← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 14631–14670 · переход к 14636.

стр. 14631

والدليل على أن المراد باستئمار البكر غير ذات الأب حديث أبي موسى ﵁ السالف: "تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فقد أذنت". ففرق بتسميته إياها يتيمة بينها وبين من لها أب، فإذا كانت يتيمًا فيلزم الأب مؤامرتها، ولا يجوز نكاحه عليها بغير إذنها. وقول الكوفيين: الأيم: التي لا زوج لها، وقد تكون كذا، جوابه أن العرب وإن كانت تسمي كل من لا زوج لها أيمًا فهو على الاتساع. وأصل اللغة: عدم الزوج بعد أن كان. لكن المراد بالأيم هنا: الثيب، والدليل على ذَلِكَ أنه قد روى جماعة عن مالك: "والثيب أحق بنفسها من وليها" مكان قوله: "والأيم أحق بنفسها، والبكر تستأمر" فذكر الأب بعد ذكره الأيم يدل على أنها الثيب، ولو كانت الأيم هنا البكر لبطل الولي في النكاح، ولكانت كل بكر لا زوج لها أحق بنفسها من وليها، وكان هذا التأويل ردًّا لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] يخاطب بذلك الأولياء. واختلفوا في الثيب الصغيرة، فقال مالك وأبو حنيفة: يزوجها أبوها جبرًا كالبكر، وسواء أصيبت بنكاح أو زنًا، وهو أحد الوجهين عند الحنابلة. وعن أبي حنيفة ومالك: إذا حملت من زنا كالبكر. وقال الشافعي: لا تزوج حَتَّى تبلغ فتزوج بإذنها، وسواء جومعت بنكاح أو زنًا. ووافقه أبو يوسف ومحمد إذا كان الوطء زنا، واعتلوا بأنها إذا خبرت الرجال كانت أعرف بخطبها من الولي، فوجب أن يكون الأمر لها. واحتج الآخرون فقالوا: لما كانت محجورًا عليها في مالها حجر الصغير جاز أن تجبر على النكاح. وأيضًا فإنها قد ساوت البكر الصغيرة في أنه لا يصح إجبارها، فلا معنى لاستئمارها.

стр. 14632

وعن أحمد رواية: أنه لا يملك إجبارها. وأخرى: نعم. ويحمل الحديث على غير الأب. وعندهم إذا بلغت تسع سنين لها إذن معتبر، وإن لم تبلغها فلا إذن لها، ولا يجوز عندهم لغير الأب تزويجها كمذهبنا. وقال أبو حنيفة: يجوز لكل وارث -وفي رواية: يجوز لكل عصبة- ويكون لها الخيار بعد البلوغ، وعن أحمد مثله. والجد عندنا عند عدمه كالأب (١). وقال صاحب "المغني": الكبيرة لا يجوز للأب ولا لغيره تزويجها إلا بإذنها في قول أهل العلم، إلا الحسن فإن عنده للأب تزويجها وإن كرهت. وقال النخعي: يزوج ابنته إذا كانت في عياله، وإن كانت بائنة مع عياله استأمرها (٢).

стр. 14633

٤٢ - باب إِذَا زَوَّجَ ابنتَهُ وَهْيَ كَارِهَةٌ، فَنِكَاحُهُ مَرْدُودٌ ٥١٣٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمُجَمِّعٍ ابْنَيْ يَزِيدَ بْنِ جَارِيَةَ، عَنْ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِذَامٍ الأَنْصَارِيَّةِ، أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهْيَ ثَيِّبٌ، فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَرَدَّ نِكَاحَهُ. [انظر: ٥١٣٩. ٦١٤٥، ٦٩٦٩ - فتح ٩/ ١٩٤]. ٥١٣٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى، أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ وَمُجَمِّعَ بْنَ يَزِيدَ حَدَّثَاهُ أَنَّ رَجُلاً يُدْعَى خِذَامًا أَنْكَحَ ابْنَةً لَهُ. [انظر: ٥١٣٨ - فتح ٩/ ١٩٤]. حدثنا إسماعيلُ، حدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمُجَمِّعٍ ابني يَزِيدَ بْنِ جَارِيَةَ، عَنْ خَنْسَاءَ بنْتِ خِذَامٍ الأَنْصَارِيَّةِ، أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهْيَ ثَيِّبٌ، فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأًتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَرَدَّ نِكَاحَهُ. حَدَّثنَا إِسْحَاقُ، ثنا يَزِيدُ، أَنَا يَحْيَى، أَنَ القَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ وَمُجَمِّعَ بْنَ يَزِيدَ حَدَّثَاهُ أَنَّ رَجُلًا يُدْعَى خِذَامًا أَنْكَحَ ابنةً لَهُ. نَحْوَهُ. الشرح:. هدا الحديث من أفراده، وقد ذكره أيضًا في ترك الحيل (١) والإكراه (٢)، بل لم يخرج مسلم عن خنساء في "صحيحه" شيئًا، ومن أوهام ابن القطان عزوه إلى مسلم (٣)، فاحذره.

стр. 14634

وإسحاق هذا هو ابن منصور، كما صرح به في باب شهود الملائكة بدرًا، نبه عليه الجياني بعد أن قال: لم أجده منسوبًا لأحد (١). وخنساء، بالخاء المعجمة والمد، واسمها زينب بنت خذام -بالخاء والذال المعجمتين- بن خالد، ولقبه مطروف بن الحارث بن زيد بن عبيد بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، كانت تحب أنيس بن قتادة بن ربيعة بن خالد مطروف، قتل عنها يوم أحد، وقد كان شهد بدرًا، زوجها أبوها رجلًا فخطبت إلى أبي لبابة بشير بن عبد المنذر بن رفاعة بن زَنْبر -بفتح الزاي وجزم النون- بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف، فكرهت الرجل وتزوجت أبا لبابة، فولد له السائب، روى ذَلِكَ ابن إسحاق عن الحجاج بن السائب، عن أبيه، عن جدته خنساء (٢). وجاء في رواية لأبي موسى المديني في كتابه تسميتها ربعة بدل خنساء، واستغربه. وفي رواية: أم ربعة، ولها كنية. وكان خذام من أهل مسجد الضرار، ومن داره أخرج، والذي بنى المسجد، وكان رأس أهله هو جارية -بالجيم- بن عامر بن مجمع بن العطاف بن ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف، وكان معه ولده مجمع وزيد ويزيد وبكير، وابن أخيه بجاد بن عثمان بن عامر، وعبد الله بن نبتل بن الحارث بن قيس بن زيد بن ضبيعة وعبد الرحمن بن يزيد بن حارثة أخو عاصم بن عمر بن الخطاب لأمه جميلة بنت ثابت، أخت عاصم بن ثابت بن أبي الأفلج قيس بن عصمة بن مالك بن أمية بن ضبيعة حمي الدبر ولد لهما في حياة رسول الله ﷺ ، وولى عمر بن

стр. 14635

عبد العزيز عبد الرحمن بن يزيد قضاء المدينة في إمرته عليها. روى له الترمذي والنسائي، وروى لأخيه مجمع بن يزيد البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه (١)، وروى لابن أخيها مجمع بن يحيى بن يزيد بن جارية مسلم والنسائي (٢)، ومن عقب يزيد بن جارية أيضًا أبو زيد محمد بن زيد بن إسحاق بن عبد الرحمن بن يزيد بن جارية، ولي قضاء المدينة. ومنهم: مجمع بن يعقوب بن مجمع بن يزيد بن جارية، كان فقيهًا، وأمَّ بني عمرو بن عوف نحوًا من ثلاثين سنة حَتَّى مات. روى له أبو داود والنسائي (٣). وروى لأبيه يعقوب أبو داود أيضًا (٤). وروى لابن عمه إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع بن يزيد مسلم والنسائي (٥)، وابنه عبد الرحمن بن مجمع. ومنهم: إسماعيل بن ثابت بن إسماعيل بن مجمع بن يزيد، كان في صحابة المهدي والرشيد حَتَّى مات، وعاصم بن سويد بن عامر بن يزيد بن جارية، كان له فضل وشرف وكان إمام بني عمرو بعد مجمع بن يعقوب. ومن بني ضبيعة أيضًا أبو حنيفة بن الأزعر بن زيد بن العطاف بن ضبيعة من أهل مسجد الضرار.

