← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 15436–15475 · переход к 15441.

стр. 15436

وعن الشعبي أنه فرض لامرأة (في قوتها) (١) خمسة عشر صاعًا بالحجازي، ودرهمين لدهنها وحاجتها في كل شهر (٢). وقال أصحاب الرأي: يفرض لامرأة المعسر في كل شهر بكذا. قال أبو بكر: لو جاز أن يفرض لشهر تقبضه في أول الشهر لجاز أن يفرض لسنة وتقبضه في أول السنة. والصحيح من ذَلِكَ ما ذهب إليه الشافعي أن ينفق عليها يومًا بيوم، فإن مرضت مرضا شديدًا لا يقدر معه على إتيانها كانت عليه نفقتها -هذا قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي- فإذا قالت امرأة الرجل: هو موسر، (فأفرضوا) (٣) على قدر ذَلِكَ. فقال هو: أنا معسر. فالقول قوله مع يمينه، فإذا قامت البينة على ما يدعي أخذ بما قال، هذا قول الحنفيين والشافعي وأبي ثور. فإذا كان للرجل على المرأة دين فقال: (احسبوا من مالي عليها) (٤). وجب ذَلِكَ، وقاضها به في قول أصحاب الرأي، وقال أبو ثور فيها قولان: الأول: ما أسلفناه، والثاني: يترك إلى أن يوسر. وإذا كان على الزوج صداق ونفقة فدفع شيئًا، فاختلفا فيما دفع، فقال الزوج: من المهر. وقالت: من النفقة. فالقول قول الزوج مع يمينه، في قول الشافعي وأصحاب الرأي وأبي ثور، فإن اختلفا في النفقة، فقال الزوج: دفعتها إليها. وأنكرت، قال الشافعي وأبو ثور: القول قولها مع يمينها.

стр. 15437

وقال أصحاب الرأي: إذا قال الزوج: قضى عليَّ القاضي منذ شهر وإنما لك نفقة شهر. فقالت: قضى لي بنفقة ثلاثة أشهر. فالقول في ذَلِكَ قوله مع يمينه، وعليها البينة. وقال مالك: القول قوله إذا كان مقيمًا، فإن كان غائبًا فالقول قولها من يوم رفعت أمرها إلى السلطان، فإن بعث لها الزوج بقوت فقال: هو من الكسوة. وقالت: بل هو هبة. فالقول قوله مع يمينه، في قول الشافعي وأصحاب الرأي وأبي ثور (١)، وكان أبو حنيفة والشافعي يوجبان على الذمي نفقة زوجته الذمية إذا أسلمت وهي حامل، حَتَّى تضع وأجر الرضاع (٢).

стр. 15438

٣ - باب حَبسِ الرَّجُلِ قُوتَ سَنَةٍ عَلَى أهله، وَكيفَ نَفَقَاتُ العِيَالِ ؟ ٥٣٥٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: قَالَ لِي مَعْمَرٌ: قَالَ لِي الثَّوْرِيُّ: هَلْ سَمِعْتَ فِي الرَّجُلِ يَجْمَعُ لأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ أَوْ بَعْضِ السَّنَةِ؟ قَالَ مَعْمَرٌ: فَلَمْ يَحْضُرْنِي، ثُمَّ ذَكَرْتُ حَدِيثًا حَدَّثَنَاهُ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَبِيعُ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ، وَيَحْبِسُ لأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ. [انظر:٢٩٠٤ - مسلم: ١٧٥٧ - فتح: ٩/ ٥٠١] ٥٣٥٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ذَكَرَ لِي ذِكْرًا مِنْ حَدِيثِهِ، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى دَخَلْتُ على مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ مَالِكٌ: انْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَ على عُمَرَ، إِذْ أَتَاهُ حَاجِبُهُ يَرْفَا، فَقَالَ: هَلْ لَكَ فِي عُثْمَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالزُّبَيْرِ وَسَعْدٍ يَسْتَأْذِنُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَذِنَ لَهُمْ قَالَ: فَدَخَلُوا وَسَلَّمُوا فَجَلَسُوا، ثُمَّ لَبِثَ يَرْفَا قَلِيلاً، فَقَالَ لِعُمَرَ: هَلْ لَكَ فِي عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَذِنَ لَهُمَا، فَلَمَّا دَخَلَا سَلَّمَا وَجَلَسَا، فَقَالَ عَبَّاسٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا. فَقَالَ الرَّهْطُ -عُثْمَانُ وَأَصْحَابُهُ-: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اقْضِ بَيْنَهُمَا، وَأَرِحْ أَحَدَهُمَا مِنَ الآخَرِ. فَقَالَ عُمَرُ: اتَّئِدُوا، أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ الَّذِي بِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ؟». يُرِيدُ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَفْسَهُ. قَالَ الرَّهْطُ قَدْ قَالَ ذَلِكَ. فَأَقْبَلَ عُمَرُ على عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا بِاللهِ هَلْ تَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ ذَلِكَ؟ قَالا: قَدْ قَالَ ذَلِكَ. قَالَ عُمَرُ: فَإِنِّي أُحَدِّثُكُمْ عَنْ هَذَا الأَمْرِ، إِنَّ اللهَ كَانَ خَصَّ رَسُولَهُ ﷺ فِي هَذَا الْمَالِ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ، قَالَ اللهُ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللهُ على رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: (قَدِيرٌ) [الحشر: ٦]. فَكَانَتْ هَذِهِ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَاللهِ مَا احْتَازَهَا دُونَكُمْ، وَلَا اسْتَأْثَرَ بِهَا عَلَيْكُمْ، لَقَدْ أَعْطَاكُمُوهَا وَبَثَّهَا فِيكُمْ، حَتَّى بَقِيَ مِنْهَا هَذَا الْمَالُ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ

стр. 15439

- ﷺ يُنْفِقُ على أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هَذَا الْمَالِ، ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ، فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ مَالِ اللهِ، فَعَمِلَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَيَاتَهُ، أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ هَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ لِعَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ: أَنْشُدُكُمَا بِاللهِ هَلْ تَعْلَمَانِ ذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَمْ. ثُمَّ تَوَفَّى اللهُ نَبِيَّهُ ﷺ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَبَضَهَا أَبُو بَكْرٍ يَعْمَلُ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ فِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأَنْتُمَا حِينَئِذٍ -وَأَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ- تَزْعُمَانِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَذَا وَكَذَا، وَاللهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ فِيهَا صَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ، ثُمَّ تَوَفَّى اللهُ أَبَا بَكْرٍ، فَقُلْتُ: أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، فَقَبَضْتُهَا سَنَتَيْنِ أَعْمَلُ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ جِئْتُمَانِي وَكَلِمَتُكُمَا وَاحِدَةٌ وَأَمْرُكُمَا جَمِيعٌ، جِئْتَنِي تَسْأَلُنِي نَصِيبَكَ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ، وَأَتَى هَذَا يَسْأَلُنِي نَصِيبَ امْرَأَتِهِ مِنْ أَبِيهَا، فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتُمَا دَفَعْتُهُ إِلَيْكُمَا على أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللهِ وَمِيثَاقَهُ لَتَعْمَلَانِ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَبِمَا عَمِلَ بِهِ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ، وَبِمَا عَمِلْتُ بِهِ فِيهَا، مُنْذُ وُلِّيتُهَا، وَإِلاَّ فَلَا تُكَلِّمَانِي فِيهَا، فَقُلْتُمَا: ادْفَعْهَا إِلَيْنَا بِذَلِكَ. فَدَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ، أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْهِمَا بِذَلِكَ؟ فَقَالَ الرَّهْطُ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَقْبَلَ على عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا بِاللهِ هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَمْ. قَالَ أَفَتَلْتَمِسَانِ مِنِّي قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ؟ فَوَالَّذِى بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لَا أَقْضِي فِيهَا قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ، حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهَا فَادْفَعَاهَا فَأَنَا أَكْفِيكُمَاهَا. [انظر: ٢٩٠٤ - مسلم: ١٧٥٧ - فتح: ٩/ ٥٠٢] ذكر فيه حديث محمد -هو ابن سلام- عن وكيع، عن ابن عيينة قَالَ: قَالَ مَعْمَرٌ: قَالَ لِي الثَّوْرِيُّ: هَلْ سَمِعْتَ فِي الرَّجُلِ يَجْمَعُ لأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ أَوْ بَعْضِ السَّنَةِ؟ قَالَ مَعْمَرٌ: فَلَمْ يَحْضُرْنِي ثم ذكرت حَدِيثاً ثنَاهُ ابن شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عُمَرَ ﵁ أنه ﵇ كَانَ يَبِيعُ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ، وَيَحْبِسُ لأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ

стр. 15440

ثم ذكر حديث عقيل، عن ابن شهاب، عن مالك، عن عمر ﵁ مطولًا. وفيه: ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال، وقد سلف في الخمس والمغازي (١). وفيه: دليل -كما ترجم له- أدخار القوت للأهل والعيال، وأنه ليس بحكرة، وأن ما ضمه الإنسان من أرضه أو جَدَّهُ من نخله وثمره وحبسه لقوته، لا يسمى حكرة، ولا خلاف في هذا بين الفقهاء، كما قاله المهلب. قال الطبري: وفيه رد على الصوفية في قولهم: إنه ليس لأحد ادخار شيء في يومه لغده، وأن فاعل ذَلِكَ قد أساء الظن بربه، ولم يتوكل عليه حق توكله. ولا خفاء بفساد هذا القول؛ لثبوت الخبر عن الشارع أنه كان يدخر لأهله قوت السنة. وفيه أكبر الأسوة؛ لأمر الله تعالى عباده اتباع سنته، فهو الحجة على جميع خلقه، (٢) وقد سلف ذَلِكَ في الخمس واضحًا. فصل: قوله فيه: ("لا نورث ما تركناه صدقة") أخطأ فيه الشيعة وطعنوا فيه، وقالوا: إنه مردود بقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية [النساء: ١١]، وهو من العجائب، وأعجب منه استدلالهم بمطالبة فاطمة وعليّ والعباس أبا بكر بالميراث.

стр. 15441

قال القاضي أبو بكر الباقلاني: الآية وإن كانت عامة فإنما توجب أن يورث عنه ما يملكه دون ما لا يملكه، فيقال لهم: دلوا على أنه كان يملك ذَلِكَ سلمناه، لكن ليست عندنا وعند منكر العموم؛ لاستغراق الجنس في المالكين وكل متوفى، فإنما بنى على أقل الجمع، وما فوقه محتمل يوجب التوقف فيه. وعند كثير من القائلين بالعموم خص منه الشارع كما بينه، وبه احتج الصديق، وكذا حديث "ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة" (١) وغيره، فإن قيل: هذِه الأموال صدقة في المصالح، فقد ساغ لعليّ والعباس الأكل منها إن وقع، والصدقة محرمة عليهما. قلت: لا، فإنما حرم عليهم الفرض فقط، أو أكلوا بحق العمل، وقد سلف كل ذَلِكَ. وقوله: (تزعمان أن أبا بكر كذا وكذا) إما أن يريد ما كانت بنو هاشم تطلب من خمس الخمس ويأبى الصديق إلا ما يكفيهم، أو غير ذَلِكَ، لا يريد من جهة الميراث.

стр. 15442

٤ - باب قول الله تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿بَصِيرٌ﴾ وَقَالَ: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، وَقَالَ تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ الآية [الطلاق: ٦]، وَقَالَ يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: نَهَى اللهُ أَنْ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا، وَذَلِكَ أَنْ تَقُولَ الوَالِدَةُ: لَسْتُ مُرْضِعَتَهُ. وَهْيَ أَمْثَلُ لَهُ غِذَاءً، وَأَشفَقُ عَلَيْهِ، وَأَرْفَقُ بِهِ مِنْ غَيْرِهَا، فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَأبَى بَعْدَ أَنْ يُعْطِيَهَا مِنْ نَفْسِهِ مَا جَعَلَ اللهُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لِلْمَوْلُودِ لَهُ أَنْ يُضَارَّ بِوَلَدِهِ وَالِدَتَهُ، فَيَمْنَعَهَا أَنْ تُرْضِعَهُ ضِرَارا لَهَا إِلَى غَيْرِهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَسْتَرْضِعَا عَنْ طِيبِ نَفْسِ الوَالِدِ وَالْوَالِدَةِ، فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُما وَتَشَاوُرٍ، ﴿وَفِصَالُهُ﴾ [الأحقاف: ١٥]: فِطَامُهُ. الشرح: الآية الأولى لفظها خبر ومعناه الأمر؛ لما فيه من الإلزام. أي: لترضع الوالدات أولادهن، يعني: اللواتي بِنَّ من أزواجهن، وهن أحق، وليس ذَلِكَ بإيجابٍ إذا كان المولود له حيَّا موسرًا؛ بقوله في سورة النساء القصرى ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦] أي: إن تعاسرا في الأجرة فأخرى ترضعه. وذكر الحولين؛ لأنه غاية الرضاع عند الشارع.

