← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 15191–15230 · переход к 15196.

стр. 15191

تمت جبره الحاكم بالسوط علي أن يفيء فَيُجامع أو يطلق حتى يفعل أحدهما كما أمره الله، إلا أن يكون عاجزًا عن الجماع لا يقدر عليه أصلاً، فلا يجوز تكليفه ما لا يطيق، لكن يكلف أن يفيء بلسانه، ولا يجوز أن يطلق عليه الحاكم، فإن فعله لم يلزمه طلاق غيره. ومن حلف في ذلك بطلاق، أو عتق، أو صدقة، أو مشي أو غير ذلك فليس موليًا وعليه الأدب؛ لأنه حلف بما لا يجوز الحلف به؛ لما صح عن رسول الله ﷺ من قوله: "من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله". وقال أبو حنيفة: إن حلف بطلاق أو عتق أو حج أو عمرة أو صيام فهو إيلاء، فإن حلف بنذر صلاة، أو بأن يطوف أسبوعًا، أو بأن يُسبح مائة مرة فليس موليًا. ورأى قوم أن الهجر بلا يمين له حكم الإيلاء. قال ابن عباس ليزيد بن الأصم: ما فعلت أهلُك، عهدي بها لَسِنَةً سيئة الخلق قال: أجل، والله لقد خرجت وما أكلمها. فقال له عبد الله: عَجل السير، أدركها قبل أن تمضي أربعة أشهر، فإن مضت فهي تطليقة. وصح عن ابن عباس ﵄ أنه قال: الإيلاء هو أن يحلف أن لا يأتيها أبدًا. وصح عن عطاء أنه قال: الإيلاء إنما هو أن يحلف بالله على الجماع أربعة أشهر فأكثر، فإن لم يحلف فليس بإيلاء، فإن قال لها: أنت عليَّ كظهر أمي إن قربتك. فقال حماد: ليس بشيء، وقال أبو الشعثاء: هو إيلاء. وقال رجل لعلي بن أبي طالب: تزوجت امرأة أخي وهي ترضع ابن أخي، فقلت: هي طالق إن قربتها حتى تفطمه. فقال علي: إنما أردت (الإصلاح لك) (١) ولابن أخيك فلا إيلاء عليك، إنما الإيلاء ما كان في

стр. 15192

غضب. وممن لم يراعِ ذلك إبراهيم وابن سيرين، وهو قول أبي حنيفة، والشا فعي، ومالك، وأبي سليمان، وأصحابهم (١). وقال ابن عبد البر: وعن مالك: من قال لامرأته: والله لا أقربك حتى تفطمي ولدك. لم يكن موليًا. وهو قول الأوزاعي وأبي عبيد (٢). قال ابن حزم: وممن صح عنه أن: بمضيِّ أربعة أشهر تبين بطلقة بائنة الحسنُ، وإبراهيم، وقبيصة بن ذؤيب، وعكرمة، وعلقمة، والشعبي، وهو قول أبي حنيفة. وتعتد بعد انقضاء الأربعة الأشهر. وقال مسروق، وشريح، وعطاء: تعتد بثلاث حيض (٣). قال ابن عبد البر: كل الفقهاء -فيما علمت- يقولون: إنها تعتد بعد الطلاق عدة المطلقة إلا جابر بن زيد فإنه يقول: لا تعتد، يعني: إذا كانت قد حاضت ثلاث حيض في الأربعة الأشهر. وقال بقوله طائفة، وكان الشافعي يقول به في القديم، ثم رجع عنه، وقد روي عن ابن عباس مثله (٤). فصل: قال ابن حزم: والحرُّ والعبد في الإيلاء كل واحد منهما من زوجته الحرة والأمة المسلمة أو الذمية الكبيرة أو الصغيرة سواء في كل ما ذكرناه؛ لأن الله تعالى عمَّ ولم يخص، وما كان ربك نسيًّا.

стр. 15193

وروينا عن عمر ﵁ -ولم يصح عنه- أنه قال: إيلاء العبد شهران. وروينا عنه أيضًا أنه قال: إيلاء الأمة شهران، ولا يصح؛ لأنه من حديث حبان بن علي، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الكريم (١). وقال أحمد فيما حكاه عنه الخلال في "علله": يروى عن الزهري أنه كان يقول: إيلاء العبد شهران، ولا أعلمه عن أحدٍ غير الزهري. قال ابن حزم: وصح عن عطاء أنه قال: لا إيلاء للعبد دون سيده، وهو شهران، وبه يقول الأوزاعي، والليث، ومالك، وإسحاق. وقالت طائفة: الحكم في ذلك للنساء؛ فإن كانت حرة فإيلاء زوجها الحر والعبد أربعة أشهر؛ وإن كانت أمة فإيلاء زوجها الحر والعبد عنها شهران، وهو قول إبراهيم وقتادة والحسن والحكم والشعبي وحماد والضحاك والثوري وأبي حنيفة وأصحابه. وقالت طائفة: إيلاء الحرّ والعبد من الزوجة الحرة والأمة سواء، وهو أربعة أشهر، وهو قول الشافعي وأحمد وأبي ثور وأبي سليمان وأصحابهم. فصل: قال: ومن آلى من أربع نسوة له بيمين واحدة وقف لهن كلهن من حين يحلف، فإن فاء إلى واحدة سقط حكمها وبقي حكم البواقي، فلا يزال يوقف لمن لم يفئ إليها حتى يفيء أو يطلق، وليس عليه في كل ذلك إلا كفارة واحدة؛ لأنها يمين واحدة علي أشياء متغايرة، ولكل واحدة حكمها، وهو مولٍ من كل واحدة منهن، ومن آلي من أمته فلا توقيف عليه؛ لأن الله قال: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ [البقرة: ٢٢٧]

стр. 15194

فصح أن حكم الإيلاء إنما هو فيمن يلزمه فيها الفيئة أو الطلاق وليس في المملوكة طلاق أصلاً (١). فصل: قال ابن عبد البر: اختلف العلماء فيمن طلق ثلاثًا بعد الإيلاء ثم تزوجها بعد زوج، فقال مالك: يكون موليًا، وهو قول حماد وزفر. وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يكون موليًا، وإن قربها كَفَّر يمينه، وهو قول الثوري (وقال) (٢) الشافعي في موضع: إذا بانت المرأة ثم تزوجها كان موليًا، وفي موضع: لا يكون موليًا، واختاره المزني؛ لأنها صارت في حال لو طلقها لم يقع طلاقه عليها. فصل: قال ابن القاسم: إذا آلي وهي صغيرة لا يجامَع مثلُهَا لم يكن موليًا حتى تبلغ الوطء، ثم يوقف بعد مضي أربعة أشهر منذ بلغت الوطء، قال: ولا يوقف الخصي إنما يوقف من قدر على الجماع. وقال الشافعي: إذا لم يبق من الخصي ما ينال به المرأة ما يناله الصحيح؛ بمغيب الحشفة فهو كالمجبوب فاء بلسانه، ولا شيء عليه؛ لأنه ممن (يجامع) (٣) مثله. وقال في موضع آخر: لا إيلاء عن مجبوب، واختاره المزني. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا آلي وهو مريض بينه وبينها مسيرة أربعة أشهر، أو كانت رتقاء، أو صغيرة ففيئه الرضا بالقول إذا دام به العذر قالوا:

стр. 15195

ولو كان أحدهما محرمًا بالحج وبينه وبين وقت الحج أربعة أشهر لم يكن فيئه إلا بالجماع، وكذ المحبوس وقال زفر: فيئته بالقول. وقال الثوري: إذا كان له عذر من مرض، أو كبر، أو حبس، أو كانت حائضًا، أو نفساء فليفئ بلسانه، وهو قول ابن حي. وقال الأوزاعي: إذا آلي، ثم مرض أو سافر فأشهد على الفيء من غير جماع وكان لا يقدر على الجماع فليكفر عن يمينه، وهي امرأته. وكذلك إن ولدت في الأربعة الأشهر، أو حاضت، أو طرده السلطان فإنه يشهد على الفيء ولا إيلاء عليه. وقال الليث: إذا مرض بعد الإيلاء تم مضت أربعة أشهر [فإنه] (١) يوقف كما يوقف الصحيح، ولا يؤخر إلى أن يصح. قال الشافعي: ولو آلي وهي بكر، وقال: لا أقدر على افتضاضها أُجّلَ أَجَل العنين. قال: وإذا كان ممن [لا] (٢) يقدر على الجماع وفاء بلسانه، ثم قدر وقف حتى يفيء أو يطلق. قال: وإذا حُبس أستأنف أربعة أشهر، وإن كان بينهما مسيرة أربعة أشهر وطالبه الوكيل فاء بلسانه وسار إليها كيفما أمكنه وإلا طلقت عليه (٣). فإذا آلي من امرأته ثم مات؛ فعن الشعبي فيما ذكره ابن أبي شيبة بإسناد جيد: تعتد أحد عشر شهرًا (٤).

стр. 15196

٢٢ - باب حُكْمِ الْمَفْقُودِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: إِذَا فُقِدَ فِي الصَّفِّ عِنْدَ الْقِتَالِ تَرَبَّصُ امْرَأَتُهُ سَنَةً. وَاشْتَرَى ابْنُ مَسْعُودٍ جَارِيَةً وَالْتَمَسَ صَاحِبَهَا سَنَةً فَلَمْ يَجِدْهُ وَفُقِدَ، فَأَخَذَ يُعْطِي الدِّرْهَمَ وَالدِّرْهَمَيْنِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ عَنْ فُلَانٍ وَعَلَيَّ. وَقَالَ هَكَذَا فَافْعَلُوا بِاللُّقَطَةِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِى الأَسِيرِ يُعْلَمُ مَكَانُهُ: لَا تَتَزَوَّجُ امْرَأَتُهُ، وَلَا يُقْسَمُ مَالُهُ، فَإِذَا انْقَطَعَ خَبَرُهُ فَسُنَّتُهُ سُنَّةُ الْمَفْقُودِ. ٥٢٩٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ يَزِيدَ -مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ ضَالَّةِ الْغَنَمِ، فَقَالَ: «خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ». وَسُئِلَ عَنْ ضَالَّةِ الإِبِلِ، فَغَضِبَ وَاحْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ، وَقَالَ: «مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا الْحِذَاءُ وَالسِّقَاءُ، تَشْرَبُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا». وَسُئِلَ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: «اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، وَعَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ مَنْ يَعْرِفُهَا، وَإِلاَّ فَاخْلِطْهَا بِمَالِكَ». قَالَ سُفْيَانُ: فَلَقِيتُ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ -قَالَ سُفْيَانُ وَلَمْ أَحْفَظْ عَنْهُ شَيْئًا غَيْرَ هَذَا- فَقُلْتُ: أَرَأَيْتَ حَدِيثَ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ فِى أَمْرِ الضَّالَّةِ، هُوَ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَ يَحْيَى: وَيَقُولُ رَبِيعَةُ: عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ. قَالَ سُفْيَانُ: فَلَقِيتُ رَبِيعَةَ فَقُلْتُ لَهُ. [انظر: ٩١ - مسلم: ١٧٢٢ - فتح ٩/ ٤٣٠]. (وقال ابن المُسَيَّبِ: إِذَا فُقِدَ في الصَّفِّ عِنْدَ القِتَالِ تَرَبَّصُ امْرَأَتُهُ سَنَةً) كذا هو في الأصول وعليه جرى ابن بطال (١) وغيره وعند ابن التين ستة أشهر. والأول هو ما ذكره ابن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر وحفص، عن داود، عن سعيد تعتد امرأته سنة.

стр. 15197

وحدثنا عبد الأعلى، عن معْمر، عن الزهري، عن سعيد أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان قالا في امرأة المفقود: تتربص أربع سنين، وتعتد أربعة أشهر وعشرًا (١). قال المهلب: تبع سعيد في هذا حكمه ﵇ بتعريف اللقطة سنة. قال ابن المنذر: وعند سعيد إذا فُقِد في غير صف فأربع سنين. وقال الأوزاعي: إذا فُقِد ولم يثبت عن أحد منهم أنهم قتلوا ولا أُسروا (فعليهن) (٢) عدة المتوفى (عنهن) (٣) ثم يتزوجن. وقال مالك: ليس في انتظار من فُقِد عند القتال وقت. وجعل أبو عبيد حكمه حكم امرأة المفقود، وبه قال أبو الزناد. والجواب في هذا عند الثوري والشافعي وأصحاب الرأي كجوابهم عن امرأة المفقود (٤). فائدة: قوله: (تربص) أصله تتربص فحذف إحدى التائين كقوله تعالى: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]. ثم قال البخاري: (وَاشْتَرى ابن مَسْعُودٍ جَارِيَةً وَالْتَمَسَ صَاحِبَهَا فَلَمْ يَجِدْهُ وَفُقِدَ، فَأَخَذَ يُعْطِي الدِّرْهَمَ وَالدِّرْهَمَيْنِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ عَنْ فُلَانٍ، فإن أتى فلي وعليَّ وَقَالَ: هَكَذَا فَافْعَلُوا بِاللُّقَطَةِ)، وقال: (عن ابن عباس نحوه).

стр. 15198

أثر ابن مسعود ﵁ أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد جيد، عن شريك، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل: اشترى عبد الله جارية بسبعمائة درهم. فغاب صاحبها، فأنشده حولًا أو قال: سنة، ثم خرج إلى المسجد فجعل يتصدق ويقول: اللهم فله فإن أتى فعلي. ثم قال: هكذا فافعلوا باللقطة وبالضالة (١). ثم قال البخاري: (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي الأَسِيرِ يُعْلَمُ مَكَانُهُ: لَا تَتَزَوَّجُ امْرَأَتُهُ، وَلَا يُقْسَمُ مَالُهُ، فَإِذَا انْقَطَعَ خَبَرهُ فَسُنَّتُهُ سُنَّةُ المَفْقُودِ). وهو كما قال، فقد قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن زوجة الأسير لا تُنكح حتى يعلم يقين وفاته ما دام على الإسلام. وهذا قول النخعي والزهري ومكحول ويحيى الأنصاري، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وأبي ثور وأبي عُبيد وبه نقول (٢). ثم ذكر البخاري حديث زيد بن خالد الجهني السالف في باب اللقطة (٣) وإدخال البخاري له في الباب من دقة فظره، كما نبه عليه ابن المنير، وذلك أنه وجد الأحاديث متعارضة بالنسبة إلى المفقود؛ فحديث ضالة الغنم يدل على جواز التصرف في ماله في الجملة، وإن لم تتحقق وفاته. وينقاس عليه تصرف المرأة في نفسها بعد إيقاف الحاكم وتطليقه بشروطه. والحديث عن ابن مسعود وما معه يؤيده، ويقابل هذا على المعارضة حديث ضالة الإبل، فمقتضاه بقاء تمليكه أبدًا حتى تتحقق وفاته بالتعمير أو غيره، وبحسب هذا التعارض اختلف العلماء في

стр. 15199

الجملة، واختار البخاري إيقاف الأهل أبدًا إلى الوفاة يقينًا أو التعمير، ونبه على أن الغنم إنما يتصرف فيها خشية الضياع بدليل التعليل في الإبل. والإبل في معنى الأهل؛ لأن بقاء العصمة ممكن كبقاء الإبل مملوكة له (١). فصل: واختلف العلماء في حكم المفقود إذا لم يعرف مكانه وعمي خبره، فقالت طائفة: إذا خرج من بيته وعمي خبره أنَّ أمرأته لا تُنكح أبدًا ولا يفرق بينه وبينها حتى يوقن بوفاته أو ينقضي تعميره، وسبيل زوجته سبيل ماله، روي هذا القول عن علي (٢)، وهو قول الثوري وأبي حنيفة ومحمد والشافعي (٣)، وإليه ذهب البخاري والله أعلم، لأنه بوب كما سلف، وذكر حديث اللقطة والضالة. ووجه الاستدلال من ذلك: أن الضالة إذا وُجدت ولم يعلم ربها فهي في معنى المفقود؛ لأنه لا يُعلم من هو ولا أين هو، فلم يزل الجهل به وبمكان ملكه عن ماله وبقي محبوسًا عليه، فكذلك يجب أن تكون عصمته باقية على زوجته، لا يحلها إلا بيقين موته أو انقضاء تعميره. وهذِه الزوجية ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، ولا تحل إلا بيقين قتله. وقالت طائفة: تتربص أمرأته أربع سنين، ثم تعتد أربعة أشهر وعشرًا، ثم تحل للأزواج، روي هذا عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس وابن عمر وعطاء، وإليه ذهب مالك وأهل المدينة، وبه قال

