١٠٣ - باب دُخُولِ الرَّجُلِ عَلَى نِسَائِهِ فِي الْيَوْمِ
٥٢١٦ - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها -: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا انْصَرَفَ مِنَ الْعَصْرِ دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ، فَيَدْنُو مِنْ إِحْدَاهُنَّ، فَدَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ، فَاحْتَبَسَ أَكْثَرَ مَا كَانَ يَحْتَبِسُ. [انظر: ٤٩١٢ - مسلم: ١٤٧٤ - فتح ٩/ ٣١٦].
ذكر فيه حديث عائشة ﵂ قالت: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا انْصَرَفَ مِنَ العَصْرِ دَخَلَ على نِسَائِهِ، فَيَدْنُو مِنْ إِحْدَاهُنَّ، فَدَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ، فَاحْتَبَسَ أَكْثَرَ مَا كَانَ يَحْتَبِسُ.
قال الداودي: جعل ما بعد العصر ملغًى، وأجاز مالك عند محمد أن يأتي الأخرى في حاجة، وليضع ثيابه إذا كان على غير ميل، وقال أيضًا: لا يقيم عند إحداهما إلا من عذر. وقال ابن الماجشون: لا بأس أن يقف بباب إحداهما ويسلم من غير أن يدخل، وأن يأكل مما تبعث إليه. قال المهلب: هذا إنما كان يفعله ﵇ نادرًا، ولم يكن يفعله أبد الدهر، وإنما كان يفعله لما أباح الله له بقوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] فكان يُذكِّرهن بهذا الفعل في الغبِّ بإفضاله عليهن في العدل بينهن؛ لئلا يظنوا أن القسمة حق لهن عليه.
وقال غيره: ليس حقيقة القسم بين النساء إلا في الليل خاصة؛ لأن للرجل التصرف نهاره في معيشته وما يحتاج إليه من أموره، فإذا كان دخوله عليها في غير يومها دخولًا خفيفًا، في حاجة يقضيها، فلا أعلم خلافًا بين العلماء في جواز ذلك، ذكره ابن المواز عن مالك، قال: لا يأتي إلى واحدة من نسائه في يوم الأخرى إلا لحاجة أو عيادة.
стр. 14912
قال غيره: وأما جلوسه عندها ومحادثتها تلذذًا بها، فلا يجوز ذلك عندهم في غير يومها (١).
فصل:
عماد القسم في حق أغلب الناس الليل، والنهار تبع، وليس له الدخول في نوبة على أخرى ليلاً إلا لضرورة كالمرض المخوف، ثم إن طال مكثه قضى، وله الدخول نهارًا؛ لوضح متاع ونحوه، وينبغي ألا يطول مكثه. والأصح عندنا أنه لا يقضي إذا دخل لحاجة، وأن له ما سوى الوطء من الاستمتاعات، وأنه يقضي إذا دخل بلا سبب.
فصل:
لا يجب التسوية في الإقامة نهارًا
стр. 14913
١٠٤ - باب إِذَا اسْتَأْذَنَ الرَّجُلُ نِسَاءَهُ فِي أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِ بَعْضِهِنَّ، فَأَذِنَّ لَهُ
٥٢١٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَسْأَلُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ «أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ أَيْنَ أَنَا غَدًا؟». يُرِيدُ يَوْمَ عَائِشَةَ، فَأَذِنَ لَهُ أَزْوَاجُهُ يَكُونُ حَيْثُ شَاءَ، فَكَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ حَتَّى مَاتَ عِنْدَهَا. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَاتَ فِي الْيَوْمِ الَّذِى كَانَ يَدُورُ عَلَيَّ فِيهِ فِي بَيْتِي، فَقَبَضَهُ اللهُ، وَإِنَّ رَأْسَهُ لَبَيْنَ نَحْرِي وَسَحْرِي، وَخَالَطَ رِيقُهُ رِيقِي. [انظر: ٨٩٠ - مسلم: ٢٤٤٣ - فتح ٩/ ٣١٧].
ذكر فيه حديث عائشة ﵂ أنه ﵇ كَانَ يَسْأَلُ فِي مَرَضِهِ الذِي مَاتَ فِيهِ: "أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ ". يُرِيدُ يَوْمَ عَائِشَةَ، فَأَذِنَ لَهُ أَزْوَاجُهُ يَكُونُ حَيْثُ شَاءَ، فَكَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ حَتَّى مَاتَ عِنْدَهَا. قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَمَاتَ فِي اليَوْمِ الذِي كَانَ يَدُورُ فِيهِ فِي بَيْتِي، فَقَبَضَهُ اللهُ، وَإِنَّ رَأْسَهُ لَبَيْنَ سَحْرِي ونَحْرِي، وَخَالَطَ رِيقُهُ رِيقِي.
هذا الحديث تقدم قريبًا في باب مرضه ﵇، مطولًا (١).
وفيه فوائد:
الأولى: حب الرجل لبعض أزواجه أكثر من بعض.
ثانيها: أن القسم حق للزوجة؛ ولذلك استأذنهن أن يمرض في بيتها، وإنما فعل ذلك؛ لأنها كانت توافقه، وكانت أرفق به وألطف بتمريضه، مع أن المرض إذا كان ثقيلًا لا يقدر فيه على الانتقال والحركة سقطت القسمة.
стр. 14914
قال ابن حبيب: إذا مرض مرضًا لا يقوى معه على الاختلاف فيما بينهن، كان له أن يعدل بينهن في القسم، إلا أن يكون مرضه مرضًا قد غلبه ولا يقدر على الاختلاف، فلا بأس أن يقيم حيث أحب، مالم يكن منه ميل، فإذا صح عدل بينهن فيها، ولم يحسب للتي لم يقم عندها ما أقام عند غيرها، وهو قول مالك (١)، واتفقوا إذا مرضت هي أن لها أيامها من القسم كالصحيحة، واختلفوا إذا اشتد مرضها وثقلت. وقد سلف بيانه.
وفيه: العدل بين النساء في مرض الموت.
فائدة:
النحر معروف وهو الصدر، والسحر: الرئة وما معها. وقيل: ما بين الثديين، وانفرد الفراء فحكى الضم في السحر (٢).
وقولها: (وخالط ريقه ريقي). تريد: أنها لينت له بفيها سواكًا، فاستاك، فكان آخر شيء دخل جوفه ريقها.
وقولها: (فَمَاتَ .. ) إلى آخره. هو غاية الكرامة لها.
