قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إذا عمت الفتنة ميَّز الله أصفياءه وأولياءه، حتى تطهير الأرض من المنافقين والفتانين، ويتبع الرجل يومئذ خمسون امرأة، هذِه تقول: يا عبد الله استرني، يا عبد الله آوني" (١).
стр. 14947
١١١ - باب لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ ذُو مَحْرَمٍ، وَالدُّخُولُ عَلَى الْمُغِيبَةِ
٥٢٣٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ». فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟ قَالَ: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ». [مسلم: ٢١٧٢ - فتح ٩/ ٣٣٠].
٥٢٣٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ». فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً وَاكْتُتِبْتُ فِى غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: «ارْجِعْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ». [انظر: ١٨٦٢ - مسلم: ١٣٤١ - فتح ٩/ ٣٣٣].
ذكر فيه حديث أبي الخير -واسمه: مرثد بن عبد الله اليزني - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ على النِّسَاءِ". فَقَالَ رَجُل مِنَ الأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَرَأَيْتَ الحَمْوَ؟ قَالَ: "الْحَمْوُ المَوْتُ".
وحديث أبي معبد - نافذ، مات سنة أربع ومائة، من أفضل موالي ابن عباس - عَن ابن عَبَّاسٍ ﵄، أن رسول الله ﷺ قَالَ: "لَا يَخْلُوَنَّ رَجُل بِامْرَأَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ". فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً وَاكْتُتِبْتُ في غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: "ارْجِعْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ".
الشرح:
الحديث الأول أخرجه مسلم والترمذي والنسائي (١)، والثاني سلف
стр. 14948
في الحج (١). وفي مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي، أن نفرًا من بني هاشم دخلوا على أسماء بنت عميس، فدخل أبو بكر -وهي تحته يومئذٍ- فرآهم، فكره ذلك، فذكره لرسول الله ﷺ ، فقال وهو على المنبر: "لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على المغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان" (٢).
وفيه فائدة جليلة: وهو بيان هذا القول إما في أوائل سنة تسع أو قبلها؛ لأن جعفرًا قتل عن أسماء في جمادى الأولى سنة ثمان.
وأما ابن العربي: فقال: يحمل هذا على أنه كان قبل نزول الحجاب؛ لأن الحجاب لما نزل (انتسخ) (٣) النهي بأعظم منه (٤). وقد يقال: الدخول غير الخلوة. وللترمذي من حديث مجالد، عن الشعبي، عن جابر، يرفعه: "لا تلجوا على المغيبات؛ فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم". ثم قال: غريب (٥). قلت: وهذا حكمة النهي، ولأحمد: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم منها، فإن ثالثهما الشيطان" (٦). وللترمذي -وقال: حسن صحيح- عن عمرو بن العاصي أنه ﵇ نهانا -أو نهى- أن ندخل على النساء بغير إذن أزواجهن (٧).
стр. 14949
"ولابن جرير في "تهذيبه": نهينا أن نكلمهن إلا عند أزواجهن. ولابن حبان، عن عمر، مرفوعًا: "لا يخلون أحدكم بامرأة؛ فإن الشيطان ثالثهما" (١) ولأحمد من حديتا عامر بن ربيعة يرفعه: "ألا لا يخلون أحدكم بامرأة لا تحل له، فإن ثالثهما الشيطان إلا مع ذي محرم، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد" (٢). وللدارقطني من حديث أبي جعفر محمد بن عبد الرحمن، عن علي ﵁: نهى رسول الله ﷺ أن نكلم النساء إلا بإذن أزواجهن. ثم قال: رواه ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن أبي جعفر، عن علي ﵁ (٣).
فصل:
قوله: (يَا رَسولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ الحَمْوَ؟ قَالَ: "الْحَمْوُ المَوْت"). قال أبو عبيد: يقال: فليمت ولا يفعلن ذلك. فإن كان هذا رأيه في أبي الزوج وهو محرم، فكيف بالغريب؟ (٤) وقال ابن الأعرابي -وحكاها ثعلب عنه أيضًا-: هذِه كلمة تقولها العرب كما تقول: الأسد الموت. أي: لقاؤه مثل الموت. وكما يقولون: السلطان نار. فالمعنى: أن خلوة الحمو معها أشد من خلوة غيره من البعداء؛ ولذلك جعله كالموت. أي: احذروه كما يحذر الموت (٥). قلت: والعرب إذا أرادت تكره الشيء إلى الموصوف [له قالوا:] (٦) ما هو إلا الموت، كقول الفرزدق لجرير:
стр. 14950
فإني أنا الموت الذي هو واقع … بنفسك فانظر كيف أنت مزاوله
قال الأصمعي: الأحماء من قبل الزوج، والأختان من قبل المرأة، والأصهار تجمعهما. زاد ابن بطال عنه: والحماة أم الزوج، و (الختنة) (١): أم المرأة (٢).
ونقل ابن بري في "إيضاحه" عنه: الأحماء من قبل المرأة. زاد الخطابي بعد أن نقل الأول: لا يختلف أهل اللغة في ذلك، قال: وجرى في ذلك بعض الفقهاء على عرف العامة، فقال: إذا أوصى إلى أختانه دفع إلى أزواج بنات الموصي وأخواته، وكل من يحرم عليه من ذات رحم محرم، وهو قول محمد بن الحسن (٣).
وانظر كيف يصح أن يقال: هو أبو الزوج ثم يمنعه، فالله تعالى يقول: ﴿أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]. وقال أبو عبد الملك: معناه: أنه لا يوجد من الحمو بد كما لا يوجد من الموت بد.
وقال الخطابي: معناه: احذروا الحمو كما تحذرون الموت (٤).
وقال الترمذي: الحمو: أخو الزوج (٥).
وقال الداودي وابن فارس مثل قول أبي عبيد، أنه أبو الزوج، زاد ابن فارس: وأبو امرأته (٦).
стр. 14951
قال الداودي: يحتمل أن يحذر من دخوله أو يكره الاسم بتسمية الموت؛ لأن الحمام: الموت. وهذا لا معنى له؛ لأن الحمام لامه ميم، والحمو لامه واو، فكيف يكونان واحدًا، ووزن حمو مثل دلو.
وقال الأصمعي هو مهموز، مثل: كمأ. وقال ابن سيده: الحمأ والحما: أبو زوج المرأة. وقيل: الواحد من أقارب الزوج والزوجة، وهي أقلهما (١). قلت: يؤيد الثاني قول عائشة ﵂: ما كان بيني وبين عليٍّ إلا ما كان بين المرأة وأحمائها (٢).
وقال القرطبي: جاء الحمؤ هنا مهموزًا، والهمز أحد لغاته، ويقال فيه: حمو، بواو مضمومة متحركة كدلو، حما مقصور كعصا، والأشهر فيه أنه من الأسماء الستة المعتلة المضافة، التي تُعرب في حال إضافتها إلى غير ياء المتكلم بالواو رفعًا، وبالألف نصبًا، وبالياء حفضًا (٣). وعلى قول الأصمعي أنه مهموز إعرابه بالحركات كالأسماء الصحيحة، ومن قصره لا يدخله سوى التنوين رفعًا ونصبًا وجرًّا إذا لم يضف. وحكى عياض: هذا حمؤك، بإسكان الميم وهمزة مرفوعة (٤) وجاء: حم كأب.
قال: ومعناه: الخوف منه أكثر من غيره؛ لتمكنه من الوصول إلى المرأة، والخلوة من غير أن ينكر عليه، بخلاف الأجنبي. والمراد بالحمو هنا: غير آباء الزوج وأبنائه، فأما الآباء والأبناء فمحارم للزوجة يجوز لهم الخلوة بها، ولا يوصفون بالموت، وإنما المراد
стр. 14952
الأخ، وابن الأخ، والعم وابنه، ممن ليس بمحرم، وعادة النساء المساهلة فيه. وأما ما ذكره المازري (١) أو حكاه، أن المراد به أبو الزوج. وقد سلف عن أبي عبيد أيضًا، فرده النووي وقال: إنه فاسد مردود، لا يجوز حمل الكلام عليه (٢).
وفي "مجمع الغرائب": يحتمل أن يريد بالحديث أن المرأة إذا خلت فهي محل الآفة، ولا يؤمن عليها أحد، فليكن حموها الموت، أي: لا يجوز أن يدخل عليها أحد إلا الموت، كما قال الآخر: والقبر صهر ضامن، وهو متجه لائق بكمال المغيرة والحمية. وعبارة الطبري: الحمو عند العرب: كل من كان من قبل الزوج، أخًا كان أو أبًا أو عمًّا، فهم الأحماء.
فأما (أم) (٣) الزوج فكان الأصمعي يقول: هي حماة الرجل، لا يجوز غير ذلك، ولا لغة فيها غيرها. وإنما عني بقوله: "الْحَمْوُ المَوْتُ" أي: خلوة الحمو بامرأة أخيه، أو امرأة ابن أخيه، (أو امرأة ابن أخته) (٤)، بمنزلة الموت، لمكروه خلوته بها. واستبعد مقالة أبي عبيد السالفة، وإنما الوجه ما قاله ابن الأعرابي، ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: ١٧] أي: مثل الموت في الشدة والكراهية، ولو أراد نفس الموت لكان قد مات. وقال عامر بن فهيرة: لقد وجدت الموت قبل ذوقه (٥).
стр. 14953
فصل:
معنى الحديث: أن الخلوة بالأحماء مؤدية إلى الفتنة والهلاك في الدين، فجعله كهلاك الموت، فورد الكلام مورد التغليظ، قاله عياض (١).
وعبارة القرطبي معناه: أنه يفضي إلى موت الدين، أو إلى موتها بطلاقها عند غيرة الزوج، أو برجمها إن زنت معه (٢).
فصل:
نهى عن الدخول على المغيبة صهرًا وغيره؛ خوف الظنون ونزغات الشيطان؛ لأن الحمو قد يكون من غير ذوي المحارم، وإنما أباح للمرأة الخلوة بالمحرم، كما نبه عليه المهلب.
فصل:
(المُغِيبة) في الحديث، وترجمة البخاري -بضم الميم وكسر العين المعجمة، ثم مثناة تحت، ثم باء موحدة، ثم هاء-: من غاب الرجل عن منزلها، سواء أكان في البلد أو مسافرًا.
فصل:
وبالنهي عن الدخول قال جماعة من الصحابة والتابعين، روينا عن عمر ﵁ أنه قال: إياكم والدخول على المغيبات: ألا فوالله إن الرجل ليدخل على المرأة، ولأن غير من السماء إلى الأرض أجب إليه [من] (٣) أن يزني، ولأن تخر من السماء إلى الأرض أجب إليها من أن
стр. 14954
تزني، فما يزال الشيطان يخطب أحدهما إلى الآخر حتى يجمع بينهما (١).
وروينا عن عمرو بن العاصي أنه أرسل إلى علي يستأذنه -وكانت له حاجة إلى أسماء- فقيل: إنه ليس ثّمَّ علي، ثُمَّ أرسل إليه الثانية فقيل: هو ثَمَّ. فلما خرج إليه قال عمرو: إن لي إلى أسماء حاجة، قال: ادخل. قال: وما سألت عن علي وحاجتك إلى أسماء؟ فقال: إنا نهينا أن نكلمهن إلا عند أزواجهن (٢).
وقال عمرو بن الملائي: ثلاث لا ينبغي للرجل أن يثق بنفسه عند واحدة منهن: لا يجالس أصحاب الزيغ فيزيغ قلبه بما أزاغ به قلوبهم، ولا يخلو رجل بامرأة، وإن دعاك صاحب سلطان إلى أن يقرأ عليك القرآن فلا تفعل. قال الطبري: فلا يجوز أن يخلو رجل بامرأة ليس لها محرم، في سفر ولا في حضر، إلا في حال لا يجد من الخلوة منها بدًّا، وذلك كخلوه بجارية امرأته التي تخدمه في حال غيبة مولاتها عنها، وقد رخص في ذلك الثوري.
فصل:
وفيه: كما قال المهلب: جواز (تبكيت) (٣) العالم (عن) (٤) الجواب
стр. 14955
إلى المشترك من الأسماء على سبيل الإنكار للمسألة.
فصل:
قد أسلفنا لغات الحمو، وجمعها ابن بطال أيضًا فقال: فيه لغات (١). قال صاحب "العين": الحما على مثال قفا: أبو الزوج وجميع قرابته، والجمع: أحماء، تقول: رأيت حماها ومررت بحماها. وتقول في هذِه اللغة إذا أفرد: حمى (٢).
وفيه لغة أخرى: حموك: مثل: أبوك. تقول: هذا حموها، ومررت بحميها، ورأيت حماها، فإذا لم تصفه سقطت الواو فتقول: حم، كأب.
وفيه لغه أخرى: حمء بالهمز كدفء عن الفراء، وحكى الطبري رابعة بترك الهمز.
فصل:
وفي حديث ابن عباس ﵄ إباحة الرجوع عن الجهاد إلى إحجاج المرأة؛ لأن فرضًا عليه سترها وصيانتها، والجهاد في ذاك الوقت كان يقوم به غيره، فلذلك أمره ﵇ أن يحج معها إذا لم يكن لها من يقوم بسترها في سفرها ومبيتها (٣).
стр. 14956
١١٢ - باب مَا يَجُوزُ أَنْ يَخْلُوَ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ عِنْدَ النَّاسِ
٥٢٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَخَلَا بِهَا، فَقَالَ: «وَاللهِ إِنَّكُنَّ لأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ». [انظر: ٣٧٨٦ - مسلم: ٢٥٠٩ - فتح ٩/ ٣٣٣].
