلطان، ولم يكن هنا أولى بنسب من أهل الإسلام، وكان الشارع أولى الناس بهما. الثانية: أن يأمر رجلًا فيكون هو الذي يخاطب الولي بالنكاح كفعل ميمونة إذ جعلت أمرها إلى العباس (٤)، وكفعل أم سلمة، إذ زوجها ولدها (٥)، وقد كان بعضهم تناول في هذِه الأحاديث أنها مرخصة، والمرأة تولي أمرها لرجل فيتزوجها، ولا رخصة في ذلك؛ لأن الزوج هنا ولي، فلو زوجها من نفسه كان جائزًا، وكذلك إذا أذن لمعرفته فهذا على

стр. 14474

كل حال نكاح ولي، ولو أن هذا الولي جعل أمرها إلى غريب فزوجها منه كان جائزًا؛ لأنه لابد من أن يكون للمنكح ولاية عليها، وإن كان الزوج أقرب إليها منه. وقال أبو حنيفة في قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣] وفي قوله: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٧]: أن اليتيمة لا تكون إلا غير بالغة، يدل على أن لوليها أن ينكحها قبل البلوغ، وهو أحد أقوال مالك وليس بالمشهور، والآخر: لا ينكحها. والآخر: يتزوجها إذا احتاجت (١). وقد يقال: إن من لم يبلغ لم يرث شيئًا إلا أن يقول الولي واليتامى مجاز؛ لقوله: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] سماهم يتامى وقد بلغوا. وفيه: أن للولي حقًا في الولاية. ومعنى الآية: أن الله تعالى خاطب الأولياء إن خفتم أن تقوموا بالعدل فتزوجوا غيرهن ممن طاب لكم من النساء، ثم ذكر العدد، وهو قول عائشة. وقال ابن عباس: معناها قصر الرجال على أربع لأجل أموال اليتامى، نزلت جوابًا لتحرجهم على القيام بإصلاح أموال اليتامى، وفسر عكرمة قول مولاه هذا بأن لا تكثروا من النساء فتحتاجوا إلى أخذ أموال اليتامى، وقال السدي وقتادة: معناه: إن خفتم الجور في أموالهم فخافوا مثله في النساء، فإنهن كاليتامى في الضعف ولا تنكحوا أكثر مما يمكنكم إمساكهن بالمعروف (٢).

стр. 14475

١٧ - باب مَا يُتَّقَى مِنْ شُؤْمِ المَرْأَةِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ [التغابن: ١٤]. ٥٠٩٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةَ وَسَالِمٍ ابْنَىْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الشُّؤْمُ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالْفَرَسِ». [انظر: ٢٠٩٩ - مسلم: ٢٢٢٥ - فتح ٩/ ١٣٧]. ٥٠٩٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ ذَكَرُوا الشُّؤْمَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ فَفِى الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ». [انظر: ٢٠٩٩ - مسلم: ٢٢٢٥ - فتح ٩/ ١٣٧]. ٥٠٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ فَفِى الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمَسْكَنِ». [انظر: ٢٨٥٩ - مسلم: ٢٢٢٦ - فتح ٩/ ١٣٧]. ٥٠٩٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ النَّهْدِيَّ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄، - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ». [مسلم: ٢٧٤٠ - فتح ٩/ ١٣٧]. ذكر فيه أحاديث: أحدها: حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "الشُّؤْمُ فِي المَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالْفَرَسِ". وفي لفظ عن ابن عمر ذَكَرُوا الشُّؤْمَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ فَفِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ".

стр. 14476

ثانيها: حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ فَفِي المرأة والْفَرَسِ وَالْمَسْكَنِ". وقد سلفا في الجهاد (١). وفي إسناد الثاني -من حديث ابن عمر- عمر بن محمد العسقلاني، وهو عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، أخو واقد وعاصم وزيد وأبي بكر، مدني، نزل عسقلان ومات بها مرابطًا بعد أخيه أبي بكر بقليل، ومات أبو بكر بعد خروج محمد بن عبد الله، وخرج سنة خمس وأربعين ومائة، وقيل: سنة خمسين. وقد أسلفناه في الجهاد الكلام على ذلك وأنه حقيقة (٢). وأنه قول مالك، ويؤيده قوله: الشؤم في كذا - أو إنما الشؤم في كذا، وإن منهم من قال: إنه ليس حقيقة. يؤيده رواية: "إن كان الشؤم في شيء" والآية التي ذكرها البخاري نزلت في نساء أهل مكة يمنعن أزواجهن وأولادهن من الهجرة وتعلقن بهم فنزلت الآية (٣). قال أبو عبد الملك: ويجوز أن يكون على الحقيقة، وأن الشيطان يلقي على الرجل ما يشغله عن الطاعة في بعض الأوقات ويدله على المعصية، وقد يعقه فيرتكب كبيرة، ولما كان الشؤم من قبل الزوجة كان الحديث مطابقًا لما بوب عليه.

стр. 14477

وعن البخاري: شؤم الفرس إذا كان حرونًا، وشؤم المرأة سوء خلقها، وشؤم الدار جارها (١). وعن ابن عباس مرفوعًا: "شؤم الفرس صعوبة رأسه، ومنع جانبه، وشؤم المرأة كثرة حداثها وسوء خلقها، وشؤم الدار سوء جوارها وضيق فنائها" (٢). الحديث الثالث: حديث أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ ﵄، أن رسول الله ﷺ قَالَ: "مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ". هذا الحديث أخرجه عن آدم، ثنا شعبة، عن سليمان التيمي قال: سمعت أبا عئمان النهدي عن أسامة به. وأخرجه مسلم في الدعوات والترمذي في الاستئذان من حديث المعتمر، عن أبيه، عن أبي عثمان، عن أسامة وسعيد بن زيد، قال الترمذي: رواه غير واحد من الثقات، عن سليمان ولم يذكروا سعيد بن زيد، ولا نعلم أحدًا قال: عن أسامة وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل غير المعتمر (٣). وقال الدارقطني: أسامة وحده أحب إلي (٤)، وأخرجه النسائي في عشرة النساء (٥)، وابن ماجه في الفتن من حديث سليمان التيمي أيضًا (٦). وفيه: أن فتنة النساء: أعظم مخافة على العباد؛ لأنه ﵇ عم جميع

стр. 14478

الفتن بقوله: "ما تركت بعدي .. " إلى آخره. ويشهد لصحته قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ الآية [آل عمران: ١٤]، فقدم النساء على جميع الشهوات، وقد روي عن بعض أمهات المؤمنين أنها قالت: من سيئاتنا قدمنا على جميع الشهوات. فالمحنة بالنساء أعظم المحن على قدر الفتنة بهن، وقد أخبر تعالى مع ذلك أن منهن لنا عدوًّا فينبغي للمؤمنين الاعتصام به والرغبة إليه في النجاة من فتنتهن، والسلامة من شرهن. وقد روي في الحديث: "لما خلق الله المرأة فرح لها الشيطان فرحًا عظيمًا، هذِه حبالتي التي لا يكاد يخطئني من نصبتها له" وفي الحديث: "النساء حبائل الشيطان" (١) وفي "ربيع الأبرار" قال ﵇: "استعيذوا بالله من شرار النساء، وكونو امن خيارهن على حذر" وفي حديث آخر: "اتق سلاح إبليس النساء"، و"لقي عيسى ﵇ إبليس وهو يسوق خمسة أحمر عليها أحمال، فسأله، فقال: أحمل تجارة وأطلب مشترين، أحدهما الكيد قال: من يشتريه؟ قال: النساء: .. " الحديث، وقال علي: النساء شر كلهن وشر ما فيهن قلة الاستغناء عنهن، وفي رواية: قالوا: يا رسول الله، ما فتنتهن؟ قال: "إذا لبسن ريط الشام، وحلل العراق، وعصب اليمن، وملن كما تميل أسنمة البخت، فإذا فعلن ذلك كلفن المعسر ما ليس عنده" (٢).

стр. 14479

فصل: سيأتي إن شاء الله تعالى في الطب في باب: الطيرة رد على من زعم أن أحاديث الشؤم تعارضها. وقد أسلفناه في الجهاد أيضًا. وذكر أبو محمد القاسم بن عساكر في "تحقيقه" أن الإمام أحمد لما سئل عن حديث ابن مسعود مرفوعًا: "الطيرة شرك وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل" وأصله في الترمذي مصححًا فقال: قوله: "وما منا". من كلام ابن مسعود ليس مرفوعًا (١)، يقصد: وما منا إلا ويقع في قلبه شيء على ما جرت به العادة ومضت به التجارب، لكنه لا يقر فيه، (بل يحسن اعتاده إن لامه رسول الله) (٢)، فيسأله الخير ويستعيذ به من الشر ويمضي لوجهه متوكلًا على الله، كما رويناه عن رسول الله ﷺ : "إذا رأيت من الطيرة ما تكره فقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك" (٣) من طريق منقطعة. ولأبي داود من حديث ابن أبي وقاص مرفوعًا: "إن كانت الطيرة في شيء ففي المرأة والدابة والدار" (٤) وعن أبي سعيد من حديث عطية عنه مثله (٥)، وكذا روته أم سلمة (٦) وسهل بن سعد (٧).

стр. 14480

وعن ابن عمر: "لا عدوى ولا طيرة" وعن ابن عباس مثله. أخرجه ابن ماجه بإسناد جيد (١)، وكذا عن أبي قتادة وجابر وأبي الدرداء والسائب بن يزيد وبريدة وأنس وأبي أمامة وعبد الله بن زيد وحابس التميمي وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة بأسانيد جيدة (٢). قال الحليمي في "منهاجه": والتطير قبل الإسلام كان من وجوه منها: زجر الطير، وصوت الغراب، ومرور الظبي، والعجم ينفرون برؤية ظبي يذهب به إلى المعلم ويتمنون برجوعه، وكذا يتشاءمون برؤية السقاء على ظهره قربة مملوءة مشدودة، والحمال المثقل الحمل، وهذا كله باطل، وقد نهينا عن الباطل. وحديث: "الشؤم في ثلاث" ليس من التطير في شيء كما سلف. وقوله: "فر من المجذوم فرارك من الأسد" (٣) هو من باب تجنب المضار؛ لأن الجذام معدٍ ومنفر -أعني: يعدي من شخص إلى شخص، ويوجد في النسل، والمعدي الجرب والجدري والحصبة والبَخَر والرمد، والمرض الوبائي، والمنفسة البرص والدق والمالتموليا والصداع والنقرس. فالأمر بالفرار من المجذوم لهذا لا للتطير. وأما أكله مع المجذوم (٤) فيحتمل أن يكون ذلك استشفاء له بالإصابة

стр. 14481

من طعام رسول الله ﷺ واجتماع يده في القصعة مع يده ثقة بالله وتوكلًا عليه، وأما نهيه عن تسمية الغلام يسارًا (١) وشبهه فإنما هو لئلا يقال: ليس هنا وشبهه.

стр. 14482

١٨ - باب الحُرَّةِ تَحْتَ العَبْدِ ٥٠٩٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ عَتَقَتْ فَخُيِّرَتْ، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». وَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَبُرْمَةٌ عَلَى النَّارِ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ خُبْزٌ وَأُدْمٌ مِنْ أُدْمِ الْبَيْتِ فَقَالَ: «لَمْ أَرَ الْبُرْمَةَ؟». فَقِيلَ: لَحْمٌ تُصُدِّقَ عَلَى بَرِيرَةَ، وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ قَالَ: «هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ». [انظر: ٤٥٦ - مسلم: ١٠٧٥، ١٥٠٤ - فتح ٩/ ١٣٨]. ذكر فيه حديث عائشة في قصة بريرة كان فيها ثَلَاثُ سُنَنٍ عتقت وخيرت. وقال ﵇: "الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ". الحديث سلف في العتق (١)، وليس فيه هنا التصريح بكون زوجها عبدًا ولا غيره، وقد تجاذبت فيه الروايات، فقائل: كان حرًّا، وقائل: كان عبدًا، فلا يتمحض للبخاري استدلاله، لاسيما ولم يأت في حديثه بشيء من ذلك. نعم ترجح عنده عبوديته -كما ستعلمه- ولذلك ترجم به، وقد قام الإجماع على أن الحرة يجوز لها أن تنكح العبد إذا رضيت؛ لأن ولدها منه حر تبع لها؛ لقوله ﵇: "كل ذات رحم فولدها بمنزلتها" (٢) أي: في العتق والرق، ذكره ابن بطال (٣). وذكر ابن المنذر عن الشافعي أنه قال: أصل الكفاءة مستنبط من حديث بريرة؛ لأن زوجها صار غير كفؤ لها؛ فلذا خيرها (٤).