стр. 14915
١٠٥ - باب حُبِّ الرَّجُلِ بَعْضَ نِسَائِهِ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ
٥٢١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ - رضى الله عنهم - دَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ فَقَالَ: يَا بُنَيَّةِ، لَا يَغُرَّنَّكِ هَذِهِ الَّتِي أَعْجَبَهَا حُسْنُهَا حُبُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِيَّاهَا -يُرِيدُ عَائِشَةَ- فَقَصَصْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَتَبَسَّمَ. [انظر: ٨٩ - مسلم: ١٤٧٩ - فتح ٩/ ٣١٧].
ذكر فيه حديث عمر ﵁ أنه دَخَلَ على حَفْصَةَ فَقَالَ: يَا بُنَيَّةِ، لَا يَغُرَّنَّكِ هذِه التِي أَعْجَبَهَا حُسْنُهَا حُبُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ إيَّاهَا -يُرِيدُ عَائِشَةَ- فَقَصَصْتُ عَلَى رَسولِ اللهِ ﷺ فتَبَسَّمَ. هذا الحديث سلف قريبًا.
وقوله: (يَا بُنَيَّةِ). كذا هو في الأصول، وكذا رواه أبو ذر، وروي: (يابني) مرخمًا، وتفتح ياؤه وتضم.
وقوله: (هذِه التِي أَعْجَبَهَا حُبُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ). وفي بعض النسخ: (أعجبها حسنها حب رسول الله ﷺ ) (١) هو بفتح النون من (حسنها)؛ لأنه مفعول من أجله، و (حب) فاعل، تقديره: أعجبها حب رسول الله ﷺ إياها؛ لأجل حسنها. وقيل: إنه مرفوع كالحب، مثل: أعجبني زيد حلمه عقله علمه. وهو غير صحيح؛ لأن أعجبني زيد حلمه عقله هو بدل اشتمال فزيد مرفوع، والمبدل منه مرفوع مثله، والضمير هنا الذي مع (أعجبها) منصوب، لا يصح بدل الحسن منه ولا الحب؛ لأنهما لا يعقلان فيصح أن يتعجبا، ولا يبدل الحب من الحسن إلا في بدل الغلط، وهو ليس في القرآن ولا في الكلام الفصيح، نبه عليه ابن التين.
стр. 14916
فصل:
قال الطبري: قوله: (لَا يَغُرَّنَّكِ .. ) إلى آخره. يريد: عائشة، ففيه دليل على أنه لا حرج على من كان عنده جماعة نسوة في إيثار بعضهن في المحبة على بعض، إذا سوى بينهن في القسمة. ومثله الحديث السالف: "اللهم هذا قسمي" إلى آخره (١). فالذي سأل ربه ألا يلزمه ما كان لا يملكه من نفسه هو ما جبلت عليه القلوب من الميل بالمحبة إلى من هويته، وذلك مما لا سبيل للعباد إلى خلافه ودفعه عنه، وهو المعنى الذي أخبر عنه تعالى أنهم لا يطيقونه من معاني العدل بين النساء، فعلم بذلك أن كل ما كان عارضًا لقلب ابن آدم من شيء مال إليه بالمحبة والهوى، مما لم يجتلبه المرء إليه باكتساب، ولم يتجاوزه العارض منه في قلبه إلى مالا يكرهه اليه ولا يرضاه من العمل بجوازه، فلا حرج عليه في ذلك، ولا تبعة تلحقه فيه فيما بينه وبين الله بسبب ما عرض له من فرض هوى وصيانة نفس. قال ابن حبيب: فلما كان القلب لا يملك، ولا يستطاع العدل فيه؛ وضع الله عن عباده الحرج في ذلك، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
стр. 14917
وحسب الرجل أن يسوي بين نسائه في القوت والإدام واللباس على قدرها وكفايتها، ويقسم لها يومًا وليلة فيبيت عندها، وسواء كانت حائضًا أو طاهرًا، ثم لا حرج أن يوسع على إحداهن دون غيرها من صواحباتها بأكثر من ذلك من مال، فأما المسيس فعلى قدر نشاطه إذا لم يكن حبسه لنفسه عنها إبقاء لغيرها، لمن هي أحب إليه وألصق بقلبه، فذلك لا يحل أن يفعله، وهو من الميل الذي نهى عنه الله، فأما أن ينشط لهذِه في ليلتها ويكسل عن هذِه في ليلتها، فلا حرج عليه في ذلك، وذلك من الذي يقع في القلب مما لا يملكه العبد.
فصل:
قال المهلب: وفيه: أن الصهر قد يعاتب ابنته على الإفراط في المغيرة على زوجها، وينهاها عن مساماة من هي عند الزوج أحظى منها؛ لئلا يحرج ذلك الزوج؛ ويئول إلى الفرقة.
стр. 14918
١٠٦ - باب الْمُتَشَبِّعِ بِمَا لَمْ يَنَلْ، وَمَا يُنْهَى مِنِ افْتِخَارِ الضَّرَّةِ
٥٢١٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ، عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِى ضَرَّةً، فَهَلْ عَلَىَّ جُنَاحٌ إِنْ تَشَبَّعْتُ مِنْ زَوْجِي غَيْرَ الَّذِي يُعْطِينِي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ». [مسلم: ٢١٣٠ - فتح ٩/ ٣١٧].
ذكر فيه حديث هشام عن فاطمة، عَنْ أَسْمَاءَ ﵂ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي ضَرَّةً، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ إِنْ تَشَبَّعْتُ مِنْ زَوْجِي غَيْرَ الذِي يُعْطِينِي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ".
هذا الحديث أخرجه مسلم من حديث وكيع، وعبدة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أن امرأة قالت: يا رسول الله، أقول: إن زوجي أعطاني مالم يعطني، فقال: "الْمُتَشَبِّعُ" إلى آخره (١).
واعترضوا عليه فيه، فلما ذكره النسائي من هذا الوجه قال: إنه خطأ، والصواب حديث أسماء (٢).
وقال الدارقطني في "علله" (٣): هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂، إنما يرويه هكذا معمر والمبارك بن فضالة. والصحيح: عن
стр. 14919
فاطمة عن أسماء. وإخراج مسلم حديث هشام، عن أبيه، عن عائشة لا يصح، والصواب: حديث عبدة ووكيع وغيرهما عن هشام، عن فاطمة، عن أسماء. وقال في "التتبع": هذا لا يصح، أحتاج أن انظر في كتاب مسلم، فإني وجدته في رقعة والصواب: عن عبدة ووكيع وغيرهما، عن أسماء (١). وجاء في الإسماعيلي: إن لي جارة. وهي الضرة، كما سلف.