ذكر فيه حديث أَنَسٍ ﵁ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَخَلَا بِهَا، فَقَالَ: "والله إِنَّكُنَّ لأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ".
هذا الحديث مذكور في فضائل الأنصار، والنذور، وأخرجه مسلم أيضًا (١).
وفيه: -كما قال المهلب - من الفقه أنه لا بأس بالعالم والرجل المعلوم بالصلاح أن يخلو بالمرأة إلى ناحية عن الناس، ويسر إليها بمسائلها، وتسأله عن بواطن أمرها في دينها وغير ذلك من أمورها، فإن قيل؛ إنه ليس في الحديث أنه خلا بها عند الناس كما ترجم. قيل: قول أنس: (فخلا بها). يدل أنه كان مع الناس فتنحى بها ناحية، ولا أقل من أن يكون مع أنس راوي الحديث وناقل القصة، وجاء في بعض طرقه أنه كان معها صبي أيضًا، ولم يرد بقوله: فخلا بها، أنه غاب عن أبصارهم وإنما خلا بها، حيث لا يسمع الذي بالحضرة كلامها ولا شكواها إليه. ألا ترى أنهم سمعوا قوله: "أنتم أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ". يريد: الأنصار قوم المرأة.
قلت: وكأنه ﵇ أراد تعليم الأمة، وكيف الخلوة بالمرأة والعصمة قائمة به.
стр. 14957
١١٣ - باب مَا يُنْهَى مِنْ دُخُولِ الْمُتَشَبِّهِينَ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْمَرْأَةِ
٥٢٣٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ عِنْدَهَا وَفِي الْبَيْتِ مُخَنَّثٌ، فَقَالَ الْمُخَنَّثُ لأَخِي أُمِّ سَلَمَةَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ: إِنْ فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمُ الطَّائِفَ غَدًا أَدُلُّكَ عَلَى ابْنَةِ غَيْلَانَ، فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا يَدْخُلَنَّ هَذَا عَلَيْكُنَّ». [انظر: ٤٣٢٤ - مسلم: ٢١٨٠ - فتح ٩/ ٣٣٣].
ذكر فيه حديث أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّه ﵇ كَانَ عِنْدَهَا وَفِي البَيْتِ مُخَنَّثٌ .. الحديث.
سلف في غزوة الطائف، ويأتي في اللباس (١)، وأخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (٢). والمخنث اسمه هيت على أحد الأقوال. قال الكلبي: وهو مولى عبد الله بن أبي أمية ومن قبله سرى إلى طويس الخنث (٣)، وابنة غيلان. اسمها بادية.
стр. 14958
وأصل الحديث كما قال المهلب حديث: "لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها، حتى كأنه يراها" (١) فلما سمع ﵇ وصف المخنث للمرأة بهذِه الصفة التي (تقيم) (٢) نفوس الناس منع أن يدخل عليهن؛ لئلا يصفهن للرجال، فيسقط معنى الحجاب.
قال غيره: وفيه: أنه لا ينبغي أن يدخل من (المؤنثين) (٣) من يفطن لمصالحهن ويحسن وصفهن، وأن من علم محاسنهن لا يدخل في غير أولى الإربة من الرجال، أما غير أولى الإربة الأبله العنين الذي لا يفطن لمصالحهن، ولا إرب له فيهن. وهذا الحديث أصل في نفي كل من يتأذى به وإبعاده، بحيث يُؤمَن أذاه.
قال ابن حبيب: المخنث: هو المؤنث من الرجال وإن لم تعرف فيه الفاحشة، وهو مأخوذ من تكسر الشيء، ومنه حديثه الآخر أنه ﵇ نهى عن اختناث الأسقية، وهو أن تكسر أفواهها ليشرب منها (٤). وكان يدخل على أمهات المؤمنين؛ لأنه كان عندهن من غير ذوي الإربة.
وفي قوله: (تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ)، أقوال سلفت: قال مالك: أراد أعكانها؛ لأنها في أربع طرائق في بعضها فوق بعض، فإذا بلغت خصرتها صارت ثمانيًا: أربعًا من هاهنا، وأربعًا من هاهنا. وقال: و (تدبر بثمان) ولم يقل بثمانية، وإن كان يقع ذلك على الأطراف، وهي مذكرة، فإنما أراد العكن وهي مؤنثة، واحدها: عكنة؛ لأن كل
стр. 14959
جزء من العكن يلزمه التأنيث ما يلزم جميعه، وهذا تأنيث معنوي (١)، وفي بعض الأخبار زيادة: ولها ثغر كالأقحوان، إن جلست تثنت، وإن نطقت تغنت، وبين رجليها كالإناء المكفوف (٢).
فصل:
قال المهلب: وفي وصفه لمحاسنها حجة لمن أجاز بيع الأعيان الغائبة على الصفة. كما قاله مالك خلافًا للشافعي ولو لم تكن الصفة فيه بمعنى الرؤية، لم ينه عن الدخول عليهن، وقد سلفت في البيوع.
فصل:
قوله: ("لَا يَدْخُلَنَّ هذا عليكن"). وفي لفظ: "لَا يَدْخُلَنَّ هذا عَلَيْكُمْ". وفي لفظ: "هؤلاء". وقال بعضهم لم ينكر دخوله قبل أن يسمع ذلك منه، وإن كان حرًّا. ويحمل نهيه على الكراهة؛ لأنه لم يسمع منه ما يدل على أنه أراد ذلك لنفسه، وإنما كره دخوله بالكلام في مثل ذلك.
وكرهه مالك إذا كان حرًّا ما لم تكن ضرورة تدعو إليه. وعورض قوله هذا بإجازته دخول الخصي -وإن لم يكن لها- ولم تكن لها ضرورة تدعو إليها، ودخول الخصي الحر أخف من العبد الفحل.
стр. 14960
١١٤ - باب نَظَرِ الْمَرْأَةِ إِلَى الْحَبَشِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ غَيْرِ رِيبَةٍ
٥٢٣٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، عَنْ عِيسَى، عَنِ الأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ فِى الْمَسْجِدِ، حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّذِى أَسْأَمُ، فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ الْحَرِيصَةِ عَلَى اللَّهْوِ. [انظر: ٤٥٤ - مسلم: ٨٩٢ - فتح ٩/ ٣٣٦].
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ فِي المَسْجِدِ .. الحديث.
سلف قريبًا في الصلاة (١)، وهو حجة لمن أجاز النظر إلى اللعب في الوليمة وغيرها.
وفيه: جواز النظر للنساء إلى اللهو واللعب لا سيما الحديثة السن، فإنه ﵇ قد عذرها لحداثة سنها.