стр. 15200

أحمد وإسحاق (١). واحتج ابن المنذر لهم فقال: اتباع خمسة من الصحابة أولى. قال: وقد دفع أحمد ما روي عن علي من خلاف هذا القول وقال: أن رواه أبو عوانة ولم يتابع عليه (٢) قلت: ورواه عنه الحكم وهو منقطع، لكن قد صح عن أبي قلابة وإبراهيم والشعبي وجابر بن زيد وابن سيرين والحكم وحماد مثل قوله (٣). قال ابن المنذر: وبه قال ابن أبي ليلى وابن شبرمة، وكما وجب تأجيل العنين تقليدًا لعمر وابن مسعود، كذلك وجب تأجيل امرأة المفقود؛ لأن العدد الذين قالوا بالتأجيل أكثر وهم أربعة من الخلفاء، وقد قال ﵇: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين من بعدي" (٤) (٥). فصل: واختلفوا إذا فُقد في الصف عند القتال، وقد أسلفنا عن ابن المسيب أنه تؤجل امرأته سنة، وروى أشهب عن مالك أنه يضرب لامرأته أجل سنة بعد أن ينظر في أمرها، ولا يضرب لها من يوم فُقِد.

стр. 15201

وسواء فُقِد في الصف بين المسلمين أو في قتال المشركين، فروى عيسى، عن ابن القاسم، عن مالك: إذا فقِد في المعترك أو في فتن المسلمين بينهم، أنه ينتظر بمقدار ما ينصرف المنهزم، ثم تعتد امرأته ويقسم ماله (١). وروى ابن القاسم، عن مالك في المفقود في فتن المسلمين أنه (يضرب) (٢) لامرأته سنة، ثم تتزوج (٣). واحتج المهلب لهذا القول بحديث اللقطة؛ لأنه حكم ﵇ بتعريف سنة. وقال الكوفيون والثوري والشافعي في الذي يُفقد بين الصفين كقولهم في المفقود: لا يفرق بينهما، كما أسلفناه عنهم (٤). واتفق مالك والكوفيون والشافعي في الأسير لا يستبين موته أنه لا يفرق بينه وبين امرأته ويوقف ماله وينفق منه عليها. وفرق الأبهري بين الأسير والمفقود أن الأسير غير مختار لترك الرجوع إلى زوجته ولا قاصد لإدخال الضرر عليها، فلم يجزْ رفع نكاحه، وهو كالذي لا يقدر على الوطء (لعلة عرضت له) (٥). والمفقود غير معذور بالتأخير عن زوجته إذ لا سبب له ظاهر منعه به من ذلك. حكم زوجة الأسير في النفقة عليها من مالهِ كامرأة المفقود لأنا نقدر أن نوصلها إلى حقها من النفقة سواء غاب أو حضر.

стр. 15202

ولا خلاف أنه لا يفرق بين الأسير وزوجته حتى يصح موته أو فراقه، ومالك يعمر الأسير إلى أن تعرف حياته وقتًا ثم ينقطع خبره فلا يعرف له موت، يعمره ما بين السبعين إلى الثمانين، وكذلك يعمر المفقود بين الصفين، والمفقود الذي فُقِد في غير الحرب يعمره كذلك أيضًا في ماله وميراثه. والكوفيون يقولون: لا يُقسَّم ماله حتى يأتي عليه من الزمان ما لا يعيش مثله، وهذا يشبه قول مالك، وقال الشافعي: لا يُقسم ماله حتى تعلم وفاته (١). وروى محمد بن شرحبيل، عن المغيرة بن شعبة يرفعه "امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها البيان" (٢). قال أبو حاتم: حديث منكر، ومحمد يروي عن المغيرة أحاديث مناكير بواطيل (٣). فصل: لم يبين سعيد بن المسيب هل كان الصف في أرض الإسلام أو أرض العدو، وقد أسلفنا قول مالك فيه في المعركة بين المسلمين، وعنه أيضًا: ليس في ذلك أجل، وتعتد زوجته من يوم التقاء الصفين، قال: وكذلك كان في صفين والحرة وقديد فتبين كلهم عرف مصرعه،

стр. 15203

وأسلفنا عن رواية ابن القاسم: تتربص سنة ثم تعتد. وقال أيضًا: العدة داخلة في السنة. وقال في "العتبية": فما قرب من الديار يتلوم السلطان لزوجته باجتهاده بقدر انصراف من انصرف وانهزام من انهزم، ثم تعتد، ثم تتزوج. وفيما بَعُد مثل إفريقية تنتظر سنة. وقال محمد عنه فيما بعد: تتربص أربع سنين. وقال أصبغ: يضرب لها بقدر ما يستقصى أمره ويستبرأ خبره، وليس لذلك حد معلوم (١). وأما ماله فمنهم من قال: بعد يوم التقاء الصفين يُقسَّم حينئذ. ومن قال: تعتد أربع سنين يعمر، ومن قال: سنة اختلف على قوله: هل يقسم حينئذٍ أو يوقف إلى التعمير؟ وأما فقيد (معترك) (٢) في أرض الشرك فقيل كالأسير أو تتربص سنة من يوم ينظر السلطان في أمره ثم تعتد، أو تتربص أربع سنين. ثلاثة أقوال: الأول في "العتبية"، والثاني لأشهب، والثالث في كتاب محمد (٣). وذكر عن بعض أصحاب مالك أن الناس أصابهم سعال بطريق مكة، وكان الرجل لا يسعل إلا يسيرًا فيموت، فمات في ذلك عالم كثير، ففقد مائتان من الخارجين إلى الحج ولم يبَنْ لهم خبر، فرأى مالك قسمة أموالهم ولا يضرب لهم أجل المفقود ولا غيره. وأما فقيد أرض الإسلام فاختلف فيه في عشرة مسائل: من يتولى الكشف عن خبره: أهو سلطان بلد أو الخليفة خاصة؟ قاله أبو مصعب.

стр. 15204

ورواية الأربع سنين: هل هو من يوم اليأس من خبره -كما قاله في "المدونة" (١) أو من يوم الرفع- قاله في "المختصر"- وهل يكون أحق بها بعد انقضاء عدتها- قاله في "المدونة"- (٢) أم لا؟ قاله ابن نافع. وإذا قلنا: هو أحق بها هل يفوت بعقد الثاني أو بدخوله؟ وأما علة الاقتصار علي أربع: هل هي لأنها أقصى أمد الحمل، أو المدة التي تبلغها المكاتبة سيرًا ورجوعًا أو بناء على المولي جعل لكل شهر سنة، أو تعتد اتباعًا لعمر؟. وهل تحل ديونه بعد الأربع، -قاله مالك- أولاً؟ قاله أصبغ والشافعي. وهل يعمر سبعين، أو مائة وعشرين، أو تسعين، أو ثمانين. قال الداودي، عن بعض الرواة: رواية سبعين وهمًا، وأحسبها: تسعين، والقول بمائة وعشرين، قاله ابن عبد الحكم، وهو قول النعمان (٣)، وقال الشافعي: يعمر أقصى ما لا يعيش إليه أحد، وقاله مالك مرة. ذكره الداودي. وإذا قامت امرأة المفقود ثانية بحقها: هل يضرب له أجل آخر أو يجزئ بالأول؟ قاله مالك. وإذا قضي بفراق زوجته بعد الأربع، ولم يكن دخول وموت بالتعمير، هل تأخذ نصف الصداق؟ قاله عبد الملك. أو جميعه؟ قاله مالك. وقال أبو حنيفة: لا يفرق حتى يبلغ التعمير (٤).

