← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 14771–14810 · переход к 14776.

стр. 14771

رواه علي بن حجر، وابن جناب، وسليمان بن عبد الرحمن، وغُنْدَر، وهشام بن عمار، ومحمد بن جعفر الوَرْكَاني، وصالح بن مالك الخوارزمي، عن عيسى بن يونس، عن هشام، عن عبد الله بن عروة، عن عروة عنها من قولها. وكذا أسنده سويد بن عبد العزيز، عن هشام وحسن الحلواني، عن ابن أبي الحسام (١)، عنه. وكذا رواه أبو عقبة (٢)، عن أبيه عقبة بن خالد، عن هشام، إلا أنه قال: عن أبيه، عن عائشة. وكذا قاله ابن أبي أويس، ويوسف بن زياد، وسليمان بن بلال، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام، وأبو معاوية الضرير، عنه مختصرًا. وكذا ساقه داود بن شابور، عن عمر بن عبد الله بن عروة [عن عروة] (٣)، ويقال عن أبيه، عن عائشة من قولها. وقال عقبة بن خالد أيضًا: عن هشام، حدثني يزيد بن رومان، عن عروة، عنها، عن رسول الله ﷺ بمثله مختصرا، يريد قوله: "كنت لك" إلى آخره، وكذا قال أبو أويس وإبراهيم بن أبي يحيى، عن ابن رومان، عن عروة، عنها، عن رسول الله ﷺ . قال النسائي إثر حديث عقبة: يريد قوله: "كُنْتُ لَكِ" إلى آخره (٤).

стр. 14772

وقد وقع مفسرًا عن غير النسائي، قال أحمد بن حنبل: فذكر منه حرفًا، قال: "كُنْتُ لَكِ" إلى آخره. وفي رواية ابن حبيب: قالت عائشة: فكان رسول الله ﷺ كثيرًا ما يقول لها إذا (عبر) (١): "يا عائشة كنْتُ لَكِ كأَبِي زَرْعِ لأُمِّ زَرْعِ". زاد في بعض الروايات: "إنه طلقها وإني لا أطلقك". ذكَرها أحمَد بن خالد في "مسنده". وعند ابن الأنباري: "كنت لك كأبي زرع لأم زرع في الألفة والوفاء لا في الفرقة والجلاء". قال: وقال عروة: إنما يرد هذا الحديث بهذا الحرف، فذكره (٢). قال القاضي: ولا خلاف في قوله: "كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لأُمِّ زَرْعٍ". والخلاف في بقيته. وقال الخطيب أبو بكر: المرفوع من "كُنْتُ" إلى آخره، وما عداه فمن كلام عائشة ﵂ حدثت به هي رسول الله ﷺ ، بَيَّنَ ذلك عيسى بنُ يونسَ في روايته، وأبو أويس، وأبو معاوية، وقد رُوِيَ أنَّ القائلَ في حديث سعيد بن سلمة: (ثم أنشأ يحدث الحديث) هُوَ هِشَامٌ، حكى أن أباه أنشأ يحدث الحديث، فأوهم السامع من ذلك أن عائشة أخبرت به عن رسول الله ﷺ (٣). وقال الآجري، عن أبي داود: لما حدث هشام بن عروة بحديث أم زرع هجره أبو الأسود، يتيم عروة، وقال: لم يحدث عروة بهذا، إنما كان تحديثًا بهذا يقطع السفر.

стр. 14773

وفي كتاب العقيلي: قال أبو الأسود بن محمد عبد الرحمن: لم يكن أحد يرفع حديث أم زرع غير هشام. وقال الدارقطني: الصحيح عن عائشة أنها هي حدثت رسول الله ﷺ بقصة النسوة، فقال لها حينئذٍ: "كنْتُ لَكِ" إلى آخره. وقول عيسى بن يونس، وسعيد بن سلمة، وسويد بن عبد العزيز، ومن تابعهم؛ عن هشام، عن أخيه عبد الله، عن أبيه، عنها، وهو الصواب. ولا يدفع قول عقبة: عن هشام، عن (ابن) (١) رومان، عن عروة، عنها (٢). الوجه الثاني: في الخبر الذي حكاه ابن الأنباري من رواية الهيثم بن عدي، عن هشام أنها قالت: جلس إحدى عشرة امرأة في الجاهلية. والهيثم متكلم فيه. وفي الخبر الذي رواه الدراوردي أنهن من بطن من بطون اليمن، وأنهن اجتمعن بقرية من قرى اليمن (٣). وروي أيضًا في هذا الحديث من رواية أحمد بن عبيد بن ناصح، عن الهيثم بسنده، عن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ -وقد اجتمع نساؤه ليخصني بذلك-: "يا عائشة كنت لك كأبي زرع لأم زرع". قلت: يا رسول الله، ومن أبو زرع؟ فقال: "اجتمع نسوة من قريش بمكة، إحدى عشرة امرأة .. " وساق الحديث، وهو مخالف للأول.

стр. 14774

قال عياض: وقرأت في بعض كتب الأدباء أن امرأة زوجت إحدى عشرة ابنة لها في ليلة ودخل بهن أزواجهن، فأمهلتهن سنة ثم زارتهن، فسألت كل واحدة عن زوجها. فأخبرتها بصفةٍ، فوافق حديث أم زرع كلام صاحبة (المس مس أرنب) بنصه، وصاحبة (رفيع العماد)، وصاحبة (زوجي لحم جمل غث)، وخالف في البواقي. ويشبه أنه موضوع، فإن ألفاظه تنبئ عن ذلك، رُكِّبَ على حديث أم زرع، ولا يصح أن يكون (هو) (١) هذا؛ لصحة حديث أم زرع وضعف هذا، وإنما ذكرنا في بعض روايات حديث أم زرع ما دل أنهن غير أخوات (٢). الوجه الثالث: في بيان أسمائهن: قال الخطيب: لا أعلم أحدًا سمَّى النسوة في حديث إلا من الطريق الذي أذكره، وهو غريب جدًّا، ثم ساقه من حديث الزبير بن بكار، حدثني محمد بن الضحاك الحزامي، عن الدراوردي، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: دخل عليَّ رسول الله ﷺ وعندي بعض نسائه فقال: "أنا لك كأبي زرع" قلت: يا رسول الله، وما حديث أبي زرع؟ فقال: "إن قرية من قرى اليمن كان بها بطن من بطون اليمن، وكان منهن إحدي عشرة امرأة، وإنهن خرجن إلى مجلس من مجالسهن". فذكر الحديث. وسمَّى الثانية عمرة (بنت عمرو) (٣)، وسمى الثالثة حُيَّى بنت كعب،

стр. 14775

والرابعة مهرة (١) بنت أبي هزومة، أو مرومة، والخامسة كبشة، والسادسة هند، والسابعة حُبَّى بنت علقمة، والثامنة بنت أوس بن عبد، والعاشرة كبشة بنت الأرقم، وأم زرع بنت أكيمل بن ساعدة (٢). قلت: وكما ساقه أبو القاسم عبد الحكيم بن حبان في كلامه على هذا الحديث من هذا الوجه، ساقه من طريق الأسود بن خير المعافري، قال: دخل رسول الله ﷺ على عائشة وفاطمة، وقد جرى بينهما كلام فقال: "ما أنت بمنتهية يا حميراء -أو يا شقيراء- عن ابنتي، إن مثلي ومثلك كمثل أبي زرع وأم زرع" فقالت: يا رسول الله، حدثنا عنهما، فقال: "كانت قرية فيها إحدى عشرة امرأة، وكان الرجال خلوفًا -يعني غيبا- فقلن: تعالين نتذاكر أزواجنا بما فيهم ولا نكذب". فذكر نحو حديث أبي بشر، وسماها ابن دريد في "وشاحه": عاتكة. الوجه الرابع: قولها: (جَلَسَ). كذا في الأصول، ووقع في مسلم بنون (٣)، وهنا: امرأة، وفي أخرى: نسوة. وللنسائي: اجتمعن (٤).