وفيه: أنه لا بأس بنظر المرأة إلى الرجل من غير ريبة. ألا ترى ما اتفق العلماء من الشهادة عليها أن ذلك لا يكون إلا بالنظر إلى وجهها، ومعلوم أنها تنظر إليه حينئذ كما ينظر إليها. وإنما أراد
البخاري به الرد بحديث ابن شهاب، عن نبهان مولى أم سلمة، عن أم سلمة أنها قالت: كنت أنا وميمونة جالستين عند رسول الله ﷺ فاستأذن عليه ابن أم مكتوم فقال: "احتجبا منه" فقلنا: يا رسول الله: أليس أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال: "أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه" حديث صحيح، أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي.
стр. 14961
وقال الترمذي: حسن صحيح. وكذا صححه ابن حبان أيضًا (١).
وفي سنده: نبهان المخزومي مكاتب أم سلمة. قال البيهقي في الكتابة من "سننه": صاحبا الصحيح لم يخرجا عنه، وكأنه لم تثبت عدالته عندهما، ولم يخرج من الجهالة (٢) برواية عدل عنه (٣). قلت: قد روى عنه اثنان: الزهري، ومحمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، وذكره ابن حبان في الثقات (٤) وصحح الحاكم حديثه (٥).
وأعلَّه أيضًا ابن بطال حيث قال: حديث عائشة أصح منه؛ لأنه عن نبهان، وليس بمعروف بثقل العلم، ولا يروي إلا حديثين: أحدهما هذا، والثاني في المكاتب إذا كان معه ما يؤدي احتجبت منه سيدته (٦)، قال: فلا يستعمل حديث نبهان لمعارضته الأحاديث الثابتة له وإجماع العلماء (٧).
стр. 14962
قلت: فلا معارضة، بل يحمل حديثها على أنها كانت إذ ذلك صغيرة، فلا حرج عليها في النظر إذًا، أو أنه رخص في الأعياد ما لا يرخص في غيرها. ويبعد أن يكون حديث عائشة منسوخًا به وإن كان بعد الحجاب، كما أخرجه أبو داود. وحديث عائشة في أوائل الهجرة، أو أن الحبش كانوا صبيانًا، أو من خصائصها لعظيم حرمتها. وقد قال لفاطمة بنت قيس: "اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجلٌ أعمى. تضعين ثيابك، فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك" (١).
وهذا مستفاد من كلام الشافعي حيث ذكر احتجاب أم سلمة من مكاتبها إذا كان عنده ما يؤدي، كما ستعلمه.
فصل:
قولها: (حَتَّى أَكُونَ أَنَا الذِي أَشأَمُ). كذا هو في الأصول، وأما ابن التين فذكره بلفظ: الذي. ثم قال: وصوابه: التي. لأنه نعت للمؤنث؛ كقوله تعالى: ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: ٣٢].
فصل:
قد أسلفنا من كلام الشافعي حيث ذكر احتجاب أم سلمة من مكاتبها، إذا كان عنده ما يؤدي؛ لأن الله أعظم أزواج النبي ﷺ وفرق بينهن وبين النساء، ولم يجعل على امرأة سواهن أن تحتجب ممن يحرم عليه نكاحها. قال: ومع هذا إن احتجاب المرأة ممن له أن يراها واسع لها، وقد أمر ﵇ سودة ممن قضى به أنه أخوها؛ وذلك أن يكون للاحتياط، وأن الاحتجاب ممن له أن يراها مباح.
стр. 14963
١١٥ - باب خُرُوجِ النِّسَاءِ لِحَوَائِجِهِنَّ
٥٢٣٧ - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ لَيْلاً فَرَآهَا عُمَرُ فَعَرَفَهَا فَقَالَ: إِنَّكِ وَاللهِ يَا سَوْدَةُ مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا، فَرَجَعَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، وَهْوَ فِي حُجْرَتِي يَتَعَشَّي، وَإِنَّ فِي يَدِهِ لَعَرْقًا، فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ فَرُفِعَ عَنْهُ وَهُوَ يَقُولُ: «قَدْ أَذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَوَائِجِكُنَّ». [انظر: ١٤٦ - مسلم: ٢١٧٠ - فتح ٩/ ٣٣٧].
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ، خَرَجَتْ سَوْدَةُ ﵂ بنت زمعة لَيْلًا فَرَآهَا عُمَرُ ﵁ فَعَرَفَهَا فَقَالَ: إِنَّكِ والله يَا سَوْدَةُ مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا، فَرَجَعَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، وَهْوَ فِي حُجْرَتِي يَتَعَشَّى، وَإِنَّ فِي يَدِهِ لَعَرْقًا، فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ فَرُفِعَ عَنْهُ وَهُوَ يَقُولُ: "قَدْ أَذِنَ لكن أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَوَ ائِجِكُنَّ".
هذا الحديث سلف في تفسير سورة الأحزاب، وأخرجه مسلم أيضًا (١)، وأسلفنا عن القاضي عياض: أن الحجاب فرض على أمهات المؤمنين من غير خلاف في الوجه والكفين فلا يجوز لهن كشف ذلك لشهادة ولا لغيرها، ولا يجوز لهن إظهار شخوصهن وإن كن مستترات، إلا ما دعت إليه الضرورة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وقد قال عمر حين رآها ليلاً بعد الحجاب ما سقناه.
وأصل (تخفين) بفتح الفاء وسكون الياء: تخفيين على وزن تعلمين، فاستثقلت الكسرة تحت الياء، فحذفت، فاجتمع ساكنان وهما الياءان،
стр. 14964
فحذفت الأولى؛ لأن الثانية ضمير المخاطب، فبقي تخفين بسكون الياء وفتح الفاء.
وقولها: (وَإِنَّ فِي يَدِهِ لَعَرْقًا). قال ابن فارس: العرق: العظم أخذت لحمه (١).
قال الداودي: حوائج: جمع الحاجة، وجمع الحاجة: الحاجات. وجمع الجمع: حاج، ولا يقال: حوائج. واعترضه ابن التين فقال: الذي ذكره أهل اللغة مثل ما في البخاري أن جمع حاجة: حوائج، ودعوى الداودي في الحاج جمع الجمع ليس بصحيح، بل هو جمع حاجة، مثل: تمرة وتمر، فحذفت الهاء منه -علامة الجمع- وكذلك جاء حاجات: جمع حاجة، مثل: آية وآيات، وقاعة وقاعات، وتمرة وتمرات، وكذلك حوائج: جمع حاجة أيضًا. قال الهروي: هو جمع على غير قياس الحاجة، قال: وقد قيل: الأصل فيه: حائجة يريد مثل جائحة وجوائح. (وقاعدة) (٢) وقواعد، وهو الباب في الجمع، وكنى بالحاجة هنا عن البول والغائط.
