وعن أبي هريرة ﵁ أنه سُئِلَ: المرأة تصدق من مال زوجها؟ قال: لا إلا من قوتها، والأجر بينهما، وأما من ماله فلا (١).
وقال ابن شهاب: أذن للمرأة أن تصدق من بيت زوجها باليسير. وقد سلف إيضاح ذلك في الزكاة.
стр. 14842
٨٧ - باب
٥١٩٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، أَخْبَرَنَا التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قُمْتُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَكَانَ عَامَّةَ مَنْ دَخَلَهَا الْمَسَاكِينُ، وَأَصْحَابُ الْجَدِّ مَحْبُوسُونَ، غَيْرَ أَنَّ أَصْحَابَ النَّارِ قَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، وَقُمْتُ عَلَى بَابِ النَّارِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا النِّسَاءُ». [انظر: ٦٥٤٧ - مسلم: ٢٧٣٦ - فتح ٩/ ٢٩٨].
ذكر فيه حديث أسامة ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "قُمْتُ عَلَى بَابِ الجَنَّةِ فَكَانَ عَامَّةَ مَنْ دَخَلَهَا المَسَاكينُ، وَأَصْحَابُ الجَدِّ مَحْبُوسُونَ، غير أَنَّ أَصْحَابَ النَّارِ قَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، وَقُمْتُ عَلَى بَابِ النَّارِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا النِّسَاءُ"
الشرح:
هذا الحديث أخرجه البخاري من حديث إسماعيل -هو ابن علية- أنا التيمي، عن أبي عثمان، عن أسامة به. وأخرجه مسلم في آخر الدعوات (١)، والنسائي في عشرة النساء والمواعظ والرقاق (٢)، وأغفلها ابن عساكر، ولم يترجم عليه البخاري بترجمة، والذي يظهر أنه ساقه في التحذير من مخالفة الزوج فيما هو حق له، وقد أخبر أن عامة من
стр. 14843
دخل النار النساء. "والْجَدِّ" بفتح الجيم: الحظ والغنى. وكذا أبو الأب، وكذا العظمة، ومنه ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾ [الجن: ٣]، وكذا الجد: القطع. وبالكسر: الاجتهاد.
وقوله: ("مَحْبُوسُونَ") كذا هو في الأصول بالحاء المهملة ثم باء من الحبس، وكذا هو عند أبي ذر، وهو ظاهر، وقال ابن التين: كذا هو عند الشيخ أبي الحسن، ولعله بفتح الباء والواو، اسم مفعول من احبوس، قال أهل اللغة: يقال: احبوس بالمكان إذا أقام به حبوسًا (فهم) (١) موثوقون لا يستطيعون الفرار.
قال الداودي: أرجو أن يكون المحبوسون أهل التفاخر؛ لأن أفاضل هذِه الأمة كان لهم أموال، ووصفهم الله بأنهم سابقون. ثم نقل عن نسخة أبي ذر ما قدمناه، قال: وهو بين.
ولما نقل ابن بطال عن المهلب أن في الحديث أن أقرب ما يدخل به الجنة التواضع، وأن أبعد الأشياء من الجنة التكبر بالمال وغيره، وإنما صار أهل الجد محبوسين؛ لمنعهم حقوق الله الواجبة للفقراء في أموالهم، فحبسوا للحساب عما منعوه، فأما من أدى حقوق الله في ماله فإنه لا يحبس عن الجنة، إلا أنهم قليل، إذا كثر شأن المال تضيع الحقوق فيه؛ لأنه محنة وفتنة ألا ترى قوله: "فَكَانَ عَامَّةَ مَنْ دَخَلَهَا المَسَاكِينُ" وهذا يدل أن الذين يؤدون حقوق الله في المال ويسلمون من فتنته هم الأقلون، وقد احتج بهذا الحديث من فضل الفقر على الغنى (٢)، وستعرف ما فيه في الزهد إن شاء الله تعالى.
ثم ساق حديث ابن عباس في الخسوف. وفيه: "يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان".
وقد سلف في بابه (١)، وبعضه في الإيمان، وكلاهما من طريق مالك.
ثم ساق حديث أبي رجاء، عن عمران، عن النبي ﷺ : "اطَّلَعْتُ فِي الجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكثَرَ أَهْلِهَا الفُقَرَاءَ، وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ".
وهو بمعنى حديث أسامة السالف قريبًا، وذكره في صفة الجنة (٢)، والرقاق (٣). وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي (٤).
وأبو رجاء اسمه عمران بن ملحان، جاهلي أسلم يوم الفتح، وكان عالمًا، عاملًا، معمرًا، نبيلًا، من القراء، وعاش مائة وعشرين سنة، وتوفي في خلافة عمر بن عبد العزيز، وقيل: في سنة ثمان ومائة، وقيل: سنة سبع عشرة ومائة (٥).
وشيخ البخاري عثمان بن الهيثم هو أبو عمرو، وجده يهم بن عيسى بن حسان بن المنذر العبدي، بصري، مؤذن بجامعها، مات سنة عشرين ومائتين، روى له البخاري وحده (٦).
стр. 14846
فصل:
وسمي الزوج عشيرًا؛ لأنه يعاشرهن، كما سمي حليلًا؛ لأنه يحاللها في موضع واحد، وإنما استحققن النار بكفرهن العشير؛ من أجل أنهن يكثرن ذلك الدهر كله، ألا ترى أنه ﵇ قد فسره فقال: "لو أحسنت إلى إحداهن الدهر" لجازت ذلك بالكفران الدهر كله، فغلب استيلاء الكفران على دهرها، فكأنها مصرة أبدًا على الكفر، والإصرار أكبر أسباب النار.
وفي الحديث: تعظيم حقه عليها، ويجب عليها شكره والاعتراف بفضله؛ لستره لها وصيانتها وقيامه بمؤنتها وبذله نفسه في ذلك؛ ومن أجل هذا فضل الله الرجال على النساء في غير موضع من كتابه فقال: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ على النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]. وقال: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وقد أمر ﵇ من أُسديت إليه نعمة أن يشكرها، فكيف نِعَم الزوج التي لا تنفك المرأة منها دهرها كله، وشكر المنعم واجب؛ لقوله ﵇: "من أسديت إليه نعمة فليشكرها" (١) وقال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]. فقرن تعالى شكره بشكر الآباء، وقد يكون شكرها في نشرها وفي أقل من ذلك، فيجري فيه الإقرار بالنعمة، والمعرفة بقدر الحاجة.
стр. 14847
فصل:
وفيه: أن الكسوف والزلازل والآيات الحادثة إنما هي كما قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] وأمره ﵇ عند رؤيتها بالفزع إلى الصلاة دل على أنها تصرف النقم وتعصم من المحن؛ إذ هي أفضل الأعمال وأولى ما أقبل عليه في البكر والآصال.