стр. 14776

ولأبي عبيد: اجتمعت. بالتاء (١). قال ابن التين: وقوله: (جَلَسَ إِحْدى عَشْرَةَ امْرَأَةً)، أي: جمع مثل: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾. قال عياض: والأحسن في الكلام حذف علامة التأنيث ونون الجماعة (٢). وباب العدد في العربية أن ما بين الثلاثة إلى العشرة مضاف إلى جنسه، ومن أحد عشر إلى تسعة وتسعين مميز بواحد يدل على جنسه. وما بعد هذا مضاف إلى واحد من جنسه، وقد جاء هنا: النسوة، وهو جنس بعد إحدى عشرة، وهو خارج عن وجه الكلام، ولا يصح نصبه على التفسير؛ إذ لا تفسير في العدد إلا بواحد. ولا يصلح إضافة العدد الذي قبله إليه، ووجه نصبه عندي على إضمار: أعنى، أو يكون مرفوعًا بدلًا من (إحدى عشر) (٣)، وهو الأظهر، وعلى هذا أعربوا قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ [الأعراف: ١٦٠] الأسباط بدل من ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾، وليس بتفسير فيما قاله الفارسي وغيره (٤). وقولها: (جَلَسَ إِحْدى عَشْرَةَ). قال النحويون: يجوز: جلست، كما تقول في واحد: جلست امرأة. ولو قلت: قام الرجال جاز. ويجوز: قامت، بتقدير: قامت جماعة الرجال، قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ [الحجرات: ١٤]. الوجه الخامس: فيه: جواز نقل الأخبار عن حسن المعاشرة، وضرب الأمثال بها،

стр. 14777

والتأسي بأهل الإحسان من كل أمة، ألا ترى أن أم زرع أخبرت عن أبي زرع بجميل عشرته فتمثله الشارع. وفيه: جواز تذكير الرجل امرأته بإحسانه إليها؛ لأنه لما جاز من النساء كفران العشير جاز تذكيرهن بالإحسان. الوجه السادس: قول المرأة الأولى: (زَوْجِي لَحْمُ جَمَلٍ، غَثٌّ). أي: مهزول، يقال: غث يغث، والغث: الفاسد من الطعام، والأصل هنا: الهزيل؛ لقولها بعد: (لَا سَمِينٍ فَيُنْتَقَلُ). قال أبو سعيد النيسابوري: ليس شيء من الغثاث من الأزواج الثمانية هو أخبث غثاثة من الجمل؛ (لأنه) (١) يجمع خبث طعم وخبث ريح، حتى ضرب به المثل (٢). وقولها: (على رأسِ جَبَلٍ) قال أبو عبيد: تصف قلة خيره وبعده مع القلة، كالشيء في (قبة) (٣) الجبل الصعب لا ينال إلا بالمشقة؛ لقولها: (لَا سَهْل فَيُرْتَقَى) يعني: الجبل (ولا سمين فينتقى) (٤) يعني: يستخرج نِقْيه، بكسر النون وسكون القاف، وهو: المخ. ومن روى: (فينتقل)، يريد: ليس سمين فينقله الناس إلى بيوتهم فيأكلونه، بل يتركونه رغبة عنه (٥) كرواية (٦). وصفت زوجها بالبخل، وقلة الخير،

стр. 14778

وبُعْده من أن ينال خيره مع قلته -كما أسلفناه- كاللحم الهزيل المنتن الذي يزهد فيه فلا يطلب، فكيف إذا كان على رأس جبل صعب وعر لا ينال إلا بمشقة. وذهب الخطابي إلى أن تمثيلها بالجبل الوعر إشارة إلى سوء خلقه والذهاب بنفسه وترفيعها تِيْهًا وكِبْرًا. تريد: مع أنه مع قلة خيره يتكبر على عشيرته، فيجمع إلى البخل سوء الخلق (١)، وهو تشبيه الجلي بالخفي، والتوهم بالمحسوس، والحقير بالخطير. قال عياض: ويجوز في (غث) الرفعُ وصفًا لـ (لحم)، والكسر وصفًا للجمل، وقد روي بالوجهين، ومنهم من رواه: (لحم غث). بالرفع على ما تقدم، وبالكسر على الإضافة بتقدير حذف (جمل) وإقامة وصفه مقامه. وقوله (٢): (لَا سَهْلٍ فَيُرْتَقَى). يجوز فيه ثلاثة أوجه، كلها مروية: نصب (لا سهل) دون تنوين، ورفعها، وخفضها منونة. وأَعْرَبُهَا عندي الرفع في الكلمتين (٣). واستدل بعض العلماء من هذا أن ذكر السوء والعيب إذا ذكره أحد فيمن لا يعرف بعينه واسمه أنه ليس بغيبة، وإنما الغيبة أن يقصد معينًا بما يكره؛ لأنه ﵇ قد حكى عن بعض هؤلاء النسوة ما ذكرنه من عيب أزواجهن، ولا يحكي عن نفسه أو غيره إلا ما يجوز ويباح، ذكره الخطابي (٤).

стр. 14779

قال عياض: ورأيت أبا عبد الله محمد بن علي التميمي (١) لا يرتضي هذا القول، وقال: إنما كان يكون هذا حجة أن لو سمع رسول الله ﷺ امرأة تغتاب زوجها ولا تسمِّيهِ فأقرها عليه، وأما هذِه الحكاية عن نساء مجهولات غير حاضرات، فينكر عليهن، فليس بحجة في جواز ذلك وحالهن كحال من قال: في العالم من يسرق ويزني. فلا يكون غيبة، ولكن المسألة لو نزلت لوصف امرأة زوجها بما هو غيبة وهو معروف عند السامع، فإن ذلك ممنوع، ولو كان مجهولًا لكان لا حرج فيه على رأي بعضهم، وللنظر فيه مجال (٢). فصل: في بعض الروايات: (جبل وعر). أي: غليظ حَزَن يصعب الصعود إليه، وروي: (على رأس قوز وعر). قال أبو بكر: القوز: العالي من الرمل (كأنه جبل) (٣)، فالصعود فيه سياق. ويجوز في قوله: (وَلَا سَمِينٍ). الرفع صفة لـ (لحم)، والخفض: نعت للجبل، ذكره ابن التين. وقيل: ليس مما يرغب فيه فينقله الناس إلى بيوتهم. الوجه السابع: قول الثانية: (لَا أَبُثُّ). أي: لا أنشر ولا أذكر، ورواه بعضهم: (أنث) بالنون رفعها، هما واحد إلا أن النون أكثر ما يستعمل في الشر. ومعنى (أذره) أدعه. و (العُجَر) تعقد العروق والعصب في الجسد حتى تراها ناتئة من الجسد.

стр. 14780

و (البُجَر) كذلك إلا إنها مختصة بالبطن، فيما ذكره الأصمعي، واحدها بجرة، ومنه قيل: رجل أبجر، إذا كان عظيم البطن، وامرأة بجراء. يقال: فلان بجرة، إذا كان ناتئ السرة عظيمها (١). وقال الأخفش: العجر: العقد في سائر البدن، والبجر يكون في القلب. وقال أبو سعيد النيسابوري: لم يأت أبو عبيد بالمعنى في هذا، وإنما عنت أن زوجها كثير العيوب في أخلاقه، منعقد النفس عن المكارم (٢). وقال ابن فارس: البجرة: خروج السرة، والرجل (أبجر) (٣). وفي "المبدأ": (وصبت) (٤) إليه بِعُجَرِي وبُجَرِي؛ أي: بأمري كله. وقال الداودي: العُجَر والبجر: عُروق البطن والذراعين، وبالجملة فإنها أرادت أن تكني عن جميع عيوبه من غير تفسير. وقال ابن الأعرابي: العجر: نفخة في الظهر، فإذا كانت في السرة فهي بجرة، ثم ينقلان إلى الهموم والأحزان (٥). قال الأصمعي: يستعمل ذلك في المعايب. أي: أذكر عيوبه. وقال يعقوب: أسراره. وعبارة غيره: عيوبه الباطنة، وأسراره الكامنة. قال ثعلب في العجر والبجر: ومنه قول علي في الجمل لما رأى طلحة ابن عبيد الله قتيلا: أعزز عليَّ أبا محمد أن أراك معفرًا (تحت) (٦) نجوم

стр. 14781

السماء وفي بطون الأودية شقيت نفسي وقتلت معشري، إلى الله أشكو عجري وبجري (١). أي: همومي وأحزاني، وقيل: العجر ظاهر، والبجر باطنها. قال الشاعر: لم يبق عندي ما يباع بدرهم … يكفيك عجر حالتي عن بجري إلا بقايا ماء وجهٍ صنته … لأبيعه فعسى تكون المشتري والهاء في (أذره) عائدة على الخبر أي: لطوله وكثرته إن بدأتة [لم أقدر] (٢) على إتمامه، ويعضده رواية: ولا أقدر قدره. وفيه: تأويل آخر ذكره أحمد بن عبيد بن ناصح: أن الهاء عائدة على الزوج، وكأنها خشيت فراقه إن ذكرته (٣). وقاله الداودي أيضًا. وعلى هذا تكون (لا) زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، ويحتمل عدم زيادتها -كما ذكره القرطبي- وأنها خافت أن لا تتركه معها ممسكًا لها في صحبتها (٤)، ويحتمل -كما قال عياض- رجوع (٥) الهاء إلى الزوج تأولًا آخر، أي: إن أخبرت بشيء من عيوبه ونقائصه أفضى ذلك إلى ذكر شيء أقبح منه، وقد عاهدت صواحبها أن لا تكتم شيئًا من صفاته عنهن، فكرهت ما تعاقدت عليه معهن، وذهبت إلى ستر عيوبه لكثرتها، ولم تر أن

стр. 14782

تذكر بعضًا دون بعض، فإنها إن ذكرت شيئًا تسبب به إلى ذكر شيء آخر، فرأت الإمساك أولى، يدل على هذا ما وقع في بعض طرقه: أخاف أن لا أذره من سوء. قال عياض: أرى -والله أعلم- أن زوج هذِه كان مستور الظاهر رديء الباطن، فلم ترد هتك ستره، وأنها إن تكلمت بما عاقدت عليه صواحبها كشفت من قبائحه ما استتر، بل لَوَّحت وما صرَّحت، وجملت وما شرحت، واكتفت بالإيماء والإجمال في الخبر عنه، ولم تهتك الحجاب عن عوراته ما عرفت منه (١). الوجه الثامن: قول الثالثة: (الْعَشَنَّقُ) -بفتح العين المهملة، ثم شين معجمة، ثم نون مشددة، ثم قاف- وهو الطويل، قاله الأصمعي وأبو عبيد (٢). وعبارة الجوهري عن الأصمعي أنه الطويل الذي ليس بمقل ولا ضخم، من قول عشانقة، والمرأة عشنَّقة (٣)، تقول: ليس عندي شيء أكثر من طوله بلا نفع فله مَنْظر بلا مَخْبر، والطول في الغالب دليل السفَهِ، وقد علل ذلك ببعد الدماغ من القلب، فإن ذَكَرْت ما فيه من العيوب طلقني، وإن سكت تركني معلقة لا أيمًا ولا ذات بعل. ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩]. وخطأهم في ذلك عبد الملك بن حَبيب وقال: العشنق: المقدام على ما يريد الشرس في أموره، بدليل وصفها له (٤). وقال أبو سعيد النيسابوري: الصحيح غير ما ذكره أبو عبيد أنه من الرجال الطويل النجيب، الذي ليس أمره إلى امرأته وأمرها إليه، فهو يحكم فيها بما يشاء وهي

стр. 14783

(تخافه) (١). وقال صاحب "العين": إنه الطويل العنق (٢). وقال ابن قتيبة: وقيل: إنه القصير. قال ابن الأنباري: فكأنه جعله من الأضداد. ولا (أعرفه) (٣) عند أهل اللغة (٤). قلت: فَوَصْفُهَا له على رأي أبي عبيد - (مدح) (٥)؛ لأن العرب تمدح الرجال والسادة بطول القامة، ويحتمل أن تريد علاقة بالحب؛ فلذلك كانت تكره النطق خوف المفارقة. وعند غيره أنها ذَامَّةٌ له تخبر أن له مَنْظرًا بلا مَخْبر. فائدة: العشنط بمعنى العشنق (٦). الوجه التاسع: قول الرابعة: (تِهَامَةَ). من بلاد الحجاز. وقال ابن بطال: إنها اسم مكة، وحرها شديد نهارًا، وليلها معتدل، فتذهب الشدة وتعتدل. وخصته بهذا ورضيته بحسن صحبتها، وجميل عشرتها، واعتدال حاله، وسلامة باطنه، وثقتها به، وذلك أن الحرَّ والقُرَّ -بضم القاف، وهو البرد- كلاهما فيه أذى إذا اشتد، وهذا لا غائلة عنده، ولا شر فأخافه، ولا يسأمني، ولا يستثقل بي فيملَّ صحبتي (٧).

стр. 14784

زافى في رواية: (والغيث غيث غمامة) (١). أي: جوده ينهل، فيحيي به الأنام كغيث الغمام (٢). الوجه العاشر: قول الخامسة: (فَهِدَ) -بفتح الفاء وكسر الهاء. وقد تسكن- تصفه إذا دخل البيت بكثرة النوم، والغفلة في منزله على وجه المدح له؛ لأن الفهد كثير النوم، يقال: أنوم من فهد. وأَسِد -بفتح الهمزة وكسر السين- وَصفٌ له بالشجاعة، ومعناه: إذا صار بين الناس أو خالط الحرب كان كالأسد، يقال: أسد واسْتَأْسَد بمعنى، وَصَفَتْهُ بالصفة الغالبة على هذين الحيوانين من السلاطة (٣) والسكون في حال الخلوة، والعرب تمتدح بذلك قال: أسد ضار إذا هيجته … وأب برّ إذا ما قدرا يعلم الأقصى إذا استغنى … ولا يعلم الأدنى إذا ما افتقرا ومن هذا المعنى قوله: فتى كان يدنيه الغنى من صديقه … إذا هو ما استغنى ويبعد بالفقر وكان عليّ إذا سمعه يقول: ذاك طلحة بن عبيد الله (٤). وقولها: (وَلَا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ) أي: لا يتفقد ما ذهب من ماله، ولا يلتفت إلى معايب البيت وما فيه، كأنه ساهٍ عن ذلك، يوضحه قولها: (وَلَا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ) يعني: عما كان عندي قبل ذلك.

стр. 14785

قال عياض: قولها هذا يقتضي تفسيرين لعهد: عهد قبل، فهو يرجع إلى تفقد المال، وعهد الآن فهو بمعنى الإغضاء عن المعايب والاحتمال. وقال ابن أبي أويس: تقول إن دخل وثب عليَّ وثوب الفهد، وإن خرج كان كالأسد جُرْأَة وإقدامًا. بقولها هذا يحتمل أن تريد به البطش بها والضرب لها، أو تريد به المبادرة إلى جماعها، وكثرة الحظ من استمتاعها دون ملاعبتها، وتقديم الإيناس. قال ابن حبيب: وصفته بأنه في اللين والدعة والغفلة كالفهد، ولم ترد النوم. قال عياض: وقد ظهر لي فيه وجه آخر مع صحة ما ذكروه، وذلك أنه يتوقف قولها: (فَهِدَ) على الاشتقاق من خلق الفهد، والمثل المضروب به في النوم. وفي الفهد أيضًا مثل آخر ذكره أصحاب الأمثال، كما ذكروا الأول، وهو قولهم: أكسب من فهد. قال أبو عبد الله حمزة الأصبهاني في "شرح الأمثال": وذلك أن الفهود الهرمة التي تعجز عن الصيد تجتمع على فهد فتي، فيصيد عليها كل يوم شبعها، فلا يمنع أن يكون قولها: (إذا دَخَلَ فَهِدَ). أي: إذا جاء المنزل جاء بالكسب والخير والفوائد كما يفعل الفهد في كسبه، ولا فرق بين هذا وبين الأول، إذ كل واحد منهما إنما اشتق من خلق الفهد. وكانت العرب تتمادح بالكسب والاستفادة. قال عياض: هذا التأويل عندي لا يبعد، وإن كان الأول أظهر وأليق بالكلام، لمطابقة لفظه ومعناه (١). الوجه الحادي عشر: قول السادسة اللَّف في المطعم: الإكثار منه مع التخليط من صنوف استقصائه حتى لا يبقي منه شيئًا، فمعنى (لف): قمش صنوف الطعام