وقال صاحب "المنتهى": الحاجة فيها لغات: حاجة وحوجًا وحائجة، فجمع السلامة، حاجات. قال:
تموت مع المرء حاجاته … وتبقى له حاجة ما بقي
وجمع التكسير: حاج، مثل: راحة وراح. قال:
وأرضع حاجة بلبان أخرى … كذاك الحاج يرضع باللبان
وقال:
стр. 14965
أقلني عثرتي وتلاف أمري … وهب لي منك عفوًا أقضِ حاج
قال:
ومرسل ورسول غير متهم … وحاجة غير مزجاة من الحاج
وجمع حوج: حواج، مثل: صخر وصخار، وتجمع على حوج أيضًا نحو: عوجاء وعوج، قال:
لعمري لقد ثبطتني عن صحابتي … وعن حوَج قضَّاؤها عن شقائيا
وجمع حاجة: حوائج، مثل: جائحة وجوائح، وقال بعضهم: هو جمع حاجة. وكان الأصمعي ينكره ويقول: هو مولَّد وأئمتنا أنكروه بخروجه عن القياس في جمع حاجة، وإلا فهو كثير في الكلام. قال:
نهار المرء أمثل حين يقضي … حوائجه من الليل الطويل
ويقال: ما في صدره حوجًا، ولا لوئجًا. ولا شك، ولا مرية بمعنى واحد. ويقال: في أمرك حوئجًا ولا لوئجًا. وما لفلان عندنا حاجة ولا حائجة ولا حوجًا ولا حواسية -بالشين والسين- ولا لماسة ولا لبانة ولا إربة ولا إرب ومأرُبة ومأربة ونوأة وبهجة، وأشكلة وشاكلة وشكلة وشكلا، كله بمعنى واحد.
فصل:
فيه دلالة على خروج النساء لكل ما أبيح لهن الخروج فيه، من زيارة الآباء والأمهات والمحارم وغير ذلك مما بهن الحاجة إليه، وذلك في حكم خروجهن إلى المساجد.
وفيه: منقبة عظيمة لعمر ﵁.
وفيه: تنبيه أهل الفضل على مصالحهم ونصحهم، وجواز خروج المرأة بغير إذن زوجها إلى المكان المعتاد؛ للإذن العام فيه.
стр. 14966
١١٦ - باب اسْتِئْذَانِ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ
٥٢٣٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «إِذَا اسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةُ أَحَدِكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يَمْنَعْهَا». [انظر: ٨٦٥ - مسلم: ٤٤٢ - فتح ٩/ ٣٣٧].
ذكر فيه حديث سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "إِذَا اسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةُ أَحَدِكُمْ إِلَى المَسْجِدِ فَلَا يَمْنَعْهَا".
وقد سلف في الصلاة بمذاهب العلماء فيه (١)، وفي الحديث الآخر: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" (٢).
وقالت عائشة: لو أدرك النبي ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن المساجد، كما منعت نساء بني إسرائيل (٣). ولم يذكر في الباب غير المسجد كما ترجم له. قال الشافعي: يمنع الرجل زوجته. وانفصل به عن هذا، كأنه يعني به الحرام أو يحمله على الاستحباب، بدليل أن صلاتها في بيتها أفضل من المساجد. وفيه أحاديث (٤).
стр. 14967
١١٧ - باب مَا يَحِلُّ مِنَ الدُّخُولِ وَالنَّظَرِ إِلَى النِّسَاءِ فِي الرَّضَاعِ
٥٢٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ جَاءَ عَمِّى مِنَ الرَّضَاعَةِ فَاسْتَأْذَنَ عَلَيَّ فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: «إِنَّهُ عَمُّكِ فَأْذَنِي لَهُ» قَالَتْ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ. قَالَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّهُ عَمُّكِ فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ». قَالَتْ عَائِشَةُ وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ ضُرِبَ عَلَيْنَا الْحِجَابُ. قَالَتْ عَائِشَةُ: يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ. [انظر: ٢٦٤٤ - مسلم: ١٤٤٥ - فتح ٩/ ٣٣٨].
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ ﵂ جَاءَ عَمِّي مِنَ الرَّضَاعَةِ .. الحديث.
وقد سلف (١)، وفائدة هذا الباب أنه أصل في أن الرضاع يحرم من النكاح ما يحرم من النسب، وصح من الولوج على ذوات المحارم منه ما يحيى من النسب، وقد سلف في ذلك.
وقول عائشة ﵂: (جَاءَ عَمِّي مِنَ الرَّضَاعَةِ فَاسْتَأْذَنَ فيه استئذان ذوي المحارم). وقد قال في "المعونة": يستأذن على الأقارب كالأجانب؛ لأنه متى فاجأهن بالدخول جاز أن يصادف منهن عورة لا يجوز له الاطلاع عليها، أو أمرًا يكره من الوقوف عليه، فأما زوجته وأمته الجائز له وطؤها فلا يستأذنهما؛ لأن أكثر ما في ذلك أن يصادفهما منكشفين، وقد أبيح له النظر إلى ذلك (٢).
стр. 14968
وقال في "التلقين": سواء في ذلك الأم والأخت وسائر ذوات المحارم والأهل أنه يستأذنهن.
وقولها: (إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي المَرْأَةُ) أي: امرأة أخيه.
وفيه: أن لبن الفحل يحرم، وعائشة ﵂ روت هذا الحديث ولم تأخذ به، نبه عليه ابن التين.
стр. 14969
١١٨ - باب لَا تُبَاشِرُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فَتَنْعَتَهَا لِزَوْجِهَا
٥٢٤٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تُبَاشِرِ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فَتَنْعَتَهَا لِزَوْجِهَا، كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا». [انظر: ٥٢٤١ - فتح ٩/ ٣٣٨].
٥٢٤١ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ: حَدَّثَنِي شَقِيقٌ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تُبَاشِرِ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فَتَنْعَتَهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا». [انظر: ٥٢٤٠ - فتح ٩/ ٣٣٨].
ذكر فيه حديث أَبِي وَائِلٍ شقيق، عَنْ ابن مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "لَا تُبَاشِرِ المَرْأَةُ المَرْأَةَ فتَنْعَتَهَا لِزَوْجِهَا، كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا".
ومحمد بن يوسف شيخ البخاري فيه هو الفريابي كما قال أبو نعيم وغيره، وسفيان هو الثوري، هو مطابق لما ترجم له، وقد سلف الاحتجاج به لمن يرى بصحة بيع الغائب، واحتج به أيضًا من أجاز السلم في الجواري، وهو مذهب مالك والشافعي. وخالف أبو حنيفة، وذلك أنه منع أن تنعتها لزوجها فتصير كأنه ينظر إليها، وذلك ضبطٌ لها وإحاطة لها كالنظر إليها.
قال أبو الحسن القابسي: هذا الحديث من أبين ما تحمى به الذرائع، نهى أن تضاجع المرأة المرأة، وبين ( … ) (١) نهاها عن ذلك، وأخبر أن ذلك قد ينتهي بها إلى أن تصف لزوجها فإن رأت منها صفة تقوم نظره إليها، فلعل ذلك يدخل في قلب زوجها من الموصوفة له، فيكون ذلك سببًا لطلاق زوجته ونكاحها إن كانت
стр. 14970
أيمًا، وإن كانت ذات بعل كان سببًا لبغضه زوجته ونقصان منزلتها عنده، وإن وصفتها بقبيح كان ذلك غيبة، وقد جاء عن رسول الله ﷺ نهي الرجل عن مباشرة الرجل، مثل نهيه المرأة، وقد أخرجه الطبري من حديث ابن عباس أيضًا (١)، فجعل الشيخ أن النعت يقع على الحسن والقبح، وقال الخليل: النعت: وصفك الشيء بما فيه من حسن، قال: إلا أن يتكلف متكلف فيقول: ذا نعت سوء. قال: وكل شيء جيد تابع نعت (٢).
وقال الداودي: نهيه عن المباشرة للوجه الذي ذكر عبد الله، فكأنه جعل قوله: "تَنْعَتَهَا" إلي آخره من كلام ابن مسعود، وظاهر الحديث رفعه.
قال الطبري: لما ذكر حديث ابن عباس الذي أسلفناه عنه، فيه من البيان: أن مباشرة الرجل الرجل، والمرأة المرأة، مفضيًا كل واحد منهما بجسده إلى جسد صاحبه غير جائز.
قلت: قد جاء مصرحًا به من حديث أبي الزبير عن جابر مرفوعًا: نهى أن يباشر الرجل الرجل في ثوب واحد، والمرأة المرأة في ثوب واحد. أخرجه أحمد (٣)، وفي رواية للإسماعيلي في الأول: إلا أن يكون بينهما ثوب. وهذِه الأخبار عن العموم وعلى الخصوص فيما يحتمله ظاهره.
стр. 14971
قال: الحجة قامت بالمصافحة في حق الرجال والنساء، وذلك مباشرة كل واحد منهما صاحبه ببعض جسده، وكان معلومًا بذلك أوللم يكن في النهي عن المباشرة استثناءً، وكانت المصافحة مباشرة، وهي من الأمور التي ندب المسلمون إليها. ثم ساق بإسناده عن الحسن عن البراء مرفوعًا: "إن المسلمين إذا التقيا فتصافحا تحاتت ذنوبهما" (١).
وعن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعًا: "تحيتكم بينكم المصافحة" (٢). ونحو ذلك من الأخبار الدالة على أن المسلمين مندوبون إلى مباشرة بعضهم بعضًا بالألف مصافحة عند الالتقاء، وكان محالًا اجتماع الأمر بفعل الشيء والنهي عنه في حال واحد، على أن الذي ندب العبد إلى المباشرة به من جسم أخيه غير الذي نهي عنه من مباشرفه، ولا يحتاج إلى ما ذكره. قال ابن القاسم: سئل مالك عن الخدم يبيتون عراة في لحاف واحد وفي الشتاء فكرهه، وأنكر أن تبيت النساء عراة لا ثياب عليهن؛ لأن ذلك إشراف على العورات، وذلك غير جائز، لنهي رسول الله ﷺ عن المباشرة (٣).
стр. 14972
١١٩ - باب قَوْلِ الرَّجُلِ لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى (نِسَائِي) (١)
٥٢٤٢ - حَدَّثَنِي مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵉ لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ بِمِائَةِ امْرَأَةٍ، تَلِدُ كُلُّ امْرَأَةٍ غُلَامًا، يُقَاتِلُ فِى سَبِيلِ اللهِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ: قُلْ إِنْ شَاءَ اللهُ. فَلَمْ يَقُلْ وَنَسِيَ، فَأَطَافَ بِهِنَّ، وَلَمْ تَلِدْ مِنْهُنَّ إِلاَّ امْرَأَةٌ نِصْفَ إِنْسَانٍ». قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَكَانَ أَرْجَى لِحَاجَتِهِ». [انظر: ٣٤٢٤ - مسلم: ١٦٥٤ - فتح ٩/ ٣٣٩].
ذكر فيه حديث أبي هريرة ﵁:
وقد سلف في الجهاد (٢)، وتقدم معناه في باب، من طاف على نسائه بغسلٍ واحد (٣)، وأنه لا يجوز أن يجمع الرجل جماعه زوجاته في غسل واحد، ولا يطوف عليهن في ليلة إلا إذا ابتدأ القسم بينهن، أو أذن له في ذلك، أو إذا قدم من سفر، ولعله لم يكن في شريعة سليمان بن داود ﵇ من فرض القسمة بين النساء والعدل بينهن ما أخذه الله على هذِه الأمة.
قال المهلب: وقوله: "لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللهُ لَمْ يَحْنَثْ" يعني لم يخب ولا عوقب بالحرمان حين لم يستثن مشيئة الله، ولم يجعل الأمر له، وليس في الحديث يمين فيحنث فيها، وإنما أراد أنه لما جعل لنفسه القوة والفعل عاقبه الله بالحرمان، فكان الحنث بمعنى: التخييب، وكذلك من نذر لله طاعة أو دخل في شيء منها وجب عليه الوفاء بذلك؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُود﴾ [المائدة: ١] وقوله تعالى: ﴿فَمَا
стр. 14973
رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] فكان مطالبًا بما تألى به، فكأنه ضرب من الحنث؛ لأنه تألى فلم يفِ. وقد احتج بعض الفقهاء بهذا الحديث فقال: إن الاستثناء بعد السكوت عن اليمين جائز، بخلاف قول مالك (١).
واحتجوا بقوله: "لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ لَمْ يَحْنَثْ". وليس كما توهموه؛ لأن هذِه لم تكن يمينًا، وإنما كان قولًا جعل الأمر فيه لنفسه، ولم تجب عليه فيه كفارة، فسقط عنه الاستثناء. وإنما هذا الحديث مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] أدبًا أدب الله به عباده ليردوا الأمر إليه ويبرءوا من الحول والقوة إلا به. ودل هذا المعنى على صحة قول أهل السنة أن أفعال العباد من الخير والشر خلق الله تعالى، وسيأتي في الاعتصام أيضًا.
وقال ابن التين: معنى: "لَمْ يَحْنَثْ": لم يخلف قوله؛ لأن الحنث أصل الخلف في اليمين، ويحتمل أن يكون خلف على ذلك.
وقوله: ("لأَطُوفَنَّ"). يقال: أطاف بالإنسان طائف من جن أو خيال. وفي الحديث أن الأنبياء أعطوا من القوى مالم يعط غيرهم. وفي بعض الروايات: "لأطوفن على سبعين" (٢). وهنا: "مِائَةِ". وفي بعضها: "بألف". ذكره ابن التين.
стр. 14974
١٢٠ - باب لَا يَطْرُقْ (١) أَهْلَهُ لَيْلاً إِذَا أَطَالَ الْغَيْبَةَ؛ مَخَافَةَ أَنْ يُخَوِّنَهُمْ أَوْ يَلْتَمِسَ عَثَرَاتِهِمْ
٥٢٤٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ - رضى الله عنه - قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَكْرَهُ أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ طُرُوقًا. [انظر: ٤٤٣ - مسلم: ٧١٥ وبعد ١٤٦٥، ١٥٩٩، ١٩٢٨ - فتح ٩/ ٣٣٧].
٥٢٤٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا أَطَالَ أَحَدُكُمُ الْغَيْبَةَ فَلَا يَطْرُقْ أَهْلَهُ لَيْلاً». [انظر الحديث السابق - فتح ٩/ ٣٣٩].
ذكر فيه حديث جَابِرَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَكْرَهُ أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ طُرُوقًا.
وعنه أيضًا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أَطَالَ أَحَدُكمُ الغَيْبَةَ فَلَا يَطْرُقن أَهْلَهُ لَيْلًا". سلف في الحج (٢).
الشرح:
الطروق -بضم الطاء-: إتيان المنزل ليلاً، وهو مصدر في موضع الحال، يقال: أتانا طروقًا: إذا جاء ليلاً.
وقوله: ("إِذَا أَطَالَ") إلى آخره. ادعى ابن التين أنه ليس في أكثر الروايات.
وقوله: ("لَيْلًا") تأكيد؛ لأن الطرق: إتيان أهله ليلاً، كما سلف.
وذكر ابن فارس أن بعضهم حكى عنه أن الطروق قد يقال في النهار (٣)،
стр. 14975
فعلى هذا يكون "ليلاً" على البيان، وقوله في الترجمة: (مخافة أن يخونهم أو يلتمس عثراتهم). قد أخرجه ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان، عن محارب بن دثار، عن جابر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يطرق الرجل أهله ليلاً يتخونهم أو يطلب عثراتهم (١). فيبين الشارع بهذا اللفظ المعنى الذي من أجله نهى أن يطرق أهله ليلاً. ومعنى كون طرق الليل سببًا لتخوينهم أنه وقت خلوة وانقطاع مراقبة الناس بعضهم لبعض، وكان ذلك سببًا ليوطئ أهله به، وكأنه إنما قصدهم ليلاً؛ ليجدهم على زينة حين توقى عثرتهم وغفلتهم.
ومعنى الحديث: النهي عن التجسس على أهله، ولا تحمله غيرته على تهمتها، إذا لم يأنس منها إلا الخير، فهو دال على المنع من التجسيس وطلب الغيرة والتعرض لما فيه الغيبة وسوء الظن.
الشرح:
الحديث سلف في الطهارة (١) وغيرها، ومعنى: قفلنا: رجعنا. والقطوف: تقارب الخطو في سرعةٍ، وهو ضد الوساج.
وقوله: ("فَبِكْرًا") إلى آخره تقديره: أبكرًا تزوجت؛ لأن (أم) لا يعطف بها إلا بعد همزة الاستفهام. "وتلاعبها" سلف هل هو من اللعاب أو اللعب المعروف.
ومعنى "تستحد المغيبة": تصلح من شأنها بالحديد، وهو استفعال من الحديد، يعني: الاستحلاق بها. والكيس هنا يجري مجرى الحذر، قاله الخطابي، قال: وقد يكون بمعنى الرفق وحسن التأني (٢). وقال ابن الأعرابي: الكيس: العقل، كأنه جعل طلب الولد عقلاً. وقاله ثعلب وأنشد:
وإنما الكيس لب المرء يعرضه … على المجالس إن كيسًا وإن حمقًا
وقيل: أراد الحذر من العجز عن الجماع، ففيه الحث على الجماع.
فائدة لغوية:
الكوس بالسين مهملة ومعجمة: الجماع، يقال: كاس الجارية، وكاشها، وكاوسها مكاوسة كواسة، وأكاسها، كل ذلك إذا جامعها.
فصل:
وطلب الولد مندوب إليه؛ لقوله ﵇: "إني مكاثر بكم الأمم" (٣)،
стр. 14978
وإنه "من مات من ولده ممن لم يبلغ الحنث فإن الله يدخله الجنة بفضل رحمته إياهم" (١).
فإن قلت: قوله: "أمهلوا حتى تدخلوا ليلاً" أي: عشاء. يعارض نهيه أن يطرق الرجل أهله ليلاً، قلت: لا تعارض؛ ففي هذا الحديث أمر المسافر إذا قدم نهارًا أن يتربص حتى يدخل على أهله عشاءً؛ لكي يتقدمه إلى أهله خبر قدومه، فتمتشط له الشعثة وتتزين وتستحد له وتتنظف، لئلا يجدها على حالة يكرهها فتقع البغضاء، وهذا رفق منه بالأمة، ورغبة في إدامة المودة بينهما وحسن العشرة. والحديث الآخر إذا قدم ليلاً؛ لأن الطروق لا يكون إلا وقت العشاء لمن يقدم فجأة بعد مضي وقت من الليل، فنهى عن ذلك؛ للعلة السالفة، وهي: خشية أن يتخونهم ويطلب عثراتهم، لا سيما إذا طالت غيبته، فإنه يبعد مراقبتها وتكون يائسة من رجوعه إليها، فيجد الشيطان سبيلًا إلى إيقاع سوء الظن.
١٢٣ - باب قوله ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ الآية، [إِلَى قَوْلِهِ ﴿لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾] (١)
٥٢٤٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ اخْتَلَفَ النَّاسُ بِأَيِّ شَيْءٍ دُووِيَ جُرْحُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، فَسَأَلُوا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ، وَكَانَ مِنْ آخِرِ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ وَمَا بَقِيَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، كَانَتْ فَاطِمَةُ ﵍ تَغْسِلُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَعَلِيٌّ يَأْتِي بِالْمَاءِ عَلَى تُرْسِهِ، فَأُخِذَ حَصِيرٌ، فَحُرِّقَ فَحُشِيَ بِهِ جُرْحُهُ. [انظر: ٢٤٣ - مسلم: ١٧٩٠ - فتح ٩/ ٣٤٣].
ذكر فيه حديث سهل بن سعد.
وقد سلف في الطهارة قبيل الغسل (٢)، وهذِه الآية نزلت بعد الحجاب، وهو نزل بعد أحد بسنتين، وكان سهل إذ ذاك صغيرًا. والزينة: الوجه والكفان. وقيل: واليدان إلى المرفقين. وأورد هنا قصة فاطمة لغسلها الدم عن وجه أبيها، وإبدائها له وجهها.
وقولها: (فَأُخِذَ حَصِيرٌ فأحرق). كذا في الأصول. وفي نسخة: فحُرِّق.
بضم الحاء وتشديد الراء، على وجه التكثير أو تعدية، قال الله تعالى: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ﴾ [طه: ٩٧] وقرئ بضم الراء: من الغيظ (٣)، يقال: هو محرق عليك الأرم (٤) غيظًا (٥): إذا حكَّ أسنانه بعضها ببعض.