стр. 15205

وهو أحد قولي الشافعي، وثانيهما كمالك. وقال قتادة وأحمد: يُقسم ماله عند انقضاء أربع سنين. فصل: قوله في حديث زيد بن خالد في الغنم: "خذها" يؤخذ منه أنه إذا أكل الشاة في فلاة أنه لا ضمان عليه، وهو أظهر الروايتين عن مالك، وقال أبو حنيفة والشافعي: يضمنها، ورواه بعض المدنيين عن مالك، وهذا التعليل دالٌّ على أنها في حكم المتلف فلا قيمة في إتلافها؛ ولأنه أضافها إلى واجدها كإضافتها إلى الذئب. فصل: والحذاء: خف البعير. والعفاص: الخرقة. والوكاء: الخيط، وقاله ابن القاسم أيضًا، وعكس ذلك أشهب فقال: العفاص: الخيط، والوكاء: الظرف. فصل: الحديث حجة علي أبي حنيفة حيث قال بالتقاط الإبل. فصل: قوله: ("فإن جاء من يعرفها وإلا فاخلطها بمالك") أخذ بظاهره داود على أنه يتملكها، وخالف فقهاء الأمصار، والمراد: خلطها به على جهة الضمان كالسلف، بدليل الرواية الأخرى، "فإن جاء طالبها يومًا من الدهر فأدها إليه". فصل: قوله فيه: (قال سفيان: فلقيت ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال سفيان -ولم أحفظ عنه شيئًا غير هذا-: أرأيت حديث يزيد مولى المنبعث في

стр. 15206

أمر الضالة عن زيد بن خالد؟ قال: نعم. قال يحيي -يعني: بن سعيد- ويقول ربيعة: عن يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد، قال سفيان: فلقيت ربيعة فقلت له) قال ابن التين: فقد حفظ عن الزهري وهو مات قبل ربيعة، مات الزهري سنة أربع وعشرين ومائة، ويقال: سنة (خمس ومائة) (١)، ومات ربيعة سنة ثلاثين ومائة وإنما قال ذلك؛ لأن أكثر مقاصد سفيان الحديث والغالب على ربيعة الفقه.

стр. 15207

٢٣ - باب الظِّهَارِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ١ - ٤]. وَقَالَ لِي إِسْمَاعِيلُ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ، عَنْ ظِهَارِ الْعَبْدِ، فَقَالَ: نَحْوَ ظِهَارِ الْحُرِّ. وقَالَ مَالِكٌ: وَصِيَامُ الْعَبْدِ شَهْرَانِ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ (الْحُرِّ) (١): ظِهَارُ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ مِنَ الْحُرَّةِ وَالأَمَةِ سَوَاءٌ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: إِنْ ظَاهَرَ مِنْ أَمَتِهِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، إِنَّمَا الظِّهَارُ مِنَ النِّسَاءِ،، وَفِي الْعَرَبِيَّةِ لِمَا قَالُوا أَيْ فِيمَا قَالُوا، وَفِي بَعْضِ مَا قَالُوا، وَهَذَا أَوْلَى؛ لأَنَّ اللهَ لَمْ يَدُلَّ عَلَى الْمُنْكَرِ وَقَوْلِ الزُّورِ. الشرح: هذِه المجادلة خولة عند أهل التفسير، وزوجها أويس بن الصامت، وقيل: هي بنت خويلد أو دليج، وقيل: بنت ثعلبة، أنصارية، وقيل: بنت الصامت، وقيل: كانت أمة لعبد الله بن أبي، وهي التي نزل فيها: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ على الْبِغَاءِ﴾ [النور: ٣٣]. وقوله: ﴿تَحَاوُرَكُمَا﴾ قالت عائشة ﵂: كانت تحاور النبي ﷺ وأنا بقربها لا أسمع. قال الشافعي: سمعت من يُرضى من أهل العلم بالقرآن يذكر أن أهل الجاهلية كانوا يطلقون بثلاث: الظهار، والإيلاء، والطلاق. فأقر الله

стр. 15208

الطلاق طلاقًا، وحكم في الظهار والإيلاء بما بين (١). والظِّهار -بكسر الظاء- مظاهرة الرجل من امرأته إذا قال: هي كظهر ذات رحمٍ مُحرم، قاله صاحب "العين" (٢). وعبارة صاحب "المحكم": ظاهر الرجل امرأته ومنها مظاهرة وظهارًا إذا قال: هي عليَّ كظهر ذات رحم محرم، وقد تظاهر منها وتظهر (٣) زاد المطرزي: واظَّاهر، وفي "جامع القزاز": ظاهر الرجل من امرأته إذا قال: أنت عليَّ كظهر أمي أو كذات محرم. وقوله: (وقال إسماعيل) إلى آخره، قد سلف قريبًا أنه أخذه مذاكرة، وعند ابن أبي شيبة: حدثنا أبو عصام عن الأوزاعي، عن الزهري نحوه. وفي "الموطأ": مالك أنه سأل ابن شهاب عن ظهار العبد فقال: نحو ظهار الحر. قال مالك: إنه يقع عليه كما يقع على الحرِّ (٤). (قال مالك: وصيام العبد في الظهار شهران) كما قاله البخاري. وأثر عكرمة ذكره ابن حزم، قال: وروي أيضًا مثله عن الشعبي ولم يصح عنهما، وصح عن مجاهد في أحد قوليه وابن أبي مليكة، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحابهم، إلا أن أحمد قال في الظهار من ملك (اليمين: كفارة) (٥) يمين.

стр. 15209

وقال بعضهم: إن كان يطؤها فعليه كفارة الظهار، وإلا فلا كفارة ظهار عليه، صح هذا القول عن سعيد بن المسيب والحسن وسليمان بن يسار ومُرة الهمداني والنخعي وابن جبير والشعبي وعكرمة وطاوس والزهري وقتادة وعمرو بن دينار ومنصور بن المعتمر، وهو قول مالك والليث والحسن بن حي وسفيان الثوري وأبي سليمان وجميع أصحابنا (١). فصل: ما ذكره عن عكرمة قال به الشافعي وأبو حنيفة وأحمد، وقال علي وابن الزبير: يلزمه الظهار كالحرة، وبه قال سفيان الثوري ومالك (٢). فصل: ولم يذكر البخاري في الباب حديثًا؛ لأنه لم يجده علي شرطه، وأما الحاكم فما خرجه علي شرطه وشرط مسلم، كما سأذكره لك في الباب. وأما ابن العربي فقال: ليس في الظهار حديث صحيح يعول عليه (٣). فصل: قوله: (وفي العربية لما قالوا) إلى آخره. كأن البخاري أخذ من "المعاني" للفراء (٤)، وأما الأخفش فقال: المعنى على التقديم والتأخير. والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون فتحرير رقبة لما قالوا، وهو قول حسن كما قاله ابن بطال، وفيها وجهان آخران:

стр. 15210

أحدهما: أن (ما) بمعنى (مَنْ)، كأنه قال: ثم يعودون لمن قالوا فيهن أو لهن: أنتن علينا كظهور أمهاتنا. ثانيهما: أن تكون (ما): مع. (قالوا بتقدير المصدر) (١)، فيكون التقدير: ثم يعودون للقول، فسمى القول فيهن باسم المصدر. وهذا القول، كما قالوا: ثوب نسج اليمن، ودرهم ضرب الأمير، وإنما هو منسوج اليمن ومضروب الأمير (٢). فصل: اختلف العلماء في كفارة الظهار بماذا تجب؟ فقال قوم: إنها تجب بمجرد الظهار، وليس من شرطها العود، روي هذا عن مجاهد، وبه قال سفيان الثوري (٣). وذهب جماعة من الفقهاء إلى أنها تجب بشرطين وهما الظهار والعَود، وقال أبو حنيفة: هي غير واجبة بالظهار ولا بالظهار والعود، لكنها تحرم عليه بالظهار، ولا يجوز وطؤها حتى يكفر. واختلف هؤلاء في العَوْد علي مذاهب: أحدها: أنه العزم على الوطء، قاله مالك، وحكي عنه أنه الوطء بعينه، ولكن تقدم الكفارة عليه، وهذا قول ابن القاسم (٤). وأشار في "الموطأ" إلى أنه العزم على الإمساك والإصابة، وعليه أكثر أصحابه (٥)، وحكاه ابن المنذر عن أبي حنيفة، وبه قال أحمد وإسحاق.