стр. 14786

وخلط، يقال: لف الكتيبة بالكتيبة إذا خلطها. والاشتفاف في الشرب أن يستقصي ما في الإناء من الشراب ولا يسئر فيه سؤرًا، وإنما أخذ من الشفافة وهي البقية التي تبقى في الإناء من الشراب، فإذا شربها صاحبها قيل اشتفها. وروي: استف -بالسين المهملة- وهو قريب من معناه (١). وقولها: (وَإِنِ اضْطَجَعَ التَفَّ). تعني: رقد ناحية ولم يباشرها، وقيل: رقد وهجع، وهما بمعنى واحد، وقيل: إذا نام التف في ثيابه. وهذا يقتضي المدح والذم، فالمدح بمعنى أنه ينام في ثيابه مستوفزًا لصارخ يصرخ، أو داعٍ يدعو، والثاني: أنه يأتي وهو تعبان، فيكسل عن نزع ثيابه، فينام فيها، أو يكون نومه في ثيابه أدعى لكثرة النوم، وذلك منه مذموم، قالت امرأة في زوجها: يشبع ليله لطاف، وينام ليله يخاف. وقولها: (وَلَا يُولِجُ الكَفَّ). أي: لا يدخل يده، و (الْبَث): الحزن (فأحسبه) (٢) كان بجسدها عيبًا وداءً تكتئب له، فكان لا يدخل يده في بدنها ليمس ذلك العيب فيشق عليها، تصف بالكرم، (قاله) (٣) أبو عبيد (٤). وأُنْكِر عليه، إنما عليه شكت قلة تعهده إياها تقول: يلتف منتبذًا عنها إذا نام لا يقرب منها، فيولج داخل ثوبها، فيكون منه إليها ما يكون من الرجل إلى أهله.

стр. 14787

ومعنى (البث): ما تظهر المرأة من الحزن على عدم الخلوة منه، كأنها ذمته بالنهم والشره وقلة الشفقة، وإن (أرادها) (١) لم يدخل يده في ثوبها ليجسها متعرفًا؛ لما بها على عادة الناس الأباعد فضلًا عن الأزواج (٢)، ولا معنى لما توهمه أبو عبيد من أن الداء بجسدها فيتأول بذلك ترك التفقد منه لذلك على الكرم، وذلك أن أول الكلام ذم، واستلام له، ومهانته، وسوء المعاشرة والمرافقة، فكيف يكون آخره مدحًا ووصفًا بالكرم؟ والعرب تذم الرجل بكثرة الأكل والشرب، وتمدح بقلتها، ثم إنها وصفته بعد بقلة الاشتغال بها، والتعطيل لها، وعدم مضاجعتها وإدنائها من نفسه، وأنه لا همة له في المباضعة التي هي من ممادح الرجال، فإن العرب كانت تتمادح بالقوة على الجماع؛ لأنه دليل على صحة الذكورة، وتذم بضده، وممن رده عليه القتيبي والخطابي وابن حبيب وابن الأعرابي، وقال ابن الأنباري: لا حجة على أبي عبيد في هذا؛ لأن النسوة كن تعاهدن على أن لا يكتمن (شيئًا) (٣) من أخبار أزواجهن، فمنهن من وصفه بالخير في جميع أموره، ومنهن بضد ذلك، ومنهن من وصفت ما فيه من الخير وما فيه من الشر. قال عياض: ويؤيد ما ذهبوا إليه ما أشار إليه عروة بن الزبير بقوله: هؤلاء خمسة يشكون. وقالت امرأة عبد الله بن عمرو لعمرو بن العاصي وسألها: كيف وجدت زوجك؟ فقالت: من خير الرجال لم يفتش لنا

стр. 14788

كنفًا (١). ومنه قول عائشة ﵂ تصف رجلًا (٢) بالعفة: ما كشف من كنف أنثى قط (٣). أي: أنه لم يكن يشتغل بالنساء ولا له فيهن مذهب، فعبرت عن ذلك بكشف الكنف، وهو الثوب الذي يكنفها أي: يسترها، ومنه قولهم: في كنف الله وحفظه، أي: ستره. وقيل: معنى (لا يولج الكف) أي: لا يتفقد أموري وما يهمني من مصالحي، وهو كقولهم: ما أدخل فلان يده في الأمر، أي: لم يشتغل به ولم يتفقد، قاله أحمد بن عُبيد بن ناصح ونحوه عن ابن أبي أويس (٤). الوجه الثاني عشر: قول السابعة: (عَيَايَاءُ أَوْ غَيَايَاءُ)، شك من الراوي، هل قاله بالمعجمة أو المهملة، والأكثر بغير شك، والشاك عيسى بن يونس، وعقبة بن خالد، وسائر الرواة يقولونه بالمهملة، وأما المعجمة فليس بشيء، قال ابن قتيبة: هو تصحيف، والعياياء من العي، وهو من الإبل الذي لا يضرب النُوق ولا يلقح، وكذلك هو في الرجال كأنه عيي عن ذلك. والطباقاء -بالمد- من العي، الأحمق الفدم (٥). وعبارة بعضهم: إنه المفحم الذي انطبق عليه الكلام، أي: انغلق، وصفته بعجز الطرفين (٦)، وعند ابن حبان: الذي فيه رعانة وحمق، كالمطبق عليه في حمقه

стр. 14789

ورعونته. وقال ابن أبي أويس: (عياياء طباقاء) أي: عيي مطبق عيا لا يتصرف ولا يتوجه لوجهٍ. وقيل: الطباقاء من الرجال: الثقيل الصدر، الذي (يطبق) (١) صدره على صدر المرأة عند المباضعة. قالت امرأة آمرئِ القيس تذمُّه: ثقيل الصدر، خفيف العجز، سريع (الإراقة) (٢) بطيء الإفاقة (٣). قال الجاحظ: وهو عكس الخصي، فإنه بطيء الإراقة سريع الإفاقة. وقال يعقوب: العياياء: الذي لا يهتدي لوجهٍ (٤). وقال الداودي: غياياء من الغي، وعياياء من العجز والجهل والظلمة. وقال ابن التين: وأنكر أبو عبيد المعجمة (٥). قلت: ووقع في كتاب ابن بطال عنه: (عياياء) بالعين ليس بشيء إنما هو بالغين المعجمة (٦)، كذا رأيته في أصله، ومعجمة في الحاشية تصحيح عليها. لكن سيأتي عن القاضي ما يرده.

стр. 14790

وقال ابن فارس: العِيُّ خلاف البيان، يقال: رجل عيي وعياياء، وفحل عياياء إذا لم يهتد للضراب، قال: والطباقاء من الرجال: العيي، ومن الأبل: الذي لا يحسن الضراب (١)، جعله مثل عياياء، فكأنه كرره لما اختلف اللفظ مثل بعدًا وسحقًا، وعبس وبسر. وقال القاضي عياض: قول أبي عبيد أن الغياياء -بالمعجمة- ليس بشيء ولم يفسره، وتابعه على ذلك سائر الشراح، فقد ظهر لي فيه معنى صحيح -إن شاء الله- في اللغة، بَيِّنٌ في التأويل، وهو أن يكون مأخوذًا من الغياية، وهي كل ما أظل الإنسان فوق رأسه من سحاب وغيره، ومنه سميت الراية غياية، فكأنه غطى عليه من جهله، وسترت مصالحه، وقد يمكن أن يكون أيضًا من الغي، وهو الانهماك في الشر، أو من الغي وهي الخيبة. قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ لأنه خائب من كل فضيلة (٢). وقولها: (كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَاءٌ)، أي: كل داء من أدواء الناس فهو فيه، ومن أدوائه (٣)، فقد اجتمعت فيه المعايب، فيحتمل أن يكون (داءٌ) خبرًا لـ (كل)، يعني: من كل داء في الناس فهو فيه، وأن يكون [له] (٤) صفة لـ (داء) و (داء) خبر لـ (كل)، أي: كل داء فيه بليغ منتهاه، كما تقول: إن زيدًا رجل، وإن هذا الفرس فرس (٥). وقولها: (شَجَّكِ)، أي: أصاب شجك.