стр. 15443

وأكثر المفسرين على أن المراد بالوالدات هنا المبتوتات فقط. وقام الإجماع على أن أجر الرضاع على الزوج إذا خرجت المطلقة من العدة، قال مالك: الرضاع على المرأة إن طلقها طلاقًا رجعيًّا، ما لم تنقضِ العدة، فإن انقضت فعلى الأب أجرة الرضاع، وكذلك إذا كان الطلاق بائنًا فعليه أجرة الرضاع، وإن لم تنقضِ العدة، والأم أولى بذلك، إلا أن يجد الأب بدون ما سألت، فذلك له إلا أن لا يقبل الولد غيرها، ويخاف على الولد الموت، فلها رضاعه بأجر مثلها، وتجبر على ذَلِكَ (١)، وهذا في غير اللِّبَأ (٢)، أما اللِّبَأ وهو ما لا يعيش الولد إلا به غالبًا فتجبر عليه. واختلفوا في ذات الزوج، هل تجبر على رضاع ولدها؟ قال ابن أبي ليلى: نعم، ما كانت امرأته. وهو قول مالك وأبي ثور، وقال الثوري: والكوفيون والشافعي: لا يلزمها رضاعه، وهو على الزوج على كل حال (٣) وقال ابن القاسم: وتجبر على رضاعه إلا أن يكون مثلها لا ترضع، فذلك على الزوج (٤). حجة من جعل الإرضاع على الأم الآية الأولى إلى قوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ فأمر الوالدات الزوجات بإرضاع أولادهنّ، فأوجب لهنّ على الأزواج النفقة والكسوة، والزوجية قائمة، فلم يجمع لها النفقة والأجرة، فلو كان الرضاع على الأب لذكره مع ما ذكر من

стр. 15444

رزقهنّ وكسوتهنّ، ولم يوجب ذَلِكَ على الوالدات، ولا يراد بالآية الوالدات اللاتي بِنَّ من أزواجهنّ. وحجة من قال إنه على الأب أنه لا يخلو أن تجبر على رضاعة بحرمة الولد أو بحرمة الزوج، والأول باطل؛ لأنها لا تجب إذا كانت مطلقة ثلاثًا بالإجماع، وحرمة الولد موجودة، وكذا الثاني؛ لأنه لو أراد أن يستخدمها في حق نفسه لم يكن له ذَلِكَ، ولأن لا يكون له ذَلِكَ في حق غيره أولى، مع أنها لا تجبر عليه أصلاً، ومن رد الأمر في ذَلِكَ إلى العادة والعرف؛ فلأنّ ذَلِكَ أصل محكوم به في نفقته عليها وخدمتها له، فكذلك الرضاع إذا كانت ممن ترضع أو لا ترضع. فصل: روي عن بعجة الجهني قال: تزوج رجل ما امرأة فولدت لستة أشهر، فأتى عثمان، فأمر برجمها، فأتاه علي فقال: إن الله تعالى يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ وقال: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ (١) وقال ابن عباس: إذا ذهبت رضاعه فإنما الحمل ستة أشهر (٢). فصل: الفائدة في ﴿كَامِلَيْنِ﴾ أي: لرضاعه كقوله تعالى: ﴿عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ وقوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ أي أن لا يضار. قاله ابن عباس (٣). وروي عن عمر والحسن بن صالح وابن شبرمة مثل ذَلِكَ أي: الكسوة والرضاع.

стр. 15445

وقال أبو حنيفة وأصحابه: أي: الرضاع والكسوة والرزق، إذا كان ذا رحم محرم، وقال: ﴿الْوَارِثِ﴾: المولود (١). ومعنى: ﴿مِثْلُ ذَلِكَ﴾: أي: مثل الذي كان على والده من رزق والدته (وكسوتها) (٢) بالمعروف إن كانت من أهل الحاجة وهي ذات زمانة، ولا احتراف لها ولا زوج، وإن (كان) (٣) من أهل الغنى والصحة فمثل الذي كان على والده لها من الرضاعة، وهذا اختيار ابن جرير، وقال: إنه الظاهر ولا يكون غيره إلا بحجة (٤). وقول أبي حنيفة في تفسيره ليس في القرآن، ولا قاله أحد من المتقدمين. ونقل ابن عبد الملك عن مالك أن هذِه الآية منسوخة (٥)، وفسرها الشافعي بالكسوة والنفقة على الزوج، وتشتغل بولدها لئلا يظن الظان أنها تشتغل به عن الزوج. وقال الداودي: في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ﴾ أي: أن يعطيها أجرة مثلها وأبت على أن تأخذ أجرة مثلها، ودعا كل واحد إلى أكثر

стр. 15446

من ذَلِكَ استرضع غيرها، وإن دعي أحدهما إلى القصد وأباه الآخر، حمل عليه الذي أباه، وما ذكره ليس مذهب مالك، إذا أبت المرأة منه فإنها لا تجبر كما مر. فصل: قوله: ﴿وَفِصَالُهُ﴾: فطامه، كما قال، وأصل الفصل في اللغة: التفريق، معنى الآية السالفة: عن تراضٍ من الأبوين ومشاورة؛ ليكون ذَلِكَ من غير إضرار منهما بالولد.

стр. 15447

٥ - باب نَفَقَةِ المَرْأَةِ إِذَا غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَنَفَقَةِ الوَلَدِ ٥٣٥٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ، فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أَنْ أُطْعِمَ مِنَ الَّذِي لَهُ عِيَالَنَا؟ قَالَ: «لَا، إِلاَّ بِالْمَعْرُوفِ». [انظر: ٢٢١١ - مسلم: ١٧١٤ - فتح: ٩/ ٥٠٤] ٥٣٦٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ كَسْبِ زَوْجِهَا عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِهِ». [انظر: ٢٠٦٦ - مسلم: ١٠٢٦ - فتح: ٩/ ٥٠٤] ذكر فيه حديث هند السالف وليس مطابقًا لما ترجم له إلا في نفقة الولد فقط؛ لأنه كان حاضرًا في المدينة فلا ينبغي أن يستدل على القضاء على الغائب، وإن استدل به ابن بطال وغيره (١). وحديث أبي هريرة السالف في البيوع وغيره: "إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ كَسْبِ زَوْجِهَا مِن غَيْرِ أَمْرِهِ فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِهِ". وهو في صدقة التطوع، وحديث هند في الانتصاف من حق لها مُنِعته. فإن المعنى الجامع بينهما أنه كما جاز للمرأة أن تتصدق من مال زوجها من غير أمره بما يشبه وتعلم أنه يسمح الزوج بمثله -وذلك غير واجب عليه ولا عليها أن تتصدق عنه بماله- كان أخذها من مال الزوج بغير علمه، ما يجب عليه ويلزمه غرمه أولى أن تأخذه ويقضى لها به. والحديث دال على وجوب نفقة الأهل والولد، وإلزام ذَلِكَ الزوج وإن كان غائبا أي: عن مجلس الحاكم، إذا كان له مال حاضر.

стр. 15448

واختلف العلماء في ذَلِكَ، فقالت طائفة: نفقتها ثابتة عليه في غيبته. روي ذَلِكَ عن عمر والحسن البصري، وهو قول الأربعة، خلا أبا حنيفة؛ فإنه قال: ليس لها نفقة عليه، إلا أن يفرضها السلطان، ولو استدانت عليه وهو غائب لم يفرض لها شيئًا. ووافق الأئمة: إسحاق وأبو ثور (١). وقال ابن المنذر: نفقة الزوجة فرض على زوجها، وقد وجب عليه فرض فلا يسقط عنه لغيبته إلا في حال واحد، وهي أن تعصي المرأة وتنشز عليه وتمتنع منه (٢)، فتلك حال قد قام الإجماع على سقوطها فيها عنه إلا من شذ عنهم، وهو الحكم بن عتيبة وابن القاسم صاحب مالك، ولا التفات إلى من شذ عن الجماعة ولا يزيل وقوف الحاكم عن إنفاذ الحكم بما يجب فرضًا أوجبه الله، والسنة لا حاجة لها إلى حكم الحاكم تأكيدًا، والفرائض والديون التي يجب أداؤها، والوفاء بالنذور، وما يجب في الأموال من الجناية على الأبدان مئل ما يجب في الحج من الصوم، من كفارة وفدية، لا يزيله وقوف الحاكم عن الحكم به (٣). فصل: وفيه: أن المرأة تقبض نفقة العيال، وأن من بخس حقه له أن يغتاب من بخسه. وقوله: ("إلا بالمعروف"): أي: لا حرج عليك ولا تنفقي إلا بالمعروف، وقيل: لا تسرف، وليكن بالمعروف.

стр. 15449

٦ - باب عَمَلِ المَرْأَةِ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا ٥٣٦١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَكَمُ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، أَنَّ فَاطِمَةَ ﵉ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ تَشْكُو إِلَيْهِ مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنَ الرَّحَى -وَبَلَغَهَا أَنَّهُ جَاءَهُ رَقِيقٌ- فَلَمْ تُصَادِفْهُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ، فَلَمَّا جَاءَ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ، قَالَ: فَجَاءَنَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا، فَذَهَبْنَا نَقُومُ، فَقَالَ: «على مَكَانِكُمَا». فَجَاءَ فَقَعَدَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ على بَطْنِي، فَقَالَ: «أَلَا أَدُلُّكُمَا على خَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَا، إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا -أَوْ أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا- فَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، فَهْوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ». [انظر: ٣١١٣ - مسلم: ٢٧٢٧ - فتح:٩/ ٥٠٦] ذكر فيه حديث فاطمة (١) أنها أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ تَشْكُو إِلَيْهِ مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنَ الرَّحَى، وَبَلَغَهَا أَنَّهُ جَاءَهُ رَقِيقٌ .. الحديث. ثم ترجم عليه أيضًا:

стр. 15450

٧ - باب خَادِمِ المَرْأَةِ ٥٣٦٢ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ، سَمِعَ مُجَاهِدًا: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى يُحَدِّثُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ فَاطِمَةَ ﵍ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ تَسْأَلُهُ خَادِمًا، فَقَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكِ مِنْهُ، تُسَبِّحِينَ اللهَ عِنْدَ مَنَامِكِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدِينَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرِينَ اللهَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ». -ثُمَّ قَالَ سُفْيَانُ: إِحْدَاهُنَّ أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ- فَمَا تَرَكْتُهَا بَعْدُ قِيلَ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ؟ قَالَ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ. [انظر: ٣١١٣ - فتح: ٩/ ٥٠٦] وفي آخره قال علي: فَمَا تَرَكْتُهَا بَعْدُ. قِيلَ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ؟ قَالَ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ. الشرح: هذا الحديث سلف في الخمس (١)، وفي فضل علي ﵁ (٢) ويأتي في الدعوات (٣)، وأخرجه مسلم أيضًا والنسائي (٤)، وهو ظاهر فيما ترجم له، ولم يذكر فيه أنه استأذن، فإما أن يكون قبل نزوله أو سكت عنه؛ لعلم السامع. وفيه: أنه آثر نساء المؤمنات على ابنته؛ لعلو شأنها. قال ابن حبيب: إذا كان الزوج معسرًا وكانت الزوجة ذات قدر وشرف، فإن عليها الخدمة الباطنة كالعجن والطبخ والكنس وما شاكله، وكذا قاله ابن الماجشون وأصبغ (٥).

стр. 15451

قال ابن حبيب: وكذلك حكم ﵇ على فاطمة بالخدمة الباطنة من خدمة البيت، وحكم على علي بالخدمة الظاهرة، وقال بعض شيوخي: لا يعرف في شيء من الأخبار الثابتة أن رسول الله ﷺ قضى على فاطمة بالخدمة الباطنة، وإنما كان نكاحهن على المتعارف من الإجمال وحسن العشرة، وأما أن تجبر المرأة على شيء من الخدمة فليس له أصل في السنة، بل الإجماع منعقد على أن على الزوج مؤنة الزوجة كلها (١). وقال الطحاوي: لم يختلفوا أن المرأة ليس عليها أن تخدم نفسها، وأن على الزوج أن يكفيها ذَلِكَ، وأنه لو كان معها خادم لم يكن للزوج إخراج الخادم من بيته، فوجب أن تلزمه نفقة الخادم على حسب حاجتها إليه (٢). وذكر ابن عبد الحكم عن مالك أنه ليس على المرأة خدمة زوجها (٣). وقال الطبري: في هذا الحديث: الإبانة على أن كل من كانت به طاقة من النساء على خدمة نفسها في خبز أو طحين وغير ذَلِكَ مما تعانيه المرأة في بيتها ولا تحتاج فيه إلى الخروج أن ذَلِكَ موضوع عن زوجها إذا كان معروفًا لها أن مثلها تلي ذَلِكَ بنفسها، وأن زوجها غير مأخوذ بأن يكفيها ذلك كما هو مأخوذ في حال عجزها عنه، إما بمرض أو زمانة أو شبه ذَلِكَ، وذلك أن فاطمة لما شكت ما تلقى في يدها من الطحن والعجين إلى أبيها ﵇، وسألته خادمًا؛ ليعينها على ذَلِكَ، لم يأمر زوجها عليًّا بأن يكفيها ذَلِكَ، ولا ألزمه وضع مؤنة

стр. 15452

ذَلِكَ عنها إما بإخدامها أو استئجار من يقوم بذلك، بل قد روي أنه قال: "يا بنية، اصبري؛ فإن خير النساء التي نفعت أهلها" (١) وفيه مِنْهُ (٢) ﵇: دليل على أن فاطمة مع قيامها بخدمة نفسها كانت تكفي عليًّا بعض مؤنه من الخدمة، ولو كانت كفاية ذَلِكَ على عليّ لكان قد تقدم إلى عليّ في كفائها ذَلِكَ كما تقدم إليه إذ أراد الابتناء بها أن يسوق إليها صداقها حين قال له: "أين درعك الحطمية؟ " (٣) وغير ذَلِكَ أنْ يُعَلَّمَ الشارعُ أمته الجميل من محاسن الأخلاق ويترك تعليمهم الفروض التي ألزمهم الله، ولا شك أن سوق الصداق إلى المرأة في حال إرادته الابتناء بها غير فرض إذا رضيت بتأخيره عن زوجها. فإن قلت: يلزم الرجل إذا كان ذا سعة كفاية زوجته الخدمة إذا كانت المرأة ممن يخدم مثلها، قيل: حكم من كان كذلك من النساء حكم ذوات الزمانة، والعاهة منهن اللواتي لا يقدرن على خدمة. ولا خلاف بين أهل العلم أن على الرجل كفاية من كان منهن، فكذلك ألزمنا الرجل كفاية التي لا تخدم نفسها مؤنة الخدمة التي لا تصلح لها، وألزمناه مؤنة خادم إذا كان في سعة. وبنحو الذي قلنا نزل القرآن، وذلك قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ وعليه علماء الأمة مجمعة. وشذ أهل الظاهر عن الجماعة فقالوا: ليس عليه أن يخدمها إذا كان موسرًا أو كانت ممن لا يخدم مثلها.

стр. 15453

وحجة الجماعة قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وإذا احتاجت إلى من يخدمها فلم يفعل لم يعاشرها بالمعروف، وقال مالك والليث ومحمد بن الحسن: يفرض لها ولخادمين إذا كانت خطيرة (١). وقال الكوفيون والشافعي: يفرض لها ولخادمها النفقة (٢) وقد سلف شيء من معنى هذا الباب في النكاح في باب: الغيرة في حديث أسماء. فصل: وترجمته عليه خادم المرأة ظاهرة كما سلف، وعامة الفقهاء متفقون أن الرجل إذا أعسر عن نفقة الخادم أنه لا يفرق بينه وبين امرأته، وإن كانت ذات قدر؛ لأن عليًّا لم يلزمه الشارع إخدام فاطمة ﵂ في عسرته، ولا أمره أن يكفيها ما شكت من الرحا. قال المهلب: وفيه من الفقه: أن المرأة الرفيعة القدر يجمل بها الامتهان الشاق من خدمة زوجها مثل: الطحن وشبهه؛ لأنه لا أرفع منزلة من بنت رسول الله ﷺ ، ولكنهم كانوا يؤثرون الآخرة ولا يترفهون عن خدمتهم؛ إحسانًا لله؛ وتواضعًا في عبادته. وفيه: إيثار التقلل من الدنيا والزهد فيها؛ رغبة في ثواب الآخرة، ألا ترى إلى قوله: "ألا أدلكما على خير مما سألتما"، فدلهما على التسبيح والتحميد والتكبير (٣).

стр. 15454

٨ - باب خِدمَةِ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ ٥٣٦٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ،٧/ ٨٥ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂: مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْنَعُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَتْ: كَانَ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا سَمِعَ الأَذَانَ خَرَجَ. [انظر: ٦٧٦ - فتح: ٩/ ٥٠٧] ذكر فيه حديث الأسود بن يزيد قال: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂: مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يصْنَعُ فِي البَيْتِ؟ قَالَتْ: كَانَ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا سَمِعَ الأَذَانَ خَرَجَ. هذا الحديث سلف في الصلاة (١)، ويأتي في الأدب (٢). والمِهَنْةَ: بكسر الميم، وحُكي الفتح قال الهروي المهنة: الخدمة بفتح الميم، وخفضها خطأ، قاله شمر عن مشايخه. قال المهلب: هذا من فعله على سبيل التواضع، وليُسِنَّ لأمته ذَلِكَ؛ فمن السنة أن يمتهن الإنسان نفسه في بيته فيما يحتاج إليه من أمر دنياه وما يعينه على دينه، وليس الترفه في هذا بمحمود ولا من سبيل الصالحين، وإنما ذَلِكَ من سير الأعاجم. وفيه: أن شهود صلاة الجماعة من (آكد السنن) (٣)؛ لأنه لا يتخلف عن ذَلِكَ إلا في مرضه، وكان شديد المحافظة عليها (٤).

стр. 15455

٩ - باب إِذَا لَمْ يُنفِقِ الرَّجُلُ فَلِلْمَرأَةِ أَنْ تَأخذَ بِغَيِر عِلْمِهِ مَا يَكْفِيهَا وَوَلَدَهَا بِالْمَعْرُوفِ ٥٣٦٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلَيْسَ يُعْطِينِى مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي، إِلاَّ مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وَهْوَ لَا يَعْلَمُ. فَقَالَ: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ». [انظر:٢٢١١ - مسلم: ١٧١٤ - فتح: ٩/ ٥٠٧] ذكر فيه حديث هند (١) السالف. وهو ظاهر فيما ترجم له، وهو حجة لمن قال: تلزمه نفقة ولده وإن كان كبيرًا، وخالف فيه مالك؛ لأنها واقعة عين، ولا عموم في الأفعال، ولعله كان صغيرًا أو كبيرًا زَمِنًا، وبعض المالكية قال: تلزمه إذا كان زَمِنًا مطلقًا. وبعضهم قال بسقوطها إذا بلغ مطلقا، ومذهبه: إن بلغ زَمِنًا بقيت نفقته. وفيه: أيضًا مسألة الظفر السالفة، وهي جواز الأخذ لمن منع من حقه بقدر ماله عنده ولا إثم عليه فيه؛ لأنه ﵇ أجاز لهند ما أخذت من مال زوجها بالمعروف. وأصل هذا الحديث في التنزيل في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ وقد سلف في المظالم اختلافهم في جاحد الوديعة ثم يوجد له مال هل يأخذ عوض حقه أم لا؟

стр. 15456

وفيه: أن وصف الإنسان بما فيه من النقص على سبيل التظلم منه والضرورة إلى طلب الانتصاف من حق عليه أنه جائز وليس بغيبة؛ لأنه ﵇ لم ينكر عليها قولها. واختلف العلماء في مقدار ما يفرض السلطان للزوجة على زوجها: فقال مالك: يفرض لها بقدر كفايتها في اليسر والعسر، ويعتبر حالها من حاله (١). وبه قال أبو حنيفة، وليست مقدرة. وقال الشافعي: هي مقدرة باجتهاد الحاكم فيها، وهي معتبر بحاله دونها، فإن كان موسرًا فمدان لكل يوم، فإن كان متوسطًا فمد ونصف، وإن كان معسرًا فمد، فيجب لبنت الخليفة ما يجب لبنت الحارس (٢). حجة مالك والكوفيين في قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ الآية [الطلاق: ٧] ولم يذكر لها تقديرًا وقال لهند: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" فلم يُقَدِّر لها ما تأخذه لولدها وبنتها، فثبت أنها غير مقدرة وأنها على قدر كفايتها، وإنما يجب ذَلِكَ كله بالعقد والتمكين، وهو عوض عن الاستمتاع عند العلماء.

стр. 15457

١٠ - باب حِفظِ المَرْأَةِ زَوْجَهَا فِي ذَاتِ يَدِهِ وَالنَّفَقَةِ ٥٣٦٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ، وَأَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ نِسَاءُ قُرَيْشٍ -وَقَالَ الآخَرُ: صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ- أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ». وَيُذْكَرُ عَنْ مُعَاوِيَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [انظر: ٣٤٣٤ - مسلَم: ٢٥٢٧ - فتح: ٩/ ٥١١] ذكر فيه حديث ابن طاوس عَنْ أَبِيهِ، وَأَبي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإبