فلها أن تسكن في عدتها كما مر. وإن كان لم يقدمه وأخرجها رب الدار، لم يكن لها سكنى في مال الزوج، هذا قول مالك، وعلى قول الكوفيين والشافعي أنه لا سكنى للمتوفى عنها في مال زوجها إن لم يخلف مسكنًا؛ لأن المال صار للورثة، حاملًا كانت أو غير حامل، ولا نفقة لها. وأوجب مالك لها السكنى إن كانت حاملًا من مال الميت ونفقتها من مالها؛ لقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ الآية وكان الواجب على ظاهر الآية أن تتربص المتوفى عنها زوجها هذِه المدة، تفعل فيها ما كانت تفعل قبل وفاته، فلما ثبت عن الشارع أنه قال: "لا يحل لامرأة" الحديث في الإحداد وجب اتباعه؛ لتفسيره لما أجمل في الآية (١).
ثالثها:
حديث أبي حازم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كَسْبِ الإِمَاءِ.
وهذا سلف في الإجارة، والأولان في البيوع، والأول سلف في الإجارة أيضًا. والتعليق أسنده ابن أبي شيبة، عن عبد الأعلى، عن سعيد، عن مطر، عنه باللفظ الثاني قال: وحَدَّثنَا هشيم عن يونس عنه باللفظ [الأول] (١) قال: وعن حماد مثله وعن إبراهيم: لها الصداق، وفي رواية: بطل النكاح، وإن دخل بها فلها الصداق، وإن لم يكن دخل بها فرق بينهما ولا صداق. وقال الحكم وحماد: لها الصداق كاملًا. وقال طاوس: ليس لها الصداق كله، لها بعضه (٢).
وقوله: (محرمة). ضبط الدمياطي بضم الميم وكسر الراء. وقال ابن التين: قوله: محرمة، يريد: ذات محرم. قال: وهو بفتح الميم، كذا ضبطه.
وقوله: (لها صداقها). هو الصحيح، وهو قول مالك المشهور؛ لأن الفاسد إذا كان في العقد قضى بالمسمى وإن كان في الصداق قضى بصداق المثل. وعن مالك في نكاح الخيار يقضي بصداق المثل (٣)، وهذا فساده في عقده، فعلى هذا يكون في هذِه المسألة تمضي بصداق المثل.
والنهي عن ثمن الكلب. يشمل كل كلب، وقال ابن التين: هو ضربان: كلاب الدور، والحرث والماشية، فالأول لا يحل اتخاذها؛ لأنها تروع الناس وتؤذيهم فثمنها حرام.
стр. 15404
واختلف في بيع كلب الصيد والماشية وفي أخذ قيمته إن قتل. وحلوان الكاهن: هو ما يعطى على الكهانة، يقال حلوته: أي أعطيته حلوان، والحلوان: الرشوة. وقيل: أصله من الحلاوة شبه بالشيء الحلو. ويقال: حلوت فلانًا إذا أطعمته الحلوى كما يقال: عسلته وتمرته.
ومهر البغي: ثمن الزنا، والبغي: بفتح الباء وكسر الغين وتشديد الياء، واحتج به من قال: لا صداق لكُرهِهِ على الزنا، قال الداودي: وليس كذلك؛ لأنه ﵇ نهى عن قتل النفس بغير الحق، وأجمعوا أن من قتل عبدًا فعليه قيمته، ومن قتل حرًّا فعليه ديته- إن اصطلحوا عليها وفي الخطأ.
وجمع بين ثمن الكلب وهو مكروه، وبين مهر البغي وحلوان الكاهن وهما حرام؛ لأن الجمع بينهما لا يوجب المساواة في الحكم لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] فالعدل واجب فعله والإحسان مندوب إليه، وقام الإجماع على حرمة مهر البغي، ولا يلحق فيه نسب.
وأما النكاح الفاسد فإما في العقد وإما في الصداق، فما فسد في العقد لا ينعقد عند أكثر الأمة، ومنه ما ينعقد عند بعضهم، فما فسخ قبل البناء مما فسد لعقدٍ، فلا صداق فيه ويرد ما أخذت، وما فسخ بعده ففيه المسمى، وما فسد لصداقه كالبيع في فساد ثمنه أنه يفسخ قبل الدخول ويمضي إذا فات بالدخول، ويرد إلى قيمته.
وآخر قول ابن القاسم أن كل ما نص الله ورسوله على تحريمه ولا يُختلف فيه، فإنه يفسخ بغير طلاق وإن طلق فيه لا يلزم ولا يتوارثان كمتزوج الخامسة، وأختًا من الرضاعة، والمرأة على
стр. 15405
عمتها وخالتها، ومن تزوج بامرأة فلم يبن حتى تزوج ابنتها، أو نكح في العدة، قال: وكل ما اختلف الناس في إجازته أو فسخه فالفسخ فيه بطلاق وتقع فيه الموارثة والطلاق والخلع بما أخذ، ما لم يفسخ، كالمرأة تزوج نفسها أو تنكح بغير ولي أو أمة بغير إذن السيد أو بغرر في صداق، إذ لو قضى به قاضٍ لم أَنقْضه. وكذلك نكاح المحرم والشغار للاختلاف فيها.
وأما من تزوج محرمة وهما لا يعلمان التحريم يفرق بينهما فلا حد عليهما، واختلف العلماء في صداقها على قولين بحسب اختلاف قول الحسن البصري، فقوله: لها ما أخذت. يعني: صداقها المسمى. وقوله بعد ذلك: (لها صداقها). يريد: صداق مثلها، وسائر الفقهاء على هذين القولين، طائفة تقول بصداق المثل، وأخرى تقول المسمى. قلت: وقد أسلفنا قول من قال: لها بعض الصداق.
وأما من تزوج محرمة وهو عالم بالتحريم، فقال مالك وأبو يوسف ومحمد (١) والشافعي: عليه الحد ولا صداق في ذلك. وقال الثوري وأبو حنيفة: لا حد عليه، وإن علم عذر (٢). قال أبو حنيفة: ولا يبلغ به أربعين.
وفرق ابن القاسم بين الشراء والنكاح فأوجب في نكاحه محرمة إذا علم تحريمها الحد، ولا حد عليه إذا اشتراها ووطئها وهو عالم بتحريمها، وسائر الفقهاء غير الكوفيين لا يفرقون بين النكاح والملك في ذلك ويوجبون (الحد) (٣) في كلا الوجهين. وحجة أبي حنيفة أن
стр. 15406
العقد شبهة وإن كان فاسدًا كما لو وطئ جارية بينه وبين شريكه. فالوطء محرم باتفاق، ولا حد عليه للشبهة.
وكذلك الأنكحة الفاسدة كنكاح المتعة وبلا ولي ولا شهود ووطء الحاىض والمعتكفة والمحرمة، وهذا كله وطء محرم لا حد فيه، وحجة مالك قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ الآية [النساء: ١٥] وهذِه فاحشة، وقد بين ﵇ السبيل ما هي بالرجم، وقام الإجماع على أن العقد على أمه وأخته لا يجوز فلا شبهة، وإنما هو زان [قاصد إلى الزنا] (١) وإسقاط الحد عن نفسه بالنكاح.
стр. 15407
٥٢ - باب الْمَهْرِ لِلْمَدْخُولِ عَلَيْهَا، وَكَيْفَ الدُّخُولُ، أَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَالْمَسِيسِ
٥٣٤٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عُمَرَ: رَجُلٌ قَذَفَ امْرَأَتَهُ، فَقَالَ: فَرَّقَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي الْعَجْلَانِ وَقَالَ: «اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟». فَأَبَيَا، فَقَالَ: «اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟». فَأَبَيَا، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا. قَالَ أَيُّوبُ: فَقَالَ لِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: فِي الْحَدِيثِ شَيْءٌ لَا أَرَاكَ تُحَدِّثُهُ قَالَ: قَالَ الرَّجُلُ: مَالِي؟ قَالَ: «لَا مَالَ لَكَ، إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَقَدْ دَخَلْتَ بِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَهْوَ أَبْعَدُ مِنْكَ». [انظر: ٥٣١١ - مسلم: ١٤٩٣ - فتح ٩/ ٤٩٥].
زاد ابن بطال في أوله: إرخاء الستور (١).
ساق حديث سعيد بن جُبَيْرٍ: قُلْتُ لاِبْنِ عُمَرَ: رَجُلٌ قَذَفَ امْرَأَتَهُ، فَقَالَ: فَرَّقَ النبي ﷺ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي العَجْلَانِ وَقَالَ: "اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ ". فَأَبَيَا، فَقَالَ: "اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ ". فَأَبَيَا، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا. قَالَ أَيُّوبُ: فَقَالَ لِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: فِي الحَدِيثِ شَيْءٌ لَا أَرَاكَ تُحَدِّثُهُ، قَالَ: قَالَ الرَّجُلُ: مَالِي؟ قَالَ: "لَا مَالَ لَكَ، إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَقَدْ دَخَلْتَ بِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَهْوَ أَبْعَدُ مِنْكَ".
سلف في اللعان، وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي (٢)، وهو ظاهر أن المهر يجب بالدخول، وهو دخول الحشفة بالقبل. وقوله في الترجمة: (وكيف الدخول، أو طلقها قبل الدخول). تقديره: أو كيف
стр. 15408
طلاقها، فاكتفى بذكر القعل عن ذكر المصدر؛ لدلالته عليه، كقوله تعالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿تُؤمِنُونَ بِاَللَهِ﴾ [الصف: ١٠] [فأقام تؤمنون] (١) وهو فعل مقام الإيمان، وهو مصدر.
وقال أبو حنيفة، يجب بمجرد الخلوة، بينه قوله: "بما استحللتم من فرجها" لكنه حجة عليه.
واختلفوا في الوطء في الدبر، وإذا أذهب العذرة بالإصبع، فقال ابن القاسم: يكمل لها الصداق؛ لأنه فعله على وجه الافتضاض. وقال أصبغ: عليه ما شانها (٢). وعندنا إن أزالها مستحقها لا شيء عليه أو غيره فالحكومة
واختلف في المجبوب والحصور وشبههما، فقال المغيرة: إذا طالت المدة استحقت الصداق. وقيل: كمل لها وإن لم تطل؛ بدليل قول عمر ﵁: ما ذنبهن إن جاء العجز من قبلكم (٣).
واختلف في المعوض على ثلاثة أقوال: فقال مالك: إذا طال مكثه لها الصداق. وأباه غيره (٤)، وقال بعضهم: إذا أغلق عليها فقد وجب لها الصداق. كقول أبي حنيفة.
والحاصل أن العلماء اختلفوا في الدخول وبما يثبت.
فقالت طائفة: إذا أغلق بابًا أو أرخى سترًا على المرأة فقد وجب الصداق والعدة.
стр. 15409
روي ذلك عن عمر وعلي وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وابن عمر (١)، وهو قول الكوفيين والثوري والليث والأوزاعي وأحمد (٢). حجتهم حديث الباب: "إن كنت صادقًا فقد دخلت بها".
فجعل الدخول بها دليلًا على الجماع، وإن كان قد لا يقع مع الدخول، لكن حمله على ما يقع في الأكثر وهو الجماع؛ لما ركب الله سبحانه في نفوس عباده من شهوة النساء.
قال الكوفيون: الخلوة الصحيحة يجب معها المهر كله بعد الطلاق، وطيء وإن لم يطأ، ادعته أو لم تدعه، إلا أن يكون أحدهما محرمًا أو مريضا أو صائمًا أو كانت حائضًا، فإن كانت الخلوة في مثل هذِه الحال ثم طلق لم يجب إلا نصف المهر، وعليها العدة عندهم في جميع هذِه الوجوه (٣).
وقالت طائفة: لا يجب المهر إلا بالمسيس، روي ذلك عن ابن مسعود وابن عباس (٤)، وبه قال شريح والشعبي وابن سيرين، وإليه ذهب الشافعي وأبو ثور (٥)، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُن﴾ الآية [البقرة: ٢٣٧]، وقال تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩] فأخبر تعالى أنها تستحق بالطلاق
стр. 15410
قبل المسيس نصف ما فرضه لها، وأوجب العدة بالمسيس ولا تعرف الخلوة دون وطء مسيسًا ومن حجة هذا القول رواية من روى هذا الحديث: "إن كنت صدقت عليها فبما استحللت من فرجها" وقد سبق في اللعان، ويأتي بعد.
وفيها قول ثالث: قال سعيد بن المسيب إذا دخل بالمرأة بيتها صدق عليها، وإن دخلت عليه في بيته صدقت. وهو قول مالك (١)، واحتج أصحابه وقالوا [تفسير] (٢) قول سعيد بن المسيب أنها تصدق عليه في بيته؛ لأن البيت في البناء بيت الرجل وعليه الإسكان، ودخولها في بيته هو دخول بناء.
ومعنى قوله: في بيتها: إذا زارها في بيتها عند أهلها أو وجدها ولم يدخل عليها دخول بناء فادعت أنه مسها وأنكر فالقول قوله؛ لأنها تدعي عليه، وهذا أصله في المتداعيين أن القول قول من شبهته قوية كاليد وشبهها (٣).
قال مالك: وإذا دخل بها وقبلها وكشفها، واتفقا أنه لم يمسها، فلها نصف الصداق إن كان قريبًا، وإن تطاول مكثه معها ثم طلقها فلها المهر كاملًا وعليها العدة أبدًا (٤). وروى ابن وهب عنه أنه رجع عن قوله في "الموطأ" (٥) وقال: إذا خلا بها حيث كان فالقول قولها (٦).
стр. 15411
وذكر ابن القصار عن الشافعي أنه إذا دخل بها فقال: لم أطأ. وقالت: وطئني. فالقول قول الزوج؛ لأن الخلوة غير المسيس الذي يوجب المهر.
وروى ابن علية عن عوف عن زرارة بن أوفى قال: قضى الخلفاء الراشدون المهديون: من أغلق بابًا وأرخى سترًا فقد وجبت العدة والمهر (١). وبهذا احتج الكوفيون بأنه معلوم أنه لا يرخى الستر غالبًا إلا للوطء؛ فهي دلالة عليه.
стр. 15412
٥٣ - باب الْمُتْعَةِ لِلَّتِي لَمْ يُفْرَضْ لَهَا
لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٦ - ٢٣٧] وَقَوْلِهِ ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١]، وَلَمْ يَذْكُرِ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْمُلَاعَنَةِ مُتْعَةً حِينَ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا.
٥٣٥٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ: «حِسَابُكُمَا عَلَى اللهِ، أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ، لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا». قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَالِي؟ قَالَ: «لَا مَالَ لَكَ، إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا، فَهْوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا، فَذَاكَ أَبْعَدُ وَأَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا». [انظر: ٥٣١١ - مسلم: ١٤٩٣ - فتح ٩/ ٤٩٦].
ثم ساق حديث ابن عمر ﵄ السالف.
اختلف العلماء في المتعة، فقالت طائفة: هي واجبة للمطلقة التي لم يدخل بها ولم يسم لها صداقًا، وروي ذلك عن ابن عباس وابن عمر، وهو قول عطاء والشعبي والنخعي والزهري (١)، وبه قال الكوفيون، ولا يجمع مهر مع المتعة (٢).
قال ابن عبد البر: وبه قال شريح وعبد الله بن معقل أيضًا (٣). قال الحنفيون: فإن دخل بها ثم طلقها فإنه يمتعها ولا يجبر عليها هنا، وهو قول الثوري، وابن حي، والأوزاعي، قال: فإن كان أحد الزوجين مملوكًا لم تجب، وإن طلقها قبل الدخول ولم يسم لها مهرًا (٤).
стр. 15413
قال أبو عمر: وقد روي عن الشافعي مثل قول أبي حنيفة بعد ذلك.
وقالت طائفة: لكل مطلقة متعة، مدخولًا بها كانت أو غير مدخول بها، إذا وقع الفراق من قبله أولم يتم إلا به، إلا للتي سمى لها وطلقها قبل الدخول، فكذلك امرأة العنين، وهو قول الشافعي وأبي ثور. وروي عن علي، لكل مطلقة متعة. ومثله عن الحسن وسعيد بن جبير وأبي قلابة وطائفة، حجتهم عموم ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١] ولم يخص (١).
وقالت طائفة: المتعة ليست بواجبة في موضع من المواضع. وهو قول ابن أبي ليلى وربيعة، وهو قول مالك والليث وابن أبي سلمة، وحجة الشافعي ما رواه مالك عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أنه قال: لكل مطلقة متعة إلا التي فرض لها مهر وقد طلقت ولم يدخل بها فحسبها نصف المهر (٢).
قال الشافعي: وأحسب ابن عمر استدل بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧] فاستدل بالقرآن على أنها مخرجة من جميع المطلقات، ولعله رأى أنه إنما أريد أن تكون المطلقة تأخذ بما استمتع به زوجها منها عند طلاقه شيئًا. فلما كانت المدخول بها تأخذ شيئًا وغير المدخول بها تأخذ أيضًا إذا لم يفرض لها وكانت التي لم يدخل بها وقد فرض لها تأخذ بحكم الله نصف المهر، وهو أكثر من المتعة ولم يستمتع منها بشيء، فلم تجب لها متعة (٣).
стр. 15414
حجة أهل الكوفة ما ذكره أبو عبيد: إنا وجدنا النساء في المتعة على ثلاثة ضروب، فكانت الآية التي فيها ذكر المتعين لصنفين منهم، وهن المطلقات بعد الدخول إن كان فرض لهن صداق أو لم يفرض، والمطلقات قبل الدخول مع تسمية صدقاتهن فلأولئك المهور كوامل بالمسيس ولهؤلاء الشطور منها بالتسمية، فلما صار هذان الحقان واجبين، كانت المتعة حينئذٍ تقوى من الله تعالى غير واجبة، ووجدنا الآية فيها ذكر الموسع والمقتر هي للصنف الثالث وهن المطلقات من غير دخول بهن ولا فرض لهن، وذلك قوله ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٦]، فصارت المتعة لهن حتما واجبًا، ولولا هذِه المتعة لصار عقد النكاح إذًا يذهب باطلاً من أجل أنهن لم يمسسن فيستحققن الصدقات، ولم يفرض لهن فيستحققن أيضًا فيها، فلا بد من المتعة على كل حال.
واحتج من لم يوجبها أصلاً فقال: قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ وإن كان ظاهره الوجوب، فقد قرن به ما يدل على الاستحباب، وذلك أنه تعالى قرن بين المعسر والموسر، والواجبات في النكاح ضربان: إما أن يكون على حسب حال المنكوحات، كالصداق الذي يرجع فيه إلى صداق مثلها أو يكون على حسب حالهما جميعًا كالنفقات، والمتعة خارجة من هذين المعنيين؛ لأنه اعتبر فيها حالة الرجل وحده بأن يكون على الموسر أكثر مما على المعسر.
وأيضًا فإن المتعة لو كانت فرضًا كانت مقدرة معلومة كسائر الفراىض في الأموال، ولم نَرَ فرضًا واجبًا في المال غير معلوم، فلما لم تكن كذلك خرجت عن حد الفرض إلى الندب والإرشاد والإخبار وصارت كالصلة والهدية.
стр. 15415
وأيضًا فإن الله تعالى لما علقها بقوم دل على أنها غير واجبة؛ لأن الواجبات ما لزمت الناس عمومًا كالصلاة والصيام والحج والزكاة، فلما قال تعالى ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] و ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١] سقط وجوبها عن غيرهم، وكذلك تأول شريح فقال لرجل: متع إن كنت محسنًا متع إن كنت متقيًا. وعنه هي واجبة في قوله ﴿عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، وندب في ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]
قال أبو عمر: هذا التفسير احتج به أصحابه له، ويجاب عنه بأنه ليس في ترك تحديدها ما يسقط وجوبها، كنفقات البنين والزوجات.
قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ولم نجد شيئًا مقدرًا فيما أوجب من ذلك، وقال: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ الآية [الطلاق: ٧]، كما قال في الآية الأخرى: ﴿على الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]. وقال ﵇ لهند: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (١). ولم يقدر.
قال ابن عبد البر: لم يختلف العلماء أن المتعة المذكورة في القرآن غير مقدرة ولا محدودة ولا معلوم مبلغها ولا يوجَب قدرها، بل هي كما قال تعالى: ﴿على الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ وإنما اختلفوا في وجوبها:
فروى مالك أنه بلغه أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأة ومتعها بوليدة (٢)، وكان ابن سيرين يُمَّتعُ بالخادم أو النفقة أو الكسوة، ومتع الحسن بن علي زوجته بعشرة آلاف فقالت: متاعٌ قليلٌ من حبيبٍ
стр. 15416
مفارقٍ. ومتع شريح بخمسمائة درهم، والأسود بن يزيد بثلاثمائة، وعروة بخادم، وقال قتادة: المتعة جلباب ودرع وخمار (١). وإليه ذهب أبو حنيفة وقال: هذا لكل حرة أو أمة وكتابية إذا وقع الطلاق من جهته. وقال الزهري: بلغني أن المطلق كان يمتع بالخادم والحلة أو النفقة. وعن ابن عمر ﵁ ثلاثون درهمًا (٢)، وفي رواية أنه متع بوليدة (٣).
فصل:
وقول البخاري: (ولم يذكر النبي ﷺ للملاعنة متعة حين طلقها زوجها) حجة لمن قال: لكل مطلقة متعة، والملاعنة غير داخلة في جملة المطلقات، فلا متعة لها عند مالك والشافعي. قال ابن القاسم: لا متعة في كل نكاح مفسوخ.
والملاعنة عندهم كالفسخ؛ لأنهما لا يقران على النكاح فأشبه الردة، وكل فرقة من قبل المرأة قبل البناء وبعده فلا متعة فيها، وأوجب الشافعي للمختلعة والمبارية متعة. وقال أصحاب مالك: كيف يكون للمفتدية متعة، وهي تعطي؟ فكيف تأخذ متاعًا؟
فصل:
قال ابن المنذر: وقوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٦] دليل على إباحة نكاح المرأة ولا يفرض لها صداقًا ثم يفرض لها إن مات أو دخل عليها مهر مثلها.
стр. 15417
واختلفوا إن مات ولم يفرض لها: فقالت طائفة: لها مهر مثلها ولها الميراث وعليها العدة.
روي هذا عن ابن مسعود، وبه قال اين أبي ليلى والثوري والكوفيون وأحمد وإسحاق وأبو ثور.
وقالت طائفة: لها الميراث، وعليها العدة، ولا مهر لها. روي هذا عن علي وزيد بن ثابت وابن عباس وابن عمر، وبه قال مالك والأوزاعي، وللشافعي قولان، أظهرهما الأول.
واستحب مالك ألا يدخل عليها حتى يقدم لها شيئًا أقله ربع دينار (١).
وفي السنن الأربعة من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ في رجل تزوج امرأة فمات عنها ولم يدخل بها ولم يفرض لها صداقًا فقال: لها الصداق كاملًا وعليها العدة ولها الميراث (٢).
قال معقل بن سنان: سمعت رسول الله ﷺ قضى به في بروع بنت واشق.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وصححه أيضًا ابن حبان والحاكم والبيهقي وابن حزم وغيرهم (٣).
فائدة:
في البيهقي أنه ﵇ أمر زوج فاطمة بنت قيس أن يمتعها، وفي إسناده ابن عقيل، وهو دال لأظهر القولين في وجوبها للمدخول بها.
стр. 15418
فصل:
قول البخاري: (التي لم يفرض لها). قال ابن التين: يريد من فرض لها حسبها نصف صداقها. قال: وهذا قول ابن عمر وابن المسيب ومالك.
قال: ومعنى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] أي: مع المتعة، ثم نقل عن سعيد بن جبير والضحاك ومجاهد في المطلقة قبل الدخول ولا فرض: هي لها واجبة.
اللهِ، أَوِ الْقَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ». [٦٠٠٦، ٦٠٠٧ - مسلم: ٢٩٨٢ - فتح: ٩/ ٤٩٧]
٥٣٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدٍ ﵁ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُنِي وَأَنَا مَرِيضٌ بِمَكَّةَ، فَقُلْتُ: لِي مَالٌ، أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: «لَا». قُلْتُ: فَالشَّطْرُ؟ قَالَ: «لَا». قُلْتُ: فَالثُّلُثُ؟ قَالَ: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً، يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَهْمَا أَنْفَقْتَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ حَتَّى اللُّقْمَةَ تَرْفَعُهَا فِي فِي امْرَأَتِكَ، وَلَعَلَّ اللهَ يَرْفَعُكَ، يَنْتَفِعُ بِكَ نَاسٌ وَيُضَرُّ بِكَ آخَرُونَ». [انظر: ٥٦ - مسلم: ١٦٢٨ - فتح: ٩/ ٤٩٧].
الشرح:
النفقات: جمع نفقة، من الإنفاق، وهو الإخراج. واختلف السلف في تأويل هذِه الآية، فروي عن أكثر السلف، كما قاله ابن بطال أن المراد بذلك صدقة التطوع، روي ذَلِكَ عن القاسم وسالم، وقالا: العفو: فضل المال، ما تصدق به عن ظهر غنى.
وقال الحسن: لا تنفق حَتَّى تجهد مالك، فتبقى تسأل الناس. وفي البخاري عنه: أنه الفضل (١). قال ابن التين: يريد ما سهل، ومنه: "أفضل الصدقة ما تصدق به عن ظهر غنى".
وقال مجاهد: هو الصدقة المفروضة (٢)، وهو غير ممتنع. كما قاله إسماعيل؛ لأن الذي يؤخذ في الزكاة قليل من كثير؛ ولأن ظاهر التفسير ومقصد الكلام يدل أنه في غير الزكاة (٣).
قال ابن التين: والأول أبين. يعني قول الحسن.
стр. 15421
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٩، ٢٢٠]، أي: تتفكرون فتعرفون فضل الآخرة على الدنيا. وقيل: هو على التقديم والتأخير، أي: كذلك يبين الله لكم الآيات في الدنيا والآخرة لعلكم تتفكرون، قال بعضهم: كل إنفاق في القرآن هو صدقة.
وقال الزجاج: أمر الناس أن ينفقوا الفَضْلَ إلى أن فُرِضت الزكاة، فكان أهل المكاسب يأخذ الرجل من كسبه كل يوم ما يكفيه ويتصدق بباقيه، ويأخذ أهل الذهب والفضة ما ينفقدنه في عامهم وينفقون باقيه. روي هذا في التفسير.
وذكر البخاري -كما حكاه عنه ابن بطال- أن الآية عامة في النفقة على الأهل وغيرهم؛ لأن الرجل لا تلزمه النفقة على أهله إلا بعد ما يُعيّش به نفسه، وكان ذَلِكَ عن فضل قوته.
وقد جاء في الحديث عن الشارع في أحاديث الباب -كما ستعلمها- أن نفقة الرجل على أهله صدقة، فلذلك ترجم بالآية في النفقة على الأهل (١).
ثم ساق في الباب أربعة أحاديث:
أحدها:
حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَنْفَقَ المُسْلِمُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةً وَهْوَ يَحْتَسِبُهَا، كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً".
ثانيها:
حديث أبي هريرة ﵁ أَنَّ النبي ﷺ قَالَ: "قَالَ اللهُ تعالى: أَنْفِقْ يَا ابن آدَمَ أُنْفِقْ عَلَيْكَ". وهو من أفراده.
стр. 15422
ثالثها:
حديثه أيضًا قال: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوِ كالْقَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ". أخرجه في الأدب ومسلم والأربعة (١).
رابعها: حديث سعد كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُنِي وَأَنَا مَرِيضٌ بِمَكَّةَ .. الحديث وقد سلف وفي آخره: "وَمَهْمَا أَنْفَقْتَ فَهْوَ لَكَ صَدَقَة حَتَّى اللُّقْمَةَ تَرْفَعُهَا فِي فِيّ امْرَأَتِكَ، وَلَعَلَّ اللهَ يَرْفَعُكَ، يَنْتَفِعُ بِكَ أُنَاس وَيُضَرُّ بِكَ آخَرُونَ".
وفي مسلم من حديث أبي هريرة ﵁: "دينار أعطيته مسكينًا، ودينار أعطيته في رقبة، ودينار أعطيته في سبيل الله، ودينار أنفقته على أهلك - قال: والدينار الذي أنفقته على أهلك أعظم أجرًا" (٢).
ومن حديث ثوبان ﵁: "أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله" (٣).
وفي البيهقي بإسناد جيد من حديث أنس: "إن كان الرجل يسعى على عياله يكفيهم فهو في سبيل الله تعالى" (٤).
стр. 15423
ووجه حديث أبي مسعود وسعد - وكيف يكون إطعام أهله صدقة وهو فرض عليه؟! أن الله تعالى جعل من الصدقة فرضًا وتطوعًا، ومعلوم أن أداء الفرض أفضل من التطوع، فإذا كان عند الرجل قدر قوته ولا فضل فيه عن قوت نفسه، وبه إليه حاجة، وهو خائف بإيثاره غيره به على نفسه هلاكًا كائنًا من كان غيره الذي حاجته إليه مثل حاجته، والدًا كان أو ولدًا أو زوجة أو خادمًا، فالواجب عليه أن يحيي به نفسه، وإن كان فيه فضل كان عليه صرفه إلى غيره ممن فرض الله نفقته عليه، فإن كان فيه فضل عما يحيي به نفسه ونفوسهم وحضره ممن لم يوجب الله عليه نفقة، وهو متخوف عليه الهلاك إن لم يصرف ذَلِكَ إليه، كان له صرفه إليه بثمن أو قيمة، وإن كان في سعة وكفاية لم يخف على نفسه ولا على أحد ممن يلزمه نفقته، فالواجب عليه أن يبدأ بحق من أوجب الله حقه في ماله، ثم الأمر إليه في الفضل من ماله إن شاء تطوع بالصدقة به وإنْ شاء ادّخره، وإذا كان المنفق على أهله إنما يؤدي فرضًا لله واجبًا، له فيه جزيل الأجر، فذلك -إن شاء الله- معنى قوله: " (فيما) (١) أنفقت" إلى آخره؛ لأن بفعله ذَلِكَ يؤدي فرضًا لله هو أفضل من صدقة التطوع الذي يتصدق بها على غريب منه لا حق له في ماله. نبه عليه الطبري.
الشرح:
قد سلف في العليا والسفلى أقوال، وأن أصحها: العليا: المعطية، والسفلى: السائلة، وليس كل مسئول يكون أفضل من سائل؛ فقد سأل موسى والخضر أهل قرية أن يطعموهما، وقال ﵇: "هو لها صدقة ولنا هدية".
وقوله: (هذا من كيس أبي هريرة). أي: من قوله، يعني: تقول المرأة إلى آخره. وفي رواية للنسائي: فقيل: من أعول يا رسول الله؟ قال: "امرأتك تقول: أطعمني وإلا فارقني". الحديث (١).
واحتج به من يرى الفسخ بالإعسار، وهو مالك والشافعي، خلافًا لأبي حنيفة (٢).
واختلف في الأجل في مقداره عند المالكية، هل هو شهر أو ثلاثة أيام ونحوها، إلا أن تكون تزوجته فقيرًا تعلم حاله، فلا فسخ إذًا (٣).
وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، وفي إمساكها، والحالة هذِه ضرر، ولا شك أن النفقة في مقابلة الاستمتاع، بدليل النشوز، وكما أن لها مفارقته بالإيلاء والعنة، فكذا هنا.
وقوله: ("ما كان عن ظهر غنى") قيل: المعنى: ما ساق إلى المعطى غنى، وفيه نظر، بل المراد ما لم يجحف بالمعطي، أي: ما سهل عليه، يؤيده الحديث السالف: "أفضل الصدقة ما تَرَكَ غنى".
стр. 15426
فصل:
ادعى المهلب الإجماع على أن نفقة الأهل والعيال واجبة، والحديث ظاهر فيه، وكذا قوله: "وابدأ بمن تعول" ولم يذكر إلا الصدقة، دل على أن نفقته على من يعول من أهلٍ وولدٍ محسوب له في الصدقة، وإنما أمرهم الله ببداءة الأهل، خشية أن يظنوا أن النفقة على الأهل لا أجر لهم فيها، فعرفهم أنها لهم صدقة، حَتَّى لا يخرجوها إلى غيرها إلا بعد أن يقوتوهم (١).
فصل:
وقوله: ("ابدأ بمن تعول") إنما قاله؛ لأن حق نفس المرء عليه أعظم من حق كل أحد بعد الله. إذا صح ذَلِكَ، فلا وجه لصرف ما هو مضطر إليه إلى غيره، إذا كان ليس لأحد إحياء غيره بإتلاف نفسه وأهله، وإنما له إحياء غيره بغير إهلاك نفسه وولده وأهله، إذا فرض عليه النفقة عليهم وليست النفقة على غيرهم فرضًا عليه، ولا شك أن الفرض أولى لكل أحد من إيثار التطوع عليه.
فصل:
وفيه: أن النفقة على الولد ما داموا صغارًا فرض عليه؛ لقوله (إلى من تدعني). وكذلك نفقة العبد والخادم (للمرأة) (٢) واجبة عليه قلت: وكذا يدل له "ابدأ بمن تعول" أيضًا، بل أولى في الدلالة؛ لأنه من عياله.
стр. 15427
فصل:
نفقة الزوجة ثابتة بالنصوص والإجماع، ومن النص: قوله ﵇ يوم عرفة: "لهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" (١) وقوله لهند: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (٢).
فصل:
وقام الإجماع أيضًا على أنه يجب عليه نفقة أولاده الأطفال لا مال لهم ولا كسب.
واختلفوا -كما قال ابن المنذر- في نفقة من بلغ منهم ولا مال له ولا كسب، فقالت طائفة: على الأب أن ينفق على ولد صلبه الذكور حَتَّى يحتلموا، والنساء حَتَّى يزوجهنّ ويُدخَل بهنّ، فإنْ طلقها بعد البناء أو مات عنها، فلا نفقة لها على أبيها، وإن طلقها قبل البناء فهي على نفقتها، ولا نفقة لولد الولد على الجد عند مالك (٣).
وقالت طائفة: ينفق على ولده حَتَّى يبلغ الحلم والمحيض، ثم لا نفقة عليه إلا أن (يكونوا) (٤) زمناء وسواء في ذَلِكَ الذكور والإناث؛ ما لم يكن لهم أموال، وسواء في ذَلِكَ ولده أو ولد ولده وإن سفلوا، ما لم يكن لهم أب دونه يقدر على النفقة عليهم، وهو قول الشافعي، وقال الثوري: يجبر الرجل على نفقة ولده الصغائر والرجال، غلامًا كان أو جارية، فإن كانوا كبارًا أجبر على نفقة النساء، ولا يجبر على نفقة الرجال إلا أن يكونوا زمناء وأوجب
стр. 15428
طائفة النفقة لجميع الأطفال والبالغين من الرجال والنساء إذا لم يكن لهم أموال يستغنون بها عن نفقة الوالد، على ظاهر حديث هند، ولم يستثن ولدًا بالغًا دون طفل (١).
قلت: هذِه واقعة عين لا عموم لها، والعموم في الأفعال غير لازم. وقوله: (يقول الابن: أطعمني، إلى من تدعني). يدل على أنه إنما يقول ذَلِكَ من لا طاقة له على الكسب والتحرف، ومن بلغ سن الحلم فلا يقول ذَلِكَ؛ لأنه قد بلغ حد السعي على نفسه والكسب لها؛ بدليل قوله تعالى: [حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ] الآية [النساء: ٦]، فجعل بلوغ النكاح حدًّا في ذَلِكَ.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على إسقاط النفقة على أهل اليسار منهم، سقط بذلك نفقتهم، وكل مختلف فيه فمردود إلى قول الشارع (٢).
وقال ابن حزم: يجبر على النفقة على ذوي رحمه المحرمة، إن كانوا فقراء، ولا عمل بأيديهم تقوم مؤنتهم منه، وهم الأعمام والعمّات وإن علو، والخالات والأخوال وإن علوا، وبنوا الإخوة وإن سفلوا، إلا الأبوين والأجداد والجدات والزوجات، فإنه يكلف أن يصونهم عن خسيس الكسب إن قدر على ذَلِكَ، ويباع عليه في كل ما ذكرناه ما بهْ عنه غنى من عقار وعرض وحيوان، ولا يباع من ذَلِكَ ما إنْ بِيع عليه هلك وضاع، قال: وقالت طائفة: لا يجبر أحد على نفقة أحد.
стр. 15429
وقال الشعبي: ما رأيت أحدًا أجبر أحدًا على أحد. يعني: نفقته وقالت طائفة: لا ينفق أحدٌ إلا على الوالد الأدنى، والأم التي ولدته من بطنها، ويجبر الرجل دون المرأة على النفقة على الولد الأدنى الذكر، حَتَّى يبلغ فقط، وعلى الابنة الدنيا وإن بلغت، حَتَّى يزوجها فقط، ولا تجبر الأم على نفقة ولدها وإن مات جوعًا، وهي في غاية الغنى، وليس على الولد أن ينفق على زوجة أبيه ولا على أم ولده؛ إذ لم يوجب ذَلِكَ قرآن ولا سنة، إن عليه أن يقوم بمطعم أبيه وملبسه ومؤنة خدمته فقط (١).
فصل:
اختلف في المعسر، هل يفرق بينه وبين امرأته بعدم النفقة؟ فقال مالك والليث والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: لزوجته الخيار بين أن تقيم عنده -ولا يكون لها شيء في ذمته أصلاً- وبين أن تطلب الفراق، يفرق الحاكم بينهما (٢).
قلت: عندنا أنها إذا صبرت صارت دينًا عليه.
ونقله ابن التين عن عمر وعليًّ وأبي هريرة من الصحابة، ومن التابعين سعيد بن المسيب، وقال: إن ذَلِكَ سنة.
قال ابن حزم: أما قول عمر فلا حجة لهم فيه؛ لأنه لم يخاطب بذلك إلا أغنياء قادرين على النفقة، وذلك أنه كتب إلى أمراء الأجناد: ادعو فلانًا وفلانًا أناسًا قد انقطعوا عن المدينة ورحلوا
стр. 15430
عنها، إما أن يرجعوا إلى نسائهم، وإما أن يبعثوا بنفقة إليهن، وإما أن يطلقوا ويبعثوا بنفقة ما مضى. رويناه من طريق عبد (الرزاق) (١)، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره (٢).
ورواه الشافعي فيما ذكره الحاكم في "فضائله" بلفظ: فأمرهم بأن ينفقوا أو يطلقوا، فإن (طلقوا) (٣) بعثوا بنفقة ما حبسوا. رواه عن مسلم (٤)، عن عبيد الله، عن نافع (٥)، وليس فيه حكم المعسر، بل قد صح عنه إسقاط المرأة للنفقة إذا أعسر بها الزوج.
وعن ابن المسيب قولان: أحدهما: يجبر على مفارقتها، والثاني: يفرق بينهما، وهما مختلفان، فأيهما السنة؟ وأيهما كان السنة فالآخر خلافها؟ ولم يقل سعيد: إنه سنة رسول الله ﷺ . وحتى لو قاله لكان مرسلًا (٦) لا حجة فيه، فكيف وإنما أراد بلا شك أنه سنة من دونه ﵇، لعله أراد بما تقدم عن عمر (٧). وقال الشافعي، فيما ذكره الحاكم في "فضائله": الذي يشبه أن يكون سنة النبي ﷺ (٨).
وقالت طائفة: لا يفرق بينهما، وتلزم الصبر عليه، وتتعلق النفقة بذمته بحكم الحاكم. هذا قول عطاء والزهري، وإليه ذهب الكوفيون.
стр. 15431
وعبارة ابن حزم: وقالت طائفة: يطلقها عليه الحاكم. ثم اختلفوا، فقال مالك: يؤجل في عدم النفقة شهرًا أو نحوه، فإن انقضى وهي حائض أُخّر حَتَّى تطهير، وفي الصداق عامين، ثم يطلقها عليه الحاكم طلقة رجعية، فإن أيسر في العدة فله ارتجاعها (١). وفي "الإشراف"، عن حماد بن أبي سليمان: يؤجل سنة. وعن عمر بن عبد العزيز: شهرًا أو شهرين. وقال الشافعي: لا يؤجل أكثر من ثلاث (٢).
وقالت طائفة: لا يؤجل إلا يومًا واحداً، ثم يطلقها الحاكم عليه، وممن روينا نحو هذا عنه: سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، ويحيى بن سعيد، وقتادة، وحماد بن أبي سليمان، قال: وأما الرواية عن سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز في تأجيل شهر أو شهرين فساقطة جدًّا؛ لأنها من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد، وعبد الجبار بن عمر، وكلاهما لا شيء (٣).
واحتج الشافعيون على أصحاب مالك بقولهم: إذا كلفتموها صبر شهر؛ ولا سبيل إلى صبر شهر بلا أكل، فأي فرق بين ذَلِكَ وبين تكليفها الصبر أبدًا؟
قال ابن حزم: يقال له: إذا طلقتموها عليه وكلفتموها العدة -وربما كانت أشهرًا- فقد كلفتموها الصبر بلا نفقة مُدة لا حياة معها بلا أكل.
وقالوا للحنفي: قد اتفقنا على التفريق بين من (عُنّ) (٤) عن امرأته وبينها بضرر فقد الجماع، فضرر فقد النفقة أشد. أجاب الحنفيون بأنّا اتفقنا
стр. 15432
نحن وأنتم على أنه إذا وطئها مرة فأكثر ثم أعسر بنفقتها، فيلزمكم ألا تفرقوا بينهما.
وقالت طائفة كقولنا، كما روينا من طريق مسلم، عن جابر ﵁ قال: دخل عمر على رسول الله ﷺ ، فقال أبو بكر: يا رسول الله، لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها. فضحك رسول الله ﷺ -وقال: "هن حولي يسألنني النفقة" فقام أبو بكر ﵁ إلى عائشة يجأ عنقها، وقام عمر ﵁ إلى حفصة يجأ عنقها، وكلاهما يقول: ويحكنّ تسألن رسول الله ﷺ ما ليس عنده! فقلن: والله لا نسأله شيئًا أبدًا ما ليس عنده (١).
قال ابن حزم: إنما أوردنا هذا لما فيه عن أبي بكر وعمر وابنتيهما، ومن المحال المتيقن أن يضربا طالبة حق بحضرة رسول الله ﷺ . وقال عطاء، وسئل عمن لم يجد ما يصلح امرأته من النفقة: ليس لها إلا ما وجدت، وليس لها أن يطلقها.
وقال الحسن: تواسيه، وتتقي الله، وتصبر، وينفق عليها ما استطاع.
وسئل ابن شهاب عن رجل لا يجد ما ينفق على امرأته يفرق بينهما؟ قال: تستأنى، ولا يفرق بينهما، وتلا ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧].
قال معمر: وبلغني عن عمر بن عبد العزيز مثل قول الزهري سواء، ومن طريق عبد الرزاق، عن سفيان بن سعيد، في المرأة يعسر زوجها بنفقتها، قال: هي امرأته (٢) ابتليت فلتصبر، ولا نأخذ بقول من فرق
стр. 15433
بينهما (١)، وهو قول ابن شبرمة، وأبي حنيفة، قال: تتعلق النفقة بذمته إذا حكم بينهما حاكم، وأبي سليمان وأصحابهم.
بيان صحة قولنا قول الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ الآية [الطلاق: ٧]، وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢) [البقرة: ٢٨٦].
فمن قَدَر على بعض النفقة والكسوة، سواءُ قَلّ ما يقدر عليه أوكَثُر، فالواجب أن يقضى عليه بما قدر، وأُسْقط عنه ما لا يقدر، فإن لم يقدر على شيء من ذَلِكَ سقط عنه، ولم يجب أن يقضى عليه بشيء، فإن أيسر بعد ذَلِكَ قضي عليه من حين يوسر، ولا يقضي عليه بشيء بما أنفقته على نفسها مدة عسره، وهذا بخلاف ما وجب لها من نفقة أو كسوة يمنعها إياها وهو قادر عليهما، فهذا يؤخذ به أبدًا، أعسر بعد ذَلِكَ أو لم يعسر؛ لأنه قد كلفه الله إياه وهو واجب عليه فلا يسقط عنه إعساره،
لكن الإعسار يوجب أن ينظره إلى الميسرة فقط، ولو أن الزوج يمنعها النفقة والكسوة أو الصداق ظلمًا، أو لأنه فقير لا يقدر، لم يجز لها منع نفسها منه من أصل ذَلِكَ، فإن عجز الزوج عن نفقة نفسه وامرأته غنية كلفت النفقة عليه، ولا يرجع عليه بشيء من ذَلِكَ إن أيسر، إلا أن يكون عبدًا، فنفقته على سيده؛ لأن الزوجة وارثة، فعليها نفقته بنص القرآن.
وقال عبد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة: إذا لم يقدر الزوج على النفقة يسجن، ولا يطلق، ولا آمره بطلاقها، إذا عجز يحبس أبدًا (٣).
стр. 15434
فصل:
قال ابن حزم: ولا يلزمه لها حلي ولا طيب، فإن منعها النفقة والكسوة وهو قادر عليهما، سواء أكان حاضرًا أو غائبًا، هو دين في ذمته، يؤخذ منه أبدًا، ويقضى لها به في حياته، وبعد موته من رأس ماله، يضرب به مع الغرماء، وليس عليه أن ينفق على خادمها، ولو أنه ابن الخليفة وهي بنت الخليفة، إنما عليه أن يقوم لها بمن يأتيها بالطعام والماء غدوة وعشية، وبمن يكفيها جميع العمل من الكنس والفرش، وإنما تجب لها النفقة مياومة، فإن أخرها أدب، وإن عجلها ثم طلقها بائنًا وعندها فطر يوم أو غداء أو عشاء قضي عليها برده إليه، وإن ماتت كان مأخوذًا من رأس مالها (١).
فصل:
من حجج من قال: لا تفريق، الآية السالفة ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠] فوجب أن يُنْظر إلى أن يوسر. وبقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] إلى قوله ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] فندب تعالى إلى إنكاح الفقير، فلا يجوز أن يكون الفقر سببا للفرقة، وهو مندوب معه إلى النكاح، واحتج عليهم من قال بالتفريق بحديث الباب، وهو نص قاطع في موضع الخلاف، وهو قولها: (إما أن تطعمني، وإما أن تطلقني). وقالوا أيضًا: المراد بالآية الثانية الفقير التي حالته منحطة عن حالة الغنى، لا الفقير الذي لا شيء معه أصلاً، بدليل أنه ندبه إلى النكاح، وأجمعوا أنه من لا يقدر على نفقة الزوجة غير مندوب إلى النكاح، وأما الآية الأولى
стр. 15435
فإنما وردت في المداينات التي تتعلق بالذمم، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١] وإذا لم ينفق عليها فهو مضر بها، فوجب عليه الفراق إن طلبته. قال الكوفيون: لو كان ذَلِكَ هنا واجبًا لم يجب الإمساك وإن رضيته. فيقال لهم: قامت دلالة الإجماع على جواز إمساكهن إذا رضين بذلك، وأما الإعسار فلو أعسر بنفقة خادم أو حيوان له فإن ذَلِكَ يزيل ملكه عنه ويباع عليه، فكذلك الزوجة، وأيضًا فالعنين يجبر على طلاق زوجته إذا لم يطأ، والوطء لمدة يمكن الصبر على فقدها، ويقوم بدنها بعدمها، بخلاف القوت كما سلف، فكانت الفرقة عند عدم النفقة.
فصل:
اختلفوا -كما قال ابن المنذر- في السائل يتزوج وهي تعلم أن مثله لا يجزئ النفقة، فقال مالك: لا أرى لها قولًا بعد ذَلِكَ وقال الشافعي: يفرق بينهما إذا سألت ذَلِكَ - فإن فرق الإِمام بينهما تكون تطليقة، وهو أحق بها إن أيسر ما دامت في العدة. قال الشافعي: تكون فرقة بلا طلاق، ولا يملك رجعتها. قال ابن المنذر: تكون انقطاعًا للعصمة من غير طلاق، وتكون فيه الرجعة (١).
فروع:
قال مالك والشافعي وأبو ثور ويعقوب ومحمد: تباع العروض في نفقة الزوجة.
قال أبو حنيفة: النفقة في ماله في الدنانير والدراهم، ولا يباع من عروضه شيء إلا برضاه.
стр. 15436
وعن الشعبي أنه فرض لامرأة (في قوتها) (١) خمسة عشر صاعًا بالحجازي، ودرهمين لدهنها وحاجتها في كل شهر (٢).
وقال أصحاب الرأي: يفرض لامرأة المعسر في كل شهر بكذا. قال أبو بكر: لو جاز أن يفرض لشهر تقبضه في أول الشهر لجاز أن يفرض لسنة وتقبضه في أول السنة.
والصحيح من ذَلِكَ ما ذهب إليه الشافعي أن ينفق عليها يومًا بيوم، فإن مرضت مرضا شديدًا لا يقدر معه على إتيانها كانت عليه نفقتها -هذا قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي- فإذا قالت امرأة الرجل: هو موسر، (فأفرضوا) (٣) على قدر ذَلِكَ. فقال هو: أنا معسر. فالقول قوله مع يمينه، فإذا قامت البينة على ما يدعي أخذ بما قال، هذا قول الحنفيين والشافعي وأبي ثور.
فإذا كان للرجل على المرأة دين فقال: (احسبوا من مالي عليها) (٤). وجب ذَلِكَ، وقاضها به في قول أصحاب الرأي، وقال أبو ثور فيها قولان: الأول: ما أسلفناه، والثاني: يترك إلى أن يوسر. وإذا كان على الزوج صداق ونفقة فدفع شيئًا، فاختلفا فيما دفع، فقال الزوج: من المهر. وقالت: من النفقة. فالقول قول الزوج مع يمينه، في قول الشافعي وأصحاب الرأي وأبي ثور، فإن اختلفا في النفقة، فقال الزوج: دفعتها إليها. وأنكرت، قال الشافعي وأبو ثور: القول قولها مع يمينها.
стр. 15437
وقال أصحاب الرأي: إذا قال الزوج: قضى عليَّ القاضي منذ شهر وإنما لك نفقة شهر. فقالت: قضى لي بنفقة ثلاثة أشهر. فالقول في ذَلِكَ قوله مع يمينه، وعليها البينة. وقال مالك: القول قوله إذا كان مقيمًا، فإن كان غائبًا فالقول قولها من يوم رفعت أمرها إلى السلطان، فإن بعث لها الزوج بقوت فقال: هو من الكسوة. وقالت: بل هو هبة. فالقول قوله مع يمينه، في قول الشافعي وأصحاب الرأي وأبي ثور (١)، وكان أبو حنيفة والشافعي يوجبان على الذمي نفقة زوجته الذمية إذا أسلمت وهي حامل، حَتَّى تضع وأجر الرضاع (٢).
ثم ذكر حديث عقيل، عن ابن شهاب، عن مالك، عن عمر ﵁ مطولًا.
وفيه: ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال، وقد سلف في الخمس والمغازي (١).
وفيه: دليل -كما ترجم له- أدخار القوت للأهل والعيال، وأنه ليس بحكرة، وأن ما ضمه الإنسان من أرضه أو جَدَّهُ من نخله وثمره وحبسه لقوته، لا يسمى حكرة، ولا خلاف في هذا بين الفقهاء، كما قاله المهلب.
قال الطبري: وفيه رد على الصوفية في قولهم: إنه ليس لأحد ادخار شيء في يومه لغده، وأن فاعل ذَلِكَ قد أساء الظن بربه، ولم يتوكل عليه حق توكله. ولا خفاء بفساد هذا القول؛ لثبوت الخبر عن الشارع أنه كان يدخر لأهله قوت السنة.
وفيه أكبر الأسوة؛ لأمر الله تعالى عباده اتباع سنته، فهو الحجة على جميع خلقه، (٢) وقد سلف ذَلِكَ في الخمس واضحًا.
فصل:
قوله فيه: ("لا نورث ما تركناه صدقة") أخطأ فيه الشيعة وطعنوا فيه، وقالوا: إنه مردود بقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية [النساء: ١١]، وهو من العجائب، وأعجب منه استدلالهم بمطالبة فاطمة وعليّ والعباس أبا بكر بالميراث.