قال أبو عبيد: المتشبع: المتزين بأكثر مما عنده، يتكثر بذلك ويتزين بالباطل، كالمرأة يكون لها ضرة فتتشبع عندها بما تدعيه من الحظوة عند زوجها بأكثر مما عندها، تريد بذلك غيظ صاحبتها وإدخال الأذى عليها، وكذلك هذا في الرجل (٢).
وقوله: ("كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ") يريد: أن الرجل يلبس ثياب أهل الزهد والعبادة. ومقصوده: أنه يظهر للناس اتصافه بذلك بأكثر مما في قلبه، فهذِه ثياب زور ورياء. وقيل: هو كمن لبس ثوبين لغيره، فأوهم أنهما له. وقيل: هو من يلبس قميصًا واحدًا ويصل بكميه كمين آخرين، فيظهر أن عليه قميصين.
قال الخطابي: والمراد هنا بالثوب: الحالة والمذهب، والعرب تكني بالثوب عن حال لابسه، ومعناه: أنها كالكاذب القائل مالم يكن (٣).
وقال نعيم بن حماد: وهو أن الرجل يطلب منه شهادة زور، فيلبس ثوبين يتجمل بهما، فلا ترد شهادته لحسنٍ، فيقال: هذا أقضاها بثوبيه.
стр. 14920
فأضيف الزور إلى الثوبين (١).
قال بعض أهل المعرفة بلسان العرب: وللتشبيه هنا معنى صحيح؛ لأن كذب المتحلي بما لم يعط شيئًا فهو كاذب على نفسه بما لم يأخذ، وعلى غيره بما لم يبذل له (٢). وعند ابن التين: يريد أنه لا ينتفع بذلك كما لا ينتفع بذلك لابس ثوبي زور. وهي تكون من وجوه مثل أن تلبس المرأة ثوبي وديعة أو عارية ليظن الناس أنهما لها، فلباسها لا يدوم، وتفتضح بكذبها، وإنما أراد بذلك خوفًا من الفساد بين زوجها وضرتها، وهو مثل الزور الذي صاحبه فيه مأثوم.
وقال الداودي: إنما كره ذلك؛ لأنه يدخل بين المرأة الأخرى وزوجها البغضاء، فيصير كالسحر الذي يفرق بين المرء وزوجه.
قال القرطبي: وذلك التشبع محرم، وإنما صار محرمًا؛ لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه، وأذى للضرة، وأذى المسلم محرم (٣).
ثم نقل ابن التين عن الخطابي أنه قال: فيه تأويلان:
أحدهما: أن الثوب مَثَل، ومعناه: إن المتشبع بما لم يعط صاحب زور وكذب، كما يقال لمن وصف بالبراءة من الأدناس: طاهر الثوب. والمراد به نفس الرجل، ومثله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤].
والثاني: أن يكون أراد الثوب نفسه، روي لنا في هذا عن نعيم بن حماد قال: الرجل في الحي له هيئة وشارة، فإذا أصبح إلى شهادة الزور شهد لهم فيقبل (٤). وهذا أسلفناه.
٥٢٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ جُلُوسٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي فِى الْجَنَّةِ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ، فَقُلْتُ لِمَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا لِعُمَرَ. فَذَكَرْتُ غَيْرَتَهُ فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا». فَبَكَى عُمَرُ وَهْوَ فِى الْمَجْلِسِ ثُمَّ قَالَ: أَوَعَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ أَغَارُ؟!. [انظر: ٣٢٤٢ - مسلم: ٢٣٩٥ - فتح ٩/ ٣٢٠].
ذكر فيه أحاديث:
أحدهما:
معلقًا، فقال: قَالَ وَرَّادٌ، عَنِ المُغِيرَةِ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفِحٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ لأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، والله أَغْيَرُ مِنِّي". هذا التعليق سيأتي في كتاب المحاربين (١) مسندًا عن موسى بن إسماعيل، عن أبي عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن وراد (٢). ورواه مسلم من حديث سليمان ابن بلال، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ (٣)، ويأتي الكلام عليه في اللعان.
قوله: (غَيْرَ مُصْفِحٍ). يريد بحده للقتل، لا بصفحه، وهو عرضه يضرب به للزجر والإرهاب، يقال: أصفحت بالسيف: إذا ضربت بعرضه.
وقال ابن قتيبة: أصفحت بالسيف، فأنا مصفح، والسيف مصفح به: إذا ضربت بعرضه (٤).
стр. 14924
قال القاضي عياض: غير مصفح بكسر الفاء وإسكان الصاد، وقد رويناه بفتح الفاء، أي: غير ضارب بعرضه، بل بحده؛ تأكيدًا لبيان ضربه به لقتله، فمن فتحه جعله وصفًا للسيف، حالا منه، ومن كسره جعله وصفًا للضارب وحالًا منه (١).
قال ابن التين: والتشديد هو ما في سائر الأمهات.
وتفسير غيرة الله ما ذكره البخاري بعد ذلك حيث قال: وغيرة الله أن يأتي المرء ما حرم الله، وروي أنه ﵇ قال لسعد، حين قال هذِه المقالة: "كفى بالسيف شا" أراد أن يقول: شاهدًا، فأمسك، وقال: "لولا أن يتتابع فيه السكران والغيران لشرعت ذلك" (٢) ولكن خشي أن يتجاوز السكران والغيران القصد فيقتلا بالظن. وأراد سعد أنه لو وجد رجلاً مع امرأته لضربه بحد سيفه لا بعرضه، ولم يصبر أن يأتي بأربعة شهداء، وسيأتي إن شاء الله تعالى في الديات الحكم فيمن وجد مع
امرأته رجلاً فقتله.
وصفحتا السيف: وجهاه العريضان، وغراراه: خداه.
الحديث الثاني:
حديث عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "ماَ مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ؛ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ، وَمَا أحد أَحَبَّ إِلَيْهِ المَدْحُ مِنَ اللهِ".
هذا الحديث يأتي في التوحيد (٣).
стр. 14925
وأخرجه مسلم والنسائي أيضًا (١).
وأخرجه الدارقطني من حديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أمه، عن عبد الله مرفوعًا: "إن الله ليغار لعبده المسلم، فليغر العبد لنفسه". ثم قال: روي موقوفًا ومرفوعًا، والصحيح المرفوع (٢).