стр. 14981
فصل:
قال المهلب: إنما أبيح للنساء أن يبدين زينتهن؛ لما ذكر في هذِه الآية من أجل الحرمة التي لهن من القرابة والمحرم، إلا في العبيد فإن الحرمة إنما هي من جهة السيادة وأن العبد لا تتطاول عينه إلى سيدته، فهي حرمة ثابتة في نفسه، أبيح للمرأة من إظهار الزينة ما أبيح إلى أبيها وابنها وذوي الحرمة منها، مع أنه لا يظن بحرة الانحطاط إلى عبد، هذا المعلوم من نساء العرب والأكثر في العرف والعادة، وسئل سعيد بن جبير: هل يجوز للرجل أن يرى شعر ختنته؟ فتلا قوله هذِه الآية، فقال: لا أراه فيهم.
وقال الطبري: في الآية ﴿إِخوَانِهِنَّ﴾: جمع أخ، وأخوة جمع أخ أيضًا، كما يجمع فتى وفتيان، ويجمع فتية أيضًا. وسئل عكرمة والشعبي عن هذِه الآية ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾ إلى قوله: ﴿أَيْمَانُهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥] قلت: ما شأن العم والخال لم يذكرا؟ قال: لأنهما تبع لآبائهما، وكرها أن تضع خمارها عند عمها وخالها (١). ومن رأى العم والخال داخلين في جملة الآباء أجاز ذلك. وقال النخعي: لا بأس أن ينظر إلى شعر أمه وعمته وخالته.
وذكر إسماعيل عن الحسن والحسين أنهما كانا لا يريان أمهات المؤمنين. وقال ابن عباس: إن رؤيتهما لهن تحل. وقال إسماعيل: أحسب أن الحسن والحسين ذهبا في ذلك إلى أن أبناء البعولة لم (يذكروا) (٢) في الآية التي في أمهات المؤمنين، وهي قوله: ﴿لَّا جُنَاحَ
стр. 14982
عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥]، قال: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الآية [النور: ٣١]، فذهب ابن عباس إلى هذِه الآية، وذهب الحسن والحسين إلى الآية الأخرى.
وقوله: ﴿وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥] يعني: ولا حرج عليهن أن لا يحتجبن من نساء المؤمنين. وروي عن (ابن عمر) (١) ﵄ أنه كتب إلى عماله أن لا تترك امرأة من أهل الذمة أن تدخل الحمام مع المسلمات، واحتج بهذِه الآية (٢).
واختلف السلف في قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] قال سعيد بن المسيب: لا تغرنكم هذِه الآية، إنما عني بها الإماء ولم يعن بها العبيد. وكان الشعبي يكره أن ينظر المملوك إلى شعر مولاته، وهو قول عطاء ومجاهد. وقال ابن عباس ﵄: لا بأس أن ينظر المملوك إلى شعر مولاته (٣). فدل على أن الآية عنده على العموم في المماليك والخدم، قاله إسماعيل، وهذا على القولين، فكانت عائشة وسائر أمهات المؤمنين يدخلن عليهن مماليكهن.
قال إسماعيل: وإنما جاز للمملوك أن ينظر إلى شعر مولاته ما دام مملوكًا؛ لأنه لا يجوز له أن يتزوجها ما دام مملوكًا، وهو كذوي المحارم، كما لا يجوز لذوي المحارم بها أن يتزوجوهن، ولا يدخل العبد في المحرم الذي يجوز للمرأة أن تسافر معه؛ لأن حرمته منها لا تدوم، وقد يمكن أن تعتقه في سفرها فيحل له (تزويجها) (٤).
стр. 14983
فإن قلت: فحديث أم عطية: كنا نداوي الكلمى (١). والحديث الآخر أن النساء كن ينقلن القرب على متونهن، وسوقهن مكشوفات، حتى يرى خدم سوقهن في المغازي مع رسول الله ﷺ (٢)، يخالف الآية وحديث سهل.
قلت: لا؛ لأنه إن صح أن ما ظهر من سوقهن غير الخدم، مما لا يجوز كشفه، فالأحاديث منسوخة بسورة النور والأحزاب؛ لأنهما من آخر ما نزل بالمدينة من القرآن، وإجماع الأمة أنه غير جائز للمرأة أن تظهر شيئًا من عوراتها لذي رحمها، فكيف (بالأجانب) (٣) وكذلك لا يجوز لها أن تظهر عورتها للنساء أيضًا (٤).
ونقل ابن التين عن مالك أنه لا بأس أن يرى المكاتب شعر سيدته إن كان وغدًا، وكذلك العبد (٥). وقال محمد بن عبد الحكم: يرى شعر سيدته إن كان وغدًا ولا يخلو معها في بيت، واختلف في عبد زوجها وعبد الأجنبي.
стр. 14984
١٢٤ - باب: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ﴾
٥٢٤٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ سَأَلَهُ رَجُلٌ شَهِدْتَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْعِيدَ أَضْحًى أَوْ فِطْرًا قَالَ: نَعَمْ لَوْلَا مَكَانِي مِنْهُ مَا شَهِدْتُهُ -يَعْنِى مِنْ صِغَرِهِ- قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَذَانًا وَلَا إِقَامَةً، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَرَأَيْتُهُنَّ يَهْوِينَ إِلَى آذَانِهِنَّ وَحُلُوقِهِنَّ يَدْفَعْنَ إِلَى بِلَالٍ، ثُمَّ ارْتَفَعَ هُوَ وَبِلَالٌ إِلَى بَيْتِهِ. [انظر: ٩٨ - مسلم: ٨٨٤ (١) و (١٣) - فتح ٩/ ٣٤٤].
ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ ﵄ سَأَلَهُ رَجُلٌ: شَهِدْتَ مَعَ رَسُول اللهِ ﷺ العِيدَ أَضْحًى أَوْ فِطْرًا؟ قَالَ: نَعَمْ. إلى أن قال: وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَرَأَيْتُهُنَّ يَهْوِينَ إِلَى آذَانِهِنَّ وَحُلُوقِهِنَّ ويَدْفَعْنَ إِلَى بِلَالٍ .. الحديث.
وقد سلف في الصلاة والعيد (١)، وكان ابن عباس في هذا الوقت ممن لم يطلع على عورات النساء، ولذلك قال: ولولا مكاني من الصغر ما شهدته. وكان بلال من البالغين، وقال تعالى: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور: ٥٨]. فأجرى الذين ملكت أيمانهم مجرى من لم يبلغ الحلم، وأمر بالاستئذان في العورات الثلاث؛ لأن الناس يتكشفون في تلك الأوقات، ولا يكونون من الستر فيها كما يكونون في غيرها.
стр. 14985
فصل:
لم يختلف فقهاء الأمصار أن العيد لا أذان له ولا إقامة، وإنما يقال فيه: الصلاة جامعة. واختلف فيمن ابتدع الأذان أولاً، فقيل: عبد الله بن الزبير، وقيل: معاوية. وقال ابن حبيب: هشام (١). وقال الداودي: قيل مروان. وقيل: زياد، ذكره ابن التين.
وقوله: (يُهوي). هو بضم الياء من أهوى، إذا أراد أن يأخذ شيئًا.