قَالَ ابن عباس: فكل فرج سواهما فهو حرام (١)، قَالَ أبو عيسى: إنما (رويت) (٢): الرخصة عن ابن عباس ثم رجع عن قوله، حيث أخبر عن رسول الله ﷺ (٣).
قَالَ الحازمي: هذا إسناد صحيح لولا موسى بن عبيدة.
وأما ما يحكى عن ابن عباس فإنه كان يتأول في إباحته للمضطرين إليه بطول العزبة وقلة اليسار، ثم توقف عنه، فيوشك أن يكون سبب رجوعه عنه قول علي وإنكاره عليه.
وقد روينا أن ابن جبير قَالَ له: هل تدري ما صنعت وبما أفتيت؟ فقد سارت بفتياك الركبان، وقالت فيه الشعراء قَالَ: وما قالوا؟ قلت: قالوا:
قد قلت للشيخ لما طال مجلسه … يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس
هل لك في رَخصة الأطراف آنسة … تكون مثواك حَتَّى يصدر الناس
فقال ابن عباس: إنا لله وإنا إليه راجعون، والله ما بهذا أفتيت، ولا هذا أردت، ولا حلَّلت إلا مثل ما أحل الله الميتة والدم ولحم الخنزير وما يحل للمضطرين، وما هي إلا كالميتة وشبهه (٤).
قَالَ الخطابي، فهذا يبين لك أنه سلك فيه مذهب القياس، وشبهه بالمضطر إلى الطعام الذي به قوام النفس وبعدمه يكون التلف، وإنما هذا من باب غلبة الشهوة، ومصابرتها ممكنة، وقد تحسم مادتها بالصوم والعلاج، فليس أحدهما في حكم الضرورة (٥).
стр. 14562
وقد بين سهل بن سعد الساعدي ذَلِكَ بقوله فيما ذكره ابن عبد البر: إنما رخص رسول الله ﷺ لعزيمة كانت بالناس شديدة، ثم نهى عنها بعد ذَلِكَ (١).
قَالَ ابن جريج: أخبرني عطاء أن ابن عباس ﵄ كان يراها حلالًا حَتَّى الآن. ويقرأ فيه: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إلى أَجلٍ مُسَمًّى فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً). وقال ابن عباس: في حرف أُبي بن كعب (إلى أجل مسمى)، قَالَ: وسمعت ابن عباس يقول: رحم الله عمر، ما كانت المتعة إلا رحمة من الله يرحم بها عباده، ولولا نهي عمر ما احتاج إلى الزنا إلا شقي (٢). قَالَ أبو عمر: أصحاب ابن عباس من أهل مكة واليمن كلهم يرونها حلالًا، عَلَى مذهبه، وحرمها سائر الناس.
وروى الليث بن سعد، عن بكير بن الأشج، عن عمار، مولى الشريد: سألت ابن عباس عن المتعة أسفاح هي أم نكاح؟ قَالَ: لا سفاح ولا نكاح. قلت: فما هي؟ قَالَ: المتعة كما قَالَ الله، قلت: هل عليها (عدة) (٣)؟ قَالَ: نعم، حيضة. قلت: يتوارثون؟ قَالَ: لا (٤).
стр. 14563
الحديث الثالث:
حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، عن سُفْيَانَ، قَالَ عَمْرٌو: عَنِ الحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ وَسَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ﵃ قَالَا: كُنَّا فِي جَيْشٍ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُمْ أَنْ تَسْتَمْتِعُوا، فَاسْتَمْتِعُوا".
زاد مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر: كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام عَلَى عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر -وفي بعض الروايات وعمر- حَتَّى نهى عنها عمر. وفي رواية وذكر المتمتعين: فعلناهما مع رسول الله ﷺ ثم نهانا عنهما عمر، فلم نعد لهما (١).
قلت: سيأتي بعد عنه أنه ﷺ نهانا عنها في تبوك (٢)، وللدارقطني في "أفراده": نهى رسول الله ﷺ عن نكاح الاستمتاع ثم قال: تفرد به يزيد ابن سنان، عن زيد بن أبي أنيسة، عن أبي الزبير محمد بن مسلم.
الحديث الرابع:
قال البخاري: وَقَالَ ابن أَبِي ذِئْبٍ: ثنا إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أنه قال: "إلّمَا رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ تَوَافَقَا فَعِشْرَةُ مَا بَينَهُمَا ثَلَاثُ لَيَالٍ، فَإِن أَحَبَّا أَنْ يَتَزَايَدَا تزايدا أَوْ يَتَتَارَكَا تَتَارَكَا". فَمَا أَدْرِي أَشَيْءٌ كَانَ لنَا خَاصَّةً أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً؟
هذا التعليق أسنده الإسماعيلي، عن ابن ناجية، ثَنَا أبو موسى محمد بن المثنى لفظه، وبندار وحميد بن زنجويه قالوا: ثَنَا أبو عاصم الضحاك بن مخلد، عن ابن أبي ذئب، عن إياس بلفظ "أيما رجل
стр. 14564
وامرأة أيام الحج تراضيا فعشرة ما بينهما ثلاثة أيام" وفي رواية أبي العميس، عن إياس: رخص رسول الله ﷺ عام أوطاس في المتعة ثلاثة أيام ثم نهى عنه.
قال البيهقي: زعم زاعم أنه نُهي بضم النون وكسر الهاء، يريد بالناهي عمر بن الخطاب، قيل له: المحفوظ نهى بفتح النون والهاء.
ورأيته في كتاب بعضهم: نها بالألف عَلَى أنها إن كانت الرواية كما قال بضم النون، فيحتمل أن يكون المراد: الشارع، ويحتمل عمر.
ورواية الربيع بن سبرة، عن أبيه من عند مسلم: تمتعت ثلاثًا، ثم إن رسول الله ﷺ -قَالَ: "من كان عنده شيء من هذِه النساء: التي يتمتع بها، فليخل سبيلها" وفي رواية: وذلك في فتح مكة أذن لنا في متعة النساء، فلم يخرج حَتَّى حرمها رسول الله ﷺ فقال: "يا أيها الناس إني كنت قد أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذَلِكَ إلى يوم القيامة" (١) فالحجة بأن الناهي في هذا إنما هو الشارع، فيكون أولى من رواية من أبهمه (٢).
قَالَ البيهقي: وإنما لم يخرجه البخاري لاختلاف وقع عليه في تاريخه (٣)، وعند أحمد، وذلك في حجة الوداع (٤).
وذهب أبو داود إلى أنه أصح ما روي في هذا (٥)، ورجحه ابن عبد البر وغيره، وهو قوله: وذلك في حجة الوداع (٦)، وخالف ذَلِكَ
стр. 14565
البيهقي، فقَالَ: الفتح أكثر (١)، وذُكر في كتاب "ما أغرب به شعبة عن سفيان بن سعيد" (٢): أن الأجل كان بينهما عشرة أيام، وعند ابن شاهين: قبل يوم التروية، كان الإذن، وفي يوم التروية كان المنع (٣)، وفي لفظ في عشرة الإذن، وفي لفظ: وذلك عمره.
ثم قَالَ البخاري: (قَالَ أبو عبد الله: وقد بينه عليّ عن النبي ﷺ أنه منسوخ)، وهو كما قَالَ، وقد أسنده في "صحيحه" أولًا؛ لأن عليًّا ﵁ قَالَ لابن عباس: أما علمت أن رسول الله ﷺ نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر. وللنسائي: وقال محمد بن مثنى: يوم (حنين) (٤)، وقال: هكذا حَدَّثَنَا عبد الوهاب الثقفي من كتابه عن يحيى بن سعيد، عن مالك (٥).
وللبيهقي من حديث ابن لهيعة عن موسى بن أيوب، عن إياس بن عامر، عن عَلَي: نهى رسول الله ﷺ عن المتعة قَالَ: وإنما كانت فيمن لم يجد، فلما أنزل النكاح والطلاق والعدة والميراث بين الزوج والمرأة نسخت (٦)، وهو معنى ما أخرجه ابن حبان في "صحيحه" من حديث المقبري، عن أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ لما خرج نزل
стр. 14566
بثنية الوداع فرأى مصابيح وسمع نساء يبكين، فقال: "ما هذا؟ " قالوا نساء كانوا تمتع منهن أزواجهن. فقال ﷺ : "هَدَمَ -أو قَالَ: حَرّم المتعة- النكاحُ والطلاق والعدة والميراث" (١).
وللبيهقي فيه: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فنزلنا بثنية الوداع، قَالَ: وكذلك رواه إسحاق بن إبراهيم وجماعة عن المؤمل، عن عكرمة، عن المقبري (٢).
وللحازمي من حديث ابن عقيل، عن جابر: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى غزوة تبوك حَتَّى إذا كنا عند العقبة مما يلي الشام، فرأى ﷺ نسوة يبكين في رحالنا فقال: "من هؤلاء؟ " فقلنا: يا رسول الله، نسوة تمتعنا منهن، فغضب حَتَّى احمرت وجنتاه واشتد غضبه، ثم قام خطيبًا، فنهى عن المتعة (فتوادعنا) (٣) يومئذ الرجال والنساء ولم نعد، ولا نعود لها أبدًا؛ فبها يومئذ سميت بثنية الوداع (٤).
وعند ابن عبد البر من حديث إسحاق بن راشد عن الزهري -ولم يتابع عليه- عن عبد الله بن محمد بن علي، عن أبيه، عن علي: نهى النبي ﷺ في غزوة تبوك عن نكاح المتعة (٥).
فصل:
ذكر الطحاوي عن علي وابن عمر ﵃ أن النهي عنها كان يوم خيبر (٦).
стр. 14567
ورواه مالك ومعمر ويونس، عن ابن شهاب في هذا الحديث كذلك (١).
وقد رويت آثار أن نهيه عنها كان في غير يوم خيبر. وروى أبو (العميس) (٢)، عن إياس بن سلمة، عن أبيه أنه ﷺ أذن فيها عام أوطاس ثم نهى عنها (٣)، وروى عكرمة بن عمار عن سعيد المقبري أنه حرمها في غزوة تبوك (٤)، وقد سلف أيضًا، وقال عمرو، عن الحسن: ما حلت قط إلا ثلاثًا في عمرة القضاء، ما حلت قبلها ولا بعدها (٥). وحديث سبرة السالف كان عام الفتح، وعنه أنه كان عام حجة الوداع.
стр. 14568
قَالَ الطحاوي: فكل هؤلاء الذين رووا عن رسول الله ﷺ إطلاقها أخبروا أنها كانت في سفر، وأن النهي عنها في ذَلِكَ السفر بعد ذَلِكَ فمنع منها، وليس أحد منهم يخبر أنها كانت في حضر.
وحديث ابن مسعود السالف في البخاري أنه كان في الغزو، وحديث سبرة خارج عنه، وحديث سلمة في غزوة أوطاس وهو وقت ضرورة (قال: وأخلق بحديث سبحة أن يكون خطأ لزوال الضرورة) (١).
وقد اعتبرنا هذا الحرف فلم نجده إلا في رواية عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز خاصة فأما عبد العزيز بن الربيع بن سبرة فرواه عن أبيه، وذكر أنه عام الفتح، وقد رواه إسماعيل بن عياش، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، فذكر أن ذَلِكَ كان في الفتح، وأنهم شكوا العزبة، فرخص لهم فيها، ومحال أن يسألوها في حجة الوداع؛ لأنهم حجوا بالنساء، فلما اختلفت المواطن المذكور فيها الإباحة في حديث سبرة نفي النهي المطلق فقط (٢).
فالحاصل سبع روايات: خيبر، حنين، الفتح، أوطاس، تبوك، عمرة القضاء، حجة الوداع، وهو هنا، ولما أسلفنا عن الحسن، والجمع متعين، فيكون مرات ثم استقر النهي.
فصل:
روى البيهقي من حديث الحكم بن عتيبة عن أصحاب عبد الله بن مسعود أنه قَالَ: المتعة منسوخة، نسخها الطلاق والعدة والصداق والميراث، وفي "صحيح الإسماعيلي": ففعلناها، ثم تُرك ذَلِكَ.
стр. 14569
وفي لفظ: ثم جاءتحريمها بعد (١).
ولابن شاهين من حديث أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، عنه: أحلت للصحابة ثلاثة أيام في غزاة شكونا إلى رسول الله ﷺ العزوبة، ثم نسختها آيه النكاح (٢).
وحديث ابن مسعود السالف في النكاح لم يذكر فيه إلا الإباحة، وتلا قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] قَال الشافعي فيما حكاه عنه الحاكم: ذكر ابن مسعود الإرخاص فيها. ولم يؤقت شيئًا يدل أهو قبل خيبر أو بعدها؟ فأشبه حديث علي في النهي عنها أن يكون -والله أعلم- ناسخًا له فلا يجوز بحال.
قَال البيهقي: وروينا في حديث ابن مسعود أنه قَالَ: كنا ونحن شباب. فأخبر أنهم كانوا يفعلون ذَلِكَ وهم شباب؛ لأن ابن مسعود توفي سنة اثنتين وثلاثين، وله بضع وستون سنة، وكان فتح خيبر سنة سبع، وفتح مكة سنة ثمان، فكان سنة عام الفتح يقرب من أربعين سنة، والشباب قبل ذَلِكَ، فأشبه حديث علي أن يكون ناسخا له (٣). وهو كما قَالَ البيهقي، فمن تأمله وجد كلامه في غاية المتانة.
وذكر أبو عبد الرحمن العُتَقِي (٤) في "تاريخه" أن مولد ابن مسعود سنة ثلاث وعشرين من مولد سيدنا رسول الله ﷺ . فحضوره كان
стр. 14570
أيضًا فوق الثلاثين، وقد ذكر نسخها كما سلف.
وقد رواه أيضًا عنه عبد الرزاق، عن معمر، عن إسماعيل، عن قيس، عنه (١) فوافق عليًّا في النسخ.
والظاهر أن حديثه: "يا معشر الشباب" السالف، بعد ذَلِكَ، وقد سلفت روايته في البخاري: قَالَ لنا النبي ﷺ ذَلِكَ، ولا ينافيه رواية الفريابي في "كتاب النكاح" خرج عَلَى فتية عزاب فقال: "يا معشر الشباب".