стр. 15211

وذهب الحسن البصري وطاوس والزهري إلى أنه الوطء نفسه (١)، ومعناه عند أبي حنيفة كما قال الطحاوي: أن لا يستبيح وطأها إلا بكفارة يقدمها (٢). وعند الشافعي: أن يمكنه طلاقها بعد الظهار ساعة فلا يطلقها، فإن أمسكها ساعة ولم يطلقها عاد لما قال، ووجب عليه الكفارة ماتت أو مات (٣). وعباراتهم وإن اختلفت في العَوْد فالمعنى متقارب. وقال أهل الظاهر: هو أن يقول لها: أنت عليَّ كظهر أمي ثانية. وروي هذا القول عن بكير بن الأشج، وهو الذي أنكره البخاري. قال ابن حزم؟ وهو قولنا: فمن قال من حر أو عبْد لامرأته أو أمته التي يحل له وطؤها: أنتِ عليَّ كظهر أمي، أو أنتِ مني كظهر أمي، أو مثل ظهر أمي، فلا شيء عليه، ولا يحرم بذلك وطؤها عليه حتى يكون القول بذلك مرة أخرى، فإذا قالها ثانية وجبت عليه كفارة الظهار، وهي عتق رقبة يُجزئ في ذلك المؤمن والكافر، والسَّالم والمعيب، والذكر والأنثى (٤) وصوب ابن المرابط أن لا يعود إلى اللفظ، فإذا أجمع علي إصابتها فقد وجبت عليه الكفارة، لأن نيته وإجماعه علي وطئها هو ما عقد من تحريمها، والرب ﷻ إنما قال: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] ولم يقل: ما قالوا وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] فالتماس المذكور أنه ليس للمظاهر أن يُقبِّل ولا أن يتلذذ منها بشيء، وقاله مالك

стр. 15212

والزهري وغيرهما، وهو الصواب أن يكون ممنوعًا من كل ما وقع عليه اسم مسيس على ظاهر الآية الكريمة؛ لأن الله تعالى لم يخص الوطء من غيره. قال ابن حزم: وقالت طائفة كقولنا، روي عن بكير بن الأشج ويحيى بن زياد الفراء، وروي نحوه عن عطاء، قال: وروينا من طريق سليمان بن حرب وعارم، كلاهما عن حماد بن سلمة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂، أن جميلة كانت امرأة أوس بن الصامت، وكان به لمم، وكان إذا اشتد لممه ظاهر منها، فأنزل الله فيه كفارة الظهار. قال ابن حزم: وهذا يقتضي التكرار، ولا يصح في الظهار إلا هذا الخبر وحده. وخبر آخر ذكره من طريق النسائي: أخبرنا الحسين بن حريث، أنا الفضل بن موسى، عن معمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: إني ظاهرت من امرأتي، فوقعت عليها قبل أن أُكفِّر. فقال له رسول الله ﷺ : "لا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله". قال: وهذا خبر صحيح من رواية الثقات ولا يضره إرسال من أرسله، وكل ما عدا هذا فساقط، إما مرسل وإما من رواية من لا خير فيه (١). قلت: الحديث أخرجه أصحاب السنن الأربعة (٢).

стр. 15213

وقال الترمذي فيه: حديث حسن غريب صحيح. وقال النسائي وأبو حاتم: مرسلًا أصوب من المسند (١) ولما رواه البزار من حديث إسماعيل بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن عبد الله بلفظ: فقال ﵇: "ألم يقل الله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾؟! "، قال: أعجبتني (قال) (٢): "أمسك حتى تكفر". قال: لا نعلمه ينتهي بإسنادٍ أحسن من هذا، علي أن إسماعيل قد تُكلم فيه، وروى عنه جماعة كثيرة من أهل العلم (٣). وقال أبو حاتم في "علله": رواه الوليد، عن ابن جريج، عن الحكم بن أبان خطأ، إنما هو عكرمة: أنه ﵇. مرسل، وفي موضع آخر: سُئل عن حديث إسماعيل، عن عمرو، عن طاوس فقال: إنما هو طاوس أن رسول الله ﷺ . ومنهم من يقول: عن عمرو عن عكرمة: أنه ﵇. قال: وإسماعيل هذا يختلط (٤). وروى الترمذي من حديث يحيي بن أبي كثير، عن أبي سلمة ومحمد بن عبد الرحمن أن سلمان بن صخر الأنصاري أحد بني بياضة جعل امرأته عليه كظهر أمه حتى يمضي رمضان، فلما مضى نصف من رمضان وقع عليها ليلاً، فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له، فقال له رسول الله ﷺ : "أعتق رقبة" قال: لا أجدها. قال: "صم شهرين متتابعين" قال: لا أستطيع. قال: "أطعم ستين مسكينًا" قال: لا أجد. فقال رسول الله ﷺ لفروة بن عمرو: "أعطه ذلك العرق"

стр. 15214

وهو مكتل يأخذ خمسة عشر صاعًا، أو ستة عشر صاعًا، "أطعم ستين مسكينًا". قال الترمذي: حديث حسن، يقال: سلمان بن صخر وسلمة بن صخر البياضي (١). وأخرجه الحاكم في "مستدركه" -وقال: على شرط الشيخين (٢) - وأبو داود وابن ماجه (٣)، فروياه من حديث سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر، وهو منقطع، سليمان لم يسمع من سلمة، قاله البخاري (٤)، وفي إسنادهما مع ذلك عنعنة ابن إسحاق. وأما الحاكم فأخرجهما وقال: صحيح على شرط مسلم، وله شاهد (٥)، فذكر الأول. وأخرجه ابن الجارود في "منتقاه" (٦). وأخرج ابن حبان في "صحيحه" من حديث يوسف بن عبد الله بن سلام -وله صحبة- عن خولة بنت مالك بن ثعلبة أنها قالت: فيَّ والله وفي أوس بن الصامت أنزل الله صدر سورة المجادلة، وذلك أن أوسًا ظاهر مني. الحديث وفيه: إني سأعينه بعرق من تمر. قال: "قد أحسنت اذهبي فأطعمي عنه، واذهبي إلى ابن عمك" (٧). وأخرجه ابن الجارود في "منتقاه" (٨).

стр. 15215

ولما رواه أبو داود قال في هذا: أنها كفرت عنه من غير أن تستأمره (١). ورواه أيضًا من حديث عطاء عن أوس وقال: عطاء لم يدرك أوسًا؛ لأنه من أهل بدر قديم الموت (٢) والحديث مرسل، واختلفت ألفاظه فروي فيه: خمسة عشر صاعًا. وروي: مكتل يسع ثلاثين صاعًا. وروي: ستين صاعًا. وروى عبد الغني بن سعيد في "مبهماته" من حديث الليث، عن يحيي بن سعيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن محمد بن جعفر، عن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة ﵂ أن ذلك كان نهارًا، وهو أصح من رواية ابن إسحاق: ليلاً. ورواه ابن عجلان، عن بكير بن عبد الله، عن سعيد بن المسيب، عن سلمة. وروى البيهقي من حديث سلمان، عن سلمة بن صخر مرفوعًا في المظاهر يواقع قبل أن يُكفِّر، قال: "كفارة واحدة"، خرجه أيضًا من حديث يحيي بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وأبي سلمة بن عبد الرحمن أن سلمة بن صخر قال: الحديث. وفيه: فأتي بعرق فيه خمسة عشر صاعًا أو ستة عشر فقال: "تصدق بهذا علي ستين مسكينًا" (٣). وفي رواية: "اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق فليعطك وسقًا منها، فأطعم ستين مسكينًا وكل بقيتها أنت وعيالك"

стр. 15216

قال البيهقي: وهذا يدل علي أنه يطعم من الوسق ستين مسكينًا. ثم يأكل هو وعياله بقية الوسق، وهذا يشبه أن يكون محفوظًا، فقد روى بكير بن الأشج عن سليمان بن يسار هذا الخبر وقال فيه: فأتي رسول الله ﷺ بتمر فأعطاه إياه، وهو قريب من خمسة عشر صاعًا، قال: "فتصدق بهذا" فقال: يا رسول الله: أعلى أفقر مني ومن أهلي؟ فقال: "كله أنت وأهلك" وهذا أولى لموافقة رواية (سلمة) (١) وابن ثوبان. قال: وروينا عن الأوزاعي -يعني: المذكور عند البخاري- حدثني الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁ في قصة المجامع في رمضان قال: "أطعم ستين مسكينًا" قال: ما أجد، فأتي رسول الله ﷺ بعرق فيه تمر؛ خمسة عشر صاعًا قال: "خذه وتصدق به" (٢) وفي رواية الإسماعيلي: فقال: يا رسول الله، أعلى غير أهلي؟ فوالذي نفسي بيده ما بين طنبي المدينة أحد أحوج مني. فضحك وقال: "خذه واستغفر ربك". فصل: ولما ذكر ابن عبد الحق (٣) فيما رده على ابن حزم في "محلاه" الحديث السالف الذي صححه ابن حزم قال: أورده حجة له، ولم

стр. 15217

ينتبه إلى أنه حجة عليه لأنَّا نقول له: إذا عجز عن الصوم هل يكون الإطعام عليه فاحشًا قبل التماس أم لا؟ فإن قال: أن يتماس قبل أن يطعم؛ لأن الله تعالى لم يقيد وجوب الإطعام بأن يكون قبل التماس. قال: يقال له: متى وجب عليه الإطعام عند عجزه عن الصوم أو بعده بمهلة؛ فإن أنصف قال: عند عجزه عن الصوم، وعجزه عن الصوم لا يكون إلا قبل التماس إن امتثل ما أمر به، فقد أمر بالإطعام ووجوبه قبل التماس، والأمر على الفور، فوجب أن يطعم قبل التماس، فالحديث نص في مسألتنا. فصل: واحتج من قال: إن الكفارة تجب بمجرد الظهار بأن الله ﷻ ذكرها وعلل وجوبها فقال: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢] فدل أنها وجبت بمجرد القول. قالوا: لأن العَوْد الذي هو إمساكها والعزم علي وطئها مباح، والمباح لا تجب فيه كفارة. وحجة الجماعة قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] فأوجبها بالظهار والعَوْد جميعًا. فمن زعم أنها تجب بشرط واحد فقد خالف الظاهر، وهذا بمنزلة قول القائل: من دخل الدار ثم صلى فله دينار. فإنه لا يستحقه إلا من فعل ذلك كله؛ لأنهما شرطان لاستحقاق الدينار، فلا يجوز أن يستحق الدينار بأحدهما. وأجاب المخالف عما ذكره الشافعي بأن قال: لا شك أن الذي كان مباحًا بالعقد هو الوطء، فإذا حرمه بالظهار كانت الكفارة له دون ما سواه؛ لأن الأنكحة إنما وضعت له فقط، وكما ثبت أنه لا يجوز

стр. 15218

له أن يطأ حتى يُكفِّر وجب أن يكون العَوْد هو العزم على الإمساك وعلى الوطء جميعًا، لو كان الظهار يحرم الإمساك حتى يكون العود إليه راجعًا لكان طلاقًا؛ لأن الإمساك إذا حرم ارتفع العقد، وما يرفع النكاح إنما هو الطلاق، ولو كان الظهار كذلك لكانت الكفارة لا تدخله ولا تصلحه؛ لأن الفراق (لا يرتفع) (١) بالكفارة. ولما صح ذلك ثبت أن الكفارة تبيح العَوْد إلى ما حرمه الظهار من الوطء والعزم عليه، ألا ترى أنه إذا حلف ألا يطأها فقد حرم وطؤها دون إمساكها. فإذا فعل الوطء فقد خالف ما حرمته اليمين، فكذلك الظهار. ومن ظاهر فإنما أراد الإمساك دون الطلاق؛ فكذلك لم يكن العود هو الإمساك. واحتج أهل الظاهر بأن قالوا: كل موضعٍ ذكر الله فيه العود للشيء فالمراد به العود نفسه، ألا ترى أنه أخبر عن الكفار أنهم لو رُدوا لعادوا لما نهوا عنه، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [المجادلة: ٨] فكذلك العود هنا، فيقال لهم: العود في الشيء يكون في اللغة بمعنى المصير إليه كما تأولتم، ويكون أيضًا بمعنى (الرجوع) (١) كما قال ﵇: "العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه" أراد به: الناقض لهبته، وهذا تفسير الفراء في العود المذكور في الآية أنه الرجوع في قولهم، وعن قولهم (٢). قال إسماعيل: ولو كان معنى العود أن يلفظوا به مرة أخرى لما وقع بعده ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] لأنه لم يذكر للمسيس سبب فيقال من أجله: ﴿قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ وإنما ذكر التظاهر وهو ضد المسيس والمظاهر إنما حرم على نفسه المسيس، فكيف يقال له: إذا

стр. 15219

حرمت على نفسك المسيس ثم حرمته أيضًا فأعتق رقبة قبل أن تمس؟! هذا كلام واهٍ، ولو قال رجل لرجل: إذا لم ترد أن تمس فأعتق رقبة قبل أن تمس لنسبه الناس إلى الجهل. ولو قال: [إذا] (١) أردت أن تمس فأعتق رقبة قبل أن تمس. كان كلامًا صحيحًا مفهومًا؛ أنه لا تجب الكفارة حتى يريد المسيس، وأيضًا فإن الظهار كان طلاق الجاهلية كما سلف، فعلق عليه حكم التكفير بشرط العود والرجوع فيه، ألا ترى أن الكفارة إذا أوجبت باللفظ وشرط آخر كان ذلك مخالفة اللفظ لا إعادته كالأيمان. فصل: وأجمع العلماء أن الظهار للعبد لازم له كالحرِّ، وأن كفارته شهران واختلفوا في الإطعام والعتق: فقال الكوفيون، والشافعي: لا يجزئه إلا الصوم خاصة (٢). وقال ابن القاسم عن مالك: إنْ أَطعم بإذن مولاه أجزأه، وإن أعتق بإذنه لم يجزه وأحب إلينا أن يصوم. يعني: الشهرين. قال ابن القاسم: ولا أرى هذا الجواب إلا (وهمًا) (٣) منه (٤)؛ لأنه إذا قدر على الصوم لا يجزئه الإطعام في الحرِّ، كيف العبد؟ وعسى أن يكون جواب هذِه المسألة في كفارة اليمين بالله.

стр. 15220

وقال الحسن: إن أذن له مولاه في العتق أجزأه. وعن الأوزاعي فيه وفي الإطعام كذلك أيضًا إذا لم يقدر على الصيام (١). فصل: اختلف في الظهار من الأمة، وأم الولد، فقال الكوفيون، والشافعي: لا يصح الظهار منهما. وقال مالك، والثوري، والأوزاعي، والليث: يكون من أمته مظاهرًا (٢). واحتج الكوفيون بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣] والأمة ليست من نسائنا؛ لأن الظهار كان طلاقًا ثم أحل بالكفارة، فإذا كان لا حظ للإماء في الطلاق فكذلك ما قام مقامه. ومن أوجب الظهار في الإماء جعلهن داخلات في جملة النساء لمعنى تشبه الفرج الحلال بالحرام في حال الظهار؛ لأن الله تعالى حرم جميع النساء ولم يخص امرأة دون امرأة: وهذا مذهب علي، وهو حجة مع معرفة لسان العرب، وهو مذهب الفقهاء السبعة، وعطاء، وربيعه. قال ابن المنذر: ويدخل في عموم قوله: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ﴾ الآية [المجادلة: ٢]؛ لأن الظهار يكون من الأمة والذمية والصغيرة وجميع النسوان. فصل: قال ابن حزم: ولا يكون الظهار إلا بذكر ظهر الأم، ولا يجب بفرجها ولا بعضو منها غير الظهر، ولا بذكر الظهر أو غيره من غير

стр. 15221

الأم والجدة، لا من ابنته، ولا من ابنه، ولا أخيه، ولا من جده. وقالت طائفة: إذا تكلم بالظهار فقد لزمه. قاله طاوس، وهو قول الثوري، والبتي. وقالت طائفة: من ظاهر لم تلزمه كفارة حتى يريد وطأها، فإذا أراده لزمته حينئذٍ، فإن بدا له عن وطئها سقطت عنه الكفارة، وهكذا أبدًا، وهو أشهر قولي مالك. وروي عن عبد العزيز بن الماجشون، وما نعلمه عن أحد قبلهما، وهو أسقط الأقوال، لتعرِّيه عن الأدلة. ثم قال ابن حزم: وقال أبو حنيفة: معنى العَوْد أن الظهار يوجب تحريمًا لا يرفعه إلا الكفارة، إلا أنه إذا لم يطأها مدة طويلة حتى ماتت فلا كفارة عليه سواء أراد في خلال ذلك وطأها أو لم يرد؛ فإن طلقها ثلاثًا فلا كفارة عليه، فإن تزوجها بعد زوج عاد عليه حكم الظهار ولا يطؤها حتى يُكفر. قال أبو حنيفة: والظهار قول كانوا يقولونه في الجاهلية، فنهوا عنه، فكل من قاله فقد عاد لما قال. قال ابن حزم: وهذا لا يحفظ عن غيره (١)، كذا قال. وأما ابن عبد البر فقال: (قاله) (٢) قبله غيره. وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف أنه لو وطئها ثم مات أحدهما لم تكن عليه كفارة، ولا كفارة بعد الجماع (٣).

стр. 15222

والذي عليه الحنفيون هو أن يشبه المنكوحة بمحرمة عليه على التأبيد، فيحرم الوطء ودواعيه بقوله: أنت على كظهر أمي حتى يكفر، فلو وطئ قبله استغفر ربه فقط كما ذكرنا في الحديث آنفًا. فصل: قال: وبطنها وفخذها وفرجها كظهرها، وأخته وعمته وأمه رضاعًا كأمه، فإن قال: رأسك أو فرجك أو وجهك أو رقبتك أو نصفك أو ثلثك عليَّ كظهر أمي كان ظهارًا. وإن نوى بأنت عليِّ مثل أمي بِرًّا أو ظهارًا أو طلاقًا فكما نوى، وإلا لغا. فإن قال: أنتِ عليَّ حرام كأمي ظهارًا أو طلاقًا فكما نوى. فإن قال: أنت عليِّ حرام كظهر أمي طلاقًا أو إيلاءً فظهارٌ. فصل: ولا ظهار إلا من زوجة، ولا يجزئ في كفارته الأعمى، ولا مقطوع اليدين، أو إبهامهما، أو الرجلين، ولا المجنون والمدبر، وأم الولد والمكاتب الذي أدى شيئًا، فإن لم يؤد شيئًا جاز، وإن اشترى قريبه ناويًا بالشراء الكفارة، أو حرر نصف عبده عن كفارته، ثم حرر باقيه عنها صح. وإن حرر نصف عبد مشترك وضمن باقيه، أو حرر نصف عبده ثم وطئ التي ظاهر منها، ثم حرر باقيه لم يجزئه. فصل: فإن لم يجد ما يعتق صام شهرين متتابعين ليس فيهما رمضان ولا الأيام المنهي عن صيامها، فإن وطئ فيها ليلاً أو يومًا ناسيًا أو أفطر استأنف الصوم، وذكر ابن حزم عن مالك أنه إذا وطئ التي ظاهر منها ليلاً قبل تمام الشهرين يبتدئهما من ذي قبل.

стр. 15223

وقال أبو حنيفة والشافعي: يتمهما بانيًا علي ما صام منهما (١). فصل: وقول أبي حنيفة في الظهار كقول أصحاب اللغة كما أسلفناه عنهم أول الباب، وأظن ابن حزم لا ينكر هذا، وإنما حمله قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] قال ابن عبد الحق: ولئن سلم له هذا، فما فعله في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ [المجادلة: ٣] وهي مطلقة في جميع الظهار؟ وفي هذِه الآية حكم الظهار لا في الآية المتقدمة، ولا يمكنه أن يقول: هذا الظهار المذكور في الآية هو ذاك؛ لأن الآية الكريمة مستقلة بنفسها، ولو جاء مثلًا في الشرع من جعل امرأته كظهر أمه فليست بأمه، ولو قال مفصلًا بهذا: ومن ظاهر من امرأته لزمه كذا. وكان الظهار هو أن يجعل زوجته كظهر ذات محرم، فلا يقول أحد: إن الظهار هنا مقصور على الظهار بالأم، إذ سياق الكلام لا يعطيه لا من نصه ولا من مفهومه، فبطل قوله جملة، وصح أنه إذا ظاهر بذات محرم لزمه حكم الظهار وسنوضحه بعد. فصل: مذهبنا ومذهب أبي حنيفة ومالك أن المعيبة لا تجوز في الكفارة (٢)، قال ابن حزم: وروينا عن النخعي والشعبي أن عتق الأعمى يجزئ في ذلك. وعن ابن جريج أن الأشل يجزئ.

стр. 15224

فصل: قال: ذهبت طائفة إلى أنه إذا ظاهر من غير ذات محرم، فليس ظهارًا. رويناه عن الحسن وعطاء والشعبي، وهو قول أبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي، وأشهر أقواله: إن كل من ظاهر بامرأة حل له نكاحها يومًا من الدهر فليس ظهارًا، ومن ظاهر بامرأة لم يحل له نكاحها قط فهو ظهار. وقال مالك: من ظاهر بذات محرم أو بأجنبية أو بابْنَة فهو كله ظهار. وروينا عن الشعبي: لا ظهار إلا بأم أو جدة، وهو قول للشافعي، رواه عنه أبو ثور، وبه يقول أبو سليمان وأصحابنا. ولما ظاهرت عائشةُ بنت طلحة من مصعب بن الزبير بأمها، وفي رواية بأبيها. أمرها فقهاء وقتها بالكفارة (١). وقال معمر: سئل ابن شهاب عن امرأة قالت لزوجها: هو عليها كابنها. قال الزهري: قالت منكرًا من القول وزورًا، نرى أن تكفر، أو تصوم شهرين متتابعين، أو تطعم ستين مسكينًا. وكان الحسن يرى أن تظاهر المرأة من الرجل ظهارًا. وهو قول الأوزاعي والحسن بن حي والحسن بن زياد اللؤلؤي، وقال الثوري والشافعي: إن ظاهر برأس أمه فهو ظهار، وإن ظاهر بشيء له أن ينظر إليه فليس ظهارًا. فصل: قال ابن حزم: من شرع في الصوم فوطئ ليلاً أو وطئ قبل أن يكفر، فعن أبي يوسف أنه لا يكفر. والقول قوله، لولا قوله ﵇ لمن قال له:

стр. 15225

وقعت علي زوجتي قبل أن أكفر: "لا تقربها حتى تفعل ما أمر الله" فوجب الوقوف عند هذا الخبر الصحيح. وقال آخرون: ليس عليه إلا كفارة واحدة. قاله ابن المسيب ونافع ومحمد بن سيرين والحسن وبكر بن عبد الله ومورق العجلي وقتادة -في روايةٍ - وعطاء وطاوس وعكرمة ومجاهد (١). وقال ابن عبد البر: هو قول أكثر السلف، وجماعة فقهاء الأمصار: ربيعة ويحيى بن سعيد، وبه قال مالك والليث وأبو حنيفة والشافعي، وأصحابهم، والثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور والطبري وداود، وهي السنة الواردة في سلمة بن صخر (٢). قال ابن حزم: وقالت طائفة: عليه كفارتان. قاله عبد الله بن عمر و (عبد الله بن عمرو) (٣) وقبيصة بن ذؤيب وقتادة وسعيد بن جبير والحكم بن عتيبة وعبيد الله بن الحسن القاضي زاد ابن عبد البر: وعمرو بن العاصي وابن شهاب (٤) وقالت طائفة: عليه ثلاث كفارات، روي ذلك عن النخعي والحسن. فصل: واختلفوا فيمن ظاهر من أجنبية ثم تزوجها، فروى القاسم بن محمد عن عمر بن الخطاب: إن تزوجها فلا يقربها حتى يُكفر. وهو قول عطاء وسعيد بن المسيب والحسن وعروة، صح ذلك عنهم، كما قاله ابن حزم -لكن الأثر عن عمر منقطع؛ لأن القاسم لم يولد إلا بعد قتل عمر- وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحمد وأصحابهم والثوري وإسحاق.

стр. 15226

وقالت طائفة كما قلنا، قاله ابن عباس، وهو في غاية الصحة عنه، وقاله أيضًا الحسن -في رواية- وقتادة والشافعي وأبو سليمان. فصل: ومن ظاهر ثم كرر ثانية ثم ثالثة، فليس عليه إلا كفارة واحدة، فإن كرر رابعة فعليه كفارة أخرى. روي عن خلاس، عن علي أنه قال: إذا ظاهر في مجلس واحد مرارًا فكفارة واحدة، وإن ظاهر في مقاعد شتى فعليه كفارات، والأيمان كذلك. وهو قول قتادة وعمرو بن دينار، صح ذلك عنهما. وقال آخرون: ليس في ذلك إلا كفارة واحدة، روينا عن عطاء وطاوس والشعبي أنهم قالوا: إذا ظاهر من امرأته خمسين مرة فإن عليه كفارة واحدة. وصح مثله عن الحسن وعطاء، وهو قول الأوزاعي. وقال الحسن أيضًا: إذا ظاهر مرارًا فإن كان في مجالس شتى فكفارة واحدة مالم يكفر، والأيمان كذلك. قال معمر: وهو قول الزهري. قال ابن حزم: وهو قول مالك. وقال أبو حنيفة: إن كان كرره في مجلس واحد ونوى التكرار فكفارة واحدة، وإن لم يكن له نية فلكل ظهار كفارة. وسواء كان ذلك في مجلس واحد أو مجالس (١). قال ابن عبد الحق في "رده على المحلى": القول السالف لا دليل عليه؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] فإذا عاد مائة مرة فهو عائد، هذا علي قول أن العود هو إعادة نفس الظهار، لكن يلزمه الحكم بأقل ما ينطلق عليه الاسم، وأقله مرة.

стр. 15227

قال: وأما قوله: إذا لزمته الكفاره فقد ارتفع حكم الظهار المتقدم. فدعوى عرية عن الدليل، وذلك أن ظاهر الآية يدل علي أنه إن عاد ألف مرة سواء قبل الكفارة أو بعد فلا يلزمه شيء، لكن وجدناهم مجمعين علي أنه إن ظاهر وعاد لما قال -على اختلافهم في العود ما هو- أنه يلزمه حكمًا الظهار، فوجب أن يؤخذ بما أجمعوا عليه، وهو أن للظهار بعد الكفارة حكمًا مستأنفًا، وقول مالك في هذِه المسألة أعدلها، وهو أنه إن أَعَاد الظهار مائة مرة قبل أن يكفر لا يلزمه إلا ظهار واحد، فإن ظاهر بعد الكفارة كان حكمه حكم مظاهر لم يظاهر قبل، فلاح بطلان قوله. فصل: قال: ومن وجبت عليه كفارة الظهار لم يسقطها عنه موته ولا موتها، ولا طلاقه لها، وهي من رأس ماله إن مات، أوصى بها أو لم يوص. فصل: قال: ومن عجز عن جميع الكفارة فحكمه الإطعام أبدًا، أيسر بعد ذلك أو لم يوسر، قوي على الصيام أو لم يقوَ، وكذلك حكم من عجز عن العتق والصوم، فهو لازم له أبدًا، فمن كان حين لزومه الكفارة. قادرًا على رقبة لم يجزه غيرها، وإن افتقر فأمره إلى الله. ومن كان عاجزًا عن الرقبة قادرًا علي صوم شهرين متتابعين فلم يصمهما، ثم عجز عن الصوم إلى أن مات لم يجزئه إطعام ولا عتق أبدًا؛ فإن صح صامهما، وإن مات صامهما عنه وليه، فلو لم تتصل صحته وقوته على الصيام جميع المدة التي ذكرنا، فإن أيسر في

стр. 15228

خلالها فالعتق فرضه أبدًا، فإن لم يوسر فالإطعام فرضه أبدًا (١). فصل: سلف جملة من نقل ابن عبد البر عن ابن أبي ليلى والحسن بن حي أنه إذا قال: كل امرأة أتزوجها فهي عليَّ كظهر أمي. لم يلزمه شيء، فإن قال: إن نكحت فلانة فهي كظهر أمي أو يسمي قرية أو قبيلة لزمه الظهار. وقال الثوري: فمن قال: إن تزوجتك فأنت طالق، وأنت عليَّ كظهر أمي، والله لا أقربك أربعة أشهر فما زاد، ثم تزوجها وقع الطلاق وسقط الظهار والإيلاء؛ لأنه بدأ بالطلاق. قال أبو عمر: يهدم الطلاق المتقدم الظهار، وإن كان بائنًا أو رجعيًّا هدمه أيضًا ما لم يراجع، فإذا راجع لم يطأ حتى يكفر كفارة الظهار (٢). وقال يحيي بن سعيد الأنصاري في رجل ظاهر من امرأته ثلاث مرات في مجلس واحد في أمور مختلفة: فإنه يجب عليه ثلاث كفارات. وقال ربيعة: إن ظاهر من امرأته ثلاثًا في مجالس شتى [في أمور شتى] (٣) كفر عنهن جميعًا، هان ظاهر منها ثلاثًا في (مجالس شتى) (٤) في أمر واحد فكفارته واحدة. وروى ابن نافع فيمن قال: كل امرأة أتزوجها فهي عليَّ كظهر أمي أنه يجزئه كفارة واحدة عن جميع النساء، وبه قال ابن القاسم (٥).

стр. 15229

وعن الثوري: لا بأس أن يُقبَّل التي ظاهر منها قبل التكفير ويأتيها فيما دون الفرج؛ لأن المسيس هنا الجماع، وهو قول الحسن (١) وعطاء وعمرو بن دينار وقتادة، وهو قول أصحاب الشافعي، وروي عنه أنه قال: أحب إلى أن يمتنع من القبلة والتلذذ احيتاطًا. وقال أحمد وإسحاق: لا بأس أن يقبل ويباشر. وأبى مالك ذلك ليلاً أو نهارًا، وكذا في صوم الشهرين قال: ولا ينظر إلى شعرها ولا إلى صدرها حتى يكفر. وقال الأوزاعي: يأتي منها ما دون الإزار كالحائض (٢). وعن أحمد: إن قال لامرأته: أنتِ عليَّ كظهر أمه من الرضاعة: أجبن عن الرضاع (٣). وقال مالك": ليس على النساء ظهار، قال عطاء: إن فعلت كفرت كفارة يمين، وهو قول أبي يوسف والأوزاعي. وقال محمد بن الحسن: لا شيء عليها. قال الأوزاعي فكذا إذا قال لها: أنتِ عليَّ كظهر فلان -لرجل- فهي كفارة يمين يكفرها (٤). قال ابن عبد البر: وأجمعوا علي أنه إذا أفطر في الشهرين متعمدًا بوطء أو بأكل أو بشرب من غير عذر يستأنف الصيام، واختلفوا إذا وطئ ليلاً، عند الشافعي: لا شيء عليه. وعند أبي حنيفة: يستأنف، وهو قول مالك والليث وغيرهما، فإن أطعم ثلاثين مسكينًا ثم وطئ،

стр. 15230

فقال الشافعي وأبو حنيفة: يتم الإطعام، كما لو وطئ قبل أن يُطْعِم لم يكن عليه إلا إطعام واحد. وقال الليث والأوزاعي ومالك: يستأنف إطعام ستين مسكينًا (١). وسئل عروة عن رجل قال لزوجته: كل امرأة أنكحها عليك ما عشتِ كظهر أمي: يكفيه من ذلك عتق رقبة (٢). وعند الشافعي وابن أبي ليلى: لا يكون مظاهرًا. وقال مالك في العبد يظاهر من امرأته: لا يدخل عليه إيلاء قبل أن يفرغ من صيامه. قال أبو عمر: أصل مذهبه أنه لا يدخل عنده على المظاهر إيلاء، حرًّا أو عبدًا، إلا أن يكون مضارًّا، وهذا ليس مضارًّا، (إذا ذهب) (٣) يصوم للكفارة (٤). قال أبو عمر: ولا خلاف علمته بين العلماء أن الظهار للعبد لازم، وأن كفارته المجمع عليها الصوم، قال: واختلفوا في العتق والإطعام، فأجاز للعبد العتق إن أعطاه سيده أبو ثور وداود، وأبَى ذلك سائر العلماء. وقال ابن القاسم عن مالك: إن أطعم بإذن مولاه أجزأه، وإن أعتق بإذنه لم يجزئه وأحب إلينا أن يصوم، وقد سلف عن ابن القاسم توهيمُه قال مالك: وإطعام العبد كإطعام الحرِّ ستين مسكينًا، لا أعلم فيه خلافًا (٥).
следующие страницы →