стр. 14483

وقام الإجماع على أن الأمة إذا أعتقت تحت العبد كانت زوجًا له، وأن لها الخيار في البقاء معه أو مفارقته، وذلك أنها حدث لها حال فمال رفعها عن العبد ونقص عنها الزوج، وأيضًا فهي حين عقد عليها لم تكن من أهل الاختيار لنفسها، فصار لها الآن الخيار؛ لأنها أكمل حالًا منه، وأما إذا كان زوجها حرًّا فلا خيار لها عند جمهور العلماء؛ لأنهما متساويان فلا فضلة لها عليه، خلافًا للكوفيين إذ أثبتوا لها الخيار حرًّا كان زوجها أو عبدًا (١). وورد عن النخعي، عن الأسود، عن عائشة ﵂ أن زوجها كان حرًّا (٢). ويأتي في أبواب التخيير من الطلاق ومستوفٍ إن شاء الله تعالى.

стр. 14484

١٩ - باب لَا يَتَزَوَّجُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: يَعْنِي مَثْنَئى أَو ثُلَاثَ أَوْ رُبَاعَ. وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١]، يَعْنِي: مَثْنَى أَوْ ثُلَاثَ أَوْ رُبَاعَ. ٥٠٩٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣]. قَالَتِ: الْيَتِيمَةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ وَهْوَ وَلِيُّهَا، فَيَتَزَوَّجُهَا عَلَى مَالِهَا، وَيُسِيءُ صُحْبَتَهَا، وَلَا يَعْدِلُ فِي مَالِهَا، فَلْيَتَزَوَّجْ مَا طَابَ لَهُ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهَا مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ. [انظر: ٢٤٩٤ - مسلم: ٣٠١٨ - فتح ٩/ ١٣٩]. ثم ساق حديث عائشة ﵂: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣] إلى آخره وسلف. وقام الإجماع أنه لا يجوز لأحد أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة في النكاح (١). وقال قوم لا يعتد بخلافهم: أنه يجوز الزيادة إلى تسع، محتجين بأن معنى الآية إفادة الجمع؛ بدليل فعل الشارع، ولنا به أسوة، وحجة الجماعة أن المراد بالآية التخيير بين الأعداد الثلاثة لا الجمع؛ لأنه لو أراد الجمع بين تسع لم يعدل عن لفظ الاختصار، ولقال فانكحوا تسعًا، والعرب لا تدع أن تقول: تسعة، وتقول: اثنان وثلاثة وأربعة، فلما قال: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] صار التقدير: مثنى مثنى، وثلاث ثلاث، ورباع رباع. فتقيد التخيير؛ كقوله تعالى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ

стр. 14485

مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١]؛ ولأنه تعالى قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] واللغة لا تدفع التخيير بين شاهدين بينهما تفاوت، ولا يجوز أن يقال: فإن خفتم أن لا تعدلوا في التسع فواحدة؛ لأنه يصير بمنزلة من يقول: إن خفت أن تخرج إلى مكة على طريق الكوفة فامض إليها على طريق كذا، وبالقرب من مكة طرق كثيرة لا يخاف منها، فعلم أنه أراد التخيير بين الواحدة والاثنتين، وبين الاثنتين والثلاث. وأما قولهم: أنه ﵇ مات عن تسع ولنا به أسوة. فإنا نقول: أن ذلك من خصائصه، كما خص بأن ينكح بغير صداق، وأن أزواجه لا تنكح بعده وغير ذلك. وموته عن تسع كان اتفاقا، وصح أن غيلان بن سلمة أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له ﵇: "اختر منهن أربعًا وفارق سائرهن" (١) فسقط قولهم.

стр. 14486

١ كِتَابُ الرَّضَاعِ

стр. 14487

كِتَابُ الرَّضَاعِ ٢٠ - باب ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء:٢٣] وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ ٥٠٩٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ عِنْدَهَا، وَأَنَّهَا سَمِعَتْ صَوْتَ رَجُلٍ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أُرَاهُ فُلَانًا». لِعَمِّ حَفْصَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: لَوْ كَانَ فُلَانٌ حَيًّا -لِعَمِّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ- دَخَلَ عَلَيَّ؟ فَقَالَ: «نَعَمِ الرَّضَاعَةُ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ». [انظر: ٢٦٤٦ - مسلم: ١٤٤٤ - فتح ٩/ ١٣٩]. ٥١٠٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَلَا تَزَوَّجُ ابْنَةَ حَمْزَةَ؟ قَالَ: «إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ». وَقَالَ بِشْرُ بْنُ عُمَرَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ، سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ مِثْلَهُ. [انظر: ٢٦٤٥ - مسلم: ١٤٤٧ - فتح ٩/ ١٤٠]. ٥١٠١ - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ أَخْبَرَتْهَا أَنَّهَا

стр. 14488

قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، انْكِحْ أُخْتِي بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ فَقَالَ: "أَوَتُحِبِّينَ ذَلِكَ؟ ". فَقُلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي فِي خَيْرٍ أختِي. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ لِي". قلْت: فَإِنَّا نحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ. قَالَ: "بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ؟ ". قلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: "لَوْ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حَجْرِي مَا حَلَّتْ لِي، إِنَّهَا لَابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ، فَلَا تَغرِضْنَ عليَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ". قَالَ عُرْوَةُ: وَثُوَيْبَةُ مَوْلَاةٌ لأبِي لَهَبٍ، كَانَ أَبُو لَهَبٍ أَعْتَقَهَا فَأَرْضَعَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو لَهَبٍ أُرِيَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ بِشَرِّ حِيبَةٍ، قَالَ لَهُ: مَاذَا لَقِيتَ؟ قَالَ أَبُو لَهَبٍ: لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ غَيْرَ أنَي سُقِيتُ فِي هذِه بِعَتَاقَتِي ثُوَيْبَةَ. [٥١٠٦، ٥١٠٧، ٥١٢٣، ٥٣٧٢ - مسلم: ١٤٤٩ - فتح ٥/ ١٤٠]. ذكر فيه أحاديث: أحدها: عن عائشة ﵂ أنه ﷺ كَانَ عِنْدَهَا، وَأَنَّهَا سَمِعَتْ صَوْتَ رَجُل يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هذا رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أُرَاهُ فُلَانًا". لِعَمِّ حَفْصَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: لَوْ كَانَ فُلَانٌ حَيًّا -لِعَمِّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ- دَخَلَ عَلَيَّ؟ فَقَالَ: "نَعَم الرَّضَاعَةُ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الوِلَادَةُ". وسلف في الشهادات والخمس (١). ثانيها: حديث يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَلَا تتَزَوَّجُ بنت حَمْزَةَ؟ قَالَ: "إِنَّهَا ابنةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ".

стр. 14489

قال: وَقَالَ بِشْرُ بْنُ عُمَرَ: ثَنَا شُعْبَةُ، سمِعْتُ قَتَادَةَ، سمِعْتُ جَابِرَ بْنَ زيدٍ مِثْلَهُ. وهذا (١) أخرجه مسلم، عن محمد بن يحيى القطيعي، عنه، وأتى به البخاري بشأن سماع قتادة فيه، فإنه مدلس صرح بسماعه. وسلف في الشهادات. الحديث الثالث: حديث زينب بنت أم سلمة، عن أم حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، انْكِحْ أُخْتِي بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ فَقَالَ: "أَوَتُحِبِّينَ ذَلِكَ؟ ". إلى أن قال: "فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ". إلى آخره. وهذِه القطعة سلفت، وتأتي في النفقات (٢). وقولها: (انكح أختي) في رواية مسلم: أنها عزة -بفتح العين وتشديد الزاي (٣) - قال القاضي: ولا نعلم هذِه في بنات أبي سفيان إلا من هذا الحديث (٤). وقيل: إنها حمنة وقيل: درة، حكاه المنذري (٥). وقول بنت أبي سلمة هي درة. كذا ذكره بعد في باب الجمع بين الأختين، وغيره (٦)، وهي بضم الدال المهملة.

стр. 14490

وحكى عياض عن بعض رواة مسلم فتحها معجمة (١). قال النووي: وهو تصحيف، ولا شك فيه (٢). ووقع في كتاب "الصحابة" لأبي موسى أنها حمنة، ثم قال: والأشهر غيره (٣). وقوله: (أُرِيَهُ بعضُ أهله) هو العباس، كما أفاده السهيلي (٤). والحيبة -بكسر الحاء، وكذا الحوبة: الحزن والهم وسوء الحال. وكذا للمستملي كالحموي، ولغيرهما بالخاء المعجمة، قاله عياض (٥). قال غيره: والحيبة بضم أيضًا: الحاجة والمسكنة وأصل الياء في حيبة الواو، فقلبت ياء لانكسار ما قبلها. وكانت ثويبة أرضعته ﵇، وعمه حمزة، وأبا سلمة عبد الله بن عبد الأسد. وكان ﵇ يكرمها، وكانت تدخل عليه بعد أن تزوج خديجة ويصلها من المدينة حتى ماتت بعد فتح خيبر -وكانت خديجة تكرمها، وأعتقها أبو لهب بعد الهجرة إلى المدينة- فلما بلغه موت ثويبة سأل عن ابنها مسروح، فقيل له: مات، فسأل عن قرابتها، فقيل له: لم يبق منهم أحد. قال أبو نعيم: ولا أعلم أحدًا ثبت إسلامها غير ابن منده (٦).

стр. 14491

وقوله: (غير أني سقيت في هذِه) يعني النقير التي بين الإبهام والتي تليها من الأصابع. كذا رواه البيهقي في "دلائله" وقال في آخره: رواه البخاري في الصحيح (١). وكذا قال البغوي في "شرح السنة" مرادهما في أصل الحديث (٢). قيل: أراد الوقبة التي بين الإبهام والسبابة. وقال القرطبي في "مفهمه": سقي نطفة من ماء في جهنم بسبب ذلك، قال: وذلك أنه جاء في "الصحيح": أنه رؤي في المنام فقيل له: ما فعل بك؟ فقال: سقيت في مثل هذِه. وأشار إلى ظفر إبهامه (٣). ومذهب المحققين أن الكافر لا يخفف عنه العذاب بسبب حسناته في الدنيا، بل يوسع عليه بها في دنياه، وهذا التخفيف خاص بهذا وبمن ورد النص فيه أيضًا. وقال ابن التين: كأنها إشارة إلى حفرة في إبهامه إذا نصبها ومدها. قال: وكذلك بينه في بعض الروايات: سقيت في النقرة التي بين الإبهام وبين السبابة. وقال ابن بطال: روى علي بن المديني، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري. وفيه: قال: ما وجدت بعدكم راحة غير أني سقيت في هذِه -وأشار إلى النقرة التي تحت إبهامه- بعتقي ثويبة.

стр. 14492

قال ابن بطال: فبان ههنا أنه سقط من رواية البخاري: راحة، بعد قوله: (لم ألق بعدكم)؛ لأنه لا يتم الكلام على ما رواه البخاري. وكذلك سقط منه: وأشار إلى النقرة .. إلى آخره، ولا يقوم يعني: الحديث- إلا بذلك، ولا أعلم ممن جاء الوهم (١). فصل: قوله: ("ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب") وقوله بعده: ("الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة") هو إجماع لا خلاف فيه بين الأمة، وقد قال تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] فإذا كانت الأم والخالة هذِه محرمة فكذا زوجها؛ لأنه والده؛ لأن اللبن منهما جميعًا، وانتشرت الحرمة إلى أولاده، فأخوها صاحب اللبن عم، وأخوها خال، فيحرم من الرضاع العمات والخالات والأعمام وبناتهن كالنسب. قال ابن المنذر: إذا أرضعت امرأة الرجل جارية حرمت على ابنه وأبيه وجده وبني بنيه وبني بناته وكل ولد ذكر وولد ولده وعلى كل جد له من قبل أبيه وأمه، وإذا كان المرضع غلامًا حرم عليه ولد المرأة التي أرضعته، وأولاد الرجل الذي أرضع هذا الصبي بلبنه وهو زوج المرضعة، ولا تحل له عمته من الرضاعة ولا خالته ولا بنت أخيه من الرضاعة (٢).

стр. 14493

فصل: سبب كون بنت حمزة بنت أخيه ﵇ قد أسلفناه، فإن ثويبة أرضعت أولًا حمزة ثم رسول الله ﷺ ، ثم أبا سلمة على ما قاله مصعب الزبيري، فالثلاثة أخوة من الرضاعة. وقال ابن إسحاق: كان حمزة أسن من النبي ﷺ بسنتين (١)، وقيل: بأربع (٢). فصل: قول أم حبيبة (انكح أختي) وجهه أنها لم تعلم حرمة الجمع بين الأختين، ولذلك قاله لها ولسائر أزواجه: "لا تعرضن عليَّ بناتكن ولا أخواتكن فإن بناتكن ربائب لي" والربيبة حرام مثل الجمع بين الأختين. وقوله في بنت أبي سلمة: "لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي" من أجل أن أبا سلمة أخ للنبيّ ﷺ فكانت بنته حرامًا؛ لأنها ربيبة لرسول الله ﷺ ، وأنها بنت أخيه من الرضاعة. قال ابن المنذر: ولا بأس أن يتزوج الرجل التي أرضعت ابنه وكذلك يتزوج المرأة التي هي رضيع ابنه، ولأخي هذا الصبي المرضع أن يتزوج المرأة التي أرضعت أخاه ويتزوج ابنتها التي هي رضيع أخيه، وما أراد من ولدها وولد ولدها، وإنما يحرم نكاحهن على المرضع، وهذا مذهب مالك والكوفيين والشافعي وأبي ثور (٣).

стр. 14494

فصل: وفيه من الفقه: أن الكافر قد يعطى عوضًا عن أعماله التي يكون مثلها قربة لأهل الإيمان بالله كما في حق أبي طالب وقد سلف (١)، غير أن التخفيف عن أبي لهب أقل من التخفيف عن أبي طالب؛ لأن أبا لهب كان مؤذيًا لرسول الله- ﷺ ، فلم يحق له التخفيف بعتق ثويبة إلا بمقدار ما تحمل النقرة التي تحت إبهامه من الماء، وخفف عن أبي طالب أكثر من ذلك؛ لنصرته لرسول الله ﷺ وحياطته له، وقيل: إنه من تفضل عليه. قال ابن بطال: وصح قول من تأول في معنى الحديث الذي جاء عن الله تعالى أن رحمته سبقت غضبه لا تقطع عن أهل النار المخلدين، إذ في قدرته أن يخلق لهم عذابًا يكون عذاب النار لأهلها رحمة وتخفيفًا، بالإضافة إلى ذلك العذاب، فقد جاء في حديث أبي سعيد أن الكافر إذا أسلم يكتب له ثواب الأعمال الصالحة، وقد قال ﵇: "إذا أسلم الكافر فحسن إسلامه كتب له كل حسنة عملها ومحي عنه كل سيئة عملها"، وقال ﵇ لحكيم بن حزام في كتاب الزكاة: "أسلمت على ما سلف من خير" وقد سلف حديث حكيم بن حزام في كتاب الرقاق في باب من تصدق في الشرك ثم أسلم (٢)، وفي العتق في باب عتق المشرك (٣)، وسلف حديث أبي سعيد الخدري في الإيمان، في باب: حسن إسلام المرء (٤).

стр. 14495

ومر هناك من الكلام في معانيه ما فيه كفاية (١) فصل: أسلفنا أن الجمع بين أختين في عقد واحد حرام، وهو إجماع (٢)، قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] وقد أسلم فيروز الديلمي على أختين فقال ﵇: "اختر أيتهما شئت" حسنه الترمذي (٣). واختلف في الأختين بملك اليمين، وكافة العلماء على التحريم أيضًا، وشذ أهل الظاهر خلا ابن حزم فيه (٤)، قاسوه على الملك، وحملوا الآية على المنكوحات، فإنه عطف ذلك عليهم، ولا يلزم فقد يكون الأول خاصًا، والثاني عامًا، واحتجوا بما روي عن عثمان ﵁: حرمتهما آية وأحلتهما آية (٥)، وحكاه الطحاوي عن علي وابن عباس، والآية المحلة لهما: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وقد روي المنع عن عمر وعلي أيضًا وابن مسعود وابن عباس وعمار وابن عمر وعائشة وابن الزبير (٦)، وفي "المصنف" عن ابن المسيب ومحمد بن الحنفية بإسناد جيد مثل قول عثمان (٧)، وأول الآيات تحريم الأمهات والبنات واللتان لا يستقر الملكٍ عليهن بالشراء فكذلك بين الأختين في النكاح والوطء بالملك.
следующие страницы →