فصل:
وقوله في الحديث: (رَأَيْنَاكَ يَا رَسولَ اللهِ تَكَعْكَعْتَ). أي: رجعت وراءك، وأصله من كع الرجل إذا جبن انقبض على الشيء، وكاع مثله. وقال ابن دريد: لا يقال: كاع عن الأمر، وإن كانت العامة تقوله.
стр. 14848
٨٩ - باب لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقٌّ
قَالَهُ أَبُو جُحَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
٥١٩٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا عَبْدَ اللهِ، أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟». قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «فَلَا تَفْعَلْ، صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا». [انظر: ١١٣١ - مسلم: ١١٥٩ - فتح ٩/ ٢٩٩].
ثم ساق حديث عمرو بن العاص ﵁ السالف في الصوم: "وإن لزوجك عليك حقًّا".
وتعليق أبي جحيفة أخرجه البزار (١)، عن بندار، حدثنا جعفر بن عون، عن أبي العُميس -وهو عتبة بن عبد الله بن عتبة بن مسعود- عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه أن سلمان قال لأبي الدرداء: إن لجسدك عليك حقًّا، وإن لأهلك عليك حقًّا، فأعط كل ذي حقٍّ حقه. فأخبر أبو الدرداء بذلك رسول الله ﷺ فقال له النبي ﷺ مثل ما قال سلمان (٢)، ولما ذكر البخاري ﵀ في الباب السالف حق الزوج على المرأة ترجم حقها عليه، وأنه لا ينبغي أن يجحف نفسه في العبادة حتى يضعف عن القيام بحق أهله من جماعها والكسب عليها.
стр. 14849
واختلف العلماء في الرجل يشتغل بالعبادة عن حقوق أهله، فقال مالك: إذا كف عن جماع أهله من غير ضرورة لا يترك حتى يجامع أو يفارق على ما أحب أو كره؛ لأنه يضارها، ونحوه لأحمد (١)، وقال أبو حنيفة وأصحابه: يؤمر أن يبيت عندها وينظر لها.
وقال الشافعي: لا يفرض عليه من الجماع شيء، وإنما يفرض لها النفقة والكسوة والسكنى، وأن يأوي إليها (٢).
وقال الثوري: إذا شكت المرأة أنه لا يأتيها زوجها، فله ثلاثة أيام ولها يوم وليلة. وبه قال أبو ثور (٣).
قال ابن المنذر: كأن سفيان قاسه على ما أباح الله له من اتخاذ أربع نسوة. وروى عبد الرزاق، عن الثوري، عن مالك بن مغول، عن الشعبي قال: جاءت امرأة إلى عمر فقالت: يا أمير المؤمنين، زوجي خير الناس يصوم النهار ويقوم الليل. فقال عمر: لقد أحسنت الثناء على زوجك. فقال كعب بن سوار: لقد اشتكت فأعرضت الشكية. فقال عمر: اخرج من مقالتك. فقال: أرى أن ينزل منزلة الرجل له أربع نسوة، له ثلاثة أيام ولياليها ولها يوم وليلة.
وروى ابن عيينة، عن زكريا، عن الشعبي أن عمر قال لكعب: فإذا فهمت ذلك فاقضِ بينهما. فقال: يا أمير المؤمنين أحلَّ الله من النساء مثنى وثلاث ورباع، فلها من كل أربعة أيام يوم يفطر ويقيم عندها، ولها من كل أربع ليال ليلة يبيت عندها. فأمر عمر الزوج بذلك (٤)، وأغرب ابن حزم فأوجبه في كل طهر، حيث قال: وفرض على الرجل
стр. 14850
أن يجامع امرأته التي هي زوجته، وأدنى ذلك مرة كل طهر إن قدر على ذلك، وإلا فهو عاصٍ لله؛ برهان ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وروينا أن امرأة قالت لعمر: يا أمير المؤمنين، إني امرأة أحب ما تحب النساء من الولد، ولي زوج شيخ. قال: فما برح إذ جاء زوجها شيخ كبير، فقال له عمر: أتقيم لها طهرها؟ قال: نعم. قال: انطلقي مع زوجك، والله إن فيه ما يجزئ -أو قال: يغني- المسألة. قال ابن حزم: ويجبر على ذلك من أبى بالأدب؛ لأنه أتى منكرًا من العمل (١).
قلت: في "المزاح والفكاهة" للزبير من حديث مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حيان: قلت لامرأتي: أنا وأنت على قضاء عمر. قالت: وما هو؟ قلت: قضى أنه إذا أصاب الرجل امرأته عند كل طهر فقد أدى حقها. فقالت: أنا أول من رد قضاء عمر.
стр. 14851
وروى أبو نعيم في "طبه" من حديث أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ أن امرأة شكت زوجها إلى علي، فقال له علي: أتستطيع أن تصنع شيئًا؟ قال: لا. قال: ولا ومن (السَّحَر) (١)؟ قال: هلكت، أما أنا فلا أفرق بينكما، فاتقي الله واصبري. ومن حديث بقية [عن يزيد بن سنان] (٢) عن بكير بن فيروز، عن أبي هريرة يرفعه: "أيعجز أحدكم أن يجامع أهله كل يوم جمعة؛ فإن له أجرين: أجر غسله، وأجر غسل امرأته" (٣).
стр. 14852
٩٠ - باب الْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا
٥٢٠٠ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما -، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالأَمِيرُ رَاعٍ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». [انظر: ٨٩٣ - مسلم: ١٨٢٩ - فتح ٩/ ٢٩٩].
ذكر فيه حديث ابن عمر ﵄: قال: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالأمير راع، والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وولده، وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته".
وهو يطابق لما ترجم له، ويأتي في الأحكام أيضًا، وكل من جعله الله أمينًا على شيء فواجب عليه أداء النصيحة فيه، وبذل الجهد في حفظه ورعايته؛ لأنه لا يُسأل عن رعيته إلا من يلزمه القيام بالنظر لها وإصلاح أمرها.
стр. 14853
٩١ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]
٥٢٠١ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: آلَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، وَقَعَدَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ، فَنَزَلَ لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ آلَيْتَ عَلَى شَهْرٍ. قَالَ: «إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ». [انظر: ٣٧٨ - مسلم: ٤١١ - فتح ٩/ ٣٠٠].
ذكر فيه حديث سليمان -هو ابن بلال- عن حميد، عن أنس ﵁ قال: آلى رسول الله ﷺ من نسائه شهرًا، فقعد في مشربة له، فنزل لتسع وعشرين ليلة، فقيل: يا رسول الله، إنك آليت شهرًا، قال: "الشهر تسع وعشرون".
وقد سلف في الصوم (١)، ومعنى هذا الباب أن الله تعالى أباح هجران الأزواج عند نشوزهن، ورخص في ذلك عند ذنب أو معصية تكون منهن، فالترجمة مطابقة لما أورده؛ لأنه في الآية التي ذكر ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤] وقد هجرهن ﵇. وقال أهل التفسير في قول تعالى ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] يعني: معصيتهن لأزواجهن، وأصل النشوز: الارتفاع، فنشوز المرأة: ارتفاعها عن حق زوجها.
وفسر الشارع مقدار ذلك الهجران بإيلائه شهرًا حين أسر إلى حفصة فأفشته لعائشة، وتظاهرتا عليه. قيل: إنه أصاب جاريته مارية في بيت حفصة ويومها. وقال الزجاج: في يوم عائشة. وذلك سنة تسع، وسألها أن تكتمه، فأخبرت به عائشة.
стр. 14854
والأرجح أنه شرب عسلًا عند زينب. وذلك الهجران لا يبلغ به الأربعة الأشهر التي ضربها الله، أجل إعذار الموالي، فأمر الله أن يبدأ النساء بالموعظة أولًا ثم الهجران بعده، فإن لم ينجعا فيهن فالضرب. أي: غير مبرح كما سيأتي، وقوله تعالى: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٤] يعني: بما فضل الله به الرجال من القوة على الكسب بالحرف وغيرها، وبما أنفقوا من أموالهم في المهور وغيرها، فهذا يوجب النفقة على الرجال للنساء.
стр. 14855
٩٢ - باب هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ نِسَاءَهُ فِي غَيْرِ بُيُوتِهِنَّ
وَيُذْكَرُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ رَفْعُهُ: «غَيْرَ أَنْ لَا تُهْجَرَ إِلاَّ فِي الْبَيْتِ». وَالأَوَّلُ أَصَحُّ.
٥٢٠٢ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، أَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَى بَعْضِ أَهْلِهِ شَهْرًا، فَلَمَّا مَضَى تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا غَدَا عَلَيْهِنَّ -أَوْ رَاحَ- فَقِيلَ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، حَلَفْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا. قَالَ: «إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا». [انظر: ١٩١٠ - مسلم: ١٠٨٥ - فتح ٩/ ٣٠٠].
٥٢٠٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو يَعْفُورٍ قَالَ: تَذَاكَرْنَا عِنْدَ أَبِي الضُّحَى فَقَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: أَصْبَحْنَا يَوْمًا وَنِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ يَبْكِينَ، عِنْدَ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ أَهْلُهَا، فَخَرَجْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَإِذَا هُوَ مَلآنُ مِنَ النَّاسِ، فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَصَعِدَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ فِى غُرْفَةٍ لَهُ، فَسَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، ثُمَّ سَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، ثُمَّ سَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَنَادَاهُ، فَدَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ فَقَالَ: «لَا وَلَكِنْ آلَيْتُ مِنْهُنَّ شَهْرًا». فَمَكَثَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ. [فتح ٩/ ٣٠٠].
ثم ساق حديث أم سلمة ﵂ في إيلائه شهرًا، وكذا حديث ابن عباس السالف قريبًا، لكنه ذكره هنا مختصرًا أن أبا يعفور قال: تذاكرنا عند أبي الضحى، فقال: ثنا ابن عباس فذكره.
وأبو يعفور هذا هو الصغير واسمه عبد الرحمن بن عبيد بن نسطاس، والكبير (واقد) (١) ولقبه وقدان.
стр. 14856
سمع (١) عبد الله بن أبي أوفى، ومصعب بن سعد بن أبي وقاص.
وحديث معاوية بن حيدة هذا أخرجه أبو داود والنسائي (والحاكم) (٢) وقال: صحيح الإسناد (٣). وقال أبو قرة: أخبرني ابن جريج: أخبرني أبو قزعة إياي وعطاء بن أبي رباح، عن رجل من بني قشير، عن أبيه أنه سأل رسول الله ﷺ : ما حق امرأتي؟ قال: "تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب، ولا تهجر إلا في البيت" (٤).
وقول البخاري: (والأول أصح). يعني: حديث أنس: آلى من نسائه شهرًا. واعترض الإسماعيلي فقال: لم يصح لي دخول حديث أم سلمة في الباب، ولا تفسير الآية التي في الباب قبله وهو عجيب. وقد أجبنا عن الثاني فيما مضى في الآية المتلوة. ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤]. والحديث مبين لذلك الهجران، وحديثما أم سلمة ظاهر في ترجمة الباب.
ثم ما أشار إليه البخاري من أن الهجران لا يكون إلا في غير بيوت الزوجات؛ من أجل ما فعله الشارع؛ لأنه انفرد عنهن في وقت الهجران في مشربة، واعتزل بيوتهن، وكأنه أراد البخاري أن يستن الناس به في هجران نسائهم، لما فيه من الرفق؛ لأن هجرانهن مع الكون في بيوتهن آلم لأنفسهن وأوجع لقلوبهن، لما ينظرن من العتاب والغضب في الإعراض، ولما في غيبة الرجل عن أعينهن من تسليتهن عن الرجال؛
стр. 14857
وهذا الذي أشار إليه ليس بواجب؛ لأن الله تعالى قد أمر بهجرانهن في المضاجع فضلًا عن البيوت، وما أوردناه هو ما ذكره المهلب، وقال غيره: إنما اعتزلهن في غير بيوتهن؛ لأنه أنكئ لهن، وأبلغ في عقوبتهن.
وروى ابن وهب، عن مالك قال: بلغني أن عمر بن عبد العزيز كان له نساء فكان يغاضب بعضهن، فإذا كانت ليلتها جاء بات عندها، ولم يبت عند غيرها، وكان يفترش في حجرتها فيبيت فيها وتبيت هي في بيتها. قلت لمالك: وذلك له واسع؟ فقال: نعم، وذلك في كتاب الله ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ (١) [النساء: ٣٤]. قال ابن عباس: أن يكون الرجل وامرأته في فراش واحد ولا يجامعها. وقال السدي: هجرها في المضجع: أن يرقد معها ويوليها ظهره ويطأها (٢) ولا يكلمها.
وقال ابن عباس نحوه، قال: يهجرها بلسانه، ويغلقالها بالقول، ولا يدع جماعها. ذكره الطبري (٣)، فيكون معنى الآية على هذا التأويل: قولوا لهن من القول هجرًا في تركهن مضاجعتكم.
وقال مجاهد فيما ذكره ابن أبي شيبة: لا يقربها. وقال الشعبي: لا يجامعها. وقال مقسم: لا يقرب فراشها. وقال عكرمة: هو الكلام. وقال ابن عباس: إذا أطاعته في المضجع فليس له أن يضربها (٤).
стр. 14858
فصل:
قوله في حديث ابن عباس: (فَخَرَجْتُ إِلَى المَسْجِدِ فَإِذَا هُوَ مَلآنُ مِنَ النَّاسِ). كذا هو في الأصول بالنون، قال ابن التين عند أبي الحسن: ملأى. وعند غيره: ملآن. وهو الصحيح، وإنما هو نعت للمؤنث فإن لم يكن أراد البقعة فيصح ذلك.
стр. 14859
٩٣ - باب مَا يُكْرَهُ مِنْ ضَرْبِ النِّسَاءِ .
وَقَوْلِهِ ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]: ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ.
٥٢٠٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَمْعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَجْلِدُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ، ثُمَّ يُجَامِعُهَا فِى آخِرِ الْيَوْمِ». [انظر: ٣٧٨ - مسلم: ٤١١ - فتح ٩/ ٣٠٠].
ثم ساق حديث عبد الله بن زمعة عن النبي ﷺ : "يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم يجامعها".
كذا في الأصول وفيه: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ إلى آخره، وفي كتاب ابن بطال (١) وابن التين وقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ أي: ضربًا غير مبرح، وكلاهما صحيح، والمبرح بكسر الراء: الشاق، ونقل ابن بطال، عن قتادة: غير شائن. وعن الحسن: غير مؤثر (٢)، وهو معنى ما ذكرته.
وفيه: جواز الضرب غير المبرح.
وقوله: ("ثُمَّ يُجَامِعُهَا") لم ينهه عن ذلك، وإنما أخبر أنه قد يبدو له فيجامعها فيأتيها وهي كارهة، فلا يجد منها المودة التي تكون عند الوطء، وهو تقبيح الضرب وقرب ما يناقضه؛ لقلة الرياضة بذلك؛ لأن المرأة إذا عرفت قرب الرجعة وسرعة الفيئة، لم تعبأ بأدبه، ولا يقع فيها ما ندبه الله إليه من رياضتها، ويدل على ذلك طول هجرانه ﵇ لأزواجه المدة الطويلة، ولم يكن ذلك يومًا ولا يومين ولا ثلاثة، وكذلك كان هجرانه ﵇ والمسلمين لكعب بن مالك حتى
стр. 14860
مضت خمسون ليلة، وإنما ذلك على ظاهر المعصية لله وللزوج. فأما ما يدور من المغاضبة بين الرجلين من الخلاف والكلام فلا يجوز المهاجرة فوق ثلاث ليالٍ.
قال بعض أهل العراق: أمر الله تعالى بهجرهن وضربهن؛ تذليلًا منه للنساء وتصغيرًا لهن على إيذاء بعولتهن، ولم يأمر في شيء من كتابه بالضرب صراحًا إلا في ذلك، وفي الحدود العظام، فساوى معصيتهن لأزواجهن بمعصية أهل الكبائر، وولّى الأزواج ذلك دون الأئمة، وجعله لهم دون القضاة بغير شهود ولا بينات من الله للأزواج على النساء، وإنما يكره من ضرب النساء التعدي فيه والإسراف، كما قاله المهلب قال: وقد بين الشارع ذلك فقال: "ضرب العبد" من أجل الرق فوق ضرب الحر؛ لتباين حالتيهم؛ ولأن ضرب النساء إنما جوز من أجل امتناعها على زوجها من المباضعة.
واختلف في وجوب ضربها في الخدمة، والقياس يوجب أنه إذا جاز في (المباضعة) (١) جاز في الخدمة الواجبة للزوج عليها بالمعروف (٢)، وأما ابن حزم فقال: لا يلزمها أن تخدم زوجها في شيء أصلًا: لا في عجين، ولا في طبيخ، ولا كنس، ولا فرش، ولا غزل ولا غير ذلك. ثم نقل عن أبي ثور أنه قال: عليها أن تخدمه في كل شيء.
ويمكن أن يحتج له بالحديث الصحيح أن فاطمة شكت إلى رسول الله ﷺ ما تجد من الرحى، وبقول (أسماء) (٣): كنت أخدم الزبير (٤).
стр. 14861
ولا حجة فيهما؛ لأنه ليس فيهما أنه ﵇ أمرهما، إنما كانتا متبرعتين (١)، وقد سلف قريبًا في باب موعظة الرجل ابنته اختلاف العلماء في ضرب النساء، واختلاف الآثار فيهم، وبيان مذاهبهم، وسنذكر منه نبذة قريبًا.
فصل:
قوله: ("ثم يجامعها") جاء في لفظ آخر: "لعله يعانقها" (٢)، وفي الترمذي صحيحًا: "ثم لعله أن يضاجعها من آخر يومه" (٣).
وقوله: ("جلد العبد") جاء في الإسماعيلي: "جلد البعير" أو قال: "جلد العبد".
فصل:
جاء في الضرب أيضًا من حديث لقيط بن صبرة: "ولا تضرب ظعينتك ضرب أمتك" أخرجه أبو داود (٤)، وفي لفظ ابن حبان: "كضربك إبلك" (٥)، ولعله تصحيف منه. ومن حديث عمرو بن الأحوص: "واضربوهن ضربًا غير مبرح". صححه الترمذي (٦)، وأخرجه من حديث ابن عباس وعمر.
روى البيهقي في "المعرفة" من حديث عمر النهي عنه. قال الشافعي: يحتمل أن يكون نهى عنه على اختيار النهي، وأذن فيه بأن يكون مباحًا لهم الضرب في الخوف. واختار لهم أن يضربوا لقوله: (لن يضرب خياركم). ويحتمل أن يكون قبيل نزول الآية بضربهن،
стр. 14862
ثم أذن بعد نزولها به، وقوله: الن يضرب خياركم) دلالة على أن ضربهن مباح (١).
فصل:
عني الشارع بالفراش في الحديث الصحيح: "لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه" ما افترش في البيوت لا فراش الضجع. وفيه: نهى أن تُدْخل بيته من لا يريده من رجل وامرأة كما سلف.
فصل:
وفي قوله: "جَلْدَ العَبْدِ" بيان أن النكاح رق ويد وملك وحكم كنوع من أنواع العبودية، كما نبه عليه ابن العربي، ولكن فيه فضل الاشتراك في المنفعة واستحقاق العوض عليها؛ ولذلك أذن الرب تعالى في تأديب الزوج للمرأة؛ بفضل القوامية عليها فيما ينبغي، كما يجب ويجوز من غير تعدِّ ولا حيف، ولا عمل بحكم الغضب، ولا في سبيل التشفي والانتقام (٢).
فصل:
هذا الضرب ضرب تأديب، وفي عده عندنا خلاف، هل هو دون الأربعين، أو دون العشرين؟ وبعضهم (قال) (٣) بدون العشر، للحديث الصحيح: "لا يجلد فوق عشرة أسواطٍ، إلا في حدٍّ من حدود الله (٤)، وإنما يضرب إذا علم أنه ينجع، وإلا فلا فائدة فيه؛ لأن من لا يردعه الوعيد والتهديد ولا السوط الشديد فلا حاجة إلى ارتكاب
стр. 14863
ما يؤدي: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾، فباللطف أولًا أنجح؛ لأن الضرب يزيد في الإعراض، فإن لم يحصل فالتهديد. وإلا فما ربك بظلام للعبيد وما أحسن ما حكي عن سعيد بن حرب أنه أراد (تزوج) (١) امرأة فقال لها: إني سيئ الخلق. فقالت: أسوء مثل خلقًا من أحوجك أن تكون سيئ الخلق. فقال: أنت امرأتي.
فصل:
راوي هذا الحديث عبد الله بن زمعة، هو ابن الأسود بن المطلب الأسدي ابن أخت أم سلمة، أحد الأشراف، كان يأذن على رسول الله ﷺ وعنه: عروة وأبو بكر بن عبد الرحمن، وهو من الأفراد (٢).
стр. 14864
٩٤ - باب لَا تُطِيعُ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا فِي مَعْصِيَةٍ
٥٢٠٥ - حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ الْحَسَنِ -هُوَ ابْنُ مُسْلِمٍ- عَنْ صَفِيَّةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ زَوَّجَتِ ابْنَتَهَا فَتَمَعَّطَ شَعَرُ رَأْسِهَا، فَجَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَتْ: إِنَّ زَوْجَهَا أَمَرَنِي أَنْ أَصِلَ فِي شَعَرِهَا. فَقَالَ: «لَا إِنَّهُ قَدْ لُعِنَ الْمُوصِلَاتُ». [٥٩٣٤ - مسلم: ٢١٢٣ - فتح ٩/ ٣٠٤].
ذكر فيه حديث عائشة ﵂ أن امرأة من الأنصار زوجت ابنتها فتمعط شعر رأسها، فجاءت إلى النبي ﷺ فذكرت ذلك له وقالت: إن زوجها أمرني أن أصل في شعرها قال: "لا، إنه قد لعن الموصلات" وأخرجه في اللباس أيضًا مسلم، وهو مطابق لما ترجم له، فواجب على المرأة أن لا تطيع زوجها في معصية، وكذلك من لزمه طاعة غيره، فلا يجوز طاعته في معصية الله تعالى، ويشهد لهذا قوله ﷺ حين أمَّر على بعثٍ أميرًا، وأمر الناس بطاعته، فأمرهم ذلك الأمير أن يقتحموا في النار، الحديث، وفي آخره: "إنما الطاعة في المعروف" (١) وصوب قولهم، وقد جاء عنه: "لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق" (٢).
وقوله: (فَتَمَعَّطَ شعرها) العرب تقول: معي الشعر وامْعَطّ معطًا إذا تمرط، ومعطته: نتفته، والأمعط من الرجال: السنوط. قال أبو حاتم: والذئب يكنى أبا معيطة. وفي كتاب "العين": ذئب أمعط: خبيث؛ لأن شعره تمعط فتأذى بالذباب (٣).
стр. 14865
ثم الحديث رد على من جوزه من أصحابنا بإذن الزوج، وفي "مسند أحمد" من حديث ابن مسعود ﵁: نهى عنه إلا من داء (١).
والتحريم إما لكونه تدليسًا، أو شعار الفاجرات، أو تغيير خلق الله. ولا يمنع من الأدوية التي تزيل الكلف وتحسن الوجه للزوج، وكذا أخذ الشعر منه، وقد قالت عائشة ﵂ لو كان في وجه بنات أخي لأخرجته (ولو شعرة) (٢). وفي لفظ: سئلت عن قشر الوجه فقالت: إن كان شيء ولدت وهو بها فلا يحل لها إخراجه، وإن كان في شيء حدث فلا بأس بقشره. وفي لفظ: إن كان للزوج فافعلي. ونقل أبو عبيد عن الفقهاء الرخصة في كل شيء وصل به الشعر، مالم يكن الوصل شعرًا (٣).
فصل:
يدخل في ترجمة الباب ما لو أراد وطأها في الدبر، فإنه يحرم عليها إعانته.
وفيه: عدة أحاديث أفردت بالتأليف، وصحح ابن حبان منها حديث ابن عباس ﵄ (٤)، وابن حزم حديث خزيمة بن ثابت وابن عباس أيضًا (٥)، وحسنن الترمذي حديث ابن عمر (٦).
стр. 14866
٩٥ - باب ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨]
٥٢٠٦ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨] قَالَتْ: هِيَ الْمَرْأَةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ، لَا يَسْتَكْثِرُ مِنْهَا فَيُرِيدُ طَلَاقَهَا، وَيَتَزَوَّجُ غَيْرَهَا، تَقُولُ لَهُ: أَمْسِكْنِي وَلَا تُطَلِّقْنِي، ثُمَّ تَزَوَّجْ غَيْرِي، فَأَنْتَ فِي حِلٍّ مِنَ النَّفَقَةِ عَلَيَّ وَالْقِسْمَةِ لِي، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]. [انظر: ٢٤٥٠ - مسلم: ٣٠٢١ - فتح ٩/ ٣٠٥].
ذكر فيه حديث عائشة ﵂ السالف في تفسير هذِه الآية.
وقام الإجماع على جواز هذا الصلح، وكذلك فعلت سودة برسول الله ﷺ حين وهبت يومها لعائشة؛ تبتغي بذلك مرضاة رسول الله ﷺ .
وروى عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: خَشِيَت أن يطلقها رسول الله ﷺ ، فقالت: لا تطلقني، واحبسني مع نسائك، ولا تقسم لي، فنزلت إلى قوله: ﴿إِعْرَاضًا﴾ (١)، قال ابن عباس ﵄ يعني: البغض. وقال مجاهد: نزلت في أبي السنابل بن بعكك (٢).
واختلفوا هل ينتقض هذا الصلح؟
стр. 14867
فقال عَبيدة: هما على ما اصطلحا عليه، فإن انتقضت فعليه أن يعدل عليها أو يفارقها (١). وبه قال النخعي ومجاهد وعطاء، وحكى ابن المنذر أنه قول الثوري والشافعي وأحمد، وقال الكوفيون: الصلح في ذلك جائز.
وقال ابن المنذر: ولا أحفظ في الرجوع شيئًا.
وقال الحسن البصري: ليس لها أن تنقض، وهما على ما اصطلحا عليه (٢). وقول الحسن هو قياس قول مالك فيمن أنظره بالدين أو أعار عاريةً إلى مدة أنه لا يرجع في ذلك، وقول عَبيدة هو قياس قول أبي حنيفة والشافعي؛ لأنها هبة منافع طارئة لم تقبض فجاز فيها الرجوع.
стр. 14868
٩٦ - باب العَزْلِ
٥٢٠٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ . [٥٢٠٨، ٥٢٠٩ - مسلم: ١٤٤٠ - فتح ٩/ ٣٠٥].
٥٢٠٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرٌو: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، سَمِعَ جَابِرًا ﵁ قَالَ: كُنَّا نَعْزِلُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ. [انظر: ٥٠٢٧ - مسلم: ١٤٤٠ - فتح ٩/ ٣٠٥].
٥٢٠٩ - وَعَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ. [انظر: ٥٢٠٧ - مسلم: ١٤٤٠ - فتح ٩/ ٣٠٥].
٥٢١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: أَصَبْنَا سَبْيًا، فَكُنَّا نَعْزِلُ، فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «أَوَإِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ؟ -قَالَهَا ثَلَاثًا- مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلاَّ هِيَ كَائِنَةٌ». [انظر: ٣٢٢٩ - مسلم: ١٤٣٨ - فتح ٩/ ٣٠٥].
ذكر فيه حديث جابر ﵁: كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ . وفي لفظ: كنا نعزل والقرآن ينزل.
وفي لفظ: كنا نعزل على عهد النبي ﷺ والقرآن ينزل.
وحديث الزهري عن ابن محيريز، عن أبي سعيد: أصبنا سبيًا فكنا نعزل، فسألنا النبي ﷺ فقال: "أو أنكم لتفعلون؟ -قالها ثلاثًا- ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة".
الشرح:
هذان الحديثان أخرجهما مسلم، ولفظه في الأول: كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ ، ولو كان نهى عنه لنهانا عنه القرآن. وفي لفظ: فبلغ ذلك النبي ﷺ فلم ينهنا.
стр. 14869
وفي لفظٍ: سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: إن عندي جارية وأنا أعزل عنها فقال ﷺ : "إن ذلك (لم) (١) يمنع شيئًا أراده الله" قال: فجاء الرجل فقال: يا رسول الله التي كنت ذكرتها لك حبلت. فقال ﵇: "أنا عبد الله ورسوله" (٢). وفي لفظ: إن لي جارية هي خادمنا وسانيتنا، وأنا أطوف عليها، وأنا أكره أن تحبل، فقال: "اعزل عنها إن شئت؛ فإنه سيأتيها ما قدر لها" فلبث الرجل ثم أتاه فقال: إن الجارية قد حبلت. فقال: "قد أخبرتك أن سيأتيها ما قدر لها" (٣).
وللنسائي: كان لنا جواري وكنا نعزل عنهن فقالت اليهود: إن تلك الموءودة الصغرى. فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: "كذبت اليهود، ولو أراد الله أن يخلقه لم تستطع رده" (٤). ولأبي قرة السكسكي: ذكر المثنى بن الصباح، عن عطاء، عن جابر ﵁ أنهم كانوا يعزلون على عهد رسول الله ﷺ ، إذا أذنت الحرة، وأما الأمة فيعزل عنها.
ولفظ مسلم في الثاني: "ما من كل الماء يكون الولد، وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء" (٥). وفي لفظ: "ماكتب الله خلق نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وستكون" (٦). ولأحمد: "أنت تخلقه؟ أنت ترزقه؟ أقره قراره، فإنما ذلك القدر" (٧). وفي لفظ: إن اليهود تحدث أن
стр. 14870
العزل (الموءودة) (١) الصغرى، قال النبي ﷺ : "كذبت اليهود، ولو أراد الله أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه" (٢).
وللترمذي: ولم يقل: ولا يفعل ذلك أحدكم (٣).
وللنسائي من حديث محمد بن يحيى، عن ابن محيريز أنه سمع أبا صرمة وأبا سعيد الخدري يقولان: أصبنا سبايا. الحديث (٤).
والذي في مسلم أن أبا صرمة سأل أبا سعيد وابن محيريز يسمع (٥)، وهو المحفوظ. وفي رواية: أصبنا سبايا في غزوة بني المصطلق، وهي الغزوة التي أصاب فيها رسول الله ﷺ جويرية. وقد سلف هذا الحديث، وللكجي (٦): أن رجلًا من أشجع سأل رسول الله ﷺ فقال: إن امرأتي ترضع، وأنا أكره أن تحمل، أفأعزل عنها؟ قال: "ما قدر في الرحم سيكون".
وقال محمد بن عبد الرحمن الأنصاري -شيخ أيوب-: قوله: "لا عليكم أن (لا) (٧) تفعلوا" أقرب إلى النهي (٨).
стр. 14871
وقال الحسن البصري: والله لكأن هذا زجر (١). وفي لفظ: أنه ﵇ سئل عن العزل ما هو، فلما أخبره قال: "لا عليكم أن لا تفعلوا ذاكم" (٢).
وفي "المصنف": قال أبو سعيد: ابنتي هذِه التي في الخدر من العزل (٣).
وفي الباب أيضًا أحاديث:
أحدها: حديث عامر بن سعد أن أسامة بن زيد أخبر والده أن رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: إني أعزل عن امرأتي. فقال: "لمَ تفعل ذلك؟ " قال الرجل: أشفق على ولدها، فقال ﵇: "لو كان ذلك ضارًّا ضر فارس والروم" (٤). وعزاه عبد الحق إليه من طريق سعد ابن أبي وقاص (٥). وليس ذلك فيه، وأقره ابن القطان، ووقع في "سنن الكجي" من حديث (حيوة) (٦)، عن عياش، عن أبي النضر، عن عامر: سمعت أسامة بن زيد يحدث عن والده -أو قال: يحدث والده شك عياش ابن عباس- أن رجلًا سأل .. الحديث (٧).
стр. 14872
ثانيها: حديث جدامة بنت وهب مرفوعًا: "إنه الوأد الصغير الخفي". أخرجه مسلم (١)، أسلمت جدامة قبل الفتح أو عامه.
ثالثها: حديث أنس بن مالك مرفوعًا: "لو أن الماء الذي يكون منه الولد أهرقته على صخرة، لأخرج الله أو ليخلقن الله- نفسًا هو خالقها". رواه أحمد (٢).
رابعها: حديث أبي هريرة ﵁: سئل رسول الله ﷺ عن العزل، وقيل: إن اليهود تزعم أنها الموءودة الصغرى فقال: "كذبت يهود، لو أراد الله خلقًا لم تستطع عزلها". رواه النسائي (٣).
خامسها: عن القاسم بن حسان، عن عمه عبد الرحمن بن حرملة، عن ابن مسعود ﵁: كان ﵇ يكره عشرة خلال، فذكرها وفيه: "وعزل الماء لغير محله". أخرجه النسائي (٤). قال البخاري: عبد الرحمن هذا لم يصح حديثه (٥). وأدخله البخاري في الضعفاء وقال علي: في إسناده من لا يعرف، ولا نعرفه في أصحاب ابن مسعود (٦)، وقال أبو حاتم: فقال: ليس بحديث عبد الرحمن بأس يحول من كتابه "الضعفاء" (٧).
стр. 14873
وقال ابن عدي: قول البخاري: لم يصح حديثه. يعني: أن عبد الرحمن لم يسمع من ابن مسعود، وأشار إلى حديث واحد (١). وكذا قال الخطيب في "المتفِق والمفترق": ليس له إلا حديث واحد. وأما ابن حبان فذكره في "ثقاته" (٢)، وخرج حديثه في "صحيحه"، واستدركه الحاكم وقال: صحيح الإسناد (٣).
وقال ابن حزم: وكذا صح عن زيد بن ثابت وابن عباس وسعد رواية الإباحة (٤).
وفي "سؤالات أبي داود": سمعت أبا عبد الله، وذكر حديث ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن الزهري، عن المحرر بن أبي هريرة، عن أبيه رفعه: "لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها". فقال: ما أنكره، وأخرجه ابن ماجه من هذا الوجه بزيادة عمر (٥).
وقال الدارقطني: تفرد به إسحاق بن عيسى الطباع، عن ابن لهيعة [عن جعفر بن ربيعة] (٦)، عن الزهري به، ووهم فيه. وخالفه عبد الله بن وهب فرواه عن ابن لهيعة، عن جعفر، عن الزهري، عن حمزة بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن عمر، ووهم أيضًا، والصواب: مرسل عن حمزة، عن عمر (٧). ليس فيه: عن أبيه. وقال أبو حاتم: حدثنا أبو صالح -كاتب الليث- عن ابن لهيعة، عن جعفر، عن
стр. 14874
حمزة، عن أبيه، عن عمر قال: وهو أصح، وهذا من تخاليط ابن لهيعة (١).
وأخرجه ابن أبي شيبة من حديث مندل بن علي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن عبد الله بن أبي الهُذيل، عن جرير قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ما خلصت إليك من المشركين إلا بقينة، وأنا أعزل عنها أريد بها السوق فقال ﵇: "جاءها ما قدر".
ومن حديث عبد الله بن محيريز قال: انطلقت أنا وأبو (ضمرة المازني) (٢) فوجدنا أبا سعيد يحدث كما يحدث أبو سلمة وأبو أمامة، عن رسول الله ﷺ قال: "كذبت يهود". وقال في آخره: "وما عليكم أن لا تفعلوا، وقد قدر الله ما هو خالق إلى يوم القيامة" (٣).
وفي سؤالات مهنا: سألت أحمد عن حديث هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن سوار الكوفي، عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: يعزل الرجل عن أمته، ولا يعزل عن الحرة إلا بإذنها. فقال: كان يزيد يرويه عن هشام. قلت: عن سوار هذا؟ قال: لا أدري. قلت: بلغني عن يحيى بن سعيد أنه كان يقول: هذا الحديث شبه لا شيء. فقال أحمد: كذاك هو.
وقال عبد الله بن أحمد: قرأت على أبي، عن وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جمانة -أو أن جمانة سرية على بن أبي طالب- قالت: كان عليّ يعزل عنا. فقلنا له فقال: أحيي شيئًا أماته الله (٤).
стр. 14875
وفي "المصنف" بسند صحيح أن عليًّا ﵁ قال: العزل: الوأد الخفي. وعن عكرمة أن زيد بن ثابت وسعد بن أبي وقاص كانا يعزلان، وحكاه أيضًا عن رافع بن خديج وخباب بن الأرت وأبي أيوب الأنصاري وأبي بن كعب وعلي بن حسين وعلقمة، وأصحاب عبد الله وأنس والحسن بن علي وابن مغفل وابن عباس، وسئل عنه (سعيد) (١) بن المسيب فقال: هو حرثك إن شئت أعطشته، وإن شئت أرويته. وكذا قاله عكرمة وقال الحسن: اختلف فيه الصحابة (٢).
إذا تقرر ذلك، فقد اختلف السلف في العزل، فذكر مالك في "الموطأ" عن سعد بن أبي وقاص وأبي أيوب الأنصاري وزيد بن ثابت وابن عباس أنهم كانوا يعزلون (٣). وذكره ابن المنذر عن علي وخباب بن الأرت وجابر وقال: كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ . وروي عن جماعة من التابعين منهم ابن المسيب وطاوس (٤)، وبه قال مالك والكوفيون والشافعي وجمهور العلماء (٥)، وكرهته طائفة، ذكره ابن المنذر، عن الصديق والفاروق وعثمان. وعن علي رواية أخرى، وعن ابن مسعود وابن عمر وشدد فيه (٦)، وقال أبو أمامة: ما كنت أرى أن مسلمًا يصنعه. وقال سالم: هي الموءودة. وكرهه إبراهيم أيضًا (٧).
стр. 14876
حجة الجمهور الأحاديث السالفة، وروي أيضًا عن أبي الزبير، عن جابر أنه ﷺ أذن فيه. ولا يفهم من قوله: "أو تفعلون ذلك؟ " إلا الإباحة، وهو خلاف ما أسلفناه عن الأنصاري، نعم يشهد آخر الحديث: "ما من نسمة .. " إلى آخره للإباحة يقول: قد فرغ من الخلق، فاعزلوا أو لا تعزلوا، فإن قدر أن يكون ولدًا لم يمنعه عزل؛ لأنه قد يكون مع العزل إفضاء بقليل الماء الذي قدر الله أن يكون منه الولد، وقد يكون الاسترسال والإفضاء ولا يكون ولد، فالعزل أو الإفضاء سواء في أن لا يكون منه ولد إلا بتقدير الله.
واحتج من كرهه بحديث جدامة بنت وهب الأسدية السالف، وأنكره الأولون، وروي عن رسول الله ﷺ إنكار ذلك.
وحديث أبي سعيد السالف فيه إكذاب من زعم أنه موءودة، وقد روي عن عليّ رَفْع ذلك، والتنبيه على فساده بمعنى حسن لطيف، وروى الليث عن معمر بن أبي حبيبة، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار قال: تذاكر أصحاب رسول الله ﷺ عند عمر العزل، فاختلفوا فيه، فقال عمر: قد اختلفتم أنتم، وأنتم أهل بدر الأخيار، فكيف بالناس بعدكم؟ فقال عليّ: إنها لا تكون موءودة حتى (تمر) (١) بالتارات السبع، قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾
الآية [المؤمنون: ١٢] فعجب عمر من قوله، وقال: جزاك الله خيرًا. فأخبر عليّ أنه لا يوأد إلا من قد نفخ فيه الروح قبل ذلك، وما لم ينفخ فيه الروح فهو موات غير موءودٍ.
стр. 14877
وروى سفيان [عن الأعمش] (١) عن أبي الوداك أن قومًا سألوا ابن عباس عن العزل، فذكر مثل كلام عليّ سواء، فهذا عليّ وابن عباس قد اجتمعا على ما ذكرنا، وتابعهما عمر ومن كان بحضرته من الصحابة، فدل على أن العزل غير مكروه (٢).
وذهب مالك وجمهور العلماء إلى أنه لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها، فإن منعت زوجها لم يعزل، وحكاه ابن بطال عن الشافعي (٣)، ومشهور مذهبه الجواز من غير توقف على إذنها مع الكراهة، وقطع الرافعي والنووي في الأمة بالجواز (٤)، والخلاف فيه حكاه الروياني في "البحر".
واختلفوا في العزل عن الزوجة الأمة، فقال مالك والكوفيون: لا يعزل عنها إلا بإذن سيدها (٥). وقال الثوري: لا يعزل عنها إلا بإذنها. وقال الشافعي: لا يعزل عنها دون إذنها، ودون إذن مولاها. كذا حكاه ابن بطال عنه (٦)، وهو غريب، فمذهبنا لا تحريم فيها. وحاصل مذهبنا أنه خلاف الأولى، وأطلق بعضهم الكراهة في كل حال، وكل امرأة سواء رضيت أم لا.
وأما التحريم فلا يحرم في مملوكته، ولا في زوجته الأمة سواء رضيتا أم لا؛ لما عليه في ذلك من الضرر، وأما الحرة فإن أذنت لم يحرم، وإلا وجهان: أصحهما: لا. والحاصل أربعة أقوال: الإباحة
стр. 14878
مطلقًا، والحرمة مطلقًا، والجواز بالإذن، والحرمة في الحرة (١).
وجمع ابن التين في المسألة أربعة أقوال عندهم: يعزل حرة كانت أو أمة. يقابله: يعزل في الأمة دون الحرة، في (السرية) (٢) برضاها، وفي الأمة المزوجة برضا سيدها، وهو قول مالك (٣).
وأغرب ابن حزم فقال: لا يحل العزل عن حرة ولا عن أمة، برهان ذلك حديث جدامة قال: وهو في غاية الصحة.
واحتج من أباحه بخبر أبي سعيد الذي فيه: "لا عليكم ألا تفعلوا" قال: وهذا إلى النهي أقرب، وكذلك قاله ابن سيرين، واحتجوا بتكذيب رسول الله ﷺ قول يهود، وبأخبار أخر لا تصح، ويعارضها كلها خبر جدامة. وقد علمنا بيقين أن كل شيء أصله الإباحة حتى ينزل التحريم، فصح أن خبر جدامة بالتحريم هو الناسخ لجميع الإباحات المتقدمة التي لا شك أنها قبل البعث وبعد البعث، قال: وهذا أمر متيقن؛ لأنه إذا أخبر ﷺ أنه الوأد الخفي، والوأد محرم،
فقد نسخ الإباحة المتقدمة، وبطل قول من ادعى غيره (٤).
فأما الطحاوي فإنه عكس هذا وقال: يحتمل أن خبر جدامة لما كان على الناس موافقة أهل الكتاب مالم يحدث الله ناسخه، ثم إن الله أعلمه بكذبهم، وأن الأمر في الحقيقة بخلاف ذلك، فأعلم أمته بكذبهم وأباح العزل على ما في حديث أبي سعيد، وأن الله إذا أراد شيئًا لا يمكن وقوع غيره (٥).
стр. 14879
(وبمعناه قاله أبو الوليد ابن رشد، وقال ابن العربي) (١): خبر جدامة مضطرب. وقد قال قوم: إن ذلك كان قبل أن يبين الله له جواز ذلك، فكان يتبع اليهود فيما لم يتبين له فيه شرع، وهذا سقط عظيم؛ فإنه إنما كان يحب موافقتهم فيما لم ينزل عليه فيه شيء مما لم يكن من كذبهم وتبديلهم، وقد صرح هنا بتكذيبهم، فكيف يصح أن يكون معهم على كذبهم ويخبرهم به ثم يكذبهم فيه؟! هذا محال عقلًا، لا يجوز على الأنبياء (٢).
وقد ذهب قومٌ إلى أن النطفة من الرجل فيها روح، فصَرْفُها عن الرحم إتلاف لذلك الروح؛ فلذلك جُعِل وأدًا، وقد أنزل الله في كتابه ما أوضح وقت إمكان الولد، وهو التارات السبع السالف، فأعلمه الله بذلك الوقت الدي يكون فيه الحياة في المخلوق من النطفة، فيجوز أن يوءد حينئذٍ، فيكون ميتًا، أو يستحيل أن يوأد ما قبل ذلك؛ لأنه ميت كسائر الأشياء التي لا حياة فيها، وقال ابن لهيعة فيما ذكره الصولي في كتاب "التسليم": لا تكون موءودة حتى (تتطور) (٣) ثم تستهل، وحينئذ إذا ثبتت فيه وئدت.
فصل:
لما سألوا العزل أجابهم، وسكت عن أمر الموطوءات المشركات، فاغتر بهذا الظاهر قومٌ فقالوا: يجوز وطء الوثنيات والمجوسيات بالملك، وإن لم يسلمن، وإليه ذهب طاوس وابن المسيب (٤)،
стр. 14880
واختلف في ذلك عن عطاء ومجاهد (١)، وحكى ابن أبي شيبة عن عطاء، وعمرو بن دينار أنهما لا يريان بالتسري بالمجوسية بأسًا قال: وكرهه سعيد بن المسيب (٢)، و (يرده) (٣) قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]. وإلى التمسك بعموم الآية صار جمهور العلماء، ولم يعولوا على ما ظهر من هذا الحديث، ورأوا أن ذلك محمول على جواز وطء من أسلم منهن، وأن الفداء المتخوف فوته بوطئهن إنما هو أثمانهن، وقد دل على صحة هذا التأويل ما ذكر في حديث أبي سعيد، ثم إنا نقول: لو سلمنا أن ظاهر هذا الحديث جواز الإقدام على وطء المسبيات من غير (إسلام) (٤) لزم جواز الإقدام على وطئهن من غير استبراء [و] (٥) مع وجود الحمل البين وهو ممنوع اتفاقًا، فيلزم المنع من الوطء، لاستوائهما في الظهور، ويعلم قطعًا أنهم لا يقدمون على وطء فرج لا يتحقق حله، وكذلك يعلم أنهم لا بد لهم من استبراء وإسلام، وإن كان الراوي قد سكت عنه، وسكوته إما هو للعلم بها وإما لأن الكلام يجمل (في) (٦) غير مقصوده (٧).