حجة الجمهور الأحاديث السالفة، وروي أيضًا عن أبي الزبير، عن جابر أنه ﷺ أذن فيه. ولا يفهم من قوله: "أو تفعلون ذلك؟ " إلا الإباحة، وهو خلاف ما أسلفناه عن الأنصاري، نعم يشهد آخر الحديث: "ما من نسمة .. " إلى آخره للإباحة يقول: قد فرغ من الخلق، فاعزلوا أو لا تعزلوا، فإن قدر أن يكون ولدًا لم يمنعه عزل؛ لأنه قد يكون مع العزل إفضاء بقليل الماء الذي قدر الله أن يكون منه الولد، وقد يكون الاسترسال والإفضاء ولا يكون ولد، فالعزل أو الإفضاء سواء في أن لا يكون منه ولد إلا بتقدير الله.
واحتج من كرهه بحديث جدامة بنت وهب الأسدية السالف، وأنكره الأولون، وروي عن رسول الله ﷺ إنكار ذلك.
وحديث أبي سعيد السالف فيه إكذاب من زعم أنه موءودة، وقد روي عن عليّ رَفْع ذلك، والتنبيه على فساده بمعنى حسن لطيف، وروى الليث عن معمر بن أبي حبيبة، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار قال: تذاكر أصحاب رسول الله ﷺ عند عمر العزل، فاختلفوا فيه، فقال عمر: قد اختلفتم أنتم، وأنتم أهل بدر الأخيار، فكيف بالناس بعدكم؟ فقال عليّ: إنها لا تكون موءودة حتى (تمر) (١) بالتارات السبع، قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾
الآية [المؤمنون: ١٢] فعجب عمر من قوله، وقال: جزاك الله خيرًا. فأخبر عليّ أنه لا يوأد إلا من قد نفخ فيه الروح قبل ذلك، وما لم ينفخ فيه الروح فهو موات غير موءودٍ.
стр. 14877
وروى سفيان [عن الأعمش] (١) عن أبي الوداك أن قومًا سألوا ابن عباس عن العزل، فذكر مثل كلام عليّ سواء، فهذا عليّ وابن عباس قد اجتمعا على ما ذكرنا، وتابعهما عمر ومن كان بحضرته من الصحابة، فدل على أن العزل غير مكروه (٢).
وذهب مالك وجمهور العلماء إلى أنه لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها، فإن منعت زوجها لم يعزل، وحكاه ابن بطال عن الشافعي (٣)، ومشهور مذهبه الجواز من غير توقف على إذنها مع الكراهة، وقطع الرافعي والنووي في الأمة بالجواز (٤)، والخلاف فيه حكاه الروياني في "البحر".
واختلفوا في العزل عن الزوجة الأمة، فقال مالك والكوفيون: لا يعزل عنها إلا بإذن سيدها (٥). وقال الثوري: لا يعزل عنها إلا بإذنها. وقال الشافعي: لا يعزل عنها دون إذنها، ودون إذن مولاها. كذا حكاه ابن بطال عنه (٦)، وهو غريب، فمذهبنا لا تحريم فيها. وحاصل مذهبنا أنه خلاف الأولى، وأطلق بعضهم الكراهة في كل حال، وكل امرأة سواء رضيت أم لا.
وأما التحريم فلا يحرم في مملوكته، ولا في زوجته الأمة سواء رضيتا أم لا؛ لما عليه في ذلك من الضرر، وأما الحرة فإن أذنت لم يحرم، وإلا وجهان: أصحهما: لا. والحاصل أربعة أقوال: الإباحة
стр. 14878
مطلقًا، والحرمة مطلقًا، والجواز بالإذن، والحرمة في الحرة (١).
وجمع ابن التين في المسألة أربعة أقوال عندهم: يعزل حرة كانت أو أمة. يقابله: يعزل في الأمة دون الحرة، في (السرية) (٢) برضاها، وفي الأمة المزوجة برضا سيدها، وهو قول مالك (٣).
وأغرب ابن حزم فقال: لا يحل العزل عن حرة ولا عن أمة، برهان ذلك حديث جدامة قال: وهو في غاية الصحة.
واحتج من أباحه بخبر أبي سعيد الذي فيه: "لا عليكم ألا تفعلوا" قال: وهذا إلى النهي أقرب، وكذلك قاله ابن سيرين، واحتجوا بتكذيب رسول الله ﷺ قول يهود، وبأخبار أخر لا تصح، ويعارضها كلها خبر جدامة. وقد علمنا بيقين أن كل شيء أصله الإباحة حتى ينزل التحريم، فصح أن خبر جدامة بالتحريم هو الناسخ لجميع الإباحات المتقدمة التي لا شك أنها قبل البعث وبعد البعث، قال: وهذا أمر متيقن؛ لأنه إذا أخبر ﷺ أنه الوأد الخفي، والوأد محرم،
فقد نسخ الإباحة المتقدمة، وبطل قول من ادعى غيره (٤).
فأما الطحاوي فإنه عكس هذا وقال: يحتمل أن خبر جدامة لما كان على الناس موافقة أهل الكتاب مالم يحدث الله ناسخه، ثم إن الله أعلمه بكذبهم، وأن الأمر في الحقيقة بخلاف ذلك، فأعلم أمته بكذبهم وأباح العزل على ما في حديث أبي سعيد، وأن الله إذا أراد شيئًا لا يمكن وقوع غيره (٥).
стр. 14879
(وبمعناه قاله أبو الوليد ابن رشد، وقال ابن العربي) (١): خبر جدامة مضطرب. وقد قال قوم: إن ذلك كان قبل أن يبين الله له جواز ذلك، فكان يتبع اليهود فيما لم يتبين له فيه شرع، وهذا سقط عظيم؛ فإنه إنما كان يحب موافقتهم فيما لم ينزل عليه فيه شيء مما لم يكن من كذبهم وتبديلهم، وقد صرح هنا بتكذيبهم، فكيف يصح أن يكون معهم على كذبهم ويخبرهم به ثم يكذبهم فيه؟! هذا محال عقلًا، لا يجوز على الأنبياء (٢).
وقد ذهب قومٌ إلى أن النطفة من الرجل فيها روح، فصَرْفُها عن الرحم إتلاف لذلك الروح؛ فلذلك جُعِل وأدًا، وقد أنزل الله في كتابه ما أوضح وقت إمكان الولد، وهو التارات السبع السالف، فأعلمه الله بذلك الوقت الدي يكون فيه الحياة في المخلوق من النطفة، فيجوز أن يوءد حينئذٍ، فيكون ميتًا، أو يستحيل أن يوأد ما قبل ذلك؛ لأنه ميت كسائر الأشياء التي لا حياة فيها، وقال ابن لهيعة فيما ذكره الصولي في كتاب "التسليم": لا تكون موءودة حتى (تتطور) (٣) ثم تستهل، وحينئذ إذا ثبتت فيه وئدت.