стр. 14636

فصل: روى ابن ماجه هذا الحديث، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد، عن يحيى كما سلف، لكن بلفظ: فكرهت نكاح أبيها، فأتت النبي ﷺ فذكرت ذَلِكَ له، فرد عليها نكاح أبيها، فنكحت أبا لبابة بن عبد المنذر (١). وقال الإسماعيلي: رواه شعبة، عن يحيى، عن القاسم مرسلًا قال: فأتت رسول الله ﷺ فقالت: إن أبي زوجني وأنا كارهة، وأنا أريد أن أتزوج عم ولدي. قال: فنزعها رسول الله ﷺ ، فتزوجت عم ولدها. قال يحيى: وهي خنساء بنت خذام، قال: وكذلك قال معمر وابن عيينة: وهي ثيب. فأرسلوه. وعند أحمد من حديث ابن إسحاق عن الحجاج بن السائب بن أبي لبابة بن عبد المنذر أن جدته أم السائب خناس بنت خذام بن خالد كانت (تحت) (٢) رجل قبل أبي لبابة، وأبى أبوها إلا أن يلزمها العوفي حَتَّى ارتفع أمرها إلى رسول الله ﷺ فقال: "هي أولى بأمرها" فألحقها بهواها فانتزعت من العوفي وتزوجت أبا لبابة، فولدت له أبا السائب (٣). وقال أبو عمر: روى مالك هذا الحديث فقال فيه: وهي ثيب، في (درج) (٤) [لحديث] (٥).

стр. 14637

ورواه غيره فجعله من بلاغ يحيى بن سعيد، كذا ذكره ابن أبي شيبة (١). وروى ابن عيينة هذا الحديث فلم يذكر فيه: وكانت ثيبًا. رواه الحميدي وغيره عنه ولم يقم إسناده وقال فيه: قال بعض أصحاب عبد الرحمن: إنها كانت ثيبًا. وحديث ابن إسحاق يدل على صحة رواية مالك. قال أبو عمر: وكانت خنساء هذِه تحت أنس بن قتادة -ويقال: أنيس، وهو أصح- وقتل عنها شهيدًا (٢)، كما سلف قال: وكانت أسدية. قُلْتُ: أهل النسب ذكروها في الأنصار، اللهم إلا أن يذكرونها أسْدية ساكنة السين فيوافق. ورواه كرواية مالكٍ ابن فضيل عن يحيى بن سعيد عند الدارقطني. ومن رواية شجاع بن مخلد، عن هشيم، ثنا عمرو بن أبي سلمة، ثنا أبو سلمة أن خنساء زوَّجها أبوها وهي ثيب. قال هشام: وثنا عمر، عن أبيه، عن أبي هريرة به (٣). وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه الوليد بن مسلم، عن شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي هريرة أن رجلًا أنكح ابنته على عهد رسول الله ﷺ ثيبًا وكرهت ذَلِكَ، فذكرت ذَلِكَ لرسول الله ﷺ فقال لها: " (كنت) (٤) نهيتيه أن يزوجك؟ " قالت: نعم. فجعل أمرها بيدها، فردته. فقال أبي: لا يوصلون هذا الحديث يقولون: أبو سلمة عن النبي ﷺ مرسل، وهو أشبه (٥).

стр. 14638

قال أبو عمر: وإذا كانت ثيبًا كان حديثًا مجتمعًا على صحته والقول به؛ لأن القائلين: لا نكاح إلا بولي، يقولون: إن الثيب لا يزوجها أبوها ولا غيره من أوليائها إلا بإذنها. ومن قال: ليس للولي مع الثيب أمر. فهو أحرى باستعمال هذا الحديث. وكذلك الذين أجازوا عقد النكاح بغير ولي (١). وروى النسائي من حديث الثوري، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن عبد الله بن يزيد، عن خنساء بنت خذام قالت: أنكحني أبي وأنا كارهة وأنا بكر، فشكوت ذَلِكَ إلى رسول الله ﷺ فقال: "لا تنكحها وهي كارهة" (٢). وعزاها عبد الحق إلى أبي داود أيضًا (٣)، وليس كذلك فالذي فيه كما في البخاري (٤)، وقد يجاب عن هذِه الرواية بأنه يجوز أن يكون الراوي أخبر بما شاهد من العقد عليها وأخبرت هي بحقيقة الأمر، وهو عدم الدخول بها. فصل: جاء في رواية أنها قالت: يا رسول الله (إن) (٥) عم ولدي أحب إليَّ منه (٦) -يعني: أبا لبابة- وذلك مجاز؛ لأنها إذا نكحت عمهم جمعت شملهم.

стр. 14639

فصل: قد جاءت أحاديث بمثل حديث خنساء: منها: حديث عطاء، عن جابر أن رجلًا زوج ابنته بكرًا ولم يستأذنها، فأتت رسول الله ﷺ ، ففرق بينهما. خرجه النسائي (١) وقال: والصحيح إرساله، والأول وهم، وأفهمه كلام الإمام أحمد فيما حكاه الأثرم عنه. ومنها: أن ابن عمر تزوج ابنة خاله، وأن عمها هو الذي زوجها. الحديث. وفيه: فأتت رسول الله ﷺ ، فرد نكاحها. أخرجها الدارقطني وقال: لا يثبت عن ابن أبي ذئب، عن نافع، والصواب حديث ابن أبي ذئب، عن عمر بن حسين (٢). ومنها: حديث ابن عباس أن جارية بكرًا أنكحها أبوها وهي كارهة، فخيرها رسول الله ﷺ . رواه أبو داود بإسناد على شرط الشيخين، قال أبو داود: والصحيح مرسل (٣). وقال أبو حاتم: رفعه خطأ (٤). وأما ابن القطان فصححه (٥). وقال ابن حزم: إسناده صحيح في غاية الصحة، ولا معارض له (٦). ومنها: حديث عائشة ﵂ أخرجه الدارقطني (٧).

стр. 14640

وذكره النسائي في باب: البكر يزوجها أبوها (١). فصل: اتفق أئمة الفتوى بالأمصار على أن الأب إذا زوج ابنته الثيب بغير رضاها أنه لا يجوز ويرد؛ احتجاجًا بحديث خنساء وغيره، وشذ الحسن البصري والنخعي فخالفا الجماعة، فقال الحسن: نكاح الأب جائز على ابنته بكرًا كانت أو ثيبًا كرهت أو لم تكره. وقال النخعي: إن كانت الثيب في عياله زوجها ولم يستأمرها، وإن لم تكن في عياله أو كانت نائية عنه أستأمرها. ولم يلتفت أحد من الأئمة إلى هذين القولين؛ لمخالفتهما للسنة الثابتة في خنساء وغيرها، وما خالفها فمردود (٢). واختلف الأئمة القائلون بحديث خنساء إن زوجها بغير إذنها ثم بلغها فأجازت: فقال إسماعيل القاضي: أصل قول مالك لا يجوز وإن أجازته، إلا أن يكون بالقرب، كأنها في فور، ويبطل إذا بعد؛ لأن عقده عليها بغير أمرها ليس بعقد، ولا يقع فيه طلاق. وقال الكوفيون: إذا أجازته جاز، وإذا أبطلته بطل. وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور: إذا زوجها بغير إذنها فالنكاح باطل وإن رضيت؛ لأنه ﵇ رد نكاح خنساء ولم يقل: إلا أن تجيزه، واستدل به الشافعي على إبطال النكاح الموقوف على إجازة من له الإجازة، وهو أحد قولي مالك، وقد يقال: محله إذا رضيت دون ما إذا كرهت (٣).

стр. 14641

واستدل الخطابي به على أبي حنيفة في قوله: لا تزوج البكر البالغ إلا برضاها؛ وذلك أن الثيوبة إنما ذكرت ليعلم علة الحكم، فدل أن حكم البكر بخلاف ذَلِكَ (١)، وهذا ياتي في رواية أنها ثيب، دون رواية أنها بكر.

стр. 14642

٤٣ - باب تَزوِيجِ اليَتِيمَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا﴾ [النساء: ٣] وإذَا قَالَ الولي للخاطب: زَوِّجْنِي فُلَانَة. فسكت سَاعَةً أَوْ قَالَ: مَا مَعَكَ؟ قَالَ: مَعِي كَذَا وَكَذَا. أَوْ لَبِثَا ثُمَّ قَالَ: زَوَّجْتُكَهَا. فَهْوَ جَائِزٌ. فِيهِ سَهْلٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . ٥١٤٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ ﵂ -قَالَ لَهَا يَا أُمَّتَاهْ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ إِلَى: ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا ابْنَ أُخْتِي، هَذِهِ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا، فَيَرْغَبُ فِي جَمَالِهَا وَمَالِهَا، وَيُرِيدُ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ صَدَاقِهَا، فَنُهُوا عَنْ نِكَاحِهِنَّ. إِلاَّ أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ فِي إِكْمَالِ الصَّدَاقِ، وَأُمِرُوا بِنِكَاحِ مَنْ سِوَاهُنَّ مِنَ النِّسَاءِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: اسْتَفْتَى النَّاسُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ إِلَى: ﴿وَتَرْغَبُونَ﴾ [النساء: ١٢٧] فَأَنْزَلَ اللهُ لَهُمْ فِي هَذِهِ الآيَةِ أَنَّ اليَتِيمَةَ إِذَا كَانَتْ ذَاتَ مَالٍ وَجَمَالٍ، رَغِبُوا فِي نِكَاحِهَا وَنَسَبِهَا وَالصَّدَاقِ، وَإِذَا كَانَتْ مَرْغُوبًا عَنْهَا فِي قِلَّةِ الْمَالِ وَالْجَمَالِ، تَرَكُوهَا وَأَخَذُوا غَيْرَهَا مِنَ النِّسَاءِ. قَالَتْ: فَكَمَا يَتْرُكُونَهَا حِينَ يَرْغَبُونَ عَنْهَا، فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَنْكِحُوهَا إِذَا رَغِبُوا فِيهَا، إِلاَّ أَنْ يُقْسِطُوا لَهَا وَيُعْطُوهَا حَقَّهَا الأَوْفَى مِنَ الصَّدَاقِ. [انظر: ٢٤٩٤ - مسلم: ٣٠١٨ - فتح ٩/ ١٩٧]. ثم ساق حديث عائشة ﵂ في: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا﴾ الحديث بطوله، وقد سلف (١). ومعنى هذا الباب أن الولي شرط في النكاح، فمخاطبة الله الأولياء بإنكاح اليتامى إذا خافوا أن لا يقسطوا فيهن، واحتج أبو حنيفة

стр. 14643

ومحمد بن الحسن بهذِه الآية في أنه يجوز للولي أن يزوج من نفسه اليتيمة التي لم تبلغ (١) -وقد سلف- لأن الله تعالى لما عاتب الأولياء أن (يتزوجوهن) (٢) إذا كن من أهل المال والجمال لا على سنتهن من الصداق، وعاتبهم على ترك نكاحهن إذا كن قليلات المال والجمال استحال أن يكون ذَلِكَ منه فيما لا يجوز نكاحه؛ لأنه لا يجوز أن يعاتب أحد على ترك ما هو حرام عليه، ألا ترى أنه أمر وليها أن يقسط لها في صداقها، ولو أراد بذلك بالغًا لما كان لذكره أعلى سنتها في الصداق معنى، إذ كان له أن يراضيها على ما شاء ثم يتزوجها على ذَلِكَ حلالًا. قال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ الآية [النساء: ٤]. فثبت أن الذي أمر أن يبلغ بها أعلى سنتها في الصداق هي التي لا أمر لها في صداقها، المولي عليه وهي غير بالغ. ولا يجوز عند مالك والشافعي وجماعة أن تتزوج اليتيمة التي لا أب لها قبل البلوغ، ويفسخ النكاح عند مالك قبل الدخول وبعده، وقد سلف الخلاف في باب تزويج الصغار (٣). وكان من حجة من خالف أبا حنيفة في ذَلِكَ أنه قد يكون في اليتامى من يجوز حد البلوغ وبعده وهي سفيهة لا يجوز بيعها ولا شيء من أفعالها، فأمر الله أولياءهن بالإقساط في الصدقات، فلم تدل الآية على جواز نكاح اليتيمة غير البالغ -كما زعم أبو حنيفة-، وليس هذا أولى بالتأويل ممن عارضه، وتأويل الآية في اليتيمة البالغ السفيهة.

стр. 14644

٤٤ - باب إِذَا قَالَ الخَاطِبُ لِلْوَلَيِّ: زَوِّجْنِي فُلَانَة. فَقَالَ: قَذ زَوَّجْتُكَ بِكَذَا وَكَذَا. جَازَ النِّكَاحُ، وَإِنْ لَمْ يَقُل لِلزَّوْجِ: أَرَضِيتَ أَوْ قَبِلْتَ ٥١٤١ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ، أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفْسَهَا، فَقَالَ: «مَا لِي الْيَوْمَ فِي النِّسَاءِ مِنْ حَاجَةٍ». فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ زَوِّجْنِيهَا. قَالَ: «مَا عِنْدَكَ؟». قَالَ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ. قَالَ: «أَعْطِهَا وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ». قَالَ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ. قَالَ: «فَمَا عِنْدَكَ مِنَ الْقُرْآنِ؟». قَالَ: عِنْدِي كَذَا وَكَذَا. قَالَ: «فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ». [انظر: ٢٣١٩ - مسلم: ١٤٢٥ - فتح ٩/ ١٩٨]. ثم ذكر حديث سهل بن سعد ﵁ السالف، وفي آخره: "فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ". وترجم عليه الباب الذي قبله أيضًا. قال المهلب: بساط الكلام ومفهوم القصة أغنى في هذا الحديث عن أن يوقف الخاطب على الرضى، وليس هذا في كل نكاح، بل يجب أن يسأل الزوج أرضي بالصداق والشرط أم لا؟ إلا أن يكون مثل هذا المعسر الراغب في النكاح، فلا يحتاج إلى توقيفه على الرضى لعلمهم به (١). فصل: قوله: (فقال: "مَا لِي اليَوْمَ فِي النِّسَاءِ مِنْ حَاجَةٍ"). قال الداودي: إن يكن هذا محفوظًا فإنما قاله إذ لم يردها بعد أن نظر إليها، إذ لا ينظر إلا وهو يريد النكاح، ولعله يريد: ما لي في مثلك من النساء حاجة، أو يكون جواز النظر لمن يريد النكاح من خواصه ﵇.

