← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 15226–15265 · переход к 15231.

стр. 15226

وقالت طائفة كما قلنا، قاله ابن عباس، وهو في غاية الصحة عنه، وقاله أيضًا الحسن -في رواية- وقتادة والشافعي وأبو سليمان. فصل: ومن ظاهر ثم كرر ثانية ثم ثالثة، فليس عليه إلا كفارة واحدة، فإن كرر رابعة فعليه كفارة أخرى. روي عن خلاس، عن علي أنه قال: إذا ظاهر في مجلس واحد مرارًا فكفارة واحدة، وإن ظاهر في مقاعد شتى فعليه كفارات، والأيمان كذلك. وهو قول قتادة وعمرو بن دينار، صح ذلك عنهما. وقال آخرون: ليس في ذلك إلا كفارة واحدة، روينا عن عطاء وطاوس والشعبي أنهم قالوا: إذا ظاهر من امرأته خمسين مرة فإن عليه كفارة واحدة. وصح مثله عن الحسن وعطاء، وهو قول الأوزاعي. وقال الحسن أيضًا: إذا ظاهر مرارًا فإن كان في مجالس شتى فكفارة واحدة مالم يكفر، والأيمان كذلك. قال معمر: وهو قول الزهري. قال ابن حزم: وهو قول مالك. وقال أبو حنيفة: إن كان كرره في مجلس واحد ونوى التكرار فكفارة واحدة، وإن لم يكن له نية فلكل ظهار كفارة. وسواء كان ذلك في مجلس واحد أو مجالس (١). قال ابن عبد الحق في "رده على المحلى": القول السالف لا دليل عليه؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] فإذا عاد مائة مرة فهو عائد، هذا علي قول أن العود هو إعادة نفس الظهار، لكن يلزمه الحكم بأقل ما ينطلق عليه الاسم، وأقله مرة.

стр. 15227

قال: وأما قوله: إذا لزمته الكفاره فقد ارتفع حكم الظهار المتقدم. فدعوى عرية عن الدليل، وذلك أن ظاهر الآية يدل علي أنه إن عاد ألف مرة سواء قبل الكفارة أو بعد فلا يلزمه شيء، لكن وجدناهم مجمعين علي أنه إن ظاهر وعاد لما قال -على اختلافهم في العود ما هو- أنه يلزمه حكمًا الظهار، فوجب أن يؤخذ بما أجمعوا عليه، وهو أن للظهار بعد الكفارة حكمًا مستأنفًا، وقول مالك في هذِه المسألة أعدلها، وهو أنه إن أَعَاد الظهار مائة مرة قبل أن يكفر لا يلزمه إلا ظهار واحد، فإن ظاهر بعد الكفارة كان حكمه حكم مظاهر لم يظاهر قبل، فلاح بطلان قوله. فصل: قال: ومن وجبت عليه كفارة الظهار لم يسقطها عنه موته ولا موتها، ولا طلاقه لها، وهي من رأس ماله إن مات، أوصى بها أو لم يوص. فصل: قال: ومن عجز عن جميع الكفارة فحكمه الإطعام أبدًا، أيسر بعد ذلك أو لم يوسر، قوي على الصيام أو لم يقوَ، وكذلك حكم من عجز عن العتق والصوم، فهو لازم له أبدًا، فمن كان حين لزومه الكفارة. قادرًا على رقبة لم يجزه غيرها، وإن افتقر فأمره إلى الله. ومن كان عاجزًا عن الرقبة قادرًا علي صوم شهرين متتابعين فلم يصمهما، ثم عجز عن الصوم إلى أن مات لم يجزئه إطعام ولا عتق أبدًا؛ فإن صح صامهما، وإن مات صامهما عنه وليه، فلو لم تتصل صحته وقوته على الصيام جميع المدة التي ذكرنا، فإن أيسر في

стр. 15228

خلالها فالعتق فرضه أبدًا، فإن لم يوسر فالإطعام فرضه أبدًا (١). فصل: سلف جملة من نقل ابن عبد البر عن ابن أبي ليلى والحسن بن حي أنه إذا قال: كل امرأة أتزوجها فهي عليَّ كظهر أمي. لم يلزمه شيء، فإن قال: إن نكحت فلانة فهي كظهر أمي أو يسمي قرية أو قبيلة لزمه الظهار. وقال الثوري: فمن قال: إن تزوجتك فأنت طالق، وأنت عليَّ كظهر أمي، والله لا أقربك أربعة أشهر فما زاد، ثم تزوجها وقع الطلاق وسقط الظهار والإيلاء؛ لأنه بدأ بالطلاق. قال أبو عمر: يهدم الطلاق المتقدم الظهار، وإن كان بائنًا أو رجعيًّا هدمه أيضًا ما لم يراجع، فإذا راجع لم يطأ حتى يكفر كفارة الظهار (٢). وقال يحيي بن سعيد الأنصاري في رجل ظاهر من امرأته ثلاث مرات في مجلس واحد في أمور مختلفة: فإنه يجب عليه ثلاث كفارات. وقال ربيعة: إن ظاهر من امرأته ثلاثًا في مجالس شتى [في أمور شتى] (٣) كفر عنهن جميعًا، هان ظاهر منها ثلاثًا في (مجالس شتى) (٤) في أمر واحد فكفارته واحدة. وروى ابن نافع فيمن قال: كل امرأة أتزوجها فهي عليَّ كظهر أمي أنه يجزئه كفارة واحدة عن جميع النساء، وبه قال ابن القاسم (٥).

стр. 15229

وعن الثوري: لا بأس أن يُقبَّل التي ظاهر منها قبل التكفير ويأتيها فيما دون الفرج؛ لأن المسيس هنا الجماع، وهو قول الحسن (١) وعطاء وعمرو بن دينار وقتادة، وهو قول أصحاب الشافعي، وروي عنه أنه قال: أحب إلى أن يمتنع من القبلة والتلذذ احيتاطًا. وقال أحمد وإسحاق: لا بأس أن يقبل ويباشر. وأبى مالك ذلك ليلاً أو نهارًا، وكذا في صوم الشهرين قال: ولا ينظر إلى شعرها ولا إلى صدرها حتى يكفر. وقال الأوزاعي: يأتي منها ما دون الإزار كالحائض (٢). وعن أحمد: إن قال لامرأته: أنتِ عليَّ كظهر أمه من الرضاعة: أجبن عن الرضاع (٣). وقال مالك": ليس على النساء ظهار، قال عطاء: إن فعلت كفرت كفارة يمين، وهو قول أبي يوسف والأوزاعي. وقال محمد بن الحسن: لا شيء عليها. قال الأوزاعي فكذا إذا قال لها: أنتِ عليَّ كظهر فلان -لرجل- فهي كفارة يمين يكفرها (٤). قال ابن عبد البر: وأجمعوا علي أنه إذا أفطر في الشهرين متعمدًا بوطء أو بأكل أو بشرب من غير عذر يستأنف الصيام، واختلفوا إذا وطئ ليلاً، عند الشافعي: لا شيء عليه. وعند أبي حنيفة: يستأنف، وهو قول مالك والليث وغيرهما، فإن أطعم ثلاثين مسكينًا ثم وطئ،

стр. 15230

فقال الشافعي وأبو حنيفة: يتم الإطعام، كما لو وطئ قبل أن يُطْعِم لم يكن عليه إلا إطعام واحد. وقال الليث والأوزاعي ومالك: يستأنف إطعام ستين مسكينًا (١). وسئل عروة عن رجل قال لزوجته: كل امرأة أنكحها عليك ما عشتِ كظهر أمي: يكفيه من ذلك عتق رقبة (٢). وعند الشافعي وابن أبي ليلى: لا يكون مظاهرًا. وقال مالك في العبد يظاهر من امرأته: لا يدخل عليه إيلاء قبل أن يفرغ من صيامه. قال أبو عمر: أصل مذهبه أنه لا يدخل عنده على المظاهر إيلاء، حرًّا أو عبدًا، إلا أن يكون مضارًّا، وهذا ليس مضارًّا، (إذا ذهب) (٣) يصوم للكفارة (٤). قال أبو عمر: ولا خلاف علمته بين العلماء أن الظهار للعبد لازم، وأن كفارته المجمع عليها الصوم، قال: واختلفوا في العتق والإطعام، فأجاز للعبد العتق إن أعطاه سيده أبو ثور وداود، وأبَى ذلك سائر العلماء. وقال ابن القاسم عن مالك: إن أطعم بإذن مولاه أجزأه، وإن أعتق بإذنه لم يجزئه وأحب إلينا أن يصوم، وقد سلف عن ابن القاسم توهيمُه قال مالك: وإطعام العبد كإطعام الحرِّ ستين مسكينًا، لا أعلم فيه خلافًا (٥).

стр. 15231

٢٤ - باب الإِشَارَةِ فِي الطَّلَاقِ وَالأُمُورِ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا يُعَذِّبُ اللَّهُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا». فَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ [انظر: ١٣٠٤]. وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيَّ أَيْ خُذِ النِّصْفَ [انظر: ٤٥٧]. وَقَالَتْ أَسْمَاءُ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي الْكُسُوفِ، فَقُلْتُ لِعَائِشَةَ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ وَهْيَ تُصَلِّي، فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا إِلَى الشَّمْسِ، فَقُلْتُ آيَةٌ؟ فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ نَعَمْ. [انظر: ٨٦] وَقَالَ أَنَسٌ: أَوْمَأَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ. [انظر: ٦٨٠] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَوْمَأَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ: لَا حَرَجَ. [انظر: ٨٤] وَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ: «آحَدٌ مِنْكُمْ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟». قَالُوا: لَا. قَالَ: «فَكُلُوا». [انظر: ١٨٢١ - فتح ٩/ ٤٣٥]. ٥٢٩٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: طَافَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى بَعِيرِهِ، وَكَانَ كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ، وَكَبَّرَ. [انظر: ١٦٠٧ - مسلم: ١٢٦٧ - فتح ٩/ ٤٣٦]. وَقَالَتْ زَيْنَبُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فُتِحَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ». وَعَقَدَ تِسْعِينَ. [انظر: ٣٣٤٦ - فتح ٩/ ٢٨٨٠]. ٥٢٩٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : «فِي الْجُمُعَةِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَسَأَلَ اللهَ خَيْرًا، إِلاَّ أَعْطَاهُ». وَقَالَ بِيَدِهِ، وَوَضَعَ أَنْمَلَتَهُ عَلَى بَطْنِ الْوُسْطَى وَالْخِنْصَرِ. قُلْنَا: يُزَهِّدُهَا. [انظر: ٩٣٥ - مسلم: ٨٥٢ - فتح ٩/ ٤٣٦].

стр. 15232

٥٢٩٥ - وَقَالَ الأُوَيْسِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ شُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: عَدَا يَهُودِيٌّ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى جَارِيَةٍ، فَأَخَذَ أَوْضَاحًا كَانَتْ عَلَيْهَا وَرَضَخَ رَأْسَهَا، فَأَتَى بِهَا أَهْلُهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهْيَ فِي آخِرِ رَمَقٍ، وَقَدْ أُصْمِتَتْ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ «مَنْ قَتَلَكِ؟ فُلَانٌ». لِغَيْرِ الَّذِى قَتَلَهَا، فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ لَا، قَالَ: فَقَالَ لِرَجُلٍ آخَرَ غَيْرِ الَّذِى قَتَلَهَا، فَأَشَارَتْ أَنْ لَا، فَقَالَ: «فَفُلَانٌ». لِقَاتِلِهَا فَأَشَارَتْ أَنْ نَعَمْ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَرُضِخَ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ. [انظر: ٢٤١٣ - مسلم: ١٦٧٢ - فتح ٩/ ٤٣٦]. ٥٢٩٦ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «الْفِتْنَةُ مِنْ هَا هُنَا». وَأَشَارَ إِلَى الْمَشْرِقِ. [انظر: ٣١٠٤ - مسلم: ٢٩٥٠ - فتح ٩/ ٤٣٦]. ٥٢٩٧ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ قَالَ لِرَجُلٍ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي». قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أَمْسَيْتَ. ثُمَّ قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ». قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أَمْسَيْتَ إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا. ثُمَّ قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ». فَنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُ فِى الثَّالِثَةِ، فَشَرِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ أَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الْمَشْرِقِ فَقَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ». [انظر: ١٩٤١ - مسلم: ١١٠١٤ - فتح ٩/ ٤٣٦]. ٥٢٩٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رضى الله عنه - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ نِدَاءُ بِلَالٍ -أَوْ قَالَ: أَذَانُهُ- مِنْ سَحُورِهِ، فَإِنَّمَا يُنَادِي -أَوْ قَالَ يُؤَذِّنُ- لِيَرْجِعَ قَائِمُكُمْ، وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ». كَأَنَّهُ يَعْنِي: الصُّبْحَ أَوِ الْفَجْرَ، وَأَظْهَرَ يَزِيدُ يَدَيْهِ ثُمَّ مَدَّ إِحْدَاهُمَا مِنَ الأُخْرَى. [انظر: ٦٢١ - مسلم: ١٠٩٣ - فتح ٩/ ٤٣٦]. ٥٢٩٩ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُنْفِقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ

стр. 15233

عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، مِنْ لَدُنْ ثَدْيَيْهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَأَمَّا الْمُنْفِقُ فَلَا يُنْفِقُ شَيْئًا إِلاَّ مَادَّتْ عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى تُجِنَّ بَنَانَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ، وَأَمَّا الْبَخِيلُ فَلَا يُرِيدُ يُنْفِقُ إِلاَّ لَزِمَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَوْضِعَهَا، فَهْوَ يُوسِعُهَا فَلَا تَتَّسِعُ». وَيُشِيرُ بِإِصْبَعِهِ إِلَى حَلْقِهِ. [انظر: ١٤٤٣ - مسلم: ١٠٢١ - فتح ٩/ ٤٣٦]. (وَقَالَ ابن عُمَرَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا يُعَذِّبُ اللهُ بِدَمْعِ العَيْنِ ولكن يُعَذَبُ بهذا". وأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ.) وهذا سلف مسندًا في الجنائز. ثم قال: وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيَّ أن خُذِ النِّصْفَ وهذا سلف في الصلح مسندًا (١). ثم قال: وَقَالَتْ أَسْمَاءُ: (صَلَّى النَّبِيُّ) (٢) ﷺ الكُسُوفَ، فَقُلْتُ لِعَائِشَةَ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا إِلَى الشَّمْسِ، فَقُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا. أَي نَعَمْ. وهذا سلف في الصلاة أيضًا. ثم قال: وَقَالَ أَنَسٌ: أَوْمَأَ النَّبِيُّ ﷺ بيَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ. وهذا سلف أيضًا في الصلاة. ثم قال: وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: أَوْمَأَ النَّبِيُّ ﷺ بيَدِهِ لَا حَرَجَ. وهذا سلف في الحج أيضًا (٣). ثم قال: وقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ: "آحَدٌ مِنْكُمْ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟ ". قَالُوا: لَا. قَالَ: "فَكُلُوا". وهذا سلف في الحج. ثم ساق البخاري من حديث إبراهيم، عن خالد، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: طَافَ النبي ﷺ عَلَى بَعِيرِهِ، وَكَانَ كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ وَكَبَّرَ.

стр. 15234

وهذا سلف في الحج من حديث خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس به (١)، وخالد هو خالد الحذاء كما بينه هناك، وهو ابن مهران أبو المنازل. وإبراهيم (٢) هذا هو ابن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة، أخي عيينة ابني حصن بن حذيفة، أبو إسحاق الفزاري، مات سنة خمس أو ست أو ثمان وثمانين ومائة، وابن عمه مروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء، مات سنة ثلاث وتسعين ومائة فجأة قبل يوم التروية بيوم (٣). ثم قال البخاري: وقالت زينبُ: قال النبيُّ ﷺ : "فُتحَ من رَدْم يأجوجَ ومأجوجَ مثل هذِه" وعقد تسعين. وهذا سلف مسندًا في ذكر ذي القرنين والسد (٤). ثم ساق في الباب أحاديث: أحدها: حديث أبي هريرة ﵁: "في الجمعة ساعة .. " الحديث سلف في الجمعة، وَقَالَ بِيَدِهِ، وَوَضَعَ أَنْمَلَتَهُ عَلَى بَطْنِ الوُسطَى وَالْخِنْصِرِ. قُلْنَا: يُزَهِّدُهَا

стр. 15235

وثانيها: وَقَالَ الأُويسِيُّ -يعني: عبد العزيز بن عبد الله-: ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ شُعْبَةَ بْنِ الحَجَّاجِ، عن قيس في الأوضاح، وهو حلي من فضة، سلف في الوصايا مختصرًا من طريق همام، عن قتادة، عن أنس، ويأتي في الديات عن محمد بن سلام، عن عبد الله بن إدريس، وثنابندار، عن غندر، كلاهما عن شعبة به (١). وثالثها: حديث ابن عمر ﵄ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "الْفِتْنَةُ مِنْ ههنا". وَأَشَارَ إِلَى المَشْرِقِ. رابعها: حديث أبي إسحاق الشيباني عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵄: "إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ ههنا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ". وقد سلف في الصوم، وأبو إسحاق اسمه سليمان بن أبي سليمان فيروز مولى بني شيبان بن ثعلبة. خامسها: حديث ابن مسعود ﵁: "لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ نِدَاءُ بِلَالٍ .. " الحديث سلف في الأذان، وراويه عن ابن مسعود أبو عثمان، واسمه: عبد الرحمن بن مل النهدي. سادسها: وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَثَلُ البَخِيلِ وَالْمُنْفِقِ كَمَثَلِ

стр. 15236

رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، مِنْ لَدُنْ ثَدْيَيْهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَأَمَّا المُنْفِقُ فَلَا يُنْفِقُ شَيْئًا إِلَّا مَادَّتْ عَلَى جِلْدهِ حَتَّى تُجِنَّ بَنَانَهُ وَتَعْفُوَ أثَرَهُ، وَأَمَّا البَخِيلُ فَلَا يُرِيدُ يُنْفِقُ إِلَّا لَزِمَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَوْضِعَهَا، فَهْوَ يُوسِعُهَا فَلَا تَتَّسِعُ". وَيُشِيرُ بِإِصْبَعِهِ إِلَى حَلْقِهِ. وقد سلف في الزكاة من هذا الوجه ومن طريقين آخرين عن أبي هريرة، وقال هناك "تخفي" بدل "تجن"، وقال هناك: "سبغت أو وفرت" بدل: "مادَّتْ". وقال هناك: "لزقت" بالقاف بدل: "لزمت". وزاد هنا الإشارة، وراجع ذلك من ثم (١). قال صاحب "العين": ماد الشيء مددًا تردد (وفي عرض، والناقة تمد في سيرها) (٢). إذا تقرر ذلك؛ فالإشارة إذا فهمت وارتفع الإشكال منها محكوم بها، وما ذكره البخاري في الأحاديث من الإشارات في الضروب المختلفة شاهدة بجواز ذلك. وأوكد الإشارات ما حكم الشارع به في أمر السوداء حين قال لها: "أين الله؟ " فأشارت برأسها إلى السماء، فقال: "أعتقها فإنها مؤمنة" (٣) فأجاز الإسلام بالإشارة الذي هو أعظم أصل الديانة، الذي تحقن به الدماء، ويمنع المال والحرمة، وتستحق به الجنة، وينتجى به من النار، وحكم بإيمانها كما يحكم بنطق من يقول ذلك، فيجب أن تكون الإشارة عاملة في سائر الديانة، وهو قول عامة الفقهاء.

стр. 15237

وروى ابن القاسم عن مالك أن الأخرس إذا أشار بالطلاق أنه يلزمه. وقال الشافعي في الرجل يمرض فيختل لسانه فهو كالأخرس في الرجعة والطلاق، وإذا أشار إشارة تعقل أو كتب لزمه الطلاق. وقال أبو ثور في إشارة الأخرس: إذا فهمت عنه تجوز عليه (١). وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن كانت إشارته تعرف في طلاقه ونكاحه وبيعه، وكان ذلك منه معروفًا فهو جائز عليه، وإن شك فيها فهي باطل، وليس ذلك بقياس إنما هو استحسان، والقياس في هذا كله أنه باطل؛ لأنه لا يتكلم ولا تعقل إشارته (٢). قال ابن المنذر: فزعم أبو حنيفة أن القياس في ذلك أنه باطل، وفي ذلك إقرار منه أنه حكم بالباطل؛ لأن القياس عنده حق، فإذا حكم بضده -وهو الاستحسان- فقد حكم بضد الحق، وفي إظهار القول بالاستحسان وهو ضد القياس دفع منه للقياس الذي عنده حق. قال ابن بطال: وأظن البخاري حاول بهذا الباب الرد عليه؛ لأنه ﵇ حكم بالإشارة في هذِه الأحاديث وجعل ذلك شرعًا لأمته، ومعاذ الله أن يحكم ﵇ في شيء من شريعته التي ائتمنه الله عليها، وشهد التنزيلُ أنه بلغها لأمته غير (ملوم) (٣) وأن الدين قد كمل به ما يدل القياس على إبطاله، وإنما حمل أبا حنيفة على قول هذا أنه لم يعلم السنن التي جاءت بجواز الإشارات في أحكام مختلفة من

стр. 15238

الديانة في مواضع يمكن النطق فيها، ومواضع لا يمكن، فهي لمن لا يمكنه أجوز، وأوكد إذ لا يمكن العمل بغيرها (١). وقال ابن التين: أراد بالإشارة التي يفهم منها الطلاق من الصحيح والأخرس قال: والكتابة مع النية طلاق عند مالك خلافًا للشافعي. قلت: والأظهر من مذهبه الوقوع والحالة هذِه. فصل: في ألفاظ وقعت في هذِه الأحاديث وفوائد لا بأس ببيانها وإن سلف بعضها. معنى (عدا يهودي): تعدى. والأوضاح: جمع وضح، وهو حلي من فضة كما سلف مأخوذ من الوضح، وهو البياض. ومنها: أنه أمر بصيام الأوضاح؛ وهي أيام البيض، وفي حديث "صوموا من وضح إلى وضح" (٢) أي من ضوء إلى ضوء. وقوله: (فأمر به فرضخ رأسه بين حجرين) فيه: طلب المماثلة في القود، وهو حجة علي أبي حنيفة في قوله: لا يقاد إلا بالسيف.

стр. 15239

وقتله هنا بالإشارة، وفي رواية أخرى في الصحيح أنه أقر. وطوافه على البعير قد يحتج به من يرى طهارة أبوالها، ومن منع قال: كانت ناقة منوقة. والجمعة بضم الميم وفتحها وسكونها. وهذِه الساعة قال عبد الله بن سلام: إنها من العصر إلى الليل، وقيل: عند الزوال، وقيل: مبهمة فيه، وقد سلف الأقاويل فيها في بابه. والأنملة فيها لغات تسع: تثليث الهمزة مع تثليث الميم. واقتصر ابن التين على فتح الهمزة مع ضم الميم، ثم قال: وفيها لغة أخرى: فتح الميم، وأهمل الباقي (١). والجدح -بالجيم ثم قال ثم حاء مهملة-: الخلط. قال ابن فارس: هو ضرب الدواء بالمجدح، وهو خشبة لها ثلاث جوانب (٢). وقال الفراء: إنه عود معرض الرأس كالملعقة. وجنتان سلف أنه بالنون والتاء وأن الصواب بالنون، وهو ما ضبط هنا، أي: جنة تغطيه. وقوله: ("ثديهما") هذا هو الصواب لا ما عند أبي ذر "ثدييهما" لأن (ثدي) (٣) الرجلين أربعة فلا يعبر عنهن بالتثنية. قال ابن فارس: الثدي للمرأة وجمعه ثُدِيٌّ، ويذكر ويؤنث، وثندوة الرجل كثدي المرأة، هو مهموز إذا ضم أوله، فإذا فتح لم يهمز (٤).

стр. 15240

وقوله: ("حتى تجن بنانه") هو بفتح التاء وضمها من تجن جن وأجن. واختار الفراء: جنه، قال الهروي: يقال: جن عليه الليل وأجنه. وبنانه بالنون وصحف من قال: ثيابه.

стр. 15241

٢٥ - باب اللِّعَانِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فَإِذَا قَذَفَ الأَخْرَسُ امْرَأَتَهُ بِكِتَابَةٍ أَوْ إِشَارَةٍ أَوْ بِإِيمَاءٍ مَعْرُوفٍ، فَهْوَ كَالْمُتَكَلِّمِ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أَجَازَ الإِشَارَةَ فِي الْفَرَائِضِ، وَهْوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩)﴾ [مريم: ٢٩]. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿إِلاَّ رَمْزًا﴾: إِشَارَةً. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ. ثُمَّ زَعَمَ أَنَّ الطَّلَاقَ بِكِتَابٍ أَوْ إِشَارَةٍ أَوْ إِيمَاءٍ جَائِزٌ، وَلَيْسَ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْقَذْفِ فَرْقٌ، فَإِنْ قَالَ: الْقَذْفُ لَا يَكُونُ إِلاَّ بِكَلَامٍ. قِيلَ لَهُ: كَذَلِكَ الطَّلَاقُ لَا يَجُوزُ إِلاَّ بِكَلَامٍ، وَإِلاَّ بَطَلَ الطَّلَاقُ وَالْقَذْفُ، وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ، وَكَذَلِكَ الأَصَمُّ يُلَاعِنُ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَقَتَادَةُ: إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ. فَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ، تَبِينُ مِنْهُ بِإِشَارَتِهِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: الأَخْرَسُ إِذَا كَتَبَ الطَّلَاقَ بِيَدِهِ لَزِمَهُ. وَقَالَ حَمَّادٌ: الأَخْرَسُ وَالأَصَمُّ إِنْ قَالَ بِرَأْسِهِ جَازَ. ٥٣٠٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الأَنْصَارِ؟». قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «بَنُو النَّجَّارِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ بَنُو عَبْدِ الأَشْهَلِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ بَنُو سَاعِدَةَ». ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ، فَقَبَضَ أَصَابِعَهُ، ثُمَّ بَسَطَهُنَّ كَالرَّامِي بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ: «وَفِي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيْرٌ». [انظر: ٣٧٨٩ - مسلم: ٢٥١١ - فتح ٩/ ٤٣٩].

стр. 15242

٥٣٠١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ أَبُو حَازِمٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ -صَاحِبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَذِهِ مِنْ هَذِهِ أَوْ كَهَاتَيْنِ». وَقَرَنَ بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى. [انظر: ٤٩٣٦ - مسلم: ٢٩٥٠ - فتح ٩/ ٤٣٩]. ٥٣٠٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا جَبَلَةُ بْنُ سُحَيْمٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا». يَعْنِي: ثَلَاثِينَ، ثُمَّ قَالَ: «وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا». يَعْنِي: تِسْعًا وَعِشْرِينَ، يَقُولُ مَرَّةً: ثَلَاثِينَ، وَمَرَّةً: تِسْعًا وَعِشْرِينَ. [انظر: ١٩٠٠ - مسلم: ١٠٨٠ - فتح ٩/ ٤٣٩]. ٥٣٠٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: وَأَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ نَحْوَ الْيَمَنِ: «الإِيمَانُ هَا هُنَا -مَرَّتَيْنِ- أَلَا وَإِنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ». [انظر: ٣٣٠٢ - مسلم: ٥١ - فتح ٩/ ٤٣٩]. ٥٣٠٤ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «و (١) أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا». وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا. [٦٠٠٥ - فتح ٩/ ٤٣٩]. الشرح: اللعان مصدر لاعن يلاعن لعانًا، وإطلاق اللعان في جانب المرأة من مجاز التغليب، فإن الغضب أشد من اللعن؛ لأن اللعن الإبعاد، وقد يبعد من لا يغضب عليه، وهو مشتق من اللعن: وهو الطرد والإبعاد، لبعدهما من الرحمة، أو لبعد كل منهما عن الآخر فلا يجتمعان أبدًا، والمغلب على اللعان حكم اليمين عندنا على الأصح.

стр. 15243

وهو في الشرع: كلمات معلومة جعلت حجة للمضطر إلى قذف من لطخ فراشه وألحق به العار، والأصل فيه الآية المذكورة بطولها، نزلت في شعبان سنة تسع في عويمر العجلاني منصرفه من تبوك، أو في هلال بن أمية، وعليه الجمهور. وخالف ابن أبي صفرة فقال: إنه خطأ، وإنما هو عويمر، قال: وأظن الغلط فيه من هشام بن حسان، وكذا قاله الطبري. ولعلهما تقاربتا فنزل فيهما أو تكرر النزول ورماها عويمر بن الحارث بن زيد بن الجد بن العجلان الأُحُدِي بشريك بن السحماء وهي أمته، قيل لها ذلك لسوادها، قاله ابن المنذر. وقال غيره: هي بنت عبد الله اللتبية. وقال آخرون: هي يمانية، وهو شريك بن عبد الله بن مغيث بن الجد بن العجلان ولم تكن بالمدينة بعد رسول الله ﷺ إلا في أيام عمر بن عبد العزيز، وليس لنا يمين متعددة إلا هو والقسامة، ولا يمين في جانب المدعي إلا فيها. وقد اختلف العلماء في لعان الأخرس، فقال الشافعي ومالك وأبو ثور: يلاعن الأخرس إذا عقل الإشارة، وفهم الكتابة، وعلم ما يقوله، وفُهم (منه) (١)، وكذلك الخرساء تلاعن أيضًا بالكتابة (٢). وقال الكوفيون: لا يصح قذفه ولا لعانه، فإذا قذف الأخرس امرأته بإشارة لم يحد ولم يلاعن، وكذلك لو قذف بكتاب (٣)، وروي مثله عن

стр. 15244

الشعبي، وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق (١) واحتجوا بأن هذِه المسألة مبنية لهم علي أصل، وهو أن صحة القذف تتعلق بصريح الزنا دون معناه، ألا ترى أن من قذف آخر فقال له: قد وُطِئت وطأً حرامًا، أو وُطِئت بلا شبهة لم يكن قاذفًا، فإن أتى بمعنى الزنا كان قاذفًا، فبان أن المعتبر في هذا الباب صريحُ اللفظ، وهذا المعنى لا يحصل من الأخرس ضرورة، فلم يكن قاذفًا ولا يميز بالإشارة الزنا من الوطء الحلال والشبهة، وأيضًا فإن إشارته لما تضمنت وجهين لم يجز إيجاب الحد بها كالكتابة والتعريض. قالوا: واللعان عندنا شهادة، وشهادة الأخرس عندنا لا تقبل بالإجماع، ورد بالمنع؛ فهو باطل كسائر الألسنة ما عدا العربية فإنها كلها قائمة مقامها، ويصح بكل واحد منها القذف، فكذلك إشارة الأخرس. وقولهم: إنه لا يميز بالإشارة الزنا من الوطء الحلال والشبهة باطل، إذا أقر بقتل عمد فإنه مقبول منه بالإشارة، وصورته غير صورة قتل الخطأ، وما حكوه من الإجماع في شهادته غلط. وقد نص مالك أن شهادته مقبولة إذا فهمت إشارته (٢)، وإنما تقوم مقام اللفظ في الشهادة، وأما مع القدرة فلا تقع منه إلا باللفظ، وحكي أنهم يصححون لعان الأعمى، ولا يجيزون شهادته، فقد فرقوا بينهما، ولأن إشارته إذا فهمت قامت مقام النطق بما احتج به البخاري من الإشارة في الآية، فعرفوا بإشارتها ما يعرفون من نطقها

стр. 15245

وبقوله تعالي: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] أي إيماء وإشارة، فلولا أنه يفهم منها ما يفهم من النطق لم يقل تعالى: ألا تُكَلِّم إلا رمزًا فجعل الرمز كلامًا. وأيضًا فإنه ﵇ كبر للصلاة وذكر أنه لم يغتسل، فأشار إليهم أن اثبتوا مكانكم، وكذلك أشار إلى الصديق في الصلاة، والأحاديث فيه أكثر من أن تحصر. وصح أنه يعقل من الإشارة ما يعقل من النطق، وقد تكون الإشارة في كثير من أبواب الفقه أقوى من الكلام مثل قوله ﵇: "بعثت أنا والساعة كهاتين" (١) ومتى كان يبلغ البيان (إلى) (٢) ما بلغت إليه الإشارة، والإعراب بما بينهما بمقدار زيادة الوسطى على السبابة، والمراد أن ما بيني وبين الساعة من مستقبل الزمان بالقياس إلى ما مضى منه مقدار فضل الوسطى على السبابة. ولو كان أراد غير هذا لكان قيام الساعة مع بعثه في زمن واحد، وقيل: معناه أنه ليس بينه وبين الساعة أُمَّة غير أمته. وفي إجماع العقول علي أن العيان أقوى من الخبر دليل أن الإشارة قد تكون في بعض المواضع أقوى من الكلام. قال ابن المنذر: والمخالفون يلزمون الأخرس الطلاق والبيوع وسائر الأحكام فينبغي أن يكون القذف مثل ذلك. واتفق مالك والكوفيون والشافعي أن الأخرس إذا كتب الطلاق بيده لزمه.

стр. 15246

وقال الكوفيون: إذا كان الرجل أصمت أيامًا فكتب لم يجز من ذلك شيء (١). قال الطحاوي: الخرس مخالف للصمت، كما أن العجز عن الجماع العارض بالمرض ونحوه يومًا أو نحوه مخالف للعجز المأيوس منه الجماع، نحو الجنون في باب خيار المرأة في الفرقة (٢). قال المهلب: وأما الأصم فإن في أمره بعض إشكال ولكن قد يستبرأ إشكال أمره (بترديد) (٣) الإشارة على الشيء حتى يرتفع الإشكال، فإذا فهم عنه ذلك جاز جميع ما أشار به. وأما المتكلم، فإذا كتب الطلاق بيده فله أن يقول: إنما كتبت مراوضًا لنفسي لأستخير الله في إنفاذه؛ لأن لي درجة في البيان بلساني هي غايتي، فلا يحال بيني وبين غاية ما لي من البيان، والأخرس لا غاية له إلا الإشارة (٤). ثم ذكر البخاري في الباب أحاديث دالة علي ما ذكره من الإشارة: أحدها: حديث يحيي بن سعيد الأنصاري عن أَنَس قَالَ النبي ﷺ : "ألا أُخْبِرُكمْ بِخَيْرِ دُورِ الأنصَارِ؟ " .. الحديث. ولما رواه الترمذي من حديث قتادة عن أنس قال: عن أبي أسيد الساعدي ثم قال: حديث حسن صحيح (٥)، فعلى هذا حديث أنس مرسل.

стр. 15247

ثانيها: حديث سهل بن سعد الساعدي: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَذِهِ مِنْ هذِه" أَوْ "كَهَاتَيْنِ". وَقَرَنَ بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى. ثالثها: حديث ابن عمر السالف في الصوم: "الشهر هكذا .. " إلى آخره رابعها: حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو: أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ نَحْوَ اليَمَنِ: "الإِيمَانُ ههنا -مَرَّتَيْنِ- أَلَا وَإِنَّ القَسْوَةَ وَغِلَظَ القُلُوبِ فِي الفَدَّادِينَ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ". خامسها: حديث سهل: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أنَا وَكَافِلُ اليَتِيمِ فِي الجَنَّةِ هَكَذَا". وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا. وقد ظهر لك أن المراد ببعض الناس أبو حنيفة، وخالفه مالك والشافعي. واحتجاج البخاري عليه بين، ومن اعتل له بأن الحدود تدرأ بالشبهات، فليس ببيِّن؛ لأن هذا لا شبهة فيه إذا كان يعقل الإشارة ويعلم ما يقوله. وقول الشعبي وقتادة: (إذا قال: أنتِ طالق وأشار بأصابعه تبين منه بإشارته). يريد أنه أشار بثلاثة أصابع، فكأنه عبر عن نيته بما أشار به بأصابعه. وقول إبراهيم في الكتابة سلف أنه لم يفتقر في غير الأخرس إلى نية، ويقع الطلاق بنفس الكتابة إذا كان عازمًا وإن لم يخرج الكتاب عن يده، وإن كتب لينظر في ذلك، فإن أخرجه عن يده بقي على ذلك.

стр. 15248

واختلف إذا أخرج الكتاب عن يده ولم يُعلم هل كان عَزَمَ أم لا؟ فقال ابن القاسم في "المدونة": له أن يرده ما لم يبلغها الكتاب (١)، وقال محمد: ذلك له ما لم يخرج الكتاب، وسواء كان الكتاب: أنتِ طالق. أو: إذا جاءك كتابي فأنت طالق، ولا ينوي إذا خرج الكتاب من يده وإن لم يصل إليها (٢). فصل: الفدادون جمع فداد وهو: الشديد الصوت من الفديد وذلك من دأب أصحاب الإبل ومن يعالجها من أهلها، هذا على رواية تشديد الدال، وزنه فعَّالاً، عينه قال ولامه قال من فدَّ يفد إذا رفع صوته، فجمعه فعَّالون، وقيل: هو جمع فدان -وهو آلة الحرث والسكة وأعواده- على رواية التخفيف يريد: أهل الحرث، وإنما ذم ذلك لأنه يشتغل عن أمر الدين ويلهى عن الآخرة، فيكون معها قساوة القلب (٣)، فالجمع على الأول فعالين الياء والنون زائدتان، الياء حرف إعراب والنون مفتوحة عوض من الحركة، والتنوين عند أكثر النحاة، وعلى الثاني: فعاليل: النون منه من نفس الكلمة، وهي لامه وهي مكسورة لأجل حرف الجر. وقال أبو عبيد الله القزاز: الفدادين من أهل الوبر أصحاب الإبل الذين تبلغ إبل أحدهم المائتين فأكثر إلى الألف، فإذا بلغ ماله ذلك فهو فَدَّاد، وهم مع ذلك جفاة ذوو إعجاب بأنفسهم (٤).

стр. 15249

وقال ابن فارس: (هم أهل) (١) الحرث والمواشي (٢). فصل: وقوله: ("أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا") يريد أن منزلته قريب من منزلته ليس بينهما منزلة.

стр. 15250

٢٦ - باب إِذَا عَرَّضَ بِنَفْيِ الْوَلَدِ ٥٣٠٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ وُلِدَ، لِي غُلَامٌ أَسْوَدُ. فَقَالَ: «هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟». قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «مَا أَلْوَانُهَا؟». قَالَ: حُمْرٌ. قَالَ: «هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ». قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَأَنَّى ذَلِكَ؟». قَالَ: لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ. قَالَ: «فَلَعَلَّ ابْنَكَ هَذَا نَزَعَهُ». [٦٨٤٧، ٧٣١٤ - مسلم: ١٥٠٠ - فتح ٩/ ٤٤٢]. ذكر في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وُلِدَ لِي غُلَام أَسْوَدُ. فَقَالَ: "هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ ". قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "مَا أَلْوَانُهَا؟ ". قَالَ: حُمْرٌ. قَالَ: "هَل فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ ". قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَأنّى ذَلِكَ؟ ". قَالَ: لَعَل نَزَعَهُ عِرْقٌ. قَالَ: "فَلَعَلَّ ابنكَ هذا نَزَعَهُ عرق". هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا، وعند الترمذي: جاء رجل من بني فزارة (١). وعند النسائي: وهو حنيئذ يُعَرِّض بأن ينفيه، فلم يرخص له في الانتقاء منه (٢). وعند أبي داود، عن الزهري قال: بلغنا عن أبي هريرة. وفي لفظ: وإني أنكره (٣)، وروى عبد الغني في "غوامضه" في آخره: فقدم عجائز من بني عجل، فأخبرن أنه كان للمرأه جدة سوداء. وقال أبو موسى المديني في كتابه "المستفاد بالنظر والكتابة": هذا إسناد عجيب، والحديث صحيح من رواية أبي هريرة، ولم يسمَّ فيه الرجل، وقال: امرأة من بني فزارة.

стр. 15251

واحتج بهذا الحديث الكوفيون والشافعي فقالوا: لا حد في التعريض ولا لعان به (١)؛ لأنه ﵇ لم يوجب على هذا الرجل الذي عرض بامرأته حدًّا -وأوجب مالك الحد في التعريض واللعان بالتعريض إذا فهم منه القذف ما يفهم من التصريح (٢) - ولا على عويمر حيث قال: يا رسول الله، أرأيت رجلاً وجد مع أمرأته رجلاً فيقتله؟ الحديث. وأوله أصحاب مالك بأنه إنما جاء سائلًا مستشيرًا، يوضحه أنه- ﵇ -لما ضرب له المثل سكت ورأى الحق فيما ضرب له من ذلك. قال المهلب: والتعريض إذا لم يكن على سبيل المشاتمة والمواجهة وكان على سبيل السؤال عما يجهل من المشكلات فلا حد فيه، ولو وجب فيه حد لبقي شيء من علم الدين لا سبيل إلى التوصل إليه مع ذكر من عرض له في ذلك عارض. ولا يجب عند مالك في التعريض حد إلا أن يكون على سبيل المشاتمة والمواجهة، يُعلم قصده، وستعرف اختلاف العلماء وبيان أقوالهم في التعريض في الحدود إن شاء الله. وقد ضرب عمر رجلاً ثمانين لما قال: ما أنا بزانٍ ولا أمي بزانية. فاستشار في ذلك عمر فقال قوم: مدح أباه وأمه، وقال آخرون: قد كان لهما مدح غير هذا (٣). وهذا احتياط منه لصيانة الأعراض، والظالم أحق أن يحمل عليه.

стр. 15252

فصل: والأورق: الأغبر الذي فيه سواد وبياض، فليس بناصع البياض كون الرماد، وسميت الحمامة ورقاء لذلك. فصل: وفي الحديث: الاستفهام بمعنى التقرير، وجواز الاعتبار وطلب الدليل، فيعتبر بنظيره من طريق واحدة، وهو اعتبار الشبه الخلقي. وفيه: أن الولد لاحقٌ للزوج وإن اختلف ألوانهما، ولا يحل له نفيه بمجرد المخالفة في اللون، ولبعض أصحابنا وجه في هذِه الصورة وهو واهٍ؛ لما ذكرناه. قال الداودي: "ولعل" هنا بمعنى التحقيق. وفيه: تقديم حكم الفراش على اعتبار الشبه. وفيه: زجر عن تحقيق ظن السوء.

стр. 15253

٢٧ - باب إِحْلَافِ الْمُلَاعِنِ ٥٣٠٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ قَذَفَ امْرَأَتَهُ، فَأَحْلَفَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا. [انظر: ٤٧٤٨ - مسلم: ١٤٩٤ - فتح ٩/ ٤٤٤]. ذكر فيه حديث ابن عمر أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ قَذَفَ امْرَأَتَهُ، فَأَحْلَفَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا. يريد بالإحلاف أيمان اللعان المعروفة؛ لأن الرجل لما قذف امرأته كان عليه الحد إن لم يأت بشهود أربعة يصدقونه، على ظاهر قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] فلما رمى العجلاني زوجته بالزنا أنزل الله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الآية [النور: ٦] (١) فأخرج تعالى الزوج من عموم الآية وأقام أيمانه الأربع مع الخامسة قيام الشهود الأربعة يدرأ بها عن نفسه الحد، كما يدرأ سائر الناس عن أنفسهم بالشهود الأربعة حد القذف؛ فإذا حلف بها لزم المرأة الحد إن لم تلتعن، فإن التَعَنَتْ وحلفت دفعت الحدَّ عن نفسها بأيمانها أيضًا، كما دفع الرجل بأيمانه عن نفسه.

стр. 15254

٢٨ - باب يَبْدَأُ الرَّجُلُ بِالتَّلَاعُنِ ٥٣٠٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ، فَجَاءَ فَشَهِدَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟». ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ. [انظر: ٢٦٧١ - فتح ٩/ ٤٤٥]. ذكر فيه حديث عكرمة عن ابن عباس ﵁ أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ، فَجَاءَ فَشَهِدَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ الله يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ ". ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ قام الإجماع على بداءة الرجل باللعان قبل المرأة؛ لأن الله تعالى بدأ به؛ فإن بدأت قبله لم يجزئها وأعادته بَعْدُ على ما رتبه الله ورسوله، كذا حكاه ابن بطال (١). وحكى ابن التين عن القاسم وأبي حنيفة صحته مع مخالفة السنة، وقال الشافعي وأشهب بالمنع ويعيده (٢). فصل: وفيه: التلاعن من قيام، قال الطبري: وهو قال على الاستحلاف قائمًا لكل حاكم في الأمر العظيم. فصل: وقوله: ("الله يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ") ظاهره يقتضي أنه قاله بعد الملاعنة؛ لأنه حينئذ تحقق الكذب ووجبت التوبة، وذهب بعضهم إلى

стр. 15255

أنه إنما قاله قبل اللعان لا بعده تحذيرًا لهما ووعظًا، وكلاهما قريب من معنى الآخر، ويؤيد الأول حديث ابن عمر الآتي في باب: صداق الملاعنة. فصل: قال المهلب: وفيه دليل أن المختلفين المتضادين اللذين لا يكون الحق في قول واحد منهما يعذران في دعاويهما، ولا يعاقب كل واحد منهما بتكذيب صاحبه وإبطال قوله؛ لأنه ﵇ عذر المتلاعنين في الحدود ولم يقم الحد بالتحالف (١).

стр. 15256

٢٩ - باب اللِّعَانِ وَمَنْ طَلَّقَ بَعْدَ اللِّعَانِ ٥٣٠٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عُوَيْمِرًا الْعَجْلَانِيَّ جَاءَ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِىٍّ الأَنْصَارِيِّ فَقَالَ لَهُ: يَا عَاصِمُ، أَرَأَيْتَ رَجُلاً وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً، أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ سَلْ لِي يَا عَاصِمُ عَنْ ذَلِكَ. فَسَأَلَ عَاصِمٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا، حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِمٍ مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إِلَى أَهْلِهِ جَاءَهُ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ: يَا عَاصِمُ، مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ عَاصِمٌ لِعُوَيْمِرٍ: لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ، قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَسْأَلَةَ الَّتِل سَأَلْتُهُ عَنْهَا. فَقَالَ عُوَيْمِرٌ: وَاللهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا. فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرٌ حَتَّى جَاءَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَسَطَ النَّاسِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ رَجُلاً وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً، أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «قَدْ أُنْزِلَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا». قَالَ سَهْلٌ: فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ تَلَاعُنِهِمَا قَالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا. فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَكَانَتْ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ. [انظر: ٤٢٣ - مسلم: ١٤٩٢ - فتح ٩/ ٤٤٦]. ذكر فيه حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ أَنَّ عُوَيْمِرًا العَجْلَانِيَّ جَاءَ إلى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ الأَنْصَارِيِّ فَقَالَ لَهُ: يَا عَاصِمُ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا؟ الحديث بطوله وفي آخره: فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ . قَالَ ابن شِهَابٍ: وكَانَتْ سُنَّةَ المُتَلَاعِنَيْنِ. قد أسلفنا قريبًا عن الجمهور أن آية اللعان نزلت في عويمر عند الجمهور، وأن ابن أبي صفرة خالف فيه وتبعه الطبري حيث قال: يستنكر قوله في حديث هلال بن أمية، وإنما القاذف عويمر، وقد أسلفنا الجمع، وقصة هلال وقذفه زوجته بشريك سلفت في

стр. 15257

الشهادات، والتفسير من هذا "الصحيح" كما مر بك (١). وفي "صحيح مسلم" من حديث أنس أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء فتلاعنا، وذلك أول لعان كان في الإسلام (٢). ودعوى المهلب أظنه غلطًا من هشام غير جيد، فإن الترمذي لما ذكره قال: سألت محمدًا عنه، وقلت: روى عباد بن منصور هذا الخبر، عن عكرمة، عن ابن عباس مثل حديث هشام. وروى أيوب، عن عكرمة أن هلال بن أمية .. مرسلًا. فأي الروايات أصح؟ قال: حديث عكرمة عن ابن عباس هو محفوظ، ورآه حديثًا صحيحًا (٣). قلت: وحديث عباد أخرجه أبو داود وفيه. فنزلت آية اللعان، فقال: "أبشر يا هلال" (٤). وسئل أحمد فقال -فيما حكاه الخلال عنه-: حديث عباد منكر. قال مهنا: فقلت أيش من منكراته؟ فقال: حديث المتلاعنين كان يقول: عن عكرمة، ثم جعله عن ابن عباس. قال أحمد: وكان يحيى بن سعيد يقول: كان عباد يحدث بحديثه هذا مرسلًا ليس فيه عن ابن عباس ولا النبي ﷺ ، ومراده أنه ﵇ لاعن بالحمل، فإنه لما ذكره بعد كلامه الأول قال: هو باطل، إنما قال: "إن جاءت به" كذا وكذا. قال أحمد: أخبرناه محمد، ثنا وكيع قال: وبلغني أن ابن أبي شيبة

стр. 15258

أخرجه في كتابه أنه ﵇ لاعن بالحمل، وهذا خطأ بين، وجعل يتعجب من إخراجه ومن خطئه في هذا، ثم قال: إنما الأحاديث التي جاءت عنه أنه قال: "لعله أن تجيء به كذا وكذا، فإن جاءت به كذا وكذا فهو كذا" وروى ابن مردويه في "تفسيره" عن أبي الربيع، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ لما نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] قال سعد بن عبادة: يا رسول الله، إن أنا رأيت لكاعِ قد تفخذها رجل فلا أجمع الأربعة حتى يقضي حاجته، فابتلي ابن عمه هلال بن أمية، الحديث. ثم ساق بإسناده عن عطاء وعكرمة، عن عبد الله أن النبي ﷺ فرق بين هلال بن أمية وبين امرأته بعد الملاعنة. ومن حديث عاصم بن حبيب، عن ابن عباس: أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقذف امرأته فقال: "ألك بينة؟ " فقال: لا. فنزلت آية الملاعنة. قال ابن أبي صفرة: ومما يدلس على أنها قصة واحدة توقف الشارع فيها حتى نزلت الآية، ولو كانت متعددة لم يتوقف عن الحكم فيها، ولحكم في الثانية بما أُنزل في الأولى. وقد أسلفنا قرب نزولها، وكذا قال الخطيب الحافظ: إسناد كل من القصتين صحيح، ولعلهما اتفق كونهما كانا معًا في وقت واحد، أو في مقامين، فنزلت الآية في تلك الحال، لا سيما وفي حديث عويمر فكره رسول الله ﷺ المسائل، يدل على أنه كان سبق بالمسألة مع ما روي في حديث جابر أنه قال: ما نزلت آية اللعان إلا لكثرة السؤال. وتبع ابن التين ابن أبي صفرة والطبري وقال: إنه الصحيح ونقله الماوردي في "حاويه" عن الأكثرين، وأن قصته أسبق من قصة عويمر.

стр. 15259

وقال ابن الصباغ أيضًا في "شامله": قصة هلال تُبين أن الآية نزلت فيه أولاً، وقوله لعويمر: "قد أنزل فيك وفي صاحبتك" يعني: ما نزل في قصة هلال؛ لأن ذلك حكم عام لجميع الناس. قال ابن أبي صفرة: وقد روى ابن القاسم، عن ابن عباس أن العجلاني قذف امرأته كما روى ابن عمر، وسهل بن سعد. وأظنه غلط من هشام بن حسان، وقد سلف ما فيه. وفي مسلم من حديث الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن ابن عباس قال: ذكر التلاعن عند رسول الله ﷺ فقال عاصم بن عدي في ذلك قولًا ثم انصرف، فأتاه رجل يشكو إليه أنه وجد مع امرأته رجلاً (١). الحديث. فهذِه الرواية الصحيحة عن ابن عباس ليس فيها معارضة لما رواه هشام، عن عكرمة، عن ابن عباس أن هلالًا قذف امرأته بشريك؛ لأنه روى القصتين جميعًا، فروى لعكرمه قصة هلال أنه قذف امرأته بشريك. وروى القاسم بن محمد قصة عاصم ولم يعين فيها المقذوف، ويتأيد حديث هشام بما أسلفناه. وروى الشافعي عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن المسيب وعبيد الله بن عبد الله أن النبي ﷺ قال "إن جاءت به أشقر" (٢). وفي رواية "أمعر سبطًا فهو لزوجها، وإن جاءت به أدعج جعدًا فهو للذي يتهمه" قال: فجاءت به أدعج (٣).

стр. 15260

فصل: قال الشافعي: في حديث ابن أبي ذئب دليل على أن سهل بن سعد قال: فكانت سنة المتلاعنين. وفي حديث مالك وإبراهيم بن سعد كأنه قول ابن شهاب، وقد يكون هذا غير مختلف، يقوله مرة ابن شهاب ولا يذكر سهلاً، ويقوله مرة أخرى ويذكر سهلا (١). وروى ابن إسحاق وتفرد به عن ابن شهاب فيما ذكره الدارقطني عن سهل: لاعن رسول الله ﷺ بينهما بعد العصر، فلما تلاعنا قال: يا رسول الله ظلمتها إن أمسكتها فهي الطلاق، فهي الطلاق، فهي الطلاق. وعند مسلم: فلما فرغا طلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ . وفي لفظ: فقال ﵇: "ذاكم التفريق بين كل متلاعنين" (٢)، وللدارقطني بإسناد جيد ففرق النبي ﷺ بينهما وقال: "لا يجتمعان أبدًا" (٣). وقال أبو داود عن سهل: مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدًا (٤). وفي لفظ قال- ﵇ -لعاصم: "أمسك المرأة عندك حتى تلد" (٥). ولأبي داود من حديث ابن عباس في قصة هلال: ففرق ﵇ بينهما وقضى ألا يدعى ولدها لأب ولا يُرمى ولا تُرمى، ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد، وقضى أن لا بيت لها عليه ولا قوت؛ لأنهما يفترقان

стр. 15261

من غير طلاق، ولا متوفى عنها، وقال: "إن جاءت به أصيهب أريضخ أُثيبج (١) حمش الساقين فهو لهلال، وإن جاءت به أورق جعدًا جماليًّا خدلج الساقين سابغ الأليتين فهو للذي رماها به". قال عكرمة: فكان ولدها بعد ذلك أميرًا على مصر ولا يدعى لأب (٢). قلت: ذكر ابن سعد أن المولود عاش سنتين ثم مات، وعاشت أمه بعده يسيرًا، ولم يذكره الكندي وغيره في أمراء مصر فليتأمل (٣). قال أبو عبد الله -فيما رواه الخلال- عن سفيان بن عيينة في قلة ما روى عن الزهري: أخطأ في نحو (من) (٤) أحد عشر حديثًا منها حديث المتلاعنين، يقول سفيان في حديث الزهري: ففرق بينهما، وإنما قال الزهري: هي الطلاق، إن أمسكتها فقد كذبت عليها. وصحح الترمذي من حديث مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه- ﵇ لاعن بين رجل وامرأته وألحق الولد بأمه (٥). وقال أبو داود: قال أبو عبد الله: روى مالك عن نافع أشياء لم يروها غيره منها أن عمر ألحق ولد الملاعنة بأمه. وقال الداودي عن يحيى في اللعان وألحق الولد بأمه: ليس يقول

стр. 15262

هذا إلا مالك. وعند مسلم عن ابن مسعود قال: فذهبت المرأة تلتعن، فقال لها ﵇: "مه" فأبت فَلَعَنت (١). فصل: روى الواقدي عن الضحاك بن عثمان، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب في حضوره ﵇ حين لاعن بين عويمر وامرأته، وأنكر حملها الذي في بطنها، وقال: من ابن السحماء. وللنسائي بإسناد جيد عن ابن عباس أنه ﵇ أمر رجلاً حين أمر المتلاعنين أن يضع يده عند الخامسة على فيه، وقال "إنها موجبة" (٢). وأوضحه مقاتل في "تفسيره" وساقه أحسن سياق، وسمى المرأة، لما قرأ ﵇ على المنبر يوم الجمعة هاتين الآيتين يعني: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤]، قال عاصم بن عدي: يا رسول الله لو أن رجلاً منا وجد على بطن امرأته رجلاً فيتكلم يجلد ثمانين، ولا تقبل له شهادة في المسلمين ويسمى فاسقًا (فكيف) (٣) لأحدنا عند ذلك بأربعة شهداء، إلى أن يلتمس أحدنا أربعة شهداء فرغ الرجل من حاجته، فأنزل الله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] الآيات الثلاث، فابتلى الله عاصمًا بذلك يوم الجمعة الأخرى؛ أتاه ابن عمه عويمر وتحته ابنة عمه أخي أبيه خولة بنت قيس فرماها بابن عمه شريك، وكلهم من بني عمرو بن عوف، وكلهم بنو عم، (فجاء) (٤) عاصم رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله: أرأيت سؤالي

стр. 15263

عن هذِه الآية، قد ابتليت بها في أهل بيتي، فأرسل ﵇ إلى الزوج والخليل والمرأة، فقال لعويمر: "اتق الله في حليلتك وابنة عمك". فقال: أقسم بالله أني رأيته معها على بطنها وإنها لحبلى منه، وما قربتها منذ أربعة أشهر، فقال ﵇ لخولة بنت قيس: "ويحك ما يقول زوجك؟ " فقالت: أحلف بالله لكاذب ولكنه غار، ولقد رآني معه نطيل السَّمَرَ بالليل والجلوسَ بالنهار فما رأيت ذلك في وجهه ولا نهاني عنه قط، فقال ﵇ للخليل: "ويحك ما يقول ابن عمك؟ " فحداه بمثل قولها؛ فقال للزوج والمرأة: "قوما" وأحلفهما. فقام الزوج عند المنبر في دبر صلاة العصر يوم الجمعة فقال: أشهد بالله أن فلانة -يعني: خولة- زانية، ولقد رأيت شريكًا على بطنها، وإني لمن الصادقين. ثم قال: أشهد أن فلانة زانية، هاني لمن الصادقين، ثم قال: أشهد بالله أن خولة زانية وإنها لحبلى من غيري، وإني لمن الصادقين. ثم قال: أشهد بالله أن خولة زانية وما قربتها من منذ أربعة أشهر، وإني لمن الصادقين. ثم قال: لعنة الله على عويمر إن كان من الكاذبين عليها في قوله. وقامت خولة بنت قيس مقام زوجها فقالت: إني أشهد بالله ما أنا بزانية، وإن زوجي لمن الكاذبين. ثم قالت: أشهد بالله ما أنا بزانية، وما رأى شريكًا على بطني، وإن زوجي لمن الكاذبين. ثم قالت: أشهد بالله ما أنا بزانية وأن الحبل لمنه، هانه لمن الكاذبين. ثم قالت: أشهد بالله ما أنا بزانية وما رأى عليَّ زوجي من ريبة ولا فاحشة، وإنه لمن الكاذبين.

стр. 15264

ثم قالت: غضب الله على خولة إن كان عويمر من الصادقين في قوله. ففرق النبي ﷺ بينهما، وكان الخليل رجلاً أسود ابن حبشية، وقال ﵇: "إذا ولدت فلا ترضع ولدها حتى تأتوني به" فأتوه بولدها فإذا هو أشبه الناس بالخليل. فقال: "لولا ما قد مضى لكان لي ولها أمر". قال مقاتل: إن صدقت المرأة زوجها لم يلاعنها، وإن كان زوجها جامعها رجمت ويرثها زوجها، وإن كان لم يجامعها جُلدت مائة جلدة، وهي امرأته، وإن رجع الزوج عن قوله قبل أن يفرغا من الملاعنة جلد ثمانين جلدة وكانت امرأته كما هي. فائدة: خولة هذِه قد صرح مقاتل بأنها الملاعنة، وسماهابنت قيس، وأما ابن منده وأبو نعيم فقالا: إن (الذي) (١) لاعنها هلالٌ خولةُ بنت عاصم (٢)، وخولةُ بنت قيس لم أجد أحدًا ممن ألف في الصحابة ولا المبهمات ذكرها. فصل: في "المستدرك" على شرط البخاري من حديث ابن عباس ﵄ كان شريك أخا البراء بن مالك -أخي أنس بن مالك- لأمه، وكانت أمهما أمةً سوداء، كان شريك يأوي إلى منزل هلال بن أمية ويكون عنده (٣).

стр. 15265

فصل: في "تفسير ابن مردويه" من حديث ابن إسحاق، عن العباس بن سهل، عن أبيه: لما تلاعنا قال ﵇ لعاصم: "اقبضها حتى تلد، فإن جاءت به أحيمر مثل النبقة فهو الذي انتفى منه، وإن تلده قطيط الشعر أسود اللسان فهو الذي رميت به". قال عاصم: فلما ولدته أتت به، والله لكأن رأسه فروة جمل أسود، فأخذت بفقميه فاستقبلني لسانه مثل التمرة السوداء، فقلت: صدق الله ورسوله. وفي حديث أنس: "إن جاءت به آدم جعدًا حمش الساقين فهو لشريك، وإن جاءت به أبيض قصير العرنين سبط الشعر فهو لهلال". وفي حديث محمد بن علقمة، عن الهيثم بن حميد، عن ثور بن يزيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رجلاً من بني زريق قذف امرأته، فأتى النبي ﷺ ، فرد ذلك على رسول الله ﷺ أربع مرات، فأنزل الله آية الملاعنة، فقال ﵇: "أين السائل، فقد نزل فيك من الله أمر عظيم؟ " فأبى الرجل إلا أن يلاعنها، وأبت هي إلا أن تدرأ عن نفسها العذاب، فتلاعنا، فقال ﵇: "إن جاءت به أصفر أخنس (منسول) (١) العظام فهو للملاعن، وإن جاءت به أسود كلالجمل الأورق فهو لغيره". فجاءت به أورق، فدعا به ﵇ فجعله لعصبة أمه (٢).
следующие страницы →