فصل:
روى النهي أيضًا جماعات منهم: عمر بن الخطاب، أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح: أنه ﷺ أذن لنا في المتعة ثلاثة أيام، ثم حرمها، والله لا أعلم أحدًا تمتع وهو محصن إلا رجمته، إلا أن يأتيني بأربعة يشهدون أنه ﵇ أحلها بعد إذ حرمها (٢).
وعند ابن الطلاع قَالَ أبو عبيد في حديثه: قَالَ النبي ﷺ : "ما أحسب رجلًا منكم يخلو بامرأة ثلاثا إلا ولّاها الدبر" (٣).
стр. 14571
والدارقطني: عن ابن عباس أن عمر نهى عن المتعة التي للنساء وقال: إنما أحل الله ذَلِكَ للناس عَلَى عهد رسول الله ﷺ ، والنساء يومئذٍ قليل، ثم حرمها عليهم بعد (١).
وفي "المصنف" قَالَ ابن المسيب: يرحم الله عمر، لولا أنه نهى عنها صار الزنا جهارًا.
وله أن ابن عمر نهى عنها فقال: حرام. قيل له: إن ابن عباس يفتي بها. قَالَ: فهلا تزمزم بها أيام عمر (٢).
زاد البيهقي: والله لقد علم أن رسول الله ﷺ حرمها يوم خيبر وما كنا مسافحين (٣).
ومنهم أبو هريرة ﵁، أخرجه ابن شاهين بإسناد جيد عنه: تمتعنا مع رسول الله ﷺ بمكة من النساء، ثم قَالَ لنا: "إن جبريل أتاني وأخبرني أن الله قد حرمها". وله من حديث ابن خالد الجهني وكعب بن مالك وأنس (٤).
وفي البيهقي عن أبي ذر: إنما أحلت لنا أصحاب رسول الله ﷺ متعة النساء: ثلاثة أيام، ثم نهى عنها رسول الله ﷺ (٥).
وفي مسلم: لا تصلح المتعتان إلا لنا خاصة: متعة النساء، ومتعة الحج (٦).
стр. 14572
فصل:
لما حرمها ﷺ في حجة الوداع تأبدَ النهيُ، فلم يبق اليوم فيه خلاف بين فقهاء الأمصار وأئمة الأمة. قَالَ الحازمي الأستاذ: ذهب إليه بعض الشيعة. وروي عن ابن جريج أيضًا جوازه (١).
قلت: قد ذكروا عنه رجوعه، قَالَ أبو طالب: قَالَ أبو عبد الله أحمد: قَالَ ابن جريج بالبصرة: اشهدوا أني قد رجحت عن المتعة بعد بضعة عشر حديثًا أرويه فيها.
وأما ابن حزم توسع قَالَ: إن جماعة من السلف ثبتت عَلَى تحليلها بعد رسول الله ﷺ ، منهم من الصحابة: أسماء بنت الصديق، وجابر بن عبد الله، وابن عباس، وابن مسعود، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن حُريث، وأبو سعيد الخدري، وسلمة ومعبد ابنا أمية بن خلف، ورواه جابر عن (جميع) (٢) الصحابة مدة رسول الله، ومدة أبي بكر وعمر إلى قرب آخر خلافته.
واختلف في إباحتها عن ابن الزبير (وعن علي فيها توقف وعن عمر) (٣) أنه إنما أنكرها إذ لم يشهد عليها عدلان، وأباحها بشهادة عدلين، ومن التابعين: طاوس وعطاء وسعيد، وسائر فقهاء مكة (٤). قلت: ولهذا -والله أعلم- قَالَ الأوزاعي فيما ذكره الحاكم في "علومه": يترك من قول أهل الحجاز خمس منها: المتعة بالنساء (٥).
стр. 14573
وقال ابن عبد البر في "جامع العلم": أطلق ابن شهاب عَلَى أهل مكة زمانه أنهم ينقضون عُرى الإسلام، ما استثنى منهم أحدًا. وأظن ذَلِكَ، لما روي عنهم في الصرف ومتعة النساء (١).
ونقل ابن بطال عن بعضهم: روى أهل مكة واليمن عن ابن عباس تحليلها، وروي عنه أنه رجع عنها بأسانيد ضعيفة، وإجازة المتعة عنه أصح، وهو مذهب الشيعة، لكن الذي اتفق عليه أهل الأمصار من أهل الرأي والأثر تحريمها (٢).
قَالَ ابن عبد البر: اتفق أئمة الأمصار مالك وأصحابه، وسفيان، وأبو حنيفة، والشافعي، ومن سلك سبيلهما من أهل الحديث والفقه والنظر، والليث بن سعد في أهل مصر والمغرب، والأوزاعي في أهل الشام، وأحمد وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، وداود، ومحمد بن جرير عَلَى تحريمها لصحة النهي عندهم (عنها) (٣).
واختلفوا في معنى منها، وهو: الرجل يتزوج المرأة عشرة أيام أو شهرًا أو أيامًا معلومة وأجلًا معلومًا، فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي والأوزاعي: هذا نكاح المتعة، وهو باطل، يفسخ قبل الدخول وبعد، وقال زفر: إن تزوجها عشرة أيام ونحوها أو شهرًا، فالنكاح ثابت، والشرط باطل، وهو شاذ.
وقالوا كلهم إلا الأوزاعي: إذا نكح المرأة نكاحًا صحيحًا، ولكنه نوى في حين عقده عليها ألا يمكث معها إلا شهرًا أو مدة معلومة، فإنه لا بأس به ولا تضر في ذَلِكَ نيته إذا لم يشترط ذَلِكَ في نكاحه.
стр. 14574
قَالَ مالك: فليس عَلَى الرجل إذا نكح (أن ينوي إذا لم توافقه امرأته أن يطلقها) (١).
وقال الأوزاعي: ولو تزوجها بغير شرط، ولكنه نوى ألا يحبسها إلا شهرًا أو نحوه ويطلقها، فهي متعة، ولا خير فيه.
قَالَ أبو عمر: في حديث ابن مسعود بيان أن المتعة نكاح إلى (أجل) (٢)، وهذا يقتضي الشرط الظاهر فإذا سلم العقد منه صح.
قَالَ: وقد روي عن ابن عباس أنه انصرف عن المتعة، والصَّرْفُ أنه قَالَ: نسخ المتعة ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١].
وروي عنه أنه قَالَ: الاستمتاع هو النكاح، وهي كلها آثار ضعيفة، لم ينقلها أحد يحتج به، والآثار عنه بإجازة المتعة أصح، ولكن العلماء خالفوه فيها قديمًا وحديثًا، حَتَّى قَالَ ابن الزبير: لو تمتع ابن عباس لرجمته (٣). وقد ذهب الشافعي وغيره إلى أنه لا يحد فاعله، فيحمل قول هذين عَلَى التغليظ. قَالَ مالك عند ابن حبيب: ولا يبلغ به الحد كنكاح السر (٤). وقال ابن نافع: يحد بخلاف السر.
قَالَ أبو عمر: ولم يختلف العلماء أن المتعة نكاح إلى أجل، لا ميراث فيه، والفرقة تقع إلى انقضاء الأجل من غير طلاق، وليس هذا حكم الزوجية عند أحد من المسلمين، وقد حرم الله الفروج
стр. 14575
إلا بنكاح صحيح أو ملك يمين، وقد نزعت عائشة والقاسم بن محمد وغيرهما في تحريمها ونسخها بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)﴾ الآية [المؤمنون: ٥] (١). ونقله الترمذي أيضًا عن ابن عباس (٢)، وقد روي عن على وابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ قالا: فنسخ الطلاق والعدة والميراث المتعة.
وما ذكره الشيعة خالفوا فيه قواعدهم إذ عمدتهم الرجوع إلى قول علي وأولاده، وقد أسلفنا عن علي نسخه، وأنكر عَلَى ابن عباس اعتقاد أنها غير منسوخة، وكذا روي عن جعفر بن محمد الصادق.
روى البيهقي من حديث بسام الصيرفي قال: سألت جعفر بن محمد عن المتعة فوصفها له فقال: في ذَلِكَ الزنا (٣).
قَالَ الخطابي: وتحريمها كالإجماع بين المسلمين (٤).
وقال ابن التين: ثبت عن ابن عباس رجوعه عنها.
تذنيب:
قد أسلفنا قول ابن عمر وغيره فيها، وقال هو وابن الزبير: هي السفاح (٥). وكذا قَالَ عروة: هو الزنا صُراح (٦)، وقيل: ليس بزنا، وما أحل الشارع الزنا بحال.
стр. 14576
وقال نافع عنه: متعتان كانتا عَلَى عهد رسول الله ﷺ إنما أنهى عنهما، وأعاقب عليهما: متعة النساء:، ومتعة الحج (١). فهذا عمر ﵁ نهى عنها بحضرة الصحابة، فلم ينكر ذَلِكَ عليه منكر، وفيه دليل عَلَى متابعتهم له عَلَى ما نهى عنه، وهو دال عَلَى النسخ.
وابن عباس يقول: إنما أبيحت والنساء قليل، فلما كثرت ارتفع المعنى الذي من أجله أبيحت.
وحكمة تكرار النهي حَتَّى في حجة الوداع أن من عادته تكرير مثل هذا في مغازيه، وفي المواضع الجامعة ومن جملتها حجة الوداع لينقل لمن لم يسمع، فأكده حَتَّى لا يبقي شبهة لأحد يدعي تحليلها؛ ولأن أهل مكة كانوا يستعملونها كثيرًا، وحديث سبرة دال عَلَى إبطال قول زفر، وأن العقد لا يوجب دوامه، ولو أوجب الدوام لكان بفسخ الشرط الذي تعاقدا عليه، ولا يفسخ النكاح إذا كان ثبت عَلَى صحته وجوازه قبل النهي، ففي أمره بالمفارقة دليل عَلَى أن مثل هذا العقد لا يجب به ملك بضع.
المدينة وزهادهم، مات سنة ثلاث أو خمس وثلاثين ومائة، وقيل سنة أربعين (١).
ذكر فيه أيضًا حديث مرحوم -وهو العطاء بن عبد العزيز بن مهران البصري، مولى آل معاوية بن أبي سفيان- سَمِعْتُ ثَابتًا البُنَانِيَّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَنَسٍ وَعِنْدَهُ ابنةٌ لَهُ، قَالَ أَنَسٌ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ تَعْرِضُ عَلَيْهِ نَفْسَهَا، فقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَكَ في حَاجَةٌ؟ فَقَالَتْ بِنْتُ أَنَسٍ: مَا أَقَلَّ حَيَاءَهَا وَاسَوْأَتَاهْ وَاسَوْأَتَاهْ! قَالَ: هِيَ خَيْرٌ مِنْكِ، رَغِبَتْ فِي النَّبِيِّ ﷺ فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفْسَهَا.
ويأتي في الأدب، وأخرجه النسائي هنا (٢)، وفي "التفسير" أيضًا (٣)، وابن ماجه هنا (٤)، وهما ظاهران عَلَى ما ترجم له، وهو جواز عرض المرأة نفسها عَلَى الرجل الصالح، وتعريفها رغبتها فيه؛ لصلاحه وفضله، أو لعلمه وشرفه، أو لخصلة من خصال الدين، وأنه لا عار عليها في ذَلِكَ ولا غضاضة، بل ذَلِكَ زائد في فضلها، لقول أنس لابنته: هي خير منك.
وفيه: أن الرجل الذي تعرض المرأة نفسها عليه لا ينكحها، إلا إذا وجد في نفسه رغبة فيها.
وكذلك صوب الشارع النظر فيها وصعده، فلما لم يجد في نفسه رغبة فيها سكت عن إجابتها.
стр. 14579
وفيه: جواز سكوت العالم ومن سئل حاجة، إذا لم يرد الإسعاف ولا الإجابة في المسألة، فإن ذَلِكَ أدب في الرد بالكلام وألين في صرف السائل.
وفيه: أن سكوت المرأة في الجماعات لازم لها، إذا لم يقم الدليل عَلَى أن سكوتها كان لحياء أو لحشمة، لأنه كان للمرأة أن تقول: يا رسول الله، أنا أرغب فيك، ولا أرغب في غيرك.
وكذلك يجب أن يكون سكوت كل من عقد عليه عقد في جماعة، ولم يمثعه من الإنكار خوف ولا حياء، ولا آفة في سمع ولا فهم أن ذَلِكَ العقد لازم له.
وفيه: دليل عَلَى جواز استمتاع الرجل بشورة المرأة، وبما يشترى لها من صداقها لقوله: "ما تصنع بإزارك إن لبسته لم يكن عليها منه شيء؟ " مع علمه بأن النصف لها، فلم يمنعه من الاستمتاع بنصفه الذي جوز لها وجوز له لبسه أجمع، وإنما منع من ذَلِكَ؛ لأنه لم يكن له ثوب غيره، فخشي أن تحتاج إليه المرأة فيبقى عاريًا.
وحديث أم حبيبة: إنا قد تحدثنا أنك تنكح درة بنت أبي سلمة .. الحديث، وقد سلف.
وحديث ابن عمر ذكره الحميدي (١) وأبو مسعود في مسند أبي بكر، لما انفرد به معمر عن الزهري، من قول أبي بكر لعمر: إني علمت أن رسول الله ﷺ قد ذكرها، وذكره خلف وابن عساكر في مسند عمر لقوله: خطبها رسول الله ﷺ ، فأنكحتها إياه.
ولما أخرجه الطرقي في مسند أبي بكر قَالَ: قد أخرجت الأئمة أصحاب المسانيد هذا الحديث من عهد أحمد بن حنبل إلى زماننا في "مسنده"، لقوله السالف أنه ذكرها، وذكر الدارقطنى أن حفصة تأيمها من ابن حذافة أنه طلقها (٢).
وذكر أبو عمر وغيره أنه توفي عنها من جراحة أصابته بأحد (٣)، وعلى هذين القولين يحمل قول من قَالَ: تزوج حفصة بعد ثلاثين شهرًا من الهجرة.
ورواية من روى بعد سنتين في عقب بدر، ورواية من روى توفي زوجها بعد خمسة وعشرين شهرًا.
وخنيس بضم الخاء المعجمة ثم نون مفتوحة ثم مثناة تحت ساكنة ثم سين مهملة، وقال ابن طاهر: قَالَ يونس، عن الزهري: بفتح الخاء وكسر النون. وكان معمر بن راشد يقوله: بفتح الحاء المهملة ثم باء موحدة مكسورة ثم مثناة تحت ثم شين معجمة.
стр. 14582
قَالَ الجياني: وروي أن معمرًا كان يصحف في هذا الاسم فيقول: حبيش بن حذافة، فرد عليه: خنيس فقال: لا بل هو حبيش.
قَالَ الدارقطني: وقد اختلف عَلَى عبد الرزاق عن معمر، فروي عنه خنيس بالسين المهملة عَلَى الصواب، وروي عنه: حبيش أو خنيس بالشك، وذكره البخاري وجماعات بالمهملة، والخاء عَلَى الصواب (١).
أما فقه الباب فهو ظاهر لما ترجم له من عرض الرجل وليته ابنته وغيرها عَلَى الرجل الصالح ولا نقص عليه في ذَلِكَ.
وفيه: أن من عرض عليه ما فيه الرغبة فله النظر والاختيار، وعليه أن يخبر بعد ذَلِكَ بما عنده؛ لئلا يمنعها من غيره؛ لقول عثمان بعد ليالٍ: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا.
وفيه: الاعتذار اقتداءً بعثمان في مقالته هذِه، ولم يقل أبو بكر: لا أريد التزويج، وقد كان يريده حين قَالَ: لو تركها لنكحتها، ولم يقل: نعم، ولا لا.
وفيه: الرخصة أن يجد الرجل عَلَى صديقه في الشيء، ويسأله، فلا يجيب إليه، ولا يعتذر بما يعذر به؛ لأن النفوس جبلت عَلَى ذَلِكَ، لاسيما إذا عرض عليه ما فيه الغبطة له.
وقوله: (وكنت أوجد عليه -يعني عَلَى الصديق- من عثمان) سببه أن الصديق لم يرد عليه الجواب، بل تركه عَلَى الرقيب؛ ولأنه أخص بعمر منه بعثمان؛ لأنه ﷺ آخى بينهما، فكانت موجدته عليه أكثر؛ لثقته به، وإخلاصه له.
стр. 14583
وفي بعض الروايات أن عمر شكى عثمان إلى رسول الله ﷺ فقال: "ينكح حفصة خير من عثمان، وينكح عثمان خيرًا من حفصة" فكان كذلك.
وفيه: كتمان السر، فإن أظهره الله أو أظهره صاحبه جاز للذي أسر إليه إظهاره، ألا ترى أنه ﷺ لما أظهر تزويجها أعلم أبو بكر بما كان أسر إليه منه، وكذلك فعلته فاطمة ﵂ في مرض رسول الله ﷺ حين أسر إليها أنها أول أهله لحاقًا به فكتمته حين توفي، وأسر ﷺ إلى حفصة تحريم مارية، فأخبرت حفصة عائشة بذلك، ولم يكن الشارع أظهره، فذم الله فعل حفصة، وقبول عائشة لذلك فقال: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾. أي: مالت، وعدلت عن الحق.
وفي قول أبي بكر لعمر بعد تزويج رسول الله ﷺ لها، لعلك وجدت علي، دليل عَلَى أن الرجل إذا أتى إلى أخيه بما لا يصلح أن يؤتى إليه من سوء المعاشرة، أن يعتذر ويعترف، وأن الرجل إذا وجب عليه الاعتذار من شيء وطمع بشيء يقوي حجته أن يؤخر ذَلِكَ حَتَّى يظفر ببغيته ليكون أَبْرأ له عند من يعتذر إليه.
وفي قول عمر ﵁ له دليل عَلَى أن الإنسان يحتج بالحق عَلَى نفسه وإن كان عليه فيه شيء.
والمعنى الذي أسر أبو بكر عن عمر ما أخبره به الشارع هو أنه خشي أبو بكر أن يذكر ذلك لعمر ثم يبدو لرسول الله ﷺ [الإعراض] (١) عن نكاحها، فيقع في قلب عمر من رسول الله ﷺ ما وقع في قلبه من الصديق.
стр. 14584
وفي قول أبي بكر لعمر: كنت علمت أن رسول الله ﷺ ذكرها. فيه دلالة أنه جائز للرجل أن يذكر لأصحابه، ولمن يثق به أنه يخطب امرأة قبل أن يظهر خطبتها، وقول الصديق: لم أكن لأفشي سره، يدل أنه من ذكر امرأة قبل أن يُظهر خطبتها، فإن ذكره في معنى السر، وإن إفشاء السر وغيره في النكاح أو غيره من المباح لا يجوز، وكان إسراره ﷺ تزويج حفصة للصديق عَلَى سبيل المشورة، أو لأنه ﷺ علم قوة إيمان الصديق وأنه لا يتغير لذلك لكون ابنته عنده، وكتمان ذَلِكَ خشية أن يبدو لرسول الله ﷺ في نكاحها أمر فيقع في قلب عمر ما وقع في قلبه لأبي بكر كما سلف.
وفيه: أن الصَّدِيقَ لا يخطب امرأة عَلمَ أن صديقه يذكرها لنفسه، وإن كان لم يركن إليه لما يخاف من القطيعة بينهما، ولم تخف القطيعة بين غير الإخوان؛ لأن الاتصال بينهما ضعيف غير اتصال الصداقة في الله.
وفي قول الصديق: الو تركها تزوجتها). دليل عَلَى أن الخطبة إنما تجوز بعد أن يتركها الخاطب.
وفيه: الرخصة في تزويج من عرض لرسول الله ﷺ فيها خطبة، أو أراد أن يتزوجها. ألا ترى قول الصديق: لو تركها تزوجتها.
وقد جاء في خبر آخر الرخصة في نكاح من عقد النبي ﷺ عليها النكاح ولم يدخل بها، وأن الصديق كرهه ورخص فيه عمر.
وروى داود بن أبي هند عن عكرمة قَالَ: تزوج رسول الله ﷺ امرأة من كندة يقال لها قُتيلة، فمات ولم يدخل بها ولا حجبها، فتزوجها عكرمة بن أبي جهل، فغضب أبو بكر وقال: تزوجت امرأة من نساء رسول الله ﷺ . فقال عمر: ما هي من نسائه، ما دخل بها، ولا حجبها،
стр. 14585
ولقد ارتدت مع من ارتد. فسكت (١).
وفيه: أن الأب تخطب إليه بنته، والثيب كالبكر، ولا تخطب إلى نفسها، وأنه يزوجها، وفيه فساد قول من قَالَ: إن للمرأة البالغة المالكة أمرها تزويج نفسها، وعقد النكاح عليها دون وليها، وإبطال قول من قَالَ: للثيب البالغة إنكاح من أحبت دون وليها، وسيأتي إيضاحه في باب: لا نكاح إلا بولي، وفي تركه أن يأمره باستئمارها -ولم يجئ عن عمر أن استأمرها- دليل عَلَى أن للرجل أن يزوج ابنته الثيب من غير أن يستأمرها، إذا علم أنها لا تكره ذَلِكَ، وكان الخاطب لها كفئًا؛ لأن حفصة لم تكن لترغب عن سيد الأكفاء، وأغنى علم عمر بها عن استئمارها.
فائدة:
معنى قوله: (تأيمت حفصة). صارت غير ذات زوج، بموت زوجها عنها، والعرب تدعو كل امرأة لا زوج لها، وكل رجل لا امرأة له أيمًا.
стр. 14586
٣٤ - باب قَوْلِ اللهِ : ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣٥]
﴿أَكْنَنْتُمْ﴾ أَضْمَرْتُمْ، وَكُلُّ شَيْءٍ صُنْتَهُ فَهْوَ مَكْنُونٌ.
وقال أبو عبد الله، وَقَالَ طَلْقٌ: ثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵁: ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ﴾ يَقولُ: إِنِّي أُرِيدُ التَّزْوِيجَ، وَلَوَدِدْتُ أني يُسر لِي اْمْرَأَةٌ صَالَحِةٌ. وَقَالَ القَاسِمُ: يَقول: إِنَّكِ عَلَيَّ كَرِيمَةٌ، وَإنِّي فِيكِ لَرَاغِبٌ، وَإِنَّ اللهَ لَسَائِقٌ إِلَيْكِ خَيْرًا. ونَحْوَ هذا. وَقَالَ عَطَاءٌ: يُعَرِّضُ وَلَا يَبُوحُ، يَقولُ: إِنَّ لِي حَاجَةً وَأَبْشِرِي، وَأَنْتِ بِحَمْدِ اللهِ نَافِقَةٌ. وَتَقُولُ هِيَ: قَدْ أَسْمَعُ مَا تَقولُ. وَلَا تَعِدُ شَيْئًا، وَلَا يُوَاعِدُ وَليُّهَا بِغَيْرِ عِلْمِهَا، وَإِنْ وَاعَدَتْ رَجُلاً فِي عِدَّتِهَا ثُمَّ نَكَحَهَا بَعْدُ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا. وَقَالَ الحَسَنُ: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: ٢٣٥]: الزِّنَا. وَيُذْكَرُ عَنِ ابن عَبَّاسٍ: ﴿الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥] قال: أن تَنْقَضِي العِدَّةُ. [فتح ٩/ ١٧٨].
الشرح:
أما الآية فروى أبو محمد بن حيان في كتاب "النكاح" من حديث عبد الله بن أحمد، قالت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط: أنكحني رسول الله ﷺ زيد بن حارثة ثم قتل عني، فأرسل إليَّ الزبير بن العوام يقول: احبسي عَلَي نفسك. فقلت: نعم. فنزلت الآية.
ومعنى ﴿أَكْنَنْتُمْ﴾ كما ذكره، والتعليق الأول أخرجه ابن أبي شيبة عن جرير بن عبد الحميد، عن منصور بلفظ: إني فيك لراغب، وإني أريد امرأة أمرها كذا وكذا، ويعرض لها بالقول. وقال أبو الأحوص، عن منصور بلفظ: يعرض الرجل فيقول: إني أريد أن أتزوج، ولا ينصب لها في الخطبة.
стр. 14587
وفي حديث عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير، عنه قَالَ: يقول: إني لراغب ولوددت أني تزوجتك، حَتَّى يعلمها أنه يريد تزويجها من غير أن يوجب عقدة، أو يعاهدها عَلَى عهد.
وقول القاسم أخرجه ابن أبي شيبة أيضًا، عن يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه في المرأة يتوفى عنها زوجها، ويريد الرجل خطبتها وكلامها، قَالَ: يقول: إني بك لمعجب، وإني عليك لحريص، وإني فيك لراغب، وأشباه ذلك.
وثَنَا أبو خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن، عن أبيه قَالَ: يقول في العدة: إني عليك لحريص. الحديث (١).
وتعليق عطاء أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، عن عمرو بن دينار، عنه (٢)، وقول الحسن أخرجه عبد الرزاق أيضًا، عن معمر، عن قتادة، عنه بلفظ: هو الفاحشة (٣). كأنه يريد الفعل؛ لأن الزنا لا يجوز المواعدة فيه سرًّا ولا جهرًا، وهو لفظ مستعمل مشهور عَلَى ألسنة العرب.
وعند ابن أبي شيبة، عن أبي أسامة، عن عمران بن جرير، عن أبي مجلز والحسن: هو الزنا، وكذا قاله إبراهيم وأبو الشعثاء (٤).
وقال الشعبي: هو أن يأخذ عليها عهدًا وميثاقًا ألا تتزوج غيره، وقَالَ مجاهد: سرًّا يخطبها في عدتها.
وقال ابن سيرين: يلقى الولي فيذكر رغبة وحرصًا.
стр. 14588
وقال الضحاك: لا (يقاضيها) (١) أن لا تتزوج غيره. وكذا قَالَ سعيدبن جبير (٢).
وقال الشافعي: هو الجماع (٣)، وهو التصريح فيما لا يحل له في حالته تلك.
وقوله: (ويذكر عن ابن عباس) إلى آخره، هذا التعليق أخرجه إسماعيل بن أبي زياد في "تفسيره"، عن جويبر، عن الضحاك، عنه، وعند ابن أبي شيبة جواز التعريض، عن مجاهد والحسن وعبيدة السلماني وسعيد بن جبير والشعبي وأبي الضحى، وقال النخعي: لا بأس بالهدية في تعريض النكاح، وقال ابن إدريس، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة أنه ﷺ قَالَ لفاطمة بنت قيس: "انتقلي إلى أم شريك ولا تفوتينا نفسك" (٤).
وأخرجه أبو الشيخ في كتاب "النكاح" من حديث يوسف بن محمد ثنا ابن إدريس، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا به، ثم قَالَ: وهذا الحديث لم يتابع عليه يوسف أحد، ثم ساقه من حديث أبي كريب، ثَنَا ابن إدريس بإسقاط أبي هريرة.
وفي الدارقطني من حديث عبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل عن عمته سكينة بنت حنظلة قالت: استأذن عَلَيَّ محمد بن عليّ بن الحسين، ولم تنقض عدتي من مهلك زوجي. فقال: قد عرفت قرابتي من رسول
стр. 14589
الله ﷺ ، وقرابتي من عليّ، وموضعي في العرب. قالت: فقلت: غفر الله لك أبا جعفر، أنت رجل يؤخذ عنك، تخطبني في عدتي؟! قَالَ: إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله ﷺ ومن علي، وقد دخل رسول الله ﷺ عَلَى أم سلمة وهي متأيمة من أبي سلمة فقال: "لقد علمت أني نبي الله، وخِيرته من خلقه، وموضعي في قومي" فكانت تلك خطبته (١).
فصل:
حرم الله تعالى عقد النكاح في العدة بقوله: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾، وهذا من المحكم المجتمع عَلَى تأويله، أن بلوغ أجله: انقضاء العدة، وأباح الله تعالى التعريض في العدة بقوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥]؛ ولأنه لم يختلف العلماء في إباحة ذَلِكَ لما عدا الرخصة، وإنما منع من العقد فيها؛ لأن ذَلِكَ ذريعة إلى المواقعة فيها التي هي محبوسة عَلَى ماء الميت أو المطلق، كما منع المحرم بالحج من عقده النكاح؛ لأنه مؤدٍ إلى الوقاع، فحرم عليه السبب والذريعة إلى فساد ما هو فيه وموقوف عليه، وأباح التعريض في العدة؛ خشية أن تفوت نفسها.
فصل:
اختلف في ألفاظ التعريض، والمعنى واحد، فقال قتادة وسعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ لا يأخذ عهدها في عدتها ألا تنكح غيره قَالَ: إسماعيل بن إسحاق [هذا أحسن] (٢) من قول من تأول في قوله: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾: أنه الزنا؛ لأن ما قبل الكلام
стр. 14590
وما بعده لا يدل عليه، ويجوز في اللغة أن يسمى الغشيان سرًّا، فسمي النكاح سرًّا، إذ كان الغشيان يكون فيه كما سمي التزويج نكاحًا، وهو أشبه في المعنى؛ لأنه لما أجيز له التعريض فيه، لم يؤذن لهم في غيره، فوجب أن يكون كل شيء يجاوز التعريض فهو محذور، والمواعدة تجاوز التعريض، فوسع الله عَلَى عباده في التعريض في الخطبة، لما علم منهم.
وبلغني عن الشافعي أنه احتج بهذا التعريض في التعريض بالقذف، وقال: كما لم يجعل هذا التعريض في هذا الموضع بمنزلة التصريح، كذلك لا يجعل التعريض في القذف بمنزلة التصريح، واحتج بما هو حجة عليه، إذ كان التعريض بالنكاح قد فهم عن صاحبه ما أراد، فكذلك ينبغي أن يكون التعريض بالقذف قد فهم بالمراد، فإذا فهم أنه قاذف حكم عليه بحكم القذف، وينبغي له عَلَى قوله هذا أن يزعم أن التعريض بالقذف مباح كما أبيح التعريض بالنكاح (١).
فصل:
اختلف في الرجل يخطب المرأة في عدتها جاهلًا، ويواعدها ويعقد بعد العدة: فكان مالك يقول: فراقها أحب إلي، دخل بها أو لم يدخل، ويكون بطلقة واحدة، ويدعها حَتَّى تحل (٢).
قَالَ الشافعي: إن صرح بالخطبة، وصرحت له بالإباحة، ولم يعقد النكاح حَتَّى تنقضي العدة، فالنكاح ثابت والتصريح لها مكروه؛ لأن النكاح حادث بعد الخطبة (٣).
стр. 14591
واختلفوا إذا تزوجها في العدة ودخل بها: فقال مالك والليث والأوزاعي يفرق بينهما، ولا تحل له أبدًا، قَالَ مالك والليث: ولا بملك اليمين، واحتجوا بأن عمر ﵁ قَالَ: لا يجتمعان أبدًا وتعتد منهما جميعًا (١).
وقال الثوري والكوفيون والشافعي: يفرق بينهما. فإذا انقضت عدتها من الأول فلا بأس أن يتزوجها. واحتجوا بإجماع العلماء أنه لو زنا بها لم يحرم عليه تزويجها، فكذلك وطؤه إياها في العدة، وهو قول علي ذكره عبد الرزاق، وذكر عن ابن مسعود مثله، وعن الحسن أيضًا (٢).
وذكر عبد الرزاق عن الثوري، عن الأشعث، عن الشعبي، عن مسروق أن عمر رجع عن ذَلِكَ، وجعلهما يجتمعان.
واختلفوا هل تعتد منهما: فروى المدنيون عن مالك أنها تتم بقية عدتها من الأول، وتستأنف عدة أخرى من الآخر، روي ذَلِكَ عن عمر وعلي، وهو قول الليث والشافعي وأحمد وإسحاق.
وروى ابن القاسم عن مالك أن عدة واحدة تكون لها جميعًا، سواء كانت بالحيض أو الحمل أو الشهور، وهو قول الأوزاعي والثوري وأبي حنيفة، وحجتهم الإجماع عَلَى أن الأول لا ينكحها في بقية العدة، فدل ذَلِكَ عَلَى أنها في عدة من الثاني؛ ولولا ذَلِكَ لنكحها في عدتها منه، وهذا غير لازم؛ لأن منع الأول من أن ينكحها في بقية عدتها إنما وجب؛ لما يتلوها من عدة الثاني، وهما حقان قد أوجبا عليها لزوجين،
стр. 14592
كسائر حقوق الآدميين، لا يدخل أحدهما في صاحبه (١).
فصل:
قَالَ الشافعي: والعدة التي أذن بالتعريض فيها هي العدة من وفاة الزوج، ولا أحب ذَلِكَ في العدة من الطلاق الثاني احتياطًا، وإنما التي لزوجها عليها رجوع فلا يجوز لأحد أن يعرض لها بالخطبة فيها (٢).
وحاصل مذهبه أن التصريح بالخطبة حرام لجميع المعتدات، وأما التعريض فيحرم للرجعية، ويحل التعريض في عدة الوفاة والبائن.
ومعنى قوله: (يعرض ولا يبوح) يريد: ولا يصرح. يقال: باح بسره إذا أفشاه.
وقال ابن حزم: لا يحل لأحد أن يخطب معتدة من طلاق أو وفاة، فإن تزوجها قبل تمام العدة فسخ أبدًا، دخل بها أو لم يدخل، طالت مدته معها أو لم تطل، ولا توارث بينهما، ولا نفقة لها عليه، ولا صداقًا، ولا مهرًا، فإن كان أحدهما عالمًا فعليه حد الزنا من جلد أو رجم، وكذلك إن علما جميعًا، ولا يلحق الولد به إن كان عالمًا، فإن كانا جاهلين فلا شيء عليهما، فإن كان الرجل جاهلًا لحقه الولد، فإذا فسخ النكاح وتمت عدتها فله أن يتزوجها إلا أن يكون الرجل طلق امرأته، فله أن يرجعها في عدتها منه ما لم يكن طلاق ثلاث (٣).
стр. 14593
فصل:
تضمنت آية الباب أربعة أحكام: اثنان ممنوعان وهما النكاح في العدة والمواعدة، واثنان مباحان: التعريض والإكنان.
فصل:
قول عطاء: وإن واعدت رجلًا في عدتها إلى آخره هو خلاف ما في "المدونة" من التفريق، وإن لم يدخل استحبابًا، ونقل أشهب عنه يفرق مطلقًا (١). زاد أشهب في "الموازية" ولا تحل له أبدًا. قَالَ عمر بن الخطاب: لا يجتمعان أبدًا، وقد سلف.
واختلف إذا دخل بعد العدة، وقد نكح فيها، فقال مالك في "المدونة": يتأبد التحريم. وقال المغيرة: يتزوجها بعد الاستبراء من الماء الفاسد (٢). وذكر ابن الجلاب أنه إذا نكح في العدة ولم يدخل بها روايتان تأبد التحريم وعدمه، وذكر روايتين أيضًا إذا دخل في العدة عالمًا بالتحريم هل تحل أم لا ويتزوجها إذا انقضت المدة أو تأبد تحريمها عليه (٣)، فتحصلنا عَلَى أربع مسائل: تأبده إذا واعد فيها، وإذا نكح فيها ولم يدخل، وإذا نكح فيها ودخل بعد، وإذا نكح فيها ودخل فيها عالمًا بالتحريم.
وحديث سهل بن سعد في الواهبة وقد سلف (١)، وفيه: (فَصَعَّدَ النَّظَرَ إِلَيْهَا وَصَوَّبَهُ) وفي آخره: "اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ".
وفي الباب عن أبي هريرة أخرجه مسلم (٢)، والمغيرة أخرجه الترمذي -وقال: حسن- وابن ماجه (٣)، وأخرجه ابن حبان من حديث أنس أنه ﷺ قَالَ للمغيرة. الحديث (٤). ومحمد بن مسلمة أخرجه (الترمذي) (٥) والبيهقي وقال: مختلف في إسناده، ومداره عَلَى الحجاج بن أرطاة، وسمى المخطوبة ثبيتة بنت الضحاك أخت أبي جبيرة (٦).
وجابر أخرجه أبو داود بإسناد جيد (٧).
قَالَ البزار: لا نعلمه يروى عنه إلا من هذا الوجه، ولا أسند واقد ابن عبد الرحمن بن سعد بن معاذ إلا هذا الحديث. قَالَ ابن القطان: ولا أعرفه (٨).
قلت: قد ذكره ابن حبان في "ثقاته" (٩).
стр. 14596
وأبي حميد أخرجه البزار وقال: لا نعلم له طريقًا غير هذا (١).
وأخرجه أحمد، وقال أبو حميد أو حميدة: الشك من زهير (٢). قَالَه ابن حبان في "صحيحه" (٣). وفي الباب أيضًا عن أنس أنه ﷺ كان إذا أراد خطبة امرأة بعث أم سليم تنظر إليها .. الحديث (٤).
وأخرجه أبو داود في "مراسيله" (٥)، دون ذكر أنس، وذكر البيهقي الوصل من طريقين (٦)، وذكر مهنا عن أحمد أنه منكر، وذكره الخلال في علله من حديث حماد بن سلمة عن أنس.
قَالَ أبو عبد الله: أنا وكيع، ثَنَا سفيان، عن رجل أن النبي ﷺ بعث عائشة إلى امرأة لتنظر إليها، فلما جاءت قالت: يا رسول الله ما رأيت طائلًا؟ فقال: "لقد رأيت نجدها خالًا اقشعرت كل شعرة منك" فقالت: يا رسول الله، ما دونك ستر (٧).
أما فقه الباب فالنظر إلى المخطوبة سنة، لهذِه الأحاديث، ولا قائل بوجوبه إذ قد ورد، فلا بأس وشبهه، ولا يقال في الواجب.
стр. 14597
وقال ابن بطال: ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا بأس بالنظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها (١).
وهذا قول الأربعة والثوري والكوفيين، وقالوا: (لا) (٢) ينظر إلى غير وجهها وكفيها. و (قال) (٣) الأوزاعي: (ينظر إليها ويجتهد وينظر إلى مواضع اللحم (٤). حجتهم حديث الباب، وما ذكرناه) (٥). واحتج الشافعي بأنه ينظر إليها بإذنها وبغيره بقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] قَالَ: الوجه والكفان (٦).
وحديث أبي حميد السالف فإنه صريح فيه، قَالَ: فإن لفظه: "لا حرج أن ينظر الرجل إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها من حيث لا تعلم"، وخالفهم آخرون وقالوا: لا يجوز لمن أراد النكاح ولا غيره أن ينظر إليها، إلا أن يكون زوجًا لها، أو ذا محرم منها، ووجهاها وكفاها عورة بمنزلة جسدها.
واحتجوا بحديث ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم، عن سلمة، عن أبي الطفيل، عن علي أنه ﷺ قَالَ له: "يا علي، لا تتبع بالنظرة النظرة، فإنما لك الأولى وليس لك الأخرى" (٧).
стр. 14598
فلما حرم النظرة الثانية؛ لأنها تكون باختيار الناظر، وخالف بين حكمها وحكم ما قبلها إذا كانت بغير اختيار من الناظر، دل عَلَى أنه ليس لأحد أن ينظر إلى وجه امرأة إلا أن تكون زوجة له أو ذات محرم.
واحتج عليهم أهل المقالة الأولى أن الذي أباحه الشارع في الآثار الأول هو النظر للخطبة لا لغير ذَلِكَ، وذلك لسبب هو حلال، ألا ترى أن رجلًا لو نظر إلى وجه امرأة لا نكاح بينه وبينها للشهادة أن ذَلِكَ جائز، وكذلك إذا نظر إلى وجهها ليخطبها.
فأما المنهي عنه فالنظر إلى غير الخطبة ولغير ما هو حلال، ورأيناهم لا يختلفون في نظر الرجل إلى صدر الأمة إذا أراد أن يبتاعها جائز له، ولو نظر إليها لغير ذَلِكَ كان عليه حرام، فكذلك نظره إلى وجهها، إن كان فعل ذَلِكَ لمعنى هو حلال، فهو غير مكروه.
وإذا ثبت أن النظر إلى وجه المرأة لخطبتها حلال، خرج بذلك حكمه من حكم العورة، لأنا رأينا ما هو عورة، لا يباح لمن أراد نكاحها النظر إليه، ألا ترى أنه من أراد نكاح امرأة حرام عليه النظر
стр. 14599
إلى شعرها وصدرها وإلى ما أسفل من ذَلِكَ من بدنها، كما يحرم ذَلِكَ منها عَلَى من لم يرد نكاحها، فلما ثبت أن النظر إلى وجهها حلال لمن أراد نكاحها ثبت أنه حلال أيضًا لمن لم يرد نكاحها، إذا لم يقصد بنظره إلى معنى هو عليه حرام، وقد قَالَ المفسرون في قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أنه الوجه والكفان، وقال ابن عباس: الوجه وباطن الكف (١).
فرع:
لا يشترط رضاها ولا إذنها، وعن مالك رواية ضعيفة: لا ينظر إليها إلا بإذنها.
فرع:
إذا لم يمكنه النظر استحب له أن يبعث امرأة تتأملها وتصفها له.
فرع:
لا ينظر إليها نظر تلذذ ولا شهوة ولا لزينة، قَالَ الإمام أحمد: ينظر إلى الوجه عَلَى غير طريق لذة، وله أن يردد النظر إليها متأملًا محاسنها.
قَالَ ابن قدامة: ولا يباح له النظر إلى ما لا يظهر عادة (٢).
وعن داود: ينظر إلى جميعها، حَتَّى قَالَ ابن حزم: يجوز النظر إلى ما ظهر وما بطن، بخلاف الجارية المشتراة، فإنه لا يجوز أن ينظر إلا إلى وجها وكفها.
стр. 14600
وهذا لفظه في "محلاه": ومن أراد أن يتزوج امرأة فله أن ينظر منها إلى ما بطن وظهر، مستقبلًا لها وغير مستقبل، وليس له ذَلِكَ في الأمة التي يريد شراءها، ولا ينظر منها إلا إلى الوجه والكفين فقط، لكن يأمر امرأة يثق بها إلى أن تنظر إلى جميع جسمها وتخبره (١). (أبين … ) (٢).
ووجه ما ذكره ظاهر قوله ﷺ : "انظر إليها"، لنا الآية السالفة ولأنه أبيح للحاجة فيختص بما تدعو إليه، وهو ذَلِكَ، والحديث مطلق ومن نظر إلى وجه إنسان سمي ناظرًا إليه، ومن رآه وعليه ثيابه سمي رائيًا له، كما قَالَ تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون: ٤]. وقال: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: ٣٦].
وفي رواية حنبل عن أحمد: لا بأس أن ينظر إليها وإلى ما يدعو إلى نكاحها من يد أو جسم ونحو ذَلِكَ (٣).