стр. 14791

وقولها: (أَوْ فَلَّكِ أَوْ جَمَعَ كُلًّا لَكِ). وجاء: (أو بجك) والبج: الجرح في الرأس خاصة و (الفل) (١) في جميع (الجسد) (٢)، وقيل: هو الطعن، وقال ابن الأنباري: (ذلك): كسرك، ويقال: ذهب بمالك، يقال: فل القوم فانفلوا، ويقال: كسرك بخصومته، ويجوز أن يريد بالفل الإبعاد والطرد (٣). وقولها: (أَوْ جَمَعَ كُلًّا لَكِ)، أي: جمع الضرب والخصومة. والشج: الجرح من الطعنة؛ وصفته بالحمق والتناهي في جميع النقائص والعيوب، وسوء العشرة مع الأهل، وعجزه عن حاجتها مع ضربها وأذاه لها، فإذا حدثته سبها، وإذا مازحته قبحها، وإذا غضب إما أن يشجها في رأسها أو يكسر عضوًا من أعضائها، وهو معنى (ذلك)، أو طعنها وهو معثى (بجك). قال ابن دريد: (بج) (٤) القرحة إذا شقها وكل شق بج، وجمع ذلك كله لها من الضرب، والجرح، وكسر الأعضاء، والكسر بالخصومة، وموجع الكلام، وأخذ مالها. الوجه الثالث عشر: قول الثامنة؛ وصفته بحسن الخلق ولين الحديث كمس ظهر الأرنب ولينه. و (الزرنب): نبت من الطيب، واحدها زرنبة، قاله ابن حبان في "شرحه". يحتمل أن تكون أرادت طيب (ريح) (٥) جسده أو طيب الثناء في الناس وانتشاره فيهم كريح الزرنب. قيل: يشبه ورق الطرفاء،

стр. 14792

ويسمى رِجْل الجراد لشبهها بها، وقيل: إنه الزعفران، وقيل: إنه المسك، وأنشد لسلمى أم الخير أم الصديق إذ كانت تنقزه: عتيق وما عتيق … ذو المنظر الأنيق رشفت منه ريق … كالزرنب العتيق لأن غير المسك لايقال فيه العتيق، إنما هو من صفات المسك، وقيل: إنه صنف من الآس، وزعم ابن البيطار أنه أضرب عن كلام صاحب "الفلاحة" وإسحاق بن عمران. -يعني ما ذكره عياض من أنها شجرة عظيمة- قال: لأنه ليس بمعروف في زماننا هذا ولا من قبله أيضًا. وجاء في رواية أبي عبيد: (وأغلبه والناس يغلب) (١)، وصفته بالشجاعة. قال معاوية ووصف النساء يغلبن الكرام ويغلبهن اللئام. وقال الأعشى الحِرْمَازي: .................... وَهُنَّ شَرُّ غَالِبٍ لِمَنْ غَلَبْ (٢). الوجه الرابع عشر: قول التاسعة إلى أن قالت: (مِنَ النَّادِ). هو بحذف الياء، وهو المشهور في الرواية ليتم السجع، وإن كان الفصيح في العربية إتيانها، وصفته بالشرف وسناء الذكر نسبًا وسؤددًا في قومه، فهو رفيع فيهم، وأصل العماد: عماد البيت، وجمعها عمد، وهي العيدان التي تعمد

стр. 14793

بها البيوت. وإنما هذا مثل تعني: أن بيته [رفيع] (١) (في) (٢) حَسَبِهِ، رفيع في قومه (٣). فبيته عالٍ بحِشْمَته وسعادته لا كبيت غيره من الفقراء، تقصد ارتفاعه؛ ليراه أرباب الحوائج والأضياف فيأتونه، وهذِه صفة بيوت الأجواد. وتريد بالنجاد -بكسر النون- حمائل السيف، فكأنها وصفته بطول القامة، فإن كان طويلًا كانت حمائل سيفه طول، فوصفته بالطول والجود، وهو مما يمدح به الشعراء قال مروان في الرشيد: قصرت حمائله عليه فقلصت … ولقد تأنق قَيْنُها فأطالها وقال الأعشى في هَوْذَة بن علي: رفيع العماد طويل النجاد … يحمي المضاف ويعطي الفقير وقولها: (عَظِيمُ الرَّمَادِ) وصفته بالجود وكثرة الضيافة من لحم الإبل وغيرها، فإذا فعل ذلك عظمت ناره وكثر وقودها، فيكون الرماد كثيرًا (٤)، وقيل: لأن ناره لا تطفأ ليلًا؛ ليهتدي بها الضيفان، ومن عادة الكرام يعظمون النيران في الظلمة ويوقدونها على التلال؛ ليهتدى بها. قالت الخنساء في أخيها: وإن صخرًا لتأتم الهداة [به] (٥) … (كأنه) (٦) علم في رأسه نار

стр. 14794

وقال غيرها: متى تأته تَعْشو إلى ضوء ناره … تجد خير نار عندها خير موقد (١) وقولها: (قَرِيبُ البَيْتِ مِنَ النَّادِ)، تريد (أنه ينزل) (٢) بين ظهراني الناس ليعلموا مكانه، فينزلوا عليه ولا يبعد عنهم ولا يتوارى منهم، بخلاف اللئام (٣). والناد: المجتمع للمشاورة يبدو القوم حواليه، ولا يسمى ناديًا حتى يكون فيه أهله فَكَنَّتْ عن ارتفاع بيته في الحسب برفيع العماد. وعن طول قامته بطول النجاد، وعن كثرة القرى بعظيم الرماد، وعلم مكانه بقريب الناد. الوجه الخامس عشر: قول العاشرة تريد تعظيمه، و (ما) استفهامية، وفيها معنى التعظيم والتهويل وحقيقته: فمَا مَالِكٌ وما هو؟ أَيْ: أَيُّ شيء هو، ما أعظمه وأكبره وأكرمه، ومثله قوله: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢)﴾ [الحاقة: ١ - ٢]. و ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢)﴾ [القارعة: ١ - ٢]. أَيْ: أيُّ شيء هي، ما أعظم أمرها. وقولها: (مَالِكٌ خَيْر مِنْ ذَلِكِ). زيادة في التعظيم، وتفسير لبعض الإبهام، وأنه خير مما أُشِيرُ إليه من ثناء وطيب ذكر، أو فوق ما أعتقِدُهُ فيه من سؤدد وفخر.

стр. 14795

وقولها: (لَهُ إِبِلٌ قَلِيلَاتُ المَسَارحِ (كَثِيرَاتُ) (١) المَبَارِكِ). يعني: لا يوجههن ليسرحن نهارًا إلا قليلًا، ولكنهن يتركن بفنائه باركات، فإن نزل به ضيف لم تكن الإبل غائبة عنه ولكنها بحضرته فيقريه من ألبانها ولحومها (٢). ويروى: عظيمات المبارك، وهو كناية عن سمنها وعظم جِرْمها. وعند ابن قتيبة: إذا تركت إبله كانت كثيرة؛ لكثرة من ينضم إليها ممن يلتمس لحمها ولبنها، وإذا سرحت كانت قليلة، لقلة من ينضم إليها من الأضياف والعفاة (٣)، وقيل: إنها إذا بركت كانت كثيرة؛ لوفور عددها، وإذا سرحت كانت قليلة؛ لكثرة ما نحو منها للأضياف. وفي رواية الهيثم عن هشام في آخر ذلك: وهو أمام القوم في المهالك. وقولها: (إِذَا سمِعْنَ صَوْتَ المِزْهَرِ) تريد: العود الذي يضرب به، معناه: أنه مما كثرت عادته للضيفان وإطعامهم وشربهم، وضرب المعازف عليهم، ونحر الإبل؛ فلذلك صارت الإبل إذا سمعت ذلك أيقنَّ أنهن منحورات. وقال أبو سعيد النيسابوري: إن كن لا يسرحن إلا قليلًا من النهار، ثم تحبس في المبارك سائر النهار فهي هالكة هزالًا، وإن كن يسرحن بالليل فقد (ضاع) (٤) أضياف الليل. والتفسير: أن مسارحها قليلة؛ لقلة الإبل، وكثرة مباركها بالفناء؛ لكثرة ما تثار فتحلب ثم تترك،

стр. 14796

فالقليلة إذا فعل بها هذا كثرت مباركها. وقوله: المِزْهَر: العود؛ نَحْنُ نُنْكِرُهُ؛ لأن العرب كانوا لا يعرفون العود إلا من خالط الحضر منهم، والعود إنما أحدث بمكة والمدينة، والذي نذهب إليه أنه المُزْهِر، وهو الذي يَزْهَرُ النارَ للأضياف والطريق، فإذا سمعت صوت ذلك وحسه ومعمعة النار، أيقنت بالعقر (١). وقال عياض: لا نعرف أحدًا رواه (المُزْهِر) كما قال النيسابوري، وإن كان يصح؛ لأن زهور السراج والنار تلألأ سَنَاها، والذي رواه الناس كلهم (المِزْهَر)، وهو الصواب. قال: وقوله إن العرب لا تعرف العود إلا من خالط منهم الحضر، فمن أخبره أن المذكورات لم يخالطن الحضر؛ لأنا ذكرنا في بعض طرق هذا الحديث أنهن كن بقرية من قرى اليمن، والقرى مرتقى الحاضرة، وفي طريق: أنهن من مكة. مع أن العرب جاهليتها وإسلامها فيها بدويها وحضريها قد ذكرت في أشعارها المزاهر وأشباهها (٢). وقال الدوادي: هو الذي يضرب به، وكان للأضياف. الوجه السادس عشر: قول الحادية عشرة: (زَوْجِي أَبُو زَرْعٍ فَمَا أَبُو زَرْعٍ). هو كقول العاشرة: (مَالِكٌ وَمَا مَالِكٌ). وقولها: (وَأَنَاسَ مِنْ حُلِيٍّ أُذُنَيَّ) هو بتشديد الياء من أذني على التثنية.

стр. 14797

والنَّوَس: الحركة من كل شيء متدلٍّ، يقال: ناس يَنُوس نَوْسًا وأَنَاسَهُ غيرُهُ إناسَةً، وقال [ابن] (١) الكلبي: إنما سمي ملك اليمن ذو نُواسٍ؛ لضفيرتين كانتا تنوسان على عاتقه (٢)، تريد: حلاني قرطه وشنوفًا ينوس بأذني (٣). وقولها: (مَلأَ مِنْ شَحْمٍ عَضُدَيَّ) لم ترد العضد خاصة، إنما أرادت الجسد كله، تقول: إنما أسمنني بإحسانه إليَّ، فإذا سمنت العضد سمن الجسد (٤). وقيل: قصدت بذكرها سجع الكلام. وقولها: (وَبَجَّحَنِي فَبَجِحَتْ إِلَيَّ نَفْسِي) أي: فرحني ففرحت، وقد بجح الرجل يبجح إذا فرح (٥)، وقال ابن الأنباري: معناه: عظمني. وقال ابن أبي أويس: وسع على وتَرَّفني. وقولها: (فوَجَدَنِي في أَهْلِ غُنَيْمَةٍ بِشِقٍّ)، تريد: تصغير غنم. و (بشق) أهل الحديث يقولون بالكسر، قال أبو عبيد: وهو بالفتح: اسم موضع (٦). وصوبه الهروي، وقال النووي: إنه المعروف عند أهل اللغة، وحكاهما ابن الأنباري وأنه اسم موضع، قال ابن أبي أويس وابن حبيب: هو جبل لقلتهم (٧)، زاد ابن أبي أويس: وقلة غنمهم (٨).

стр. 14798

قال عياض: كأنها تريد أنهم لقلتهم وقلة غنمهم حملهم على سكنى شق الجبل، أي: ناحيته أو بعضه؛ لأن الشق يقع على الناحية من الشيء وعلى بعضه، والشق أيضًا: النصف. فيكون التفسير على رواية من روى بالفتح -وهو أليق بقولها: لقلتهم- شق في الجبل كالغار ونحوه. وله وجه آخر ذهب إليه نفطويه، وهو بالحديث أولى وأوضح لغة. ومعنى: الشق -بالكسر- الشظف من العيش والجهد منه، قال ابن دريد: يقال: هو بشق وشظف من العيش، (أي: بجهد) (١) منه، وعليه نزول قوله تعالى: ﴿إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ (٢) [النحل: ٧]. قال الداودي: يروى بشق بفتح الباء والشين، وبكسرهما، والتشديد في القاف، فمن رواه بالتخفيف: أراد موضعًا، ومن شدد هو الجهد من قوله: ﴿بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾. وقولها: (فجَعَلَنِي فِي أَهْلِ صَهِيلٍ وَأَطِيطٍ). الصهيل: أصوات الخيل، والأطيط: أصوات الإبل. يعني: أنه ذهب بها إلى أهله، وهم أهل خيل وإبل، وكان أهلها أصحاب غنم، ليسوا بأصحاب خيل ولا إبل. قال عياض: وأصل الأطيط: أعواد المحامل والرِّحَال، ويشبه أن يريد بالأطيط هذا المعنى، فكأنها تريد أنهم أصحاب محامل ورفاهية؛ لأن المحامل لا يركبها إلا أصحاب السعة، وكانت قديمًا من مراكب العرب (٣).

стр. 14799

قلتُ: قد ذكر المبرد أن أول من عمل المحامل الحجاج بن يوسف الثقفي، وفيه قول الراجز: أول عبد عمل المحاملا … أخزاه ربي عاجلًا وآجلا (١). وقولها: (دَائِسٍ وَمُنَقٍّ)، قال أبو عبيد: تأوله بعضهم من دِيَاس الطعام، وهو دِرَاسُهُ، وأهل العراق يقولون: الدياس، وأهل الشام يقولون: الدراس، قال: ولا أظنها واحدة من هاتين الكلمتين، فليسا من كلام العرب، فإن كان كما قيل فأرادت أنهم أصحاب زرع (٢). وقال أبو سعيد: الدياس: الطعام الذي أهله في دياسة، وعندهم من الطعام مقتنى فخيرهم متصل (٣). وقال ابن التين: يريد أنهم أصحاب زرع، يدوسونه إذا حصد وينقونه مما يخالطه. وأما: (منقّ): فالمحدثون يقولونه بالكسر، قال أبو عبيد: ولا أدري معناه، وأحسبه منق بالفتح، أرادت به تنقية الطعام (٤)، وأرادت أنهن أصحاب زرع. قال الهروي: وقال بعضهم: المنقي: الغربال. وقال إسماعيل بن أبي أويس: المنقِّ -بالكسر- نقيق (أصوات) (٥) المواشي والأنعام، تصف كثرة ماله. وقال أبو سعيد النيسابوري: هو مأخوذ من نقنقة الدَّجَاج يقال: أنق الرجل إذا اتخذ دجاجًا ينقنق أي: أنهم أهل طير. أي: نقلني من فقر إلى عمران.

стр. 14800

وقال ابن سراج: ويجوز أن يكون (منق) بالإسكان أي: وأنعام ذات نقى. أي: سمان (١). وعند ابن قتيبة: قال أبو عبيد: المنَق مفتوح النون، ولا أعرف كسرها، وقال غيره بكسرها. وقال النووي: المراد الذي ينقي الطعام، أي: يخرجه من تِبْنِه وقشوره، وهو أجود من قول الهروي: هو الذي ينقيه بالغربال (٢). وقولها: (فَعِنْدَهُ أَقُولُ فَلَا أُقَبَّحُ). أي: فلا يقبح عليَّ قول يقبل مني. (وأشرب فأتقمح)، أي: يرويني الشراب حتى لا أحب الشرب، مأخوذ من الناقة المقامح، وهي التي ترد الماء فلا تشرب. وترفع رأسها ريًّا، وكل رافع رأسه فهو مقمح وقامح قال تعالى: ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ [يس: ٨] أي: لا يستطيعون الشرب، وكانت في قوم عندهم قلة الماء. قال أبو عبيد: أي: أروى حتى أدع الشرب من شدة الري. قال: ولا أراها قالت هذا إلا من عزة الماء الذي عندهم، وبعضهم يرويه: فأتقنَّح، بالنون، ولا أعرف هذا الحرف ولا أرى المحفوظ إلا بالميم (٣). وقال أبو سعيد: فأتقنَّح: هو الشرب على رسل لكثرة اللبن؛ لأنها ليست بناهبة غيرها، وإنما تنتهب ما كان قليلًا يخاف عجزه، ويقول الرجل لصاحبه إذا أحثه على أن يأكل أو يشرب: والله لتقمحنه. والتقمح: الازدياد من الشرب، وقال ابن السكيت في التقنح الذي لم يعرفه أبو عبيد: أتقنح: أقطع الشراب. [قال] (٤) أبو زيد: قال الكلابيون: قنحت تنقح قنحًا وهو: التكاثر في الشراب بعد الري.

стр. 14801

وقال أبو حنيفة: يقال: قنحت من الشراب قنحًا، وقنحتُ أقنحُ قنحًا: تكارهت عليه بعد الري. والغالب: تقنحت. والترنح: كالتقنح (١). قال عياض: حكى أبو علي القالي في "البارع" و"الأمالي": قنحت الإبل تقنح -بفتح النون في الماضي والمستقبل- قنحًا بإسكانها. وقال شمر: قنحًا: إذا تكارهت الشرب، ومن رواه بالفاء والتاء (أتفتح) إن لم يكن وهمًا فمعناه: التكبر والزهو والتيه. ويكون هذا الكبر والتيه من الشراب، لنشوة سكره، وهو على الجملة يرجع إلى عزتها عنده، وكثرة الخير لديها، أو يكون معنى أنفتح: كناية عن سمن جسمها واتساعه (٢). قال عياض: ولم يروه في الصحيح إلا بالنون، وكذا هو في جميع النسخ. وقال البخاري: قال بعضهم: فأتقمح، بالميم. قال: وهو أصح، والذي بالنون معناه: أقطع الشرب وأتمهل فيه، وقيل: هو الشرب بعد الري. وقولها: (فَأَتَصبَّحُ). أي: أنام الصبيحة؛ لأنها لها من يكفيها الخدمة من الإماء وشبهها. وقولها: (عُكُومُهَا رَدَاح)، تريد: الأحمال والأعدال التي فيها الأوعية من صنوف الأطعمة والمتاع، واحدها عكم، كجلد وجلود. والرداح: العظيمة، تقول: هي كثيرة الحشو (٣). يقال للمرأة: رداح؛ إذا كانت عظيمة العجز، ثقيلة الأوراك.

стр. 14802

وقال ابن حبيب: إنما هو دراح. أي: ملاء، وليس كما قال الشارح: رداح. قال (عياض: ما قاله) (١) أبو عبيد وغيره صحيح معروف، ومعناه ظاهر، وما أدري لم أنكر ابن حبيب وهو بنفسه معنى ما فسره هو به مع مساعدة سائر الرواة لما قاله أبو عبيد، فإن روايتهم كلهم رداح. قال: ولم أسمعها من شيخ، ولا وجدته في جماهير اللغة وصحاح العربية، إلا أن يكون وهم عليه، وإنما أراد: رِداح بكسر الراء، وأنكر فتحها فقط، فلقوله وجه، ويكون (رداح) هنا بمعنى ما قاله أبو عبيد، لكنه جمع (رادح) (٢) كقائم وقيام، وكذا وجدته مضبوطًا عند بعض رواة الحديث بكسر الراء (٣). وقولها: (وَبَيْتُهَا فَسَاحٌ)، هو بفتح الفاء أي: واسع كبير. وقولها: (كَمَسَلِّ شَطْبَةٍ)، هذا من تمادح الرجال، وأصل الشطبة ما شطب من جريد النخل وهو سعفه، وذلك أنه تنشق منه قضبان دقاق ينسج منها الحصر، يقال للمرأة التي تفعل ذلك: شاطبة، وجمعها شواطب، فأخبرت أنه مهفهف ضرب اللحم، شبهته بتلك الشطبة (٤). وعبارة ابن التين: أرادت أنه ضرب الجسم، وهو مما يمدح به الرجال.

стр. 14803

وقال أبو سعيد: تريد كأنه سيف مسلول من غِمْد، شبهته بذي شطب يمان، وسيوف اليمن كلها مشطبة، وفي كتاب ابن حبان: الشطبة والشطب: ما شطب من سعف النخل. وقولها: (وتكفيه -وفي لفظ: وتشبعه- ذراع الجفرة) فالجَفْرَة: الأنثى من أولاد الغنم، وقيل: من أولاد الماعز، والذكر: جفر، وهي التي لها من العمر أربعة أشهر، ومنه الغلام الجفر، والعرب تمدح الرجل بقلة الأكل والشرب كما مرَّ، وزاد فيه بعضهم: كريم (الخل) (١) برود الظل، وفي الإلِّ. أي: وَافِيّ العهد، وبرد الظل كناية عن طيب العشرة، ولا يخادن أخدان السوء. وقولها: (وَمِلْءُ كِسَائِهَا)؛ وصفتها بالسمن، و (غيظ جارتها): أي ضرتها. أرادت أن ضرتها ترى من حسنها ما يغيظها. وقولها: (ومَا جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ؟ لَا تَبُثُّ حَدِيثَنَا تَبْثِيثًا). هو بالباء الموحدة، ويروى بالنون، وأحدهما قريب المعنى من الآخر: لا تظهر سرنا. وقال ابن الأعرابي: النُّثَّاث المغتابون للمسلمين، والأول أشبه، بمعنى الخدمة. وقولها: (وَلَا تُنَقِّثُ مِيرَتَنَا). وفي رواية: لا تنقل. يعني: الطعام لا تأخذه فتذهب به، تصفها بالأمانة. والتنقيث: الإسراع في السير. أي: لا تذهب به وتخون (٢).

стр. 14804

وعبارة بعضهم: النقث: النقل، والتنقيث: مبالغة. وقال ابن حبيب: لا تفسده ولا تفرقة. وقال ابن أبي أويس: لا تسرق. وقال أبو سعيد: التنقيث: إخراج ما في منزل أهلها إلى (الأجانب) (١)، وهو النقث والنفث، والثاء والفاء يتعاقبان (٢). وقال ابن فارس: نقث القوم حديثهم: خلطوه، كما ينقث الطعام (٣). وقولها: (وَلَا تَمْلأُ بَيْتَنَا تَعْشِيشًا). التعشيش: -بالعين المهملة- مأخوذ من عشعش (الخبز) (٤) إذا فسد؛ تريد: أنها تحسن الطعام المخبوز، وتتعهده بأن نطعم منه أولًا فأولًا طريًّا، ولا تهمل أمره فيطرح ويفسد (٥)، ذكره ابن التين، ثم قال: وقال الداودي: أراد أنها لا تتسمع إلى أخبار الناس فتأتينا بها. وقال يعقوب فيما حكاه ابن قتيبة: تريد النميمة وما شاكلها. وقال ابن حبان: تريد أنها عفيفة الفرج لا تفسق. وعبارة بعضهم: لا تخبئ خبيئًا كعش الطائر، أوكأنها لا تَقُمّ البيت فهو كعش الطائر في قذره وقشبه. وقال النووي: لا تترك القمامة والكناسة فيه مفرقة كعش الطائر، بل هي مصلحة للبيت معتنية بتنظيفه. وقيل: لا تسرق طعامنا فتخبأه في زوايا البيت (٦).

стр. 14805

وقال سعيد بن سلمة، عن هشام: تعشعش بيتنا تعشيشًا. فائدة: في رواية الهيثم عن هشام: ضيف أبي زرع، وما ضيف أبي زرع؟ في شبع وري ورتع. قال ابن قتيبة: الرتع: جمع رتعة من قوله تعالى: ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ (١) [يوسف: ١٢]. وقال أبو عبيد (٢): يلهو ويتنعم (٣). وقال الكلبي: يرتع: يذهب ويجيء وينشط ويلهو ويلعب. وفي رواية أيضًا: طهاة أبي زرع، فما طهاة أبي زرع؟ لا تفتر ولا تعدى (تقدح) (٤) قدرًا وتنصب (أخرى) (٥) فتلحق الآخرة الأولى؛ تريد بالطهاة الطباخين، واحدهم طاهي يقال: طها الرجل إذا طبخ. ولا تعدى. تريد: لا تصرف عن اتخاذ ذلك. وقولها: (تقدح قدرًا) معناه: تغرف قدرًا، يقال: قدح: إذا غرف، والمقدحة المغرفة، وأصلها المقدوح. كالجريح والمجروح. فائدة: أسلفنا معنى قولها: (وَمِلْءُ كِسَائِهَا). وجاء في رواية: صِفْر ردائها بكسر الصاد المهملة وهو الخالي. قال الهروي: أي: ضامرة البطن، فالرداء ينتهي إلى البطن.

стр. 14806

وقال غيره: معناه أنها خفيفة أعالي البدن -وهو موضع الرداء- ممتلئة أسفله -وهو موضع الكساء- توضحه رواية: وملء إزارها. قال عياض: أرادت امتلاء منكبيها وقيام نهديها بحيث يدفعان الرداء عن أعالي بدنها فلا يمسه، فيصير خاليًا بخلاف أسفله (١). فصل: سلف معنى قوله: (وَغَيْظُ جَارَتِهَا). وفي رواية: عَقْر جارتها. بالعين المفتوحة والقاف الساكنة. قال عياض: كذا ضبطناه عن جميع شيوخنا، وضبطه الجياني: (عُبْر) بضم العين وإسكان الباء، وكذا ذكره (ابن الأنباري) (٢)، وكأن الجياني أصلحه من كتاب ابن الأنباري، وفسره على وجهين: أحدهما من الاعتبار (أي) (٣): ترى من حسنها وعفتها ما تعتبر به. والثاني: من العَبْرة: هي البكاء. أي: ترى من ذلك ما يبكيها لحسدها وغيظها، ومن رواه بالقاف فمعناه: تغيظها، فتصير كمعقورة، وقيل: تدهشها، من قولهم: عَقْرًا إذا دهش (٤). وعند الإسماعيلي: وذكرت كلب أبي زرع. فصل: قولها: (وَالأَوْطَابُ تُمْخَضُ). تريد بالأوطاب أسقيه اللبن،

стр. 14807

واحدها: وطب، قاله أبو عبيد (١)، وأنكره أبو سعيد وقال: هذا منكر في العربية أن يكون فَعْل يجمع على أَفْعَال، لا يقال: كلب وأكلاب، ولا وجه وأوجاه، وإنما الصحيح: الأوطب في القلة والأوطاب في الكثرة (٢). ومعنى: (تمخض) تُحرَّك حتى تخرج زبدتها ويبقى المخيض، ومعنى كلامها يحتمل أنها أرادت تبكير خروجه من منزلها غدوة، وانطوى في أثناء ذلك كثرة خير داره، وغزر لبنه، وأن عندهم منه ما يشرب صريحًا ومخيضًا، ويفضل عن حاجتهم حتى يمخضوه في الأوطاب ويستخرجوا زبده وسمنه. ويحتمل أنها تريد أن خروجه في استقبال الربيع وطيبه، وأن خروجه إما لسفر أو غيره كان في هذا الزمن، فتكون الفائدة في الاحتمال الأول: تعريفها بخروجه عنها بكرة النهار، والثاني: إعلامها بوقت خروجه عنها في أي فصل هو. فصل: قولها: (فَلَقِيَ مَعَهَا وَلَدَانِ كَالْفَهْدَيْنِ). وفي رواية: كالصقرين. احتاجت إلى ذكرها هنا؛ لتنبه على أحد أسباب تزويجه لها؛ لأن العرب كانت ترغب في الأولاد، وتحرص على النساء المنجبات في الخَلْق والخُلُق. لكن في رواية الخطيب أنهما أخواها لا ابناها، وأنه إنما تزوجها بكرًا.

стр. 14808

فصل: وقولها: (يَلْعَبَانِ مِنْ تَحْتِ خَصْرِهَا بِرُمَّانَتَيْنِ). يعني أنها ذات كفل عظيم، فإذا استلقت نتأ الكفل بها من الأرض حتى يصير تحت خصرها فجوة يجري فيها الرمان، وقيل: إنهما الثديان. وأنكره أبو عبيد فقال: ليس هذا موضعه (١). وحكاه ابن قتيبة عن ابن أبي أويس. قال عياض: والأول أرجح؛ لا سيما وقد روي: من تحت درعها برمانتين (٢). وعبارة ابن التين وصفها بكبر الكفل والصدر. فصل: قولها: (فَطَلَّقَنِي وَنَكَحَهَا، فَنَكَحْتُ بَعْدَهُ رَجُلًا سَرِيًّا، رَكِبَ شَرِيًّا). كذا في "الصحيح" وفي رواية أبي الهيثم: فاستبدلت بعده، وكل بدل أعور، فتزوجت شابًّا. والسري: بالسين المهملة أي: من سراة الناس. وقال عياض، عن ابن السكيت: بالمعجمة يعني: سيدًا شريفًا سخيًّا. و (ركب شريًّا) بالمعجمة، وهو الفرس الذي يستشري في سيره، أي: يلح ويمضي بلا فتور، وقال يعقوب: وهو الفرس الفائق الخيار (٣)، ونقل ابن بطال عن ابن السكيت: ركب فرسًا شريًّا. أي: خيارًا، من قولهم: هذا من سراة المال أي: من خياره (٤)؛ ولما

стр. 14809

ضبطه النووي بالمعجمة ادعى فيه الاتفاق، ويأتي على ما حكاه ابن بطال عن ابن السكيت الإهمال أيضًا (١). فصل: قولها: (وَأَخَذَ خَطِّيًّا). يعني: الرمح؛ لأنه يأتي من بلاد ناحية البحرين يقال له: الخط، فنسب الرماح إليها، وإنما أصل الرماح من الهند ولكنها تحمل إلى الخط في البحرين ثم تُفرق منها في البلاد (٢)، وهي قرية بسيف البحر عند عمان. قال أبو الفتح: قيل لها ذلك؛ لأنها على ساحل البحر، والساحل يقال لها: الخط، لأنه يفصل بين الماء والتراب. والخَطيّ: بفتح الخاء المعجمة في أخبار ثعلب في "فصيحه": قال ابن درستويه: والعامة تكسر الخِطية في كل حالٍ، وهو خطأ (٣). قلت: في "شرح ابن هشام" يقال بكسر الخاء. قال عياض: ولا يصح قول من قال: إن الخط منبت الرماح (٤). وعند ابن سيده في "العويص": كل سيف خط (٥)؛ قال: فأما قول سلامة بن جندل: يأخذن بين سواد الخط فاللوب فإن الخط هنا: الطريق، حكاه ثعلب. وفي "معجم أبي عبيد": الخط: ساحل بين عمان إلى البصرة، ومن

стр. 14810

كاظمة إلى الشِّحر، ثم أنشد قول سلامة السالف ثم قال: واللوب: الحرار، حرار قيس. قال: وإذا كانت من حرار قيس إلى ساحل البحر، فهي نجد كلها، قال: وقيل: الخط فيها الرماح الجياد، وهي لعبد القيس (١). فصل: قولها: (نَعَمًا) هو بفتح النون الإبل خاصة، قاله عياض وابن بطال (٢)، وابن التين، وقال غيرهم: لجمع الإبل والبقر والغنم، والنعم تذكر وتؤنث قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ [الأنعام: ١٤٢]. ثم قال: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣] وركر أنواع الماشية. ووقع في رواية: (نِعمًا) بكسر النون جمع نعمة، والأشهر الأول (٣). وقولها: (ثَرِيًّا) هو بفتح الثاء المثلثة ثم راء مهملة ثم مثناة تحت وهو الكثير من المال وغيره، ومنه الثروة في المال، وهي كثرته، قال الكسائي: يقال: قد ثرى بنو فلان بني فلان يثرونهم إذا كثروهم وكانوا أكثر منهم و (القياس) (٤) ثرية، لكنه ليس من حقيقي التأنيث، ومعنى: (أراح): تأتي في الرواح بعد الزوال. فصل: قولها: (وَأَعْطَانِي مِنْ كُلِّ رَائِحَةٍ زَوْجًا). أي: أعطاني اثنين من كل
следующие страницы →