стр. 14645

٤٥ - باب لَا يَخْطُبُ على خِطْبَةِ أَخِيهِ، حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَدَعَ ٥١٤٢ - حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا يُحَدِّثُ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ يَقُولُ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَبِيعَ بَعْضُكُمْ على بَيْعِ بَعْضٍ، وَلَا يَخْطُبَ الرَّجُلُ على خِطْبَةِ أَخِيهِ، حَتَّى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قَبْلَهُ، أَوْ يَأْذَنَ لَهُ الْخَاطِبُ. [انظر: ٢١٣٩ - مسلم: ١٤١٢ - فتح ٩/ ١٩٨]. ٥١٤٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الأَعْرَجِ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَأْثُرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا إِخْوَانًا». [٦٠٦٤، ٦٠٦٦، ٦٧٢٤ - مسلم: ٢٥٦٣ - فتح: ٩/ ١٩٨]. ٥١٤٤ - «وَلَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ على خِطْبَةِ أَخِيهِ، حَتَّى يَنْكِحَ، أَوْ يَتْرُكَ». [انظر: ٢١٤٠ - مسلم: ١٥٢٠،١٥١٥،١٤١٣ - فتح ٩/ ١٩٩]. ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ ﵄ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَبِيعَ بَعْضُكُمْ على بَيْعِ بَعْضٍ، وَلَا يَخْطُبَ على خِطْبَةِ أَخِيهِ، حَتَّى يَتْرُكَ الخَاطِبُ قَبْلَهُ، أَوْ يَأْذَنَ لَهُ الخَاطِبُ. وحديث أبي هريرة ﵁ يأثره على النبي ﷺ : "إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظّنَّ أَكذَبُ الحَدِيثِ، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا عباد إِخْوَانًا وَلَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ على خِطْبَةِ أَخِيهِ، حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَتْرُكَ". الشرح: قد أسلف البخاري في البيوع مثله من حديث أبي هريرة ﵁ أيضًا في الخطبة (١).

стр. 14646

وقد أخرجه مسلم والأربعة (١). وسلف حديث ابن عمر في البيع على بيع أخيه (٢)، وأخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه (٣). وفسر ابن التين البيع على بيع أخيه بالسوم على سومه، وقال يزيد: لأنه لو وقع البيع لما سئل عن بيعه بعد ذَلِكَ، وهو عجيب فإنه قد يكون زمن خيار المجلس أو شرط ثم قال هذا بعد التراكن، وأما في أوله فلو ترك ذَلِكَ لأخذه المشتري بما يريد وبياعات المسلمين في أسواقهن يتزايدون فيها، وكرهه بعض السلف. فصل: الخِطبة -بكسر الخاء- مصدر خطب المرأة خطبة، والضم في الوعظ وغيره. فصل: أغرب بعضهم فادعى أن هذا النهي منسوخ بخطبة الشارع لأسامة فاطمة بنت قيس على خطبة معاوية وأبي جهم. روي عن الحسن بن علي أنه لا يكاد يبلغه أن رجلًا خطب امرأة إلا خطبها. وفقهاء الأمصار على عدم ذَلِكَ وأنه باقٍ، وخطبة الشارع والحسن إنما كان في حالة لم يتناولها النهي، وذلك قبل الركون دون ما بعده.

стр. 14647

قال ابن المرابط: لا أعلم أحدًا ادعى نسخه. واستثنى ابن القاسم من النهي ما إذا كان الخاطب فاسقًا، وهو مذهب الأوزاعي وابن المنذر فيما إذا كان الأول كافرًا، وهو خلاف قول الجمهور. والحديث خرج على الغالب فلا مفهوم. وقال ابن نافع: يخطب وإن رضيت بالأول حَتَّى يتفقا على صداق. وخطأه ابن حبيب يريد لأن نكاح التفويض صحيح وإن لم يسميا فيه مهرًا. وعندنا أنه إنما يحرم إذا صرح بالإجابة فإن لم يجب ولم يرد فلا تحريم، وكذا إذا أذن، وعند المالكية ثلاثة أقوال بعد الركون (١). ثالثها: يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده ويؤدب ويحلل، وعند أبي حنيفة والشافعي: لا فسخ مطلقًا مع التحريم (٢). فصل: أغرب أبو سليمان فقال: إن هذا النهي للتأديب لا للتحريم. ونقل عن أكثر العلماء أنه لا يبطل، وعند داود بطلان نكاح الثاني (٣)، ونحى ابن حزم إليه حيث قال: لا يحل لأحد أن يخطب على خطبة مسلم، سواء ركنا وتعارفا أو لم يكن شيء من ذَلِكَ، إلا أن يكون أفضل لها في دينه وحسن صحبته، فله حينئذٍ أن يخطب على خطبة غيره (٤). قُلْتُ: يرده حديث قدامة بن مظعون أنه زوج ابن عمر ابنة أخيه

стр. 14648

عثمان، فخطبها المغيرة بن شعبة، فركنت هي وأمها في المغيرة، ففرق ﵇ بينها وبين ابن عمر وزوجها المغيرة (١). والأحاديث دالة على إطلاق التحريم، وقد أخرج مسلم من حديث عقبة بن عامر أنه ﵇ قال: "لا يحل لمؤمن أن يخطب على خطبة أخيه حَتَّى يذر، ولا يحل له أن يبتاع على بيع أخيه حَتَّى يذر" (٢). وهو قول ابن عمر وعقبة بن عامر وابن هرمز. وعبارة ابن العربي: اختلف علماؤنا هل الحق فيه لله أو للخاطب، فقيل بالأول فيتحلل، فإن لم يفعل فارقها، قاله ابن وهب (٣). وقيل: إن النهي في حال رضي المرأة وركونها إليها، وقد فسره في "الموطأ" دون ما إذا لم تركن ولم يتفقا على صداق (٤). قال أبو عبيد: وهو وجه الحديث، وبه يقول أهل المدينة وأهل العراق أو أكثرهم. حجة الشافعي (وغيره) (٥) خطبته ﵇ لأسامة كما سلف، وكنا بينا أن تلك الحالة غير النهي كما سلف. فصل: من قال بالفسخ تعلق بالنهي وأنه يقتضي بالفساد، فلا تحصل به الاستباحة، وأجاب من لم يره بأن النهي لأمر خارج عنه فصار كالبيع على بيع أخيه.

стр. 14649

فصل: قوله: ("إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ") يريد أن تحقيق الظن قد يوقع في الإثم، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]. وقوله: ("أَكْذَبُ الحَدِيثِ") يريد: بعضه. فصل: والتجسس بالجيم والحاء معناهما واحد عند جماعة وهو: التطلب لمعرفة الأخبار، قاله الحربي، وقال ابن الأنباري: إنما نسق أحدهما على الآخر؛ كقولهم: بعدًا وسحقًا. وقيل: بالجيم: البحث عن عورات الناس، وبالحاء: الاستماع للحديث، وقيل: الأول في الخير والثاني في الشر، قال تعالى: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا﴾ [يوسف: ٨٧] وقيل: أكثر التجسس في الشر، بالجيم. وقال ابن حبيب بالحاء: أن تسمع ما يقول أخوك فيك، وبالجيم: أن ترسل من (قيل لك) (١) عما يقال لك في أخيك من السوء (٢).

стр. 14650

٤٦ - باب تَفسِيرِ تَرْكِ الخِطْبَةِ ٥١٤٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ يُحَدِّثُ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حِينَ تَأَيَّمَتْ حَفْصَةُ قَالَ عُمَرُ: لَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ. فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ ثُمَّ خَطَبَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرْجِعَ إِلَيْكَ فِيمَا عَرَضْتَ إِلاَّ أَنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ ذَكَرَهَا، فَلَمْ أَكُنْ لأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلَوْ تَرَكَهَا لَقَبِلْتُهَا. تَابَعَهُ يُونُسُ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَابْنُ أَبِي عَتِيقٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. [انظر: ٤٠٠٥ - فتح ٩/ ٢٠١]. ذكر فيه حديث ابن عمر عن عمر السابق في تأيم حفصة إلى آخره. ثم قال: تَابَعَهُ يُونُسُ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَابْنُ أَبِي عَتِيقٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. يعني أنهم جعلوه من مسند ابن عمر (١)، وقد سلف في النكاح هذا في مسند عمر. وابن أبي عتيق هذا اسمه محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي عتيق. فإن قُلْتَ: كيف ترجم على هذِه الترجمة وقد سلف أن الخطبة جائزة على خطبة الغير إذا لم يكن ركون، والشارع حين أخبر أبا بكر لم يكن أعلم بهذا عمر، فضلًا عن ركونه؟ قُلْتُ: أجاب عنه ابن بطال بأن

стр. 14651

الصديق علم أنه ﵇ إذا خطب إلى عمر ابنته يسر بذلك ويشكر الله تعالى على هذِه النعمة، فقام علم الصديق بهذِه الحالة مقام الركون والتراضي منهما؛ فكذلك كل من علم أنه لا يصرف إذا خطب لا ينبغي الخطبة على خطبته حَتَّى يترك كما فعل الصديق (١). وقال ابن المنير: الظاهر عندي أن البخاري أراد أن يحقق امتناع الخطبة بامتناع أبي بكر هذا، ولم ينبرم الأمر من الخاطب والولي، فكيف لو تراكنا؟ وكأنه من البخاري استدلال بالأولى (٢). وزعم ابن المرابط أن هذِه القصة فيها ما يفسر بعض هذا أنه مكروه وإن لم يكن ركون، لاسيما بين الإخوان، فإنه يورث عداوة فى النفوس من أجل الغيرة وما يولد منها.

стр. 14652

٤٧ - باب الخُطْبَةِ ٥١٤٦ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ جَاءَ رَجُلَانِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَخَطَبَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا». [٥٧٦٧ - فتح ٩/ ٢٠١]. ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ يَقُولُ جَاءَ رَجُلَانِ مِنَ المَشْرِقِ فَخَطَبَا، فَقَالَ رسولُ الله: "إِنَّ مِنَ البَيَانِ سِحْرًا". الشرح: هذا الحديث ذكره في الطب، وأبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح. قال الترمذي: وفي الباب عن عمار وابن مسعود وعبد الله بن الشخير (١). والمشرق هنا مشرق المدينة، وللترمذي: فعجب الناس من كلامهما، فالتفت إليهما رسول الله ﷺ فقال: "إن من البيان سحرًا" أو "إن بعض البيان سحرٌ" (٢). والرجلان: الزبرقان بن بدر، وعمرو بن الأهتم، واسمه سنان، هتمه قيس بن عاصم، وكانا وفدا على رسول الله ﷺ سنة تسع من الهجرة في وفد بني تميم، سبعين أو ثمانين، فيهم الأقرع بن حابس، وقيس بن عاصم، وعطاء بن حاجب. روى البيهقي في "دلائله" من حديث مقسم عن ابن عباس ﵄ قال: جلس إلى رسول الله ﷺ قيس بن عاصم والزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم التميميون، ففخر الزبرقان فقال: يا رسول الله، أنا سيد بني تميم والمطاع منهم والمجاب، أمنعهم من الظلم، وآخذ لهم

стр. 14653

بحقوقهم، وهذا يعلم ذَلِكَ -يعني عمرو- فقال عمرو: إنه شديد العارضة، مانع لجانبه، مطاع في أدنيه. فقال الزبرقان: والله يا رسول الله لقد علم مني غير ما قال، وما منعه أن يتكلم إلا الحسد. فقال عمرو: أنا أحسدك! والله يا رسول الله إنه للئيم الخال، حديث المال، أحمق الولد، مضيع في العشيرة، والله يا رسول الله لقد صدقت في الأولى وما كذبت في الآخرة، ولكني رجل إذا رضيت قُلْتُ: أحسن ما علمت، وإذا غضبت قلت أقبح ما وجدت. فقال ﵇: "إن من البيان سحرًا، إن من البيان سحرًا". وفي حديث محمد بن الزبير الحنظلي قال ﵇ لعمرو: "أخبرني عن هذا -يعني: الزبرقان- فأما هذا -يعني قيس بن عاصم- فلست أسألك عنه" قال: وأراه قد كان عرفه (١). ولأبي داود بإسناد صحيح عن ابن عباس ﵄: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ ، فجعل يتكلم بكلام فقال ﵇ .. الحديث (٢). وعند أبي زرعة دخل رجل على رسول الله ﷺ فقال ﷺ .. الحديث. ومن حديث صخر بن عبد الله بن بريدة عن أبيه، عن جده مرفوعًا: "إن من البيان سحرًا، وإن من العلم جهلًا، وإن من الشعر حكمًا، وإن من القول عيالًا" (٣). فقال صعصعة بن صوحان العبدي: صدق نبي الله ﷺ . وأما قوله: "إِنَّ مِنَ البَيَانِ سِحْرًا" فالرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق، فيسحر القوم ببيانه، فيذهب بالحق.

стр. 14654

وأما قوله: "من العلم جهلًا" فهو أن يتكلف العالم إلى علمه ما لا يعلم فيجهل لذلك. وأما قوله: "إن من الشعر حكمًا" فهي هذِه المواعظ والأمثال التي يتعظ بها الناس، وأما قول: " [إن] (١) من القول عيالًا" فعرضك كلامك على من ليس من شأنه ولا يريده (٢). ورواه أبو زرعة الحافظ أحمد بن الحسين بن علي الرازي في كتاب الشعراء من حديث حسام بن مصك ومحمد بن سليم، وعن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، به. وذكر ابن التين أن الخاطبين، الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم، مدحه الزبرقان فأبلغ، ومدحه الآخر فقصر عن بعض ما فيه. فقال الزبرقان: حسدني والله يا رسول الله على مكاني منك، ولقد كتم بعض ما يعلم، وإنه لضيق العطن لئيم الولد، والله يا رسول الله ما كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الثانية، أرضاني ابن عمي فقلت أحسن ما فيه، وأغضبني فقلت أشر ما فيه. فصل: وهذا الحديث له طرق أخرى: أحدها: طريق (عمران) (٣) أن رسول الله ﷺ قال: "إن من البيان سحرًا". ثانيها: من طريق البراء مرفوعًا بزيادة: "إن من الشعر حكمًا". أخرجه أبو زرعة في الكتاب السالف. وقال الدارقطني في "أفراده":

стр. 14655

غريب من حديث أبي إسحاق عن البراء، ومن حديث العرزمي محمد عنه، تفرد به أبو داود الحفري عنه. ثالثها: طريق مطرف عن أبيه عبد الله بن الشخير: قدم على رسول الله ﷺ رهط من بني عامر فقالوا: أنت سيدنا، وأفضل علينا فضلًا، وأطول علينا طولًا، وأنت الجفنة الغراء، فقال ﵇: "لا يشهدنكم الشيطان". ثم قال: "إن من البيان سحرًا" أخرجه الطبري في "تهذيبه" من حديث مهدي بن ميمون، عن غيلان بن جرير، عن مطرف به، وأخرجه العسكري، عن غيلان، عن مطر بن حماد بن واقد، حَدَّثَنَا مهدي، فذكره مختصرًا. وزعم الترمذي أن في الباب عن ابن مسعود (١)، ثم ذكر حديثه، وليس فيه إلا خطبة النكاح (٢) فلا أدري أهو مراده أم لا. فصل: قال ابن التين: أدخل هذا الباب في النكاح وليس هو موضعه. قُلْتُ: بل هو موضعه، فإن قصده الخطبة عند الخطبة، ويجوز أن يريد عقد النكاح، والخطبة عند الحاجة من الأمر القديم المعمول به. وفيه حديث ابن مسعود المشار إليه، وقد أخرجه أصحاب السنن الأربعة والحاكم، وحسنه الترمذي (٣). ووجه استحبابها تسهيل أمر الخاطب والرغبة في الدعاء إليه، ألا ترى أنه ﵇ قد شبه حسن التواصل إلى الحاجة بحسن الكلام

стр. 14656

فيها، واستنزال المرغوب إليه بالبيان بالسحر، وإنما هذا من أجل ما في النفوس من الأنفة في أمر (الموليات) (١)، فقال ﵇ أن حسن التواصل إلى هذا (الذي) (٢) تأنف النفوس منه حَتَّى تحبب إلى ذَلِكَ المستبشع وجه من وجوه السحر الحلال. واستحب جمهور العلماء الخطبة في النكاح، قال مالك: هذا الأمر القديم وما قل منها فهو أفضل. قال ابن حبيب: كانوا يستحبون أن يحمد الله الخاطب ويصلي على نبيه، ثم يخطب المرأة، ثم يجيب المخطوب إليه بمثل ذَلِكَ من حمد الله والصلاة على نبيه، ثم يذكر إجابته. وأوجبها أهل الظاهر فرضًا، واحتجوا بأنه ﵇ خطب حين زوج فاطمة، وأفعاله على الوجوب. واستدل الفقهاء على عدم وجوبها بقوله: "قد زوجتكها بما معك من القرآن" ولم يخطب، وبقوله: "كل أمر ذي بال لا يبدأ بالحمد لله فهو أقطع" أي: ناقص ولم يقل: إن العقد لا يتم، بدليل تزويجه المرأة ولم يخطب (٣). وفي أبي داود أنه ﵇ خطب إليه رجل قال: فأنكحني من غير أن يتشهد (٤)، وفي كتاب ابن أبي شيبة: زوج الحسين بن علي بعض بنات أخيه وهو يتعرق العرق، وزوج مسروق شريحًا ولم يخطب،

стр. 14657

وأنكح عمر رجلًا وهو يمشي (١). فصل: والبيان: الإتيان بلفظ آخر لا يزيد على كشف معناه بزيادة ألفاظ رائعة تستميل القلوب وتجلبها، كما أن السحر يخرجها عن حد الاْعتدال، وهذا إذا كان اللفظ فيه صدقًا وجائزًا، والمقصود به بغير الحق كان ممدوحًا، فقد كان لسيدنا رسول الله ﷺ خطيب يلقى به الوافدين وهو ثابت بن قيس، وشاعر وهو حسان بن ثابت، وإذا كان البيان على ضد ذَلِكَ كان الذم لذلك لا للفظ، كالشعر فإنه يذم بما يتضمنه ويمدح لا للنظم. وقيل: البيان: ما تقع به الإبانة عن المراد بأي لغة كان، ولم يرد بالسحر هذا النوع، وإنما أراد به بيان بلاغة وحذق، وهو ما دخلته الصيغة بالتحسين لألفاظه حَتَّى يستميل به قلوب سامعيه، فهذا يشبه السحر في جلب القلوب، وربما حول الشيء عن ظاهر صورته فيبرزه للناظرين في معرض غيره، فهذا يمدح فاعله، والمذموم من هذا الفصل أن يقصد به الياطل واللبس فيوهمك المنكر معروفًا، وهذا مذموم، وهو أيضًا يشبه بالسحر، إذ السحر صرف الشيء عن حقيقته قال تعالى: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩] أي: يصرفون، وهذا من باب تسمية الشيء ببعض معناه؛ لأنه سمى البيان سحرًا، وإنما هو مضارع للسحر. وحكي عن يونس أن العرب تقول: ما سحرك عن وجه كذا. أي: صرفك (٢).

стр. 14658

وروي عن عمر بن عبد العزيز أن رجلًا سأله حاجة فاعتاض عليه قضاؤها، فرفق له الرجل في القول، فقال: إن هذا هو السحر الحلال، وأنجزها له. فصل: في الحديث فضل البلاغة والمجاز والاستعارة، وجواز الإفراط في المدح؛ لأنه لا شيء في الإعجاب والأخذ بالقلوب يبلغ مبلغ السحر، وإنما تحمد البلاغة و (اللسانة) (١) إذا لم تخرج إلى حد الإسهاب والتفيهق، فقد جاء في أبي داود: "أبغضكم إلى الله الثرثارون المتفيهقون" (٢) وكان هذا -والله أعلم- إذا كان ممن يحاول تزيين الباطل وتحسينه بلفظ ويريد إقامته في صورة الحق، فهذا هو المكروه الذي ورد فيه التغليظ. وأما قول الحق فجميل على كل حال، كان فيه إطناب أو لم يكن إذا لم يتجاوز الحق، غير أن أوساط الأمور أعدلها. وقد اتفق علماء اللغة وغيرهم على مدح الإيجاز، والاختصار في البلاغة، وإدراك المعاني الكثيرة بالألفاظ اليسيرة (٣). وقيل: المراد بالبيان هنا: الذم. واستدل متأول ذَلِكَ بادخال ملك هذا الحديث في باب ما يكره من الكلام بغير ذكر الله (٤)، وهو مذهبه في تأويل الحديث والأول أولى، قال تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٣، ٤].

стр. 14659

٤٨ - باب ضَرْبِ الدُّفِّ فيِ النِّكَاحِ وَالْوَلِيمَةِ ٥١٤٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ قَالَ: قَالَتِ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذٍ ابْنِ عَفْرَاءَ: جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَدَخَلَ حِينَ بُنِيَ عَلَيَّ، فَجَلَسَ على فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي، فَجَعَلَتْ جُوَيْرِيَاتٌ لَنَا يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ وَيَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِي يَوْمَ بَدْرٍ، إِذْ قَالَتْ إِحْدَاهُنَّ وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ. فَقَالَ: «دَعِى هَذِهِ، وَقُولِي بِالَّذِى كُنْتِ تَقُولِينَ». [انظر: ٤٠٠١ - فتح ٩/ ٢٠٢]. ذكر فيه حديث الربيع بنت مُعَوِّذٍ ابن عَفْرَاءَ: جَاءَ النَّبِيُّ ﵇ فَدَخَلَ عليَّ حِينَ بُنِيَ عَلَيَّ، فَجَلَسَ على فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي، فَجَعَلَتْ جُوَيْرِيَاتٌ لَنَا يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ وَيَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِي يَوْمَ بَدْرٍ، إِذْ قَالَتْ إِحْدَاهُنَّ وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ. فَقَالَ: "دَعِي هذا، وَقولِي بِالَّذِي كنْتِ تَقُولِينَ". سلف في المغازي (١). ولابن ماجه: "أما هذا فلا تقولوه، ما يعلم ما في غدٍ إلا الله" (٢) وقوله: (يَوْمَ بَدْرٍ) كذا هنا، وذكر الكلبي يوم بعاث، وقال ابن التين عن النسائي: حديث حسن، وإنما هو من قتل من آبائي يوم أحد. وفي بعض روايات البخاري: من قتل آبائي بإسقاط (من). والندب: ذكر النادبة الميت بحسن الثناء والافتخار. قال ابن العربي: وكانوا كفارًا فلم يكن في ذكرهم بحضرة الشارع حرج بما يذكرون به، ولو كانوا مسلمين لم ينبغ أن يندبوا بمدح؛ لأن ذَلِكَ مما يوجب لهم عذابًا، وإنما يندبون بترحم ودعاء (٣).

стр. 14660

قُلْتُ: عندنا لا يعذب به إلا إذا أوصى (١) فصل: في الحديث فوائد: تشريف الربيع بدخول سيد الخلق عليها وجلوسه أمامها حيث يجلس الرأس، والضرب بالدف في العرس بحضرة شارع الملة، ومبين الحل من الحرمة، وإعلان النكاح بالدف والغناء المباح فرقًا بينه وبين ما يستتر به من السفاح، وإقبال العالم والإمام إلى العروس. وإن كان لعب ولهو مباح، فإنه يورث الألفة والانشراح. وليس الامتناع من ذَلِكَ من الحياء الممنوع بل فعله هو الممدوح المشروع، وجواز مدح الرجل في وجهه بما فيه، فالمكروه من ذَلِكَ مدحه بما ليس فيه. فصل: قولها: (حِينَ بُنِيَ عَلَيَّ) هذِه اللغة الفصيحة، وأصله أن الرجل كان إذا تزوج امرأة بنى عليها قبة ليدخل عليها فيها. وأنكر غير واحد من النحويين: بنى بي. وقد وردت في أحاديث صحيحة. فصل: الدف داله مضمومة على الأفصح وقد تفتح، وهو الذي بوجه واحد، واختلف في الضرب بالوجه من الوجهين جميعًا كما قال ابن التين. وقوله: ("دَعِي هذا") أي: أن الغيب لا يعلمه إلا الله وقد سلف. فصل: ومن أحاديث الباب على شرط الصحيح:

стр. 14661

حديث محمد بن حاطب رفعه: "فصل ما بين الحلال والحرام الضرب بالدف" أخرجه النسائي وابن ماجه والترمذي وقال: حسن. وصححه ابن حبان والحاكم وقال: صحيح الإسناد (١). وقال ابن طاهر: ألزم الدارقطني مسلمًا إخراجه، وهو صحيح. وفي رواية عبد الله بن أحمد بن حنبل عن غير أبيه من حديث عمرو بن يحيى المازني عن جده أبي حسن أن النبي ﷺ كان يكره نكاح السر حَتَّى يضرب بدف، ويقول: "أتيناكم أتيناكم، فحيونا نحييكم" (٢). وحديث بريدة ﵁ أن رسول الله ﷺ لما رجع من بعض مغازيه جاءته جارية سوداء فقالت: يا رسول الله، إني نذرت إن ردك الله سالمًا أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى، فقال لها: "إن كنت نذرت فأوفي نذرك". رواه الترمذي وقال: حسن صحيح (٣)، ونازعه ابن القطان (٤). ورواه ابن حبان في "صحيحه" بطريق جيد. وفيه: فقعد ﵇ وضربت بالدف (٥).

стр. 14662

وهذِه الأمة هي سديسة مولاة حفصة كما أفاده ابن طاهر في "إيضاح الأشكال" (١). وسيأتي في البخاري عن عائشة ﵂ أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار فقال ﷺ : "يا عائشة، ما كان معكم لهو، فإن الأنصار يعجبهم اللهو" (٢). فصل: ومن ضعيفه حديث عائشة ﵂ أنها أنكحت ذا قرابة لها من الأنصار، فقال ﵇: "أهديتم الفتاة؟ " قالوا: نعم. قال: "أرسلتم معها من يغني؟ " قالت: قُلْتُ: لا. فقال: "إن الأنصار قوم فيهم غزل، فلو بعثتم معها من يقول: أتيناكم أتيناكم، فحيانا وحياكم" أفرده ابن ماجه (٣). وقال أحمد: حديث منكر. ولابن أبي حاتم: "أعلنوا النكاح وأضربو اعليه بالغربال" (٤).

стр. 14663

وللترمذي مضعفًا: "واجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدفوف" (١). ولابن الأثير من الصحابة، من حديث عبد الحميد بن مهدي: ثَنَا المعافى، ثنا محمد بن سلمة، عن الفزاري، عن عبد الله بن هبار بن الأسود بن المطلب، عن أبيه أنه زوج بنتا له فضرب في عرسها بالكبر (٢). فلما سمعه رسول الله ﷺ فقال: "هذا النكاح لا السفاح" (٣). وللنسائي من حديث عامر بن سعد، عن قطر بن كعب وأبي مسعود قالا "رخص لنا في اللهو عند العرس" (٤) زاد ابن أبي شيبة: ثابت بن وديعة (٥). وروى الطبري عن السائب بن يزيد: لقي رسول الله ﷺ جواري يغنين، يقلن: حيونا نحييكم، فقال: "لا تقولوا هكذا، ولكن قولوا: حيانا وحياكم" فقال رجل: يا رسول الله، ترخص للناس في هذا؟ فقال: "نعم، إنه نكاح لا سفاح". فصل: ترجم البخاري النكاح والوليمة وذكر ما يدل للوليمة فقط، لأنه قاس النكاح عليها؛ ولأن البناء نكاح، وعندنا الضرب به في العرس والختان جائز، العرس نصًّا والختان قياسًا، وفي غيرهما وجهان، أصحهما

стр. 14664

الجواز وإن كان فيه جلاجل (١)، لإطلاق الأدلة، ومن ادعى أنها لم تكن بجلاجل فعليه الإثبات. وقد أوضحت الكلام على الدف في "شرح المنهاج"، ولابد لك من الوقوف عليه.