واعترضه ابن القطان فقال: الذي فهمه عبد الحق من قوله: هو صحيح (٣)، لا يقتضي صحة للحديث، إنما ذكر أمرين صح أحدهما. والذي عندي أن الحديث ليس صحيحًا؛ لأن أم أبي عبيدة لا يعرف لها حال؛ وليست زينب امرأة عبد الله الثقفية الصحابية؛ لأن ابن مسعود عاش إلى سنة اثنتين وثلاثين، فلا يبعد أن يكون تزوج من لا صحبة لها، وأبو عبيدة لا يذكر عن أبيه شيئًا (٤).
قلت: في مسلم رواية بسر بن سعيد عن زينب هذِه حديث شهود العشاء (٥)، وصرح النسائي فيه بالتحديث عنها (٦).
وزينب ذكرها في الصحابة ابن سعد (٧) والعسكري وغيرهما، وريطة لقب لها، كما ذكره أبو عمر (٨)، وذكر هو أنه سمع والده، وكان لما مات والده ابن سبع (٩).
стр. 14926
وحسن له الترمذي (١)، وصحح له الحاكم (٢).
الحديث الثالث:
حديث عَائِشَةَ ﵂ أنه ﵇ -قَالَ: "يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، مَا أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ اللهِ أَنْ يَرى عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ تَزْنِي. يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا".
هذا الحديث أخرجه في الكسوف بالسند المذكور مطولًا (٣).
الحديث الرابع:
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ، عَنْ أُمِّهِ أَسْمَاءَ ﵂ أنها سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا شَيْءَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ".
وَعَنْ يَحْيَى، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رسول الله ﷺ .
وحدثنا أبو نعيم، ثنا سفيان، عن يحيى، عن أبي سلمة، أنه سمع أبا هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللهَ تعالى يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللهِ أَنْ يَأْتِيَ المُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ اللهُ".
قوله: (وَعَنْ يَحْيَى)، إلى آخره. ذكره محيلًا على السند الأول، كما نبه عليه أصحاب الأطراف.
стр. 14927
الحديث الخامس:
حديث أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ -قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْرُ، وَمَا لَهُ في الأَرْضِ مِنْ مَالٍ وَلَا مَمْلُوكٍ وَلَا شَيْءٍ غَيْرَ نَاضِحٍ وَغَيْرَ فَرَسِهِ .. الحديث.
وفيه: وذكرت الزبير وغيرته، وكان أغير الناس. وأخرجه مسلم (١).
الحديث السادس:
حديث أنس ﵁ في الصحفة. وفيه: "غارت أمكم".
وقد سلف في المظالم (٢). وفيه ابن علية: وهو إسماعيل بن إبراهيم، يعرف بأمه علية.
السابع:
حديث جابر ﵁: "فلم يمنعني إلا علمي بغيرتك". وسلف في مناقبه (٣)، وذكره في التعبير (٤).
الحديث الثامن:
حديث أبي هريرة مثله وسلف أيضًا (٥)، وفي إسناد حديث جابر: عبيد الله عن ابن المنكدر. وعبيد الله هو ابن عمر بن حفص بن عاصم، أبو عثمان، مات سنة سبع وأربعين ومائة، وهو أخو عبد الله وعاصم وأبي بكر العمريين العدويين (٦).
стр. 14928
أما ما ترجم له بالغيرة التي جاءت في هذِه الأحاديث في وصف الله تعالى ليست لله تعالى على ما هي عليه من المخلوقين؛ لأنه لا يجوز عليه صفات النقص تعالى؛ إذ لا تشبه صفاته صفات المخلوقين، والغيرة في صفاته تعالى بمعنى: الزجر عن (المحرمات) (١) والفواحش، والتحريم لها، والمنع منها؛ لأن الغيور هو الذي يزجر عما يغار عليه. وقد بين ذلك بقوله: "ومن غيرته حرم الفواحش" أي: زجر عنها ومنع منها، وبقوله في حديث أبي هريرة ﵁: "وغيرة الله أن يأتي المرء ما حرم الله عليه" وقوله في حديث سعد: "لأنا أغير من سعد، والله أغير مني" ومعنى ذلك: إنه لزجور عن المحارم، وأنا أزجر منه، والله أزجر من الجميع عما لا يحل.
وكذلك قوله: ("غَارَتْ أُمُّكُمْ") أي: زجرت عن إهداء ما أهدت صاحبتها.
وفي ابن ماجه بإسناد جيد من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من المغيرة ما يحب الله، ومنها ما يكره الله تعالى: فأما ما يحب الله فالغيرة في الريبة، وأما ما يكره فالغيرة في غير ريبة" (٢).
ولابن أبي شيبة بإسناد جيد من حديث ابن عتيك الأنصاري، عن أبيه مرفوعًا: "من الغيرة ما يحب الله، ومنها ما يبغض الله" الحديث (٣).
وللبزار من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "المغيرة من الإيمان،
стр. 14929
(والمِذَاء) (١) من النفاق". ثم قال: لا نعلمه يروى عن رسول الله ﷺ إلا عن أبي سعيد، ولا نعلم أحدًا شارك أبا مرحوم (عبد الرحيم) (٢) ابن كردم الأرطباني، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، في هذا الحديث (٣).
قلت: ذكره ابن حبان في "ثقاته" (٤).
وفي "المصنف" من حديث ليث، عن أبي جعفر قال: قال رسول الله ﷺ : "إني غيور، وإن إبراهيم ﷺ كان غيورًا، وما من امرئ لا يغار إلا منكوس القلب" (٥).
فصل:
قولها: (فَلَقِيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنَ الأَنْصارِ، فَدَعَانِي، ثُمَّ قَالَ: "إخْ إخْ". لِيَحْمِلَنِي خَلْفَهُ، فَاسْتَحَيْتُ أَنْ أَسِيرَ مَعَ الرِّجَالِ). معنى: "إخْ إخْ": إناخة راحلته، وهو لفظ يقال للإبل عندما يراد منها أن تنخ، وهو بسكون الخاء. قال ابن فارس: ويقال: إنها كلمة تقال عند الكره للشيء (٦). وإنما عرض لها الركوب؛ لأنها ذات محرم عنده؛ إذ كانت
стр. 14930
أختها تحته، كما قال ابن التين، أو كان ذلك قبل الحجاب، كما فعل بأم صبية الجهنية (١).
وقولها: (فَاسْتَحَيْتُ). هو بياء واحدة، وهي أحد اللغات، يقال: استحى، واستحيى. وفي رواية: (استحييت) بيائين على الأصل؛ لأن أصله حيي، بيائين.