فصل:
لما سألوا العزل أجابهم، وسكت عن أمر الموطوءات المشركات، فاغتر بهذا الظاهر قومٌ فقالوا: يجوز وطء الوثنيات والمجوسيات بالملك، وإن لم يسلمن، وإليه ذهب طاوس وابن المسيب (٤)،
стр. 14880
واختلف في ذلك عن عطاء ومجاهد (١)، وحكى ابن أبي شيبة عن عطاء، وعمرو بن دينار أنهما لا يريان بالتسري بالمجوسية بأسًا قال: وكرهه سعيد بن المسيب (٢)، و (يرده) (٣) قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]. وإلى التمسك بعموم الآية صار جمهور العلماء، ولم يعولوا على ما ظهر من هذا الحديث، ورأوا أن ذلك محمول على جواز وطء من أسلم منهن، وأن الفداء المتخوف فوته بوطئهن إنما هو أثمانهن، وقد دل على صحة هذا التأويل ما ذكر في حديث أبي سعيد، ثم إنا نقول: لو سلمنا أن ظاهر هذا الحديث جواز الإقدام على وطء المسبيات من غير (إسلام) (٤) لزم جواز الإقدام على وطئهن من غير استبراء [و] (٥) مع وجود الحمل البين وهو ممنوع اتفاقًا، فيلزم المنع من الوطء، لاستوائهما في الظهور، ويعلم قطعًا أنهم لا يقدمون على وطء فرج لا يتحقق حله، وكذلك يعلم أنهم لا بد لهم من استبراء وإسلام، وإن كان الراوي قد سكت عنه، وسكوته إما هو للعلم بها وإما لأن الكلام يجمل (في) (٦) غير مقصوده (٧).
стр. 14881
والذي يزيح الإشكال ويرفعه ما رواه عبد الرزاق عن الحسن قال: كنا نغزو مع الصحابة، وإذا أراد أحدهم أن يصيب الجارية من الفيء أمرها فغسلت ثيابها واغتسلت، ثم علمها الإسلام، وأمرها بالصلاة، واستبرأها بحيضة، وأصابها. وكذلك رواه أيضًا عن الثوري أنه قال: السنة أن لا يقع على مشركة حتى تصلي ويستبرئها وتغتسل (١).
والذي حركهم على السؤال عن العزل خوفهم أن يكون محرمًا؛ لأنه قطع النسل.
فصل:
قوله: ("أَوَ إِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ"؟ قَالَهَا ثَلَاثًا) وهي رواية جويرية عن مالك، وفي رواية: "لا عليكم أن لا تفعلوا" وهي رواية ابن القاسم، وغيره عن مالك. وفهمت طائفة منه النهي عن العزل والزجر عنه. كما حكي عن الحسن ومحمد بن المثنى وقد سلف، وكأن هؤلاء فهموا من "لا" النهي عما سئل عنه وحذف بعد قوله: "لا" فكأنه قال: لا تعزلوا "وعليكم أن لا تفعلوا" تأكيدا لذلك النهي.
وفهمت طائفة منهم أنه إلى النهي أقرب، وفهمت طائفة أخرى منها الإباحة، كأنها جعلت جواب السؤال قوله: "عليكم أن لا تفعلوا" أي: ليس عليكم جناح في أن لا تفعلوا، وهذا التأويل أولى بدليل قوله: "مَا مِنْ نَسَمَةٍ" إلى آخره وبقوله: "افعلوا أو لا تفعلوا إنما هو القدر" (٢) وبقوله: "إذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه" وهذِه الألفاظ كلها مصرحة بأن العزل لا يرد القدر ولا يضر، فكأنه قال: لا بأس به، وبهذا تمسك
стр. 14882
من رأى إباحته مطلقًا عن الزوجة والأمة، وبه قال كثير من الصحابة والتابعين والفقهاء كما سلف، وكرهه آخرون من الصحابة وغيرهم متمسكين بالطريقة المتقدمة وبقوله: "ذلك الوأد الخفي" وكأن من وقفه على الإذن في الحرة رأى أن الإنزال من تمام لذتها ومن حقها في الولد، بخلاف الأمة، إذ لا حق لها في شيء مما ذكر، ويمكن على هذا أن يجمع بين الأحاديث المتعارضة في ذلك، (ويصير ما يفهم منه المنع إلى الحرة إذا لم تأذن، والإباحة إلى الإذن، والأمة (أن) (١) يحمل النهي على كراهية التنزية، والإذن على انتفاء الحرمة) (٢) وإن كان ظاهر قوله: "أَوَإِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ"، للإنكار والزجز، لكن يضعفه قوله: "مَا مِنْ نَسَمَةٍ" إلى آخره، فإذًا معناه الاستبعاد لفعلهم له، بدليل رواية: "ولمَ يفعل ذلك أحدكم؟ " قال الراوي: ولم يقل: ولا يفعل. فعلم أنه ليس بنهي، وهو أعلم بالمقال. وفي
رواية: "اعزل عنها إن شئت". وهو نص في الإباحة، وكذا قول جابر: فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فلم ينهنا.
ومعنى الرواية السالفة عن مسلم: "ما من كل الماء يكون الولد" أنه ينعقد في الرحم من جزء من الماء، لا يشعر العازل (بخروجه) (٣)، فيظن أنه قد عزل كل الماء وإنما عزل بعضه، فيخلق الله الولد من ذلك الجزء اللطيف. قال الأطباء: وذلك الجزء هو الشيء الثخين الذي يكون في الماء على هيئة نصف عدسة.
стр. 14883
فصل:
الرواية السالفة: (خادمنا وسايسنا). كذا لابن الحذاء (١) في ساس الفرس يسوسه إذا خدمه، وروي أيضًا: سانيتنا يعني: الذي يسقي لهم الماء.
فصل:
فيه دليل على لحاق الولد بمن اعترف بالوطء وادعى العزل في الحرة والأمة، ولم يختلف عند المالكية في ذلك إذا كان الوطء في الفرج. كما قال القرطبي (٢).
خاتمة:
ابن محيريز المذكور في إسناد حديث أبي سعيد الخدري اسمه عبد الله بن محيريز بن جنادة بن وهب بن لوذان بن سعد بن جمح قرشي جمحي مكي، رباه أبو محذورة أوس بن معير بن لوذان، وأخوه أنس بن معير، قتل ببدر كافرًا.
قال رجاء بن حيوة: إن فخر علينا أهل المدينة بعابدهم ابن عمر، فإنا نفخر بعابدنا ابن محيريز، إنْ كنتُ لأعد بقاءه أمانًا لأهل الأرض. مات قبل المائة (٣).
стр. 14884
٩٧ - باب الْقُرْعَةِ بَيْنَ النِّسَاءِ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا
٥٢١١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِى مُلَيْكَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَطَارَتِ الْقُرْعَةُ لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ بِاللَّيْلِ سَارَ مَعَ عَائِشَةَ يَتَحَدَّثُ، فَقَالَتْ حَفْصَةُ: أَلَا تَرْكَبِينَ اللَّيْلَةَ بَعِيرِي وَأَرْكَبُ بَعِيرَكِ، تَنْظُرِينَ وَأَنْظُرُ؟ فَقَالَتْ: بَلَى. فَرَكِبَتْ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى جَمَلِ عَائِشَةَ وَعَلَيْهِ حَفْصَةُ فَسَلَّمَ عَلَيْهَا، ثُمَّ سَارَ حَتَّى نَزَلُوا وَافْتَقَدَتْهُ عَائِشَةُ، فَلَمَّا نَزَلُوا جَعَلَتْ رِجْلَيْهَا بَيْنَ الإِذْخِرِ وَتَقُولُ: يَا رَبِّ، سَلِّطْ عَلَيَّ عَقْرَبًا أَوْ حَيَّةً تَلْدَغُنِي، وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ لَهُ شَيْئًا. [مسلم: ٢٤٤٥ - فتح ٩/ ٣١٠].
ذكر فيه حديث عائشة ﵂: كَانَ إِذَا خَرَجَ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَطَارَتِ القُرْعَةُ لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ .. الحديث.
هذا الحديث سلف في الشهادات وغيرها، ومن طريق آخر عنها في حديث الإفك (١). وللإسماعيلي بعد (عقربًا): ورسول الله ﷺ ينظر. وهو ظاهر فيما ترجم له من القرعة بين النساء عند إرادة السفر، وليس له المسافرة بمن شاء منهن بدونها، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وهو أحد الأقوال عن مالك.
ثانيها: عنه: له المسافرة بمن شاء مثهن بدونها.
ثالثها: لبعض أصحابه: إن سافر لحجًّ أو غزوٍ أقرع، أو لتجارةٍ خرج بمن شاء، وما نقلناه عن أبي حنيفة هو ما حكاه ابن بطال، ونقل غيره عنه أنه الأولى فقط (٢).
стр. 14885
وقال القرطبي: ليست واجبة عند مالك؛ لأنه قد يكون لبعضهن من الغناء في السفر والصلاحية مالا يكون لغيرها، فتتعين الصالحة لذلك؛ ولأن من وقعت عليها القرعة لا تجبر على السفر مع (الزوج) (١) لغزو ولا لتجارة (٢).
حجة الأولين حديث الباب، ولا يجوز العدول عنه، ووجه الثاني أن ضرورته في السفر أشد منها في الحضر، فيحتاج إلى من هي أوفق به من نسائه، وعون له على أموره، وأقوى على الحركة، فلذلك جاز له بغير قرعة.
وفيه: العمل بالقرعة في المقاسمات والاستهام، وقد تقدم ذلك في كتاب القسمة والشركة والشهادات، وهو مذكور أيضًا في الأيمان.
وفيه: أن القسم يكون بالليل والنهار، وقد بان ذلك في حديث عائشة ﵂ قالت: وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلها. سلف في الشهادات (٣) وغيره.
وفيه: أن الاستهام بين النساء مطلوب.
قال ابن بطال: وهو من السنن لا من الفرائض، يوضحه أن مدة السفر لا تحاسب به المتخلفة من النساء (الغادية) (٤)، بل يبتدئ بالقسم بينهن إذا قدم على سبيل ما تقدم قبل سفره، ولا خلاف بين أئمة الفتوى في أن الحاضرة لا تقاصِّ المسافرة بشيء من الأيام التي انفردت بها في السفر عند قدومه، ويعدل بينهن فيما يستقبل. ذكره
стр. 14886
ابن المنذر عن مالك، والكوفيين، والشافعي، وأبي عبيد، وأبي ثور (١).
وفي تحيل حفصة على عائشة ﵄ في بدل بعيرها في الركوب دليل على أنه ليس من الفروض؛ لأن حفصة لا يحل لها من رسول الله ﷺ إلا ما أباحه الله لها، وبذله من نفسه، فقد تحيلت، ولم يبين لها الشارع أن ذلك لا يحل لها، قاله المهلب (٢).
وادعى القرطبي أن عليها الدرك؛ لأنها خلفت مراده في حديثه، فقد يريد أن يحدث عائشة حديثًا يسره إليها، أو يختص بها، فتسمعه حفصة، قال: وهذا لا يجوز اتفاقًا، لكن حملها على ذلك الغيرة التي تورث الدهش والحيرة (٣). وقول المهلب: لو كان القسم واجبًا عليه لحرم على حفصة ما فعلت، ليس بلازم؛ لأن القائل بما يوجب القسم عليه لا يمنع من حديث الأخرى في غير وقت القسم؛ لجواز دخوله في غير وقت عماد القسم إلى غير صاحبة النوبة، ويقبلها ويلمسها من غير إطالة، وعماد القسم في حق المسافر وقت نزوله، وحالة السير منه ليلًا كان أو غيره.
وذكر ابن المنذر أن القسمة تجب بينهن كما تجب النفقة، وهذا يدل على أن القسمة بينهن فريضة، وقول أهل العلم يدل على ذلك، قال مالك: الصغيرة التي قد جومعت، والكبيرة البالغة في القسم سواء. وقال الكوفيون في المرأة تبلغ: إذا كان قد جامعها أنها والتي أدركت في القسم سواء، وهو قول أبي ثور.
стр. 14887
وقال الشافعي: إذا أعطاها مالًا على أن تحلله من يومها وليلتها ففعلت فالعطية مردودة، وعليه أن يوفيها حقها (١).
وفيه: أن دعاء الإنسان على نفسه عند الحرج وما شاكله يعفو الله عنه في أغلب الأحوال؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ [يونس: ١١].
وفيه: أن المغيرة في النساء مسموح لهن فيها، وغير منكرة من أخلاقهن ولا معاقب عليها وعلى مثلها؛ لصبره ﵇ لسماع مثل هذا من قولها، ألا ترى قولها: (ما أرى ربك إلا يسارع في هواك) (٢). ولم يرد ذلك عليها ولا زجرها وعذرها؛ لما جعل الله في فطرتها من شدة المغيرة.
فرع:
القرعة فيما قدمناه واجبة عندنا، وأما سيدنا رسول الله ﷺ فهو مبني على وجوب القسم في حقه، فمن قال بوجوبه يجعل إقراعه واجبًا، ومن لم يوجبه يقول: فعل ذلك من حسن العشرة ومكارم الأخلاق وتطييبًا لقلوبهن (٣).
فصل:
قولها: (وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ بِاللَّيْلِ سَارَ مَعَ عَائِشَةَ يَتَحَدَّثُ)، (يحتمل) (٤) كما قال الداودي أن يكون هذا في ليلة عائشة، والظاهر كما قال ابن التين خلافه؛ لأنه ﵇ لو كان يمشي مع عائشة في ليلتها
стр. 14888
لفعل مثله بحفصة، ولم تحتج حفصة أن تركب بعير عائشة. وإتيانه ﵇ إلى بعير عائشة يدل أن ذلك كانت عادته معها، ولذلك رغبت حفصة في مصاحبته في ليلةٍ، لما لم تره في تلك الليلة أدركتها المغيرة، ولم تجد إلى القول (سبيلًا) (١) فتمنت الموت أن عقربًا يقرصها.
فصل:
ظاهر حديث عائشة أنه لا يقسم بينهما في السير والحديث، وأن ذلك كان مع عائشة دائمًا دون حفصة، فيحتمل أن هذا القدر لا تجب القسمة فيه؛ إذ الطريق ليس محلًّا للخلوة، ولا يحصل لها منه اختصاص، ويحتمل أن يقال: إن القدر الذي يقع به التسامح من السير والحديث مع أحدهما كان يسيرًا، كما كان يفعل في الحضر، فإنه يتحدث ويسأل وينظر في مصلحة البيت من غير إكثار، وعلى هذا فيكون إنما أدام ذلك؛ لأن أصل القسم لم يكن عليه واجبًا.
ولم يختلف الفقهاء في أن الحاضرة لا تحاسب المسافرة فيما مضى لها مع زوجها في السفر كما سلف، وكذلك لا يختلفون في القسم بين الزوجات في السفر، كما يقسم بينهن في الحضر (٢).
فصل:
وقع في بعض النسخ بعد قولها: (يَا رَبِّ، سَلِّطْ عَلَيَّ عَقْرَبًا أَوْ حَيَّةً تَلْدَغُنِي): رسولَك. كذا هو بالنصب بإضمار فعل، التقدير: انظر رسولك. ويجوز الرفع على الابتداء، وإضمار الخبر، وقد أسلفنا أن في رواية الإسماعيلي: ورسول الله ﷺ ينظر.
стр. 14889
وقولها: (وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ شَيْئًا). ظاهره أنه ﵇ لم يعرف القصة، أو يحتمل أن يكون عرفها بالوحي أو بالقرائن، وتغافل ﵇ عما جرى؛ إذ لم يجر فيها شيء يترتب عليه حكم.
стр. 14890
٩٨ - باب الْمَرْأَةِ تَهَبُ يَوْمَهَا مِنْ زَوْجِهَا لِضَرَّتِهَا، وَكَيْفَ يُقْسِمُ ذَلِكَ ؟
٥٢١٢ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ بِيَوْمِهَا وَيَوْمِ سَوْدَةَ. [انظر: ٢٥٩٣ - مسلم: ١٤٦٣ - فتح ٩/ ٣١٢].
ذكر فيه حديث عائشة ﵂ أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، وكان النبي ﷺ يقسم يومها ويوم سودة.
هذا الحديث سلف في المظالم عنها في تفسير ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ [النساء: ١٢٨]، وكذا في التفسير، في سورة النساء (١).
ويريد بقوله: (وكيف يقسم ذلك) أن تكون فيه الموهوبة بمنزلة الواهبة في رتبة القسمة، فإن كان يوم سودة تاليًا ليوم عائشة أو رابعًا أو خامسا استحقته عائشة على حسب القسمة التي كانت لسودة، ولا تتأخر عن ذلك اليوم ولا تتقدم، ولا يكون تاليًا ليوم عائشة إلا أن يكون يوم سودة بعد يوم عائشة. قال المهلب: وأجراه النبي ﷺ مجرى الحقوق الواجبة؛ ولم يجره على أصل المسألة من الحكم مما جعل الله له من ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] فأجراه مجرى الحقوق، وتفضلًا منه ﵇؛ ليكون أبلغ في رضاهن كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] أي: لا يحزن إذا كان منزلًا عليك من الله، ويرضين بما أعطيتهن من تقريب وإرجاء.
стр. 14891
وقال قتادة في قوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ الآية، قال: هذا شيء خصّ الله به نبيه، وليس لأحد غيره، كان يدع المرأة من نسائه ما بدا له بغير طلاق وإذا شاء راجعها.
قال غيره: وكان ممن آوى إليه عائشة وأم سلمة وزينب وحفصة، وكان قسمه من نفسه وماله فيهن سواء، وكان ممن أرجى: سودة وجويرية وصفية وأم حبيبة وميمونة، وكان يقسم لهن ما شاء.
واختلفوا في كم يقسم لكل واحدة من نسائه، فقال ابن القاسم: لم أسمع مالكًا يقول إلا: يومًا لهذِه ويومًا لهذِه (١).
وقال الشافعي: إن أراد أن يقسم ليلتين ليلتين، وثلاثا ثلاثا كان له ذلك، وأكره مجاوزة الثلاث من (العدد) (٢)(٣). وهو الأصح من مذهبه (٤).
قال ابن المنذر: ولا أرى مجاوزة يوم؛ إذ لا حجة مع من تخطى سنة رسول الله ﷺ إلى غيرها (٥)، ألا ترى قوله في الحديث أن سودة وهبت يومها لعائشة، ولم يحفظ عن رسول الله ﷺ في قسمته لأزواجه أكثر من يوم وليلة، ولو جاز ثلاثة لجاز خمسة وشهرًا، ثم يتخطى بالقول إلى ما لا نهاية له، ولا يجوز معارضة السنة.
وكان مالك يقول: لا بأس أن يقيم الرجل عند أم ولده اليوم واليومين والثلاثة، ولا يقيم عند الحرة إلا يومًا، من غير أن يكون
стр. 14892
مضارًّا بها (١). وكذلك قال الشافعي: يأتي الإماء ما شاء أكثر مما يأتي الحرائر الأيام والليالي، فإذا صار إلى الحرائر عدل بينهن (٢).
стр. 14893
٩٩ - باب العَدْلِ بَيْن النِّسَاءِ ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٢٩ - ١٣٠]
الشرح:
هذِه الآية نزلت في عائشة ﵂، ذكره ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن ابن أبي مليكة. وقال عبيدة: هو الحب والجماع (١).
ومعنى الآية: ولن تطيقوا أيها الرجال أن تسووا بين نسائكم في حبهن بقلوبكم، حتى تعدلوا بينهن في ذلك؛ لأن ذلك مما لا تملكونه، ولو حرصتم في تسويتكم بينهن في ذلك.
قال ابن عباس: لا تستطيع أن تعدل بالشهوة فيما بينهن ولو حرصت (٢).
قال ابن المنذر: ودلت هذِه الآية أن التسوية بينهن في المحبة غير واجبة. وقد أخبر رسول الله ﷺ أن عائشة أحب إليه من غيرها من أزواجه، فلا تميلوا كل الميل بأهوائكم حتى يحملكم ذلك أن تجوروا في القسم على الذين لا تحبون.
وقوله: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ يعني: لا أيم، ولا ذات بعل (٣) ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٢٩] يقول: وإن تصلحوا فيما بينكم وبينهن بالاجتهاد منكم في العدل بينهن وتتقوا
стр. 14894
الميل فيهن، فإن الله غفور ما عجزت عنه طاقتكم من بلوغ الميل منكم فيهن. وقد روى أصحاب السنن الأربعة من حديث عائشة ﵂، قالت: كان النبي ﷺ يقسم فيعدل ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك؛ فلا تلمني فيما تملك ولا أملك" يعني: القلب. إسناده على شرط مسلم، كما أفصح به الحاكم. وذكر الترمذي والنسائي أنه روي مرسلاً، وذكر الترمذي أن المرسل أصح. وأما ابن حبان فصحح الأول، كما حكم الحاكم (١).
وأخرج أصحاب السنن الأربعة أيضًا من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وشقه مائل" قال الترمذي: لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث همام بن يحيى (٢). قلت: هو ثقة بالإجماع، لا جرم صححه ابن حبان، وكذا الحاكم على شرط الشيخين (٣).
قال الطحاوي: وكأن معنى هذا الحديث عندنا على الميل إليها بغير إذن صاحبتها له في ذلك، فأما إذا أذنت له في ذلك وأباحته فليس يدخل في هذا المعنى، كما فعلت سودة حين وهبت يومها لعائشة؛ لأن حقها إنما تركته بطيب نفسها، فهي في حكمها لو لم يكن له امرأة غيرها.
стр. 14895
١٠٠ - باب إِذَا تَزَوَّجَ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ
٥٢١٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ -وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَقُولَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَلَكِنْ قَالَ:- السُّنَّةُ إِذَا تَزَوَّجَ الْبِكْرَ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا. [انظر: ٥٢١٤ - مسلم: ١٤٦١ - فتح ٩/ ٣١٣].
ذكر فيه حديث بشر بن خالد عن أبي قلابة عن أنس -لو شئت أن أقول: قال رسول الله ﷺ لقلت، ولكن قال-: السنة إذا تزوج البكر أقام عندها سبعًا، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثًا.
стр. 14896
١٠١ - باب إِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ عَلَى الْبِكْرِ
٥٢١٤ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ رَاشِدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَخَالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا وَقَسَمَ، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ عَلَى الْبِكْرِ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ قَسَمَ. قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: وَلَوْ شِئْتُ لَقُلْتُ: إِنَّ أَنَسًا رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، وَخَالِدٍ، قَالَ خَالِدٌ: وَلَوْ شِئْتُ قُلْتُ: رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ . [انظر: ٥٢١٣ - مسلم: ١٤٦١ - فتح ٩/ ٣١٤].
ذكر فيه حديث أبي أسامة عن سفيان، ثنا أيوب وخالد، عن أبي قلابة، عن أنس ﵁ قال: من السنة إذا تزوج الرجل البكر على الثيب أقام عندها سبعًا وقسم، وإذا تزوج الثيب على البكر أقام عندها ثلاثًا ثم قسم. قال أبو قلابة: ولو شئت لقلت: إن أنسًا رفعه إلى النبي ﷺ . وقال عبد الرزاق: أنا سفيان، عن أيوب وخالد، قال خالد: ولو شئت قلت: رفعه إلى النبي ﷺ .
الشرح:
هذا التعليق أخرجه مسلم، عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، ولما ذكر الترمذي حديث خالد الحذاء صححه، ثم قال: وقد رفعه محمد بن إسحاق، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، ولم يرفعه بعضهم (١). كأنه يشير إلى ما رواه ابن ماجه، عن هناد بن السري، ثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس ﵁: قال رسول الله ﷺ : "للثيب ثلاث وللبكر سبع" (٢).
стр. 14897
وقال أبو حاتم: روى محمد بن إسحاق هذا الحديث عن الحسن بن دينار، عن أيوب. فكنت معجبًا بهذا الحديث حتى رأيت علته (١).
ولم يتفرد به ابن إسحاق كما هو ظاهر إيراد الترمذي.
قال ابن حزم: أخرجه من حديث النبيل: ثنا سفيان بن سعيد، عن أيوب وخالد، كلاهما عن أبي قلابة، عن أنس، أن رسول الله ﷺ أقام عندها سبعًا (٢). وقال ابن عبد البر: لم يرفع حديث خالد، عن أبي قلابة، عن أنس في هذا غير أبي عاصم فيما زعموا. وأخطأ فيه. وأما حديث أيوب عن أبي قلابة فمرفوع، لم يختلفوا في رفعه (٣).
قلت: قد رفعه عنه سفيان الثوري كما أوردناه، وأخرجه أيضًا كذلك ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما من حديث عبد الجبار، عن سفيان، ثنا أيوب، فذكره مرفوعًا (٤).
وكذا أورده الإسماعيلي من حديث عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "للبكر سبع، وثلاث للثيب" ولما ذكره الدارقطني في "الغرائب والأفراد" قال: تفرد برفعه عبد الجبار بن العلاء، عن سفيان بن عيينة، عن أيوب، عن أبي قلابة (٥)، وفيه: ثم يعود إلى نسائه.
стр. 14898
ورواه أيضًا من حديث عبد الجبار، وقال: تفرد به عن سفيان، عن حميد، عن أنس مرفوعًا (١)، وهو في "صحيح ابن خزيمة" و"ابن حبان" كذلك مرفوعًا (٢).
ورواه ابن وهب في "مسنده"، عن عبد الله بن عمر ومالك ويحيى بن أيوب، عن حميد. وتؤيده أحاديث، منها: حديث أم سلمة أن النبي ﷺ أقام عندها ثلاثا. جاء في رواية أنها أمسكت بثوبه لما أراد الخروج أَبَى وقال: "إنه ليس بك على أهلك هوان، إن شئت سبعت لك، وإن سبعت لك سبعت لنسائي" أخرجه مسلم. وفي رواية: "إن شئت ثلثت وَدُرْتُ". قالت: ثلث. وفي رواية: "للبكر سبع وللثيب ثلاث" (٣). زاد ابن وهب: "إن شئت أن أزيدك زدتك، ثم حاصصتك به بعد اليوم".
وللدارقطني: كُنْ عندي اليوم، فقال: "إن شئت كنت عندك اليوم (وقاصصتك) (٤) به". ثم قال: " (للثيب) (٥) سبع ليال". وفي رواية: "إن شئت أقمت معك ثلاًثا خالصة لك". قالت: تقيم معي ثلاثا خالصة لي (٦).
وللبيهقي: "إن لك على أهلك كرامة" (٧).
ولابن أبي حاتم من حديث أبي قتيبة، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن [أبي] (٨) سلمة، عنها: "إن شئت سبعت لك وسبعت
стр. 14899
لنسائي، وإن شئت زدت في مهرك وزدت في مهورهن". ثم قال أبي: لو صح هذا الحديث لكانت الزيادة في المهر (جائزة) (١)(٢).
وللدارقطني من طريق مرسلة: تزوجها في شوال، وفيه: "وإلا فثلاثتك ثم أدور عليك في ليلتك" (٣).
ومنها: لأبي داود: لما أخذ ﵇ صفية أقام عندها ثلاثا، وكانت ثيبًا (٤).
ومنها: للدارقطني: من حديث الحجاج بن أرطأة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: "إذا تزوج الثيب فلها ثلاث، ثم يقسم" (٥)، وفي "مصنف عبد الرزاق": أنا ابن جريج، عن عمرو بن شعيب وابن إسحاق قالا: قال رسول الله ﷺ : "للبكر ثلاث وللثيب ليلتان" (٦). ومثله للدارقطني من حديث عائشة - بإسناد فيه ضعف - أنه ﵇ قال: "البكر إذا نكحها رجل وله نساء لها ثلاث ليالٍ، وللثيب ليلتان" (٧).
قال الترمذي: وبه قال بعض أهل العلم، والقول الأول أصح (٨).
وفي "المصنف": لما ذكر خالد الحذاء لابن سيرين قول أنس: للبكر سبع وللثيب ثلاث. قال محمد: زدتم، هذِه أربعًا وهذِه ليلة. رواه ابن عيينة عنه (٩).
стр. 14900
قال: وحدثنا عبد الأعلى، عن يونس، عن الحسن أنه قال: للبكر (ثلاثًا) (١) وللثيب ليلتين (٢). وفي حديث عبدة، عن سعيد، عن قتادة، عنه: يقيم عند البكر ثلاثًا، ويقيم عند الثيب ليلتين، ثم يقسم.
وحدثنا ابن مهدي عن حماد، عن إبراهيم: للبكر ثلاثًا، وللثيب ليلتين وثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن وسعيد بن المسيب وخلاس، قالوا: إذا تزوج البكر على امرأة أقام عندها ثلاثًا ثم يقسم، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ليلتين ثم يقسم.
وحدثنا يزيد، عن حميد، قال الحسن: سبع وليلتين (٣).
قال ابن المنذر: وروي عن نافع أيضًا أنه قال: للبكر ثلاث وللثيب ليلتان (٤).
وقال الثوري: لهذا القول كان يقال ذلك. وقال الأوزاعي: إذا تزوج البكر على الثيب مكث ثلاثًا، وإذا تزوج الثيب على البكر مكث يومين. وفي "المحلى" عن عبد الرزاق عن ابن جريج أنه سأل عطاء عن ذلك، فقال عطاء: ما ترون عن أنس بن مالك أنه قال: للبكر ثلاثًا وللثيب ليلتين (٥).
وحكاه في "التمهيد"، عن الثوري: إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها ليلتين ثم قسم بينهما (٦).
стр. 14901
وحكاه في "الاستذكار" عن الأوزاعي: مضت السنة أن يقيم عند البكر [سبعًا] (١) وعند الثيب أربعًا. ثم قال أبو عمر: أربعًا خطأ، ولعله من خطأ اليد (٢).
وقال ابن أبي شيبة: ثنا أبو قطن، عن شعبة، عن الحكم وحماد أنهما قالا: هما في القسم سواء (٣).
قال ابن المنذر: وهو قول الكوفيين، وأجمع كل من أحفظ عنه العلم على أن القسم بين المسلمة والذمية سواء؛ لأنهن حرائر، فلا فرق بينهن في أحكام الأزواج.
وروينا عن علي ﵁ أنه قال: إذا تزوج الحر الحرة على الأمة قسم للحرة يومين وللأمة يومًا.
وقال به سعيد بن المسيب ومسروق والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور، وذكر أبو عبيد أنه قول الثوري والأوزاعي وأهل الرأي.
وقال مالك: إذا تزوج العبد حرة وأمة عدل بينهما بالسوية. وقال الكوفيون: يقسم بينهما كما يقسم الحر، وبه قال أبو ثور.
وكان أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور يقولون: الصحيح، والمريض، والعنين، والخصي، والمجبوب، في القسم سواء. وكان الشافعي يقول في المرأة تثقل: لا بأس أن يقيم عندها حتى تخف أو تموت، ثم يوفي
стр. 14902
من بقي من نسائه مثل ما أقام عندها. وبه قال أبو ثور، وقال الكوفيون ما مضى هدر، ويستقبل العدل فيما يستقبل.
قال مالك وأبو حنيفة: الصغيرة التي جومعت والبالغ سواء.
وقال الشافعي وأبو حنيفة ومالك: الحائض، والنفساء، والمريضة، والمجنونة التي لا تمتنع، والصحيحة سواء في القسم.
قال الشافعي: إن أراد أن يقسم ليلتين ليلتين، أو ثلاثًا ثلاثًا، كان ذلك له، وأكره مجازوة الثلاث (١).
وهذا سلف، وحاصل اختلاف العلماء في الباب أن طائفة قالت: يقيم عند البكر سبعا، وعند الثيب ثلاثًا. إذا كانت له امرأة أخرى أو أكثر، على النص السالف، ثم يقسم بينهما، ولا يقضي للمتقدمة بدل ما أقام عند الجديدة. وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وأبي عبيد، حجتهم حديث الباب.
وأخرى قالت: للثيب ليلتين وللبكر ثلاثًا وهو قول ابن المسيب والحسن والأوزاعي -كما سلف - قال: إذا تزوج البكر على الثيب مكث ثلاثًا، وإذا تزوج الثيب على البكر أقام يومين.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يقيم عند البكر إلا كما يقيم عند الثيب، وهما سواء في ذلك؛ احتجاجا بحديث أم سلمة السالف: "ثلثت ودرت" (٢). فلم يعطها في السبع شيئًا إلا أعلمها أنه يعطي غيرها مثلها، فدل ذلك على المساواة بينهن، وكذلك قوله: "وإن شئت ثلثت ودرت" أي: أدور مثلثا أيضًا لهن، كما أدور سبعًا إن
стр. 14903
سبعت لك. ولو استحقت الثيب ثلاثة أيام قسمة لها، لوجب إذا سبع عندها أن يربع لهن.
أجاب عنه الأولون بأن قوله ﵇: "ليس بك على أهلك هوان" يدل على أنه رأى منها أنها استقلت الثلاث التي هي حقها فأنسها بذلك. أي: لست أقسم لك ثلاثًا لهوانك عندي، وإنما قسمتها لك؛ لأنه حق الثيب، وخيرها بين أعلى الحقوق وأشرفها عند النساء. وهي السبع، وبين الثلاث، على شرط: إن اختارت السبع قسم لكل (ثيب) (١) مثلها، وإن اختارت الثلاث التي هي حقها لم يقسم لغيرها مثلها، فرأت أن الثلاث التي هي حقها أفضل لها؛ إذ لا يقسم لغيرها مثلها، ولسرعة رجوعه إليها، فاختارتها وطابت نفسها عليها، ورأت أنها أرجح عندها من أن يسبع عندها على أن يسبع عند غيرها، وفي هذا ضرب من الرفق واللطف بمن يخشى منه كراهية سؤال الحق؛ حتى يتبين له فضله، ويختار الرجوع إليه.
ومما يبطل قول الكوفيين أنه إن ثلث عندها ثلث عندهن، ثم يستأنف القسم، أنه ﵇ لما ذكر السبع قرنها بالقضاء -كما سلف - ولما ذكر الثلاث لم يقرنها به؛ لأن الدوران عليهن يقتضي ابتداء قسم لا قضاء، فسقط قولهم. وقد خالفوا حديث أم سلمة؛ لأنه ﵇ جعل لها الخيار في القسم، وأبو حنيفة يجعله إلى الزوج، وفي هذا مخالفة الخبر. قال (أحمد) (٢) بن خالد (٣): هذا الباب عجيب، إنه صار فيه أهل المدينة
стр. 14904
إلى ما رواه أهل العراق؛ لأن حديث أنس بصري، وصار فيه أهل العراق إلى ما رواه أهل المدينة، وقول أهل المدينة أولى؛ لقول أنس: السنة كذا، والصحابي إذا ذكر السنة بالألف واللام فإنما أشار إلى سنته ﵇، وقد خرج بذلك أيضًا كما سلف. واللام في قوله: "للبكر سبع وللثيب ثلاث" لام الملك، فدل أن ذلك حق من حقوقها فمحال أن يحاسبها بذلك.
وقول ابن المسيب والحسن خلاف الآثار، فلا معنى له، وكذلك قال أبو عمر فيه: عجيب؛ لأنه صار فيه أهل الكوفة إلى ما رواه أهل المدينة عن أم سلمة، وصار فيه أهل المدينة إلى ما رواه أهل العراق عن أنس (١).
واحتج أبو حنيفة وداود ومن قال بالتسوية بين البكر والثيب بما يجب من العدل بين النساء، وبحديث عائشة ﵂ وأبي هريرة المذكررين في آخر الباب قبله (٢).
قال محمد بن الحسن: لأن الحرمة لهما سواء، ولم يكن ﵇ يؤثر واحدة على أخرى. واحتج بقوله: "إن سبعت لكِ سبعت لنسائي، وإن
стр. 14905
شئت ثلثت ودرت" (١). يعني: بمثل ذلك أدور ثلاثًا ثلاثًا، ولم يعطها في السبع شيئًا إلا أعلمها، كما سلف.
وفي "فضائل الشافعي" للحاكم أن الشافعي لما احتج عليه بأنه لم يعطها في السبع شيئًا إلا أعلمها أنه يعطي غيرها مثله بقوله: إنها كانت ثيبًا، فلم يكن لها إلا الثلاث، فقال لها: إن أردت حق البكر وهي أعلى حقوق النساء وأشرفها عندهن بعفوك حقك إذ لم تكوني بكرا، فيكون لك سبع، فقلت: وإن لم تريدي غيره وأردت حقك، فهو ثلاث. قال: قال: حقه، فهل له وجه غيره؟ قلت: لا، إنما يخير من له حق يشركه فيه غيره، (في) (٢) أن يترك من حقه. قلت له: يلزمك أن تقول مثل ما قلنا؛ لأنك زعمت أنك لا تخالف الواحد من الصحابة ما لم يخالفه مثله، ولا نعلم هنا مخالفا لما ذكره، والسنة ألزم لك من قولك (٣).
فصل:
عند أكثر العلماء ذلك واجب لها، كان عند الرجل زوجة أم لا؛ للحديث السالف، ولم يخص من له زوجة ممن لا زوجة له. وصححه ابن بطال، ونقل عن ابن عبد الحكم أن مراد الحديث: من له زوجة ثم تزوج عليها. وعن بعضهم: المراد العموم؛ لأن السنة لم تخص. ثم نقل عن ابن القاسم عن مالك أن المقام المذكور إذا كان له امرأة أخرى واجب، وعن ابن عبد الحكم أنه مستحب (٤).
стр. 14906
وقد اختلفوا في المقام المذكور: هل هو من حقوقها عليه أو من حقوقه على سائر نسائه؟ فقالت طائفة: هو حقها، إن شاءت طالبت به وإن شاءت تركته.
وقال آخرون: هو من حقوقه، إن شاء أقام عندها وإن شاء لم يقم، فإن أقام عندها ففيه من الاختلاف ما ذكرناه، وإن لم يقم عندها إلا ليلة دار، وكذلك إن أقام ثلاثًا دار على ما ذكرنا من اختلافهم.
والأول عندي أولى؛ لإخبار الشارع أن ذلك حق للبكر والثيب. وقال ابن التين: في بعض حديث أم سلمة الحجة لأبي حنيفة في قوله: إن السبعة والثلاث للاستئناس، ثم يقسم لصواحبها كذلك، ويحاسبها بالأيام التي حبس عندها.
ونقل ابن التين عن مذهب مالك أنه لا يحاسبها، ثم قال: فإن ذلك حق لها. وقيل: للزوج، يريد: إذا كان له نسوة سواها. وقيل: لهما جميعًا.
وفائدة الخلاف: أنها إذا تركته قُسّم بينها وبين غيرها، إذا قلنا: إنه حق لها. وعلى القول بأنه حق له أيضًا إذا تركتْ حقه قسم بينها وبين صواحبها، وإن كرهت. وإن قلنا: لهما -وهو الصحيح- فلا يقسم لها ولهن إلا برضاهما جميعًا، أو تنقضي المدة.
فصل:
قال الباجي في "منتقاه": هل يتخلف العروس في هذِه المدة عن الجماعة والجمعة؟ روى ابن القاسم عن مالك المنع (١)، ونقله ابن بطال عن الشافعي، وقال: سحنون: عن بعضهم أنه لا يخرج؛ لأن
стр. 14907
ذلك حق لها بالسنة، وهذا على من تأول إقامته عند البكر والثيب على العموم، ومن رأى أن يخرج إلى الصلاة تأول إقامته عندها على ما يجب لها من القسمة والمبيت دون غيرها من أزواجه، فليس ذلك بمانع له من الحضور، كما يفعل غير العروس في قسمته بين نسائه، وليس له التخلف عن الجماعة (١).
ووجه كونه لا يخرج: أن من ملك منافع أجير في مدة ما، فإنه يسقط عنه بذلك فرائض الجمعة وحقوق الجماعات، كالسيد في عبده، فإن قلنا: إنه حق للزوجة. هل: يقضى به على الزوج أم لا؟ قال أشهب: هو حق عليه، ولا يقضى به عليه كالمتعة. وعن محمد بن عبد الحكم: يقضى به.
قال ابن حبيب: ويخرج إلى حوائجه وصلاته، بكرًا كانت أو ثيبًا، كانت له زوجة أم لا.
وروى ابن أبي أويس، عن مالك فيمن دخل على امرأته ليلة الجمعة أيتخلف عن الجمعة؟ قال: لا، تزوج أمير المؤمنين المهدي بالمدينة، فخرج إلى الصبح وغيرها (٢).
فصل:
خص البكر بالسبع؛ لما في خلق الأبكار من الاستيحاش من الرجال، والنفار من معاشرتهم، ولما يلقى الرجل من معالجتهن في الوصول إليهن، بخلاف الثيب؛ لسهولة أمرها، وعلمها بمباشرة الرجال، لم يفسح لها في المدة أكثر من ثلاث.
стр. 14908
فصل:
عندنا أن المقام عندهما كذلك واجب، وهي رواية ابن القاسم، عن مالك. وفي رواية ابن عبد الحكم: مستحبة (١).
стр. 14909
١٠٢ - باب مَنْ طَافَ عَلَى نِسَائِهِ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ
٥٢١٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِى اللَّيْلَةِ الْوَاحِدَةِ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ. [انظر: ٢٦٨ - مسلم: ٣٠٩ - فتح ٩/ ٣٠٦].
ذكر فيه حديث قتادة أن أنس بن مالك ﵁ حدثهم أن نبي الله ﷺ كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة، وله يومئذ تسع نسوة.
هذا الحديث سلف في الغسل، فراجعه، وقد سلف هناك: إحدى عشرة. ونقل ابن التين بعد أن ذكره بلفظ سبع، عن الشيخ أبي الحسن: المعروف تسع.
قلت: وهو الموجود في الأصول. ثم قال: ويحتمل أن يكون هذا قبل تزويجه بصفية، وبعد ترك سودة ليومها. ونقل ابن بطال عن جماعة العلماء أنه لا يجوز أن يطأ امرأته في ليلة أخرى، وإنما يجوز في الإماء؛ حيث لا قسمة لهن.
قال ابن حبيب: وإذا وطئ الرجل إحدى امرأتيه في يومها، ثم أراد أن يطأ الأخرى قبل أن يغتسل فحللت له امرأته التي لها ذلك اليوم، فلا بأس به.
ويكره للرجل أن يجمع بين امرأتين من نسائه في فراشٍ واحد وإن رضيتا بذلك، ولا يجوز أن يطأ الواحدة والأخرى معه في البيت، وإن لم تسمع ذلك. قال ابن الماجشون: ويكره أن يكون معه في البيت بهيمة أو حيوان. وكان ابن عمر إذا فعل ذلك أخرج كل من عنده في البيت حتى الصبي الممهود، ولا بأس أن يطأ امرأته الحرة ثم يطأ أمته قبل أن يغتسل، ولا بأس أن يطأ حرته قبله.
стр. 14910
قال غيره: لما جاز له أن يطأ امرأته مرتين أو ثلاثا ثم يغتسل في آخر ذلك، إذا حضر وقت الصلاة، جاز له أن يطأ امرأتين في ليلة إذا أذنت له صاحبة الليلة، ويغتسل غسلًا واحدًا؛ لفعله ﵇ في طوافه على نسائه بغسل واحد في ليلة واحدة. قال ابن الماجشون ولا يجب على الرجل أن يغشى امرأتيه جميعًا في ليلتهما، ولا بأس أن يغشي إحداهما ويكف عن الأخرى ما لم يرد به الضرر والميل (١).
стр. 14911
١٠٣ - باب دُخُولِ الرَّجُلِ عَلَى نِسَائِهِ فِي الْيَوْمِ
٥٢١٦ - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها -: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا انْصَرَفَ مِنَ الْعَصْرِ دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ، فَيَدْنُو مِنْ إِحْدَاهُنَّ، فَدَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ، فَاحْتَبَسَ أَكْثَرَ مَا كَانَ يَحْتَبِسُ. [انظر: ٤٩١٢ - مسلم: ١٤٧٤ - فتح ٩/ ٣١٦].
ذكر فيه حديث عائشة ﵂ قالت: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا انْصَرَفَ مِنَ العَصْرِ دَخَلَ على نِسَائِهِ، فَيَدْنُو مِنْ إِحْدَاهُنَّ، فَدَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ، فَاحْتَبَسَ أَكْثَرَ مَا كَانَ يَحْتَبِسُ.
قال الداودي: جعل ما بعد العصر ملغًى، وأجاز مالك عند محمد أن يأتي الأخرى في حاجة، وليضع ثيابه إذا كان على غير ميل، وقال أيضًا: لا يقيم عند إحداهما إلا من عذر. وقال ابن الماجشون: لا بأس أن يقف بباب إحداهما ويسلم من غير أن يدخل، وأن يأكل مما تبعث إليه. قال المهلب: هذا إنما كان يفعله ﵇ نادرًا، ولم يكن يفعله أبد الدهر، وإنما كان يفعله لما أباح الله له بقوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] فكان يُذكِّرهن بهذا الفعل في الغبِّ بإفضاله عليهن في العدل بينهن؛ لئلا يظنوا أن القسمة حق لهن عليه.
وقال غيره: ليس حقيقة القسم بين النساء إلا في الليل خاصة؛ لأن للرجل التصرف نهاره في معيشته وما يحتاج إليه من أموره، فإذا كان دخوله عليها في غير يومها دخولًا خفيفًا، في حاجة يقضيها، فلا أعلم خلافًا بين العلماء في جواز ذلك، ذكره ابن المواز عن مالك، قال: لا يأتي إلى واحدة من نسائه في يوم الأخرى إلا لحاجة أو عيادة.
стр. 14912
قال غيره: وأما جلوسه عندها ومحادثتها تلذذًا بها، فلا يجوز ذلك عندهم في غير يومها (١).
فصل:
عماد القسم في حق أغلب الناس الليل، والنهار تبع، وليس له الدخول في نوبة على أخرى ليلاً إلا لضرورة كالمرض المخوف، ثم إن طال مكثه قضى، وله الدخول نهارًا؛ لوضح متاع ونحوه، وينبغي ألا يطول مكثه. والأصح عندنا أنه لا يقضي إذا دخل لحاجة، وأن له ما سوى الوطء من الاستمتاعات، وأنه يقضي إذا دخل بلا سبب.
فصل:
لا يجب التسوية في الإقامة نهارًا
стр. 14913
١٠٤ - باب إِذَا اسْتَأْذَنَ الرَّجُلُ نِسَاءَهُ فِي أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِ بَعْضِهِنَّ، فَأَذِنَّ لَهُ
٥٢١٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَسْأَلُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ «أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ أَيْنَ أَنَا غَدًا؟». يُرِيدُ يَوْمَ عَائِشَةَ، فَأَذِنَ لَهُ أَزْوَاجُهُ يَكُونُ حَيْثُ شَاءَ، فَكَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ حَتَّى مَاتَ عِنْدَهَا. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَاتَ فِي الْيَوْمِ الَّذِى كَانَ يَدُورُ عَلَيَّ فِيهِ فِي بَيْتِي، فَقَبَضَهُ اللهُ، وَإِنَّ رَأْسَهُ لَبَيْنَ نَحْرِي وَسَحْرِي، وَخَالَطَ رِيقُهُ رِيقِي. [انظر: ٨٩٠ - مسلم: ٢٤٤٣ - فتح ٩/ ٣١٧].
ذكر فيه حديث عائشة ﵂ أنه ﵇ كَانَ يَسْأَلُ فِي مَرَضِهِ الذِي مَاتَ فِيهِ: "أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ ". يُرِيدُ يَوْمَ عَائِشَةَ، فَأَذِنَ لَهُ أَزْوَاجُهُ يَكُونُ حَيْثُ شَاءَ، فَكَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ حَتَّى مَاتَ عِنْدَهَا. قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَمَاتَ فِي اليَوْمِ الذِي كَانَ يَدُورُ فِيهِ فِي بَيْتِي، فَقَبَضَهُ اللهُ، وَإِنَّ رَأْسَهُ لَبَيْنَ سَحْرِي ونَحْرِي، وَخَالَطَ رِيقُهُ رِيقِي.
هذا الحديث تقدم قريبًا في باب مرضه ﵇، مطولًا (١).
وفيه فوائد:
الأولى: حب الرجل لبعض أزواجه أكثر من بعض.
ثانيها: أن القسم حق للزوجة؛ ولذلك استأذنهن أن يمرض في بيتها، وإنما فعل ذلك؛ لأنها كانت توافقه، وكانت أرفق به وألطف بتمريضه، مع أن المرض إذا كان ثقيلًا لا يقدر فيه على الانتقال والحركة سقطت القسمة.
стр. 14914
قال ابن حبيب: إذا مرض مرضًا لا يقوى معه على الاختلاف فيما بينهن، كان له أن يعدل بينهن في القسم، إلا أن يكون مرضه مرضًا قد غلبه ولا يقدر على الاختلاف، فلا بأس أن يقيم حيث أحب، مالم يكن منه ميل، فإذا صح عدل بينهن فيها، ولم يحسب للتي لم يقم عندها ما أقام عند غيرها، وهو قول مالك (١)، واتفقوا إذا مرضت هي أن لها أيامها من القسم كالصحيحة، واختلفوا إذا اشتد مرضها وثقلت. وقد سلف بيانه.
وفيه: العدل بين النساء في مرض الموت.
فائدة:
النحر معروف وهو الصدر، والسحر: الرئة وما معها. وقيل: ما بين الثديين، وانفرد الفراء فحكى الضم في السحر (٢).
وقولها: (وخالط ريقه ريقي). تريد: أنها لينت له بفيها سواكًا، فاستاك، فكان آخر شيء دخل جوفه ريقها.
وقولها: (فَمَاتَ .. ) إلى آخره. هو غاية الكرامة لها.
стр. 14915
١٠٥ - باب حُبِّ الرَّجُلِ بَعْضَ نِسَائِهِ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ
٥٢١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ - رضى الله عنهم - دَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ فَقَالَ: يَا بُنَيَّةِ، لَا يَغُرَّنَّكِ هَذِهِ الَّتِي أَعْجَبَهَا حُسْنُهَا حُبُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِيَّاهَا -يُرِيدُ عَائِشَةَ- فَقَصَصْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَتَبَسَّمَ. [انظر: ٨٩ - مسلم: ١٤٧٩ - فتح ٩/ ٣١٧].
ذكر فيه حديث عمر ﵁ أنه دَخَلَ على حَفْصَةَ فَقَالَ: يَا بُنَيَّةِ، لَا يَغُرَّنَّكِ هذِه التِي أَعْجَبَهَا حُسْنُهَا حُبُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ إيَّاهَا -يُرِيدُ عَائِشَةَ- فَقَصَصْتُ عَلَى رَسولِ اللهِ ﷺ فتَبَسَّمَ. هذا الحديث سلف قريبًا.
وقوله: (يَا بُنَيَّةِ). كذا هو في الأصول، وكذا رواه أبو ذر، وروي: (يابني) مرخمًا، وتفتح ياؤه وتضم.
وقوله: (هذِه التِي أَعْجَبَهَا حُبُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ). وفي بعض النسخ: (أعجبها حسنها حب رسول الله ﷺ ) (١) هو بفتح النون من (حسنها)؛ لأنه مفعول من أجله، و (حب) فاعل، تقديره: أعجبها حب رسول الله ﷺ إياها؛ لأجل حسنها. وقيل: إنه مرفوع كالحب، مثل: أعجبني زيد حلمه عقله علمه. وهو غير صحيح؛ لأن أعجبني زيد حلمه عقله هو بدل اشتمال فزيد مرفوع، والمبدل منه مرفوع مثله، والضمير هنا الذي مع (أعجبها) منصوب، لا يصح بدل الحسن منه ولا الحب؛ لأنهما لا يعقلان فيصح أن يتعجبا، ولا يبدل الحب من الحسن إلا في بدل الغلط، وهو ليس في القرآن ولا في الكلام الفصيح، نبه عليه ابن التين.