стр. 14665

٤٩ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] وَكَثْرَةِ المَهْرِ، وَأَدْنَى مَا يَجُوزُ مِنَ الصَّدَاقِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] وَقَوْلِهِ: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا﴾ [البقرة: ٢٣٦] لَهُنَّ وَقَالَ سهْلٌ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ" [انظر: ٢٣١٠] ٥١٤٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً على وَزْنِ نَوَاةٍ، فَرَأى النَّبِيُّ ﷺ بَشَاشَةَ العُرْسِ فَسَأَلهُ، فَقَالَ إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً على وَزْنِ نَوَاةٍ. [انظر: ٢٠٤٩ - مسلم: ١٤٢٧ - فتح ٩/ ٢٠٤]. وَعَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً على وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ. ثم ساق بإسناده حديث عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ابْنَ عَوْفٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً على وَزْنِ نَوَاةٍ، فَرَأى النَّبِيُّ ﷺ بَشَاشَةَ العروس فَسَأَلَهُ، فَقَالَ إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً على وَزْنِ نَوَاةٍ. وَعَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً على وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ. وقد سلف في البيوع. وهذِه الآثار دالة على إيجاب المهر، ولا حد لأكثره عند العلماء، لقوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠] قال عمر فيما ذكره عبد الرزاق: لا تغالوا في صدقات النساء. فقالت امرأة: ليس كذلك يا عمر إن الله تعالى يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠]. وكذلك في قراءة عبد الله (ولا يحل لكم أن

стр. 14666

تأخذوا منه شيئًا) فقال: إن امرأة خاصمت عمر فخصمته (١)، وروى ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي قال: أصدق رسول الله ﷺ كل امرأة من نسائه اثنتي عشرة أوقية ونشًّا. والنش نصف الأوقية، فذلك خمسمائة وثمانون درهمًا (٢). وقال ابن شهاب: اثني عشر أوقية فذلك أربعمائة درهم (٣). قلت: الصواب: اثنتا عشرة أوقية ونشًا، والجملة خمسمائة؛ لأن الأوقية أربعون درهمًا. والنش نصف أوقية. وكذا أخرجه مسلم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة (٤). وأغرب الحاكم فاستدركه وقال: صحيح الإسناد، وعليه العمل. قال: وإنما أصدق النجاشي أم حبيبة أربعمائة دينار استعمالًا لأخلاق الملوك في المبالغة في الصنائع لاستعانة الشارع به في ذَلِكَ (٥). قلت: وقيل مائتي دينار. وفي أبو داود: أربعة آلاف درهم (٦)، نعم في الترمذي قال عمر: ما علمت رسول الله ﷺ نكح شيئًا من نسائه ولا [أنكح شيئًا من] (٧) بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية أربعمائة وثمانون درهمًا، ثم قال: حسن صحيح (٨).

стр. 14667

وفي "بلغة المستعجل" (١) لمحمد بن أبي نصر الحميدي: صدقاته لكل واحدة من نسائه خمسمائة درهم، هذا أصح ما قيل في ذَلِكَ حاشى صفية. وروي عن عمر أنه أصدق أم كلثوم بنت علي أربعين ألف درهم (٢)، وأن ابن عمر أصدق صفية (٣) عشرة آلاف درهم، وعن ابن عباس وأنس مثله (٤)، وروي عن الحسن بن علي أنه تزوج امرأة فأرسل إليها بمائة جارية، مع كل جارية ألف درهم (٥). وتزوج مصعب بن الزبير عائشة بنت طلحة فأرسل إليها ألف ألف درهم، فقيل في ذَلِكَ: بضع الفتاة بألف ألف كامل … وتبيت سادات الجيوش جياعًا. وعند ابن أبي شيبة: زوج ابن عوف على ثلاثين ألفًا، (وأصدق غيلان بن مطرف امرأة عشرين ألفًا) (٦). وقال المغيرة (بن) (٧) حكيم: أول من سن الصداق أربعمائة دينار عمر بن عبد العزيز. وقال ابن سيرين: رخص عمر أن تصدق المرأة ألفين، وعثمان في أربعة آلاف (٨).

стр. 14668

وفي "الإشراف": أصدق عمر صفية عشرة آلاف -وقد سلف- وكان يزوج بناته على عشرة آلاف، وتزوج ابن عباس شميلة على عشرة آلاف، وتزوج (مالك بن أنس) (١) امرأته كذلك (٢). وقال ابن أبي شيبة: حَدَّثَنَا أبو معاوية، عن (عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر) (٣)، عن نافع قال: تزوج ابن عمر صفية على أربعمائة درهم (فأرسلت إليه) (٤) أن هذا لا يكفينا، فزادها مائتين سرًّا من عمر (٥). قال الحربي: أصدق النبي ﷺ سودة بيتًا ورثه، وعائشة على متاع بيت قيمته خمسون درهمًا. رواه عطية عن أبي سعيد (٦). وزينب بنت خذيمة أصدقها ثنتي عشرة أوقية ونشًّا (٧)، وأم سلمة على متاع قيمته عشرة دراهم (٨).

стр. 14669

وقيل: كان على جرتين ورحا ووسادة حشوها ليف (١). وعند أبي الشيخ: على جر أخضر ورحا برٍّ. وعند الترمذي: على أربعمائة درهم. فالله أعلم. وفي مسلم لما قال للأنصاري وقد تزوج: "بكم تزوجتها؟ " قال: على أربع أواق. فقال ﵇: "أربع أواق، كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل" (٢). وعند أبي الشيخ: على ثمان أواقٍ. والزوج عبد الله بن أبي حدرد. وفي لفظ: قال له: "كم أصدقتها؟ " قال: مائتي درهم -وهي ابنة الحارث- فقال ﵇: "كأنكم تكتالون من واديكم هذا -يعني: بطحان- علينا نصف الصداق". وعند ابن أبي شيبة، عن محمد بن إبراهيم التيمي أن أبا حدرد استعان النبي ﷺ في مهر امرأته، فقال: "كم أصدقتها" الحديث (٣). ولابن حبان عن أبي هريرة ﵁: كان صداقنا- إذا كان فينا رسول الله ﷺ عشرة أواقٍ (٤). زاد أبو الشيخ ابن حيان في كتاب "النكاح": يطبق يده في ذَلِكَ أربعمائة درهم.

стр. 14670

وعن ابن عمر بإسناد جيد: ما أصدق النبي ﷺ امرأة من نسائه، ولا من بناته أكثر من ستة عشرة أوقية. وللترمذي، وصححه بلفظ: ثنتي عشرة أوقية (١). وفي رواية لأبي الشيخ: على أكثر من أربعمائة وثمانين درهمًا. وعن عدي: سنة رسول الله ﷺ -أو صداق بناته أربعمائة درهم. وله بإسناد جيد أن رسول الله ﷺ زوج ربيعة بن كعب الأسلمي امرأة من الأنصار على وزن نواة من ذهب. وروي عن أنس: قيمة النواة خمسة دراهم (٢). وفي رواية: ثلاثة دراهم وثك درهم (٣)، وإليه ذهب أحمد (٤). وقال بعض المالكية: ربع دينار (٥). وقال أبو عبدة: لم يكن هناك ذهب، إنما هي خمسة دراهم تسمى نواة، كما تسمى الأربعين أوقية (٦).
следующие страницы →