فصل:
وقوله: ("لَا شَيْءَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ") يقرأ برفع (الراء) (٢) ونصبها، فمن نصبه جعله نعتًا لـ (شيء) على إعرابه؛ لأن شيئًا منصوب، ومن رفع نعت موضع (شيء) قبل دخول (لا) عليه؛ كقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩] قرئ بخفض: ﴿وغيره﴾ مهو ورفعه، فالرفع على الموضع، والخفض على اللفظ (٣). ويجوز أيضًا رفع (شيء) مثل: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا﴾ [الطور: ٢٣] ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٥٤].
стр. 14931
وقوله: ("مَا أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ المَدْحُ مِنَ اللهِ"). قال بعض النحويين: هو بضم (أحد) على أنه اسم (ما)، و (أحبَّ) بالنصب خبرها إن جعلتها حجازية، أو برفعه على أنه خبر لـ (أحد) إن كانت تميمية، ويرفع المدح بـ (أحب). قال: ولا يجوز أن يرفع (أحبُّ) على أنه خبر للمدح، أو مبتدأ والمدح خبر؛ لأنك تكون حينئذٍ تفرق بين الصلة والموصول بالخبر؛ لأن "مِن الله" (مِن) صلة (أحب) وتمامه، فلا تفرق بين تمام المبتدأ وصلته بالخبر الذي هو المدح.
فصل:
(فجمع النبي ﷺ فِلَق الصحفة). هو بكسر الفاء وفتح اللام، ولا يبعد فتح الفاء وسكون اللام. قال ابن التين: وهو الظاهر.
"وغارت أمكم" يريد: سارة (١)، لما غارت على هاجر حتى أخرج إبراهيم إسماعيل طفلًا مع أمه، قاله الداودي (٢). وظاهر الحديث أن كاسرة الصحفة أم المؤمنين.
فصل:
نَقْل النَّوى، وسياسة الفرس، وخرز الغرب لا يلزم المرأة شيء من ذلك إلا أن تتطوع كما تطوعته أسماء ﵂، نبه عليه المهلب.
قال ابن حبيب وغيره: وكذلك الغزل والنسج ليس للرجل على امرأته ذلك بحال إلا أن تتطوع، وليس عليه إخدامها إن كان معسرًا، وإن كانت ذات قدر وشرف، وعليها الخدمة الباطنة، كما هي على الدنية، وستأتي المسألة موضحة إن شاء الله في النفقات.
стр. 14932
فصل:
وفي حديث أسماء من الفقه أن المرأة الشريفة إذا تطوعت من خدمة زوجها بما لا يلزمها، كنقل النوى وسياسة الفرس، أنه لا ينكر ذلك عليها أب ولا سلطان، ونبه المهلب عليه أيضًا.
وفيه: (إرداف) (١) المرأة خلف الرجل وحملها (في جملة) (٢) ركب من الناس، وليس في الحديث أنها استترت، ولا أمرها الشارع به، فعلم منه أنه قبل الحجاب، وأن الحجاب إنما فرض على أزواج النبي ﷺ خاصة، كما نص عليه في كتابه بقوله: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٣٠]
وقد سلف ذلك.
فصل:
فيه: غيرة الرجل عند ابتذال أهله فيما يشق عليهن من الخدمة، وأنفة نفسه من ذلك، لا سيما إذا كانت ذات حسب وأَبُوّةٍ، وكذلك عَزّ على رسول الله ﷺ إفراط امتهانها، ولم يلمها على ذلك، ولا وبّخ الزبير على إفراط تكليفه لها ذلك؛ بما علم من طيب نفسها به.
فصل:
وفي حديث الصحفة: الصبر للنساء على أخلاقهن وعوجهن؛ لأنه ﵇ لم يوبخها على ذلك، ولا لامها، ولا زاد على قوله: "غَارَتْ أُمُّكُمْ". وقد سلف اختلاف العلماء في المظالم فيمن استهلك شيئًا لصاحبه، هل يلزمه غرم مثله، في حديث القصعة، فراجعه.
стр. 14933
وأبو حنيفة والشافعي قالا بقضاء الأمثال في العروض، وقاله مالك مرة، وعنه: يقضي بالمثل فيما تولى صنعه الآدميون من العروض، والمشهور أنه لا يقضي بالمثل في كل ما ليس بمكيل ولا موزون ولا معدود، وإنما على مستهلكه قيمته.
وأجيب عن الحديث: بأن الكل له (تنزله) (١)، فعند الاتفاق لا كلام. وحجة مالك حديث "من أعتق شقصًا" (٢) ولكن القسمة أعدل، وأعله بعضهم بيحيى بن أيوب في غير هذا الحديث، ولكنه ثقة.
فصل:
في حديث جابر أنه إذا عُلم من الإنسان خلق فلا يتعرض لما ينافر خلقه ويؤذيه في ذلك الخلق، كما فعل ﵇، حتى لم يدخل القصر الذي كان لعمر؛ لمعرفته بغيرته.
وفي قوله: (أَعليك أَغَارُ يَا رَسُولَ اللهِ؟) أن الرجل الصالح المعلوم الخير لا يجب أن نظن به شيئًا من السوء.
وذكر ابن قتيبة في قوله: "فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إلَى جَانِبِ قَصْرٍ": "فإذا امرأة شوهاء إلى جانب قصر". من حديث ابن شهاب عن سعيد بن المسيب، وفسره وقال: الشوهاء: الحسنة الرائعة، حدثني بذلك أبو حاتم، عن أبي عبيدة، عن المنتجع قال: ويقال: فرس شوهاء، ولا يقال: ذكر أشوه. ويقال: لا تشوه عليَّ. إذا قال: ما أحسنك. أي: لا تصبني بعين.
стр. 14934
قال الزُبيدي (١): ذكره أبو علي القالي في "البارع" بفتح التاء، وتشديد الواو (٢).
قال ابن بطال: ويشبه أن تكون هذِه الرواية الصواب، "وتَتَوَضَّأُ": تصحيف -والله أعلم- لأن الحور طاهرات ولا وضوء عليهن، فكذلك كل من دخل الجنة لا تلزمه طهارة ولا عبادة. وحروف "شوهاء" يمكن تصحيفها بحروف "تتوضأ"؛ لقرب صور بعضها من بعض (٣).
وقال ابن التين: قوله: "تَتَوَضَّأُ" قيل: إنه تصحيف؛ لأن الجنة لا تكليف فيها. وقيل: إنما نبه به على فضل الوضوء، وأنه سبب إلى ملك ذلك أو مثله.
قال الداودي: وفيه: وضوء الحور، وأن الجنة مخلوقة، وكذا الحور.
فصل:
قول أسماء: (غَيْرَ نَاضِحٍ وَغَيْرَ فَرَسِهِ). قال الداودي: نفى بعض الحديث؛ لأنه تزوجها بمكة وليس له فرس ولا ناضح (٤).
стр. 14935
وقولها: (وأخرز غربه) الغرب -بفتح الغين المعجمة -: الدلو الكبيرة، الناضح: السانية من الإبل.
و (قولها) (١) في أرضه: (وهي مني على ثلثي فرسخ). تريد: على ميلين؛ لأن الفرسخ ثلاثة أميال.
وحديثها أيضًا: ما غرت على امرأة لرسول الله ﷺ ما غرت على خديجة. الحديث. وهذا سلف في مناقبها (١)، وزاد هنا بعد: لكثرة ذكر رسول الله ﷺ إياها وثنائه عليها، وقد أوحي إلى رسول الله ﷺ أن يبشرها ببيت لها في الجنة من قصب.
و"غضبَى" مقصور كسكرى؛ لأن ما يثبت في مذكره النون، فمؤنثه مقصور؛ لأن مذكر غضبى غضبان، وسكرى سكران.
قال الهروي: أراد أن يبشرها بقصر من زمردة مجوفة أو لؤلؤة مجوفة. يقال: بيت الرجل قصره، وبيته: داره، وبيته: شرفه (٢).
وقولها: (مَا غِرْتُ على امْرَأَةٍ .. ) إلى آخره. هو من غاية المغيرة؛ لأن الغالب إنما يكون في الموجودة، وهي لم تكن موجودة إذ ذاك، ولا مشاركة لها معها في رسول الله ﷺ .
ففيه: الصبر على النساء، وعلى ما يبدو منهن من الجفاء والحرج عند المغيرة؛ لما قد جبلن عليه منها، وأنهن لا يملكنها، فعفي عن عقوبتهن على ذلك، وعذرهن الله فيه.
وقولها: (مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ) يدل -كما قال المهلب- على أن الاسم من المخلوقين غير المسمى، ولو كان هو وهجرت اسمه لهجرته بعينه، ويدل على ذلك أن من قال: أكلت اسم العسل واسم الخبز، فإنه لا يفهم منه وإن أكل الخبز والعسل، وكذلك إذا قال: لقيت اسم زيد، لا يفهم منه أنه لقي زيدًا، ويبين ذلك ما نشاهده من تبديل أسماء المماليك وتبديل كنى الأحرار، ولا تتبدل الأشخاص مع ذلك.
стр. 14938
وإنما يصح عند تحقيق النظر أن يكون الاسم هو المسمى في الله وحده فقط، لا فيما سواه من المخلوقين، لمباينته تعالى وأسمائه وصفاته حكم أسماء المخلوقين وصفاتهم، وبيان عدم اللزوم في حقه تعالى أن طرق العلم بالشيء إنما تؤخذ من جهة الاستدلال عليه بمثله وشبهه، أو مِن حُكْم ضده، وعلمنا يقينًا أنه تعالى لا شبيه له بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وبقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ٤] فثبت بذلك أنه لا ضد له؛ لأن حكم الضد إنما يعلم من حكم ضده، فكما لم يكن له تعالى شبيه ولا ضد يستدل على اسمه إذا كان غير المسمى، لم يجز لنا أن نقول ذلك، مع أنه ﵇ لم يتكلم بذلك، ولا سنه لأمته، ولا يعلم به الصحابة، فلا يجوز أن تقاس أسماء الله وصفاته على أسماء المخلوقين وصفاتهم، ولا يقال: إن اسم الله غير المسمى به؛ من أجل جواز ذلك فينا، وستكون لنا عودة إلى تبيين مذهب أهل السنة أن اسم الله تعالى هو المسمى في باب السؤال بأسماء الله تعالى، والاستفادة بها في كتاب الرد على الجهمية، ويأتي في الأدب في باب: حسن العهد من الإيمان، تفسير الغضب المذكور في حديث عائشة ﵂ (١).
ولابن السيد البطليوسي فيه مؤلف، وقال فيه: لا يصح أن يقال: إن الاسم هو المسمى، على معنى أن العبارة هو المعبر عنه، وأن اللفظ هو الشخص، فإنه محال لا يتصور في لُبٍّ، وبه يسقط اعتراض من قال: إنه يلزم من ذلك أن يحترق فم من قال: نار، ويشبع من قال: طعام. ويصح أن يقال: هو على معانٍ ثلاثة: ما يجري مجازًا لمجاز، أو الحقيقة،
стр. 14939
أو المعنى. فالأول: كرأيت جملًا. والثاني: كالحياة والحركة لمن وجدا فيه، والثالث: مسمى زيد. أي: هذا المسمى بهذِه اللفظة، التي هي الزاي والياء والدال. ويقولون في المعنى: هذا اسم زيد. فيجعلون الاسم والمسمى مترادفين، على المعنى الواقع تحت التسمية (١).
стр. 14940
١٠٩ - باب ذَبِّ الرَّجُلِ عَنِ ابْنَتِهِ فِي الْغَيْرَةِ وَالإِنْصَافِ
٥٢٣٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ وَهْوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: «إِنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُوا فِي أَنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ، فَلَا آذَنُ، ثُمَّ لَا آذَنُ، ثُمَّ لَا آذَنُ، إِلاَّ أَنْ يُرِيدَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ، فَإِنَّمَا هِيَ بَضْعَةٌ مِنِّي، يُرِيبُنِي مَا أَرَابَهَا وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا». هَكَذَا قَالَ. [انظر: ٩٢٦ - مسلم: ٢٤٤٩ - فتح ٩/ ٣٢٧].
ذكر فيه حديث ابن أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ﵄ سمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهْوَ على المِنْبَرِ يقول: "إِنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ المُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُوا فِي أَنْ يُنْكِحُوا ابنتَهُمْ عَلِيُّ بْنَ أَبِي طَالِبِ، فَلَا آذَنُ، ثُمَّ لَا آذَنُ، ثُمَّ لَا آذَنُ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ ابن أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقً ابنتِي وَيَنْكِحَ ابنتَهُمْ، فَإِنَّمَا هِيَ بَضْعَةٌ مِنِّي، يُرِيبُنِي مَا أَرَابَهَا وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا".
هذا الحديث سلف قطعة منه في فضائلها بلفظ: "فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني" (١) وسلف في الجهاد في باب: ما ذكر من درعه وعصاه، من طريق المسور أيضًا مطولًا (٢)، وذكره في الطلاق أيضًا (٣).
стр. 14941
ورواه الترمذي من حديث ابن أبي مليكة أيضًا، عن عبد الله بن الزبير وقال: حسن صحيح، قال: هكذا قال أيوب: عن ابن أبي مليكة، عن ابن الزبير. وقال غير واحد: عن ابن أبي مليكة، عن المسور. فيحتمل أن يكون ابن أبي مليكة رواه عنهما جميعًا (١).
والبضعة: بفتح الباء: القطعة من اللحم، ولا شك أنه ﵇ يتأذى مما تتأذى به.
قال الداودي: وفيه دليل أنه ﵇ كان (اشترط) (٢) على عليٍّ، ولعله -إن صح ذلك- أن يكون عليُّ تطوع به بعد عقدة النكاح.
وفيه: دفاع الرجل عن ابنته، وتكنية الكافر، وهو أبو طالب.
وفيه من الفقه: -كما قال المهلب- قد يحكم في أشياء لم تبلغ التحريم بأن يمنع منها من يريدها، وإن كانت حلالًا؛ لما يلحقها من الكراهية في العرض، أو المضرة في المال.
وفيه أيضًا: بقاء عار الآباء في أعقابهم، وأنهم يعيرون بها، ولا يوازون بالأشراف، كما عيَّر رسول الله ﷺ بنت أبي جهل، وهي مسلمة بعداوة أبيها لله، يحط بذلك منزلتها عن أن تحل محل ابنته، وكذلك السابقة إلى الخير والشرف في الدنيا يبقى في العقب فضله، ويرعى فيهم أمره، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢].
وفيه: أنه لا تجتمع أمة وحرة تحت رجل إلا برضا الحرة؛ لأنه ﵇ لم يجعل بنت عدوه مكافئة لابنته، فكذلك المرأتان الغير متكافئتين
стр. 14942
بالحرية في الإسلام، ولا يجتمعان إلا برضا الحرة، ألا ترى أن رضا فاطمة لو تأتى منها لما منعه ﵇ ذلك؛ لأنه قال: "يؤذيني ما آذاها، وأخاف أن تفتن في دينها" ولم تكن بنت عدو الله بمأمونة عليها أن تكون ضرة وصاحبة لها، ولولم يحزنها ذلك ولا خشي عليها الفتنة لما منعه من نكاح بنت أبي جهل.
ومن هذا المعنى حديث بريرة وجب تخيير الحرة إذا تزوج عليها أمة؛ لأن بريرة حين عتقت فارقته؛ لأن زوجها لم يكافئها بحريتها، فكذلك الحرة لا تكافئها المملوكة.
واختلف العلماء في ذلك، فقال مالك: إذا نكح أمة على حرة يجوز النكاح، والحرة بالخيار. هذِه رواية ابن وهب عنه. وروى عنه ابن القاسم أنه سئل عمن تزوج أمة، وهو يجد (طول) (١) حرة. قال: يفرق بينهما. قيل: إنه يخاف العنت. قال: السوط يضرب، ثم خففه بعد ذلك.
قلت: فإن كان لا يخشى العنت؟ قال: كان يقول: ليس له أن يتزوجها.
وقال الكوفيون والثوري والأوزاعي: لا يجوز أن يتزوج أمة وتحته حرة، ولا يصح نكاح الأمة، ولا فرق بين إذن الحرة وغير إذنها.
واختلفوا في نكاح الحرة على الأمة، فقالت طائفة: النكاح ثابت، روي هذا عن عطاء وسعيد بن المسيب، وبه قال الكوفيون والشافعي وأبو ثور.
وفيه قول ثانٍ: وهو: أن الحرة بالخيار إذا علمت، هذا قول الزهري ومالك.
стр. 14943
وفيه قول ثالث: وهو أن نكاح الحرة يكون طلاقًا للأمة، روي هذا عن ابن عباس، وبه قال أحمد وإسحاق (١).
فائدة:
عند ابن أبي حاتم: عن أنس ﵁ مرفوعًا: قالت أم سليم: ألا تتزوج في الأنصار؟ قال: "إن فيهن غيرة". قال أبي: المرسل أصح (٢).
стр. 14944
١١٠ - باب يَقِلُّ الرِّجَالُ وَيَكْثُرُ النِّسَاءُ
وَقَالَ أَبُو مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «وَتَرَى الرَّجُلَ الْوَاحِدَ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امْرَأَةً، يَلُذْنَ بِهِ مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ».
٥٢٣١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْحَوْضِيُّ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَا يُحَدِّثُكُمْ بِهِ أَحَدٌ غَيْرِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَكْثُرَ الْجَهْلُ، وَيَكْثُرَ الزِّنَا، وَيَكْثُرَ شُرْبُ الْخَمْرِ، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، وَيَكْثُرَ النِّسَاءُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ». [انظر: ٨٠ - مسلم: ٢٦٧١ - فتح ٩/ ٣٣٠].
ثم ساق حديث أنس ﵁ قال النبي ﷺ : "إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ العِلْمُ .. " الحديث، وذكر فيه خمسين امرأة.
أما التعليق فيأتي في الفتن مسندًا (١). وحديث أنس سلف في العلم، وساقه هناك من حديث شعبة، عن قتادة، عن أنس (٢). وهنا من حديث هشام، عن قتادة، به. كذا في الأصول: هشام، وقال الجياني: عن أبي أحمد همام، قال: وكتب الأصيلي في حاشية كتابه: في كتب بعض أصحابنا: عن أبي زيد هشام، وقال: ما أراه إلا صحيحًا.
قال أبو علي: وكذا رواه ابن السكن، وأبو ذر عن مشايخه، وهو المحفوظ (٣).
стр. 14945
فصل:
وجه دخول الحديث هنا؛ لأجل كثرة السراري وقلة الأولياء في النكاح، وقيل: يزيد من النساء والسراري، وقيل: منهما، ومن يلذن به من البنات والأخوات وشبههن من القرابات.
وقوله في حديث أنس: (لَا يُحَدِّثُكُمْ بِهِ أَحَدٌ غَيْرِي) يريد: لتأخره بعد أكثر الصحابة؛ لأنه توفي سنة ثلاث أو اثنتين وتسعين، كما سلف، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة، وقيل: هو آخرهم جميعًا موتا.
والأشراط: العلامات، واحدها: شرط، بفتح الراء.
وقوله قبل: ("أَنْ يُرْفَعَ العِلْمُ") قال الداودي: يعني: البر.
وفيه: إخبار الشارع بما يكون بعده من غير توقيت، وذلك من علامات نبوته.
وقال الإِمام أحمد: كل حديث بوقتية لا يصح، حكاه ابن التين.
قال المهلب: وهذا إنما يكون من أشراط الساعة، كما أخبر الشارع، ويمكن أن تكون قلة الرجال من اشتداد الفتن وترادف المحن فيقتل الرجال (١).
ويحتمل قوله: ("الْقَيِّمُ الوَاحِدُ") معنيين: أحدهما: أن يكون قيمًا عليهن، وناظرًا لهن، وقائمًا بأمورهن، ويحتمل: اتباع النساء له على غير الحل. ويؤيد الأول ما ذكره علي بن معبد (٢) بإسناده عن حذيفة
стр. 14946
قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إذا عمت الفتنة ميَّز الله أصفياءه وأولياءه، حتى تطهير الأرض من المنافقين والفتانين، ويتبع الرجل يومئذ خمسون امرأة، هذِه تقول: يا عبد الله استرني، يا عبد الله آوني" (١).
стр. 14947
١١١ - باب لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ ذُو مَحْرَمٍ، وَالدُّخُولُ عَلَى الْمُغِيبَةِ
٥٢٣٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ». فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟ قَالَ: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ». [مسلم: ٢١٧٢ - فتح ٩/ ٣٣٠].
٥٢٣٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ». فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً وَاكْتُتِبْتُ فِى غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: «ارْجِعْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ». [انظر: ١٨٦٢ - مسلم: ١٣٤١ - فتح ٩/ ٣٣٣].
ذكر فيه حديث أبي الخير -واسمه: مرثد بن عبد الله اليزني - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ على النِّسَاءِ". فَقَالَ رَجُل مِنَ الأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَرَأَيْتَ الحَمْوَ؟ قَالَ: "الْحَمْوُ المَوْتُ".
وحديث أبي معبد - نافذ، مات سنة أربع ومائة، من أفضل موالي ابن عباس - عَن ابن عَبَّاسٍ ﵄، أن رسول الله ﷺ قَالَ: "لَا يَخْلُوَنَّ رَجُل بِامْرَأَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ". فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً وَاكْتُتِبْتُ في غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: "ارْجِعْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ".
الشرح:
الحديث الأول أخرجه مسلم والترمذي والنسائي (١)، والثاني سلف
стр. 14948
في الحج (١). وفي مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي، أن نفرًا من بني هاشم دخلوا على أسماء بنت عميس، فدخل أبو بكر -وهي تحته يومئذٍ- فرآهم، فكره ذلك، فذكره لرسول الله ﷺ ، فقال وهو على المنبر: "لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على المغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان" (٢).
وفيه فائدة جليلة: وهو بيان هذا القول إما في أوائل سنة تسع أو قبلها؛ لأن جعفرًا قتل عن أسماء في جمادى الأولى سنة ثمان.
وأما ابن العربي: فقال: يحمل هذا على أنه كان قبل نزول الحجاب؛ لأن الحجاب لما نزل (انتسخ) (٣) النهي بأعظم منه (٤). وقد يقال: الدخول غير الخلوة. وللترمذي من حديث مجالد، عن الشعبي، عن جابر، يرفعه: "لا تلجوا على المغيبات؛ فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم". ثم قال: غريب (٥). قلت: وهذا حكمة النهي، ولأحمد: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم منها، فإن ثالثهما الشيطان" (٦). وللترمذي -وقال: حسن صحيح- عن عمرو بن العاصي أنه ﵇ نهانا -أو نهى- أن ندخل على النساء بغير إذن أزواجهن (٧).
стр. 14949
"ولابن جرير في "تهذيبه": نهينا أن نكلمهن إلا عند أزواجهن. ولابن حبان، عن عمر، مرفوعًا: "لا يخلون أحدكم بامرأة؛ فإن الشيطان ثالثهما" (١) ولأحمد من حديتا عامر بن ربيعة يرفعه: "ألا لا يخلون أحدكم بامرأة لا تحل له، فإن ثالثهما الشيطان إلا مع ذي محرم، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد" (٢). وللدارقطني من حديث أبي جعفر محمد بن عبد الرحمن، عن علي ﵁: نهى رسول الله ﷺ أن نكلم النساء إلا بإذن أزواجهن. ثم قال: رواه ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن أبي جعفر، عن علي ﵁ (٣).
فصل:
قوله: (يَا رَسولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ الحَمْوَ؟ قَالَ: "الْحَمْوُ المَوْت"). قال أبو عبيد: يقال: فليمت ولا يفعلن ذلك. فإن كان هذا رأيه في أبي الزوج وهو محرم، فكيف بالغريب؟ (٤) وقال ابن الأعرابي -وحكاها ثعلب عنه أيضًا-: هذِه كلمة تقولها العرب كما تقول: الأسد الموت. أي: لقاؤه مثل الموت. وكما يقولون: السلطان نار. فالمعنى: أن خلوة الحمو معها أشد من خلوة غيره من البعداء؛ ولذلك جعله كالموت. أي: احذروه كما يحذر الموت (٥). قلت: والعرب إذا أرادت تكره الشيء إلى الموصوف [له قالوا:] (٦) ما هو إلا الموت، كقول الفرزدق لجرير:
стр. 14950
فإني أنا الموت الذي هو واقع … بنفسك فانظر كيف أنت مزاوله
قال الأصمعي: الأحماء من قبل الزوج، والأختان من قبل المرأة، والأصهار تجمعهما. زاد ابن بطال عنه: والحماة أم الزوج، و (الختنة) (١): أم المرأة (٢).
ونقل ابن بري في "إيضاحه" عنه: الأحماء من قبل المرأة. زاد الخطابي بعد أن نقل الأول: لا يختلف أهل اللغة في ذلك، قال: وجرى في ذلك بعض الفقهاء على عرف العامة، فقال: إذا أوصى إلى أختانه دفع إلى أزواج بنات الموصي وأخواته، وكل من يحرم عليه من ذات رحم محرم، وهو قول محمد بن الحسن (٣).
وانظر كيف يصح أن يقال: هو أبو الزوج ثم يمنعه، فالله تعالى يقول: ﴿أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]. وقال أبو عبد الملك: معناه: أنه لا يوجد من الحمو بد كما لا يوجد من الموت بد.
وقال الخطابي: معناه: احذروا الحمو كما تحذرون الموت (٤).
وقال الترمذي: الحمو: أخو الزوج (٥).
وقال الداودي وابن فارس مثل قول أبي عبيد، أنه أبو الزوج، زاد ابن فارس: وأبو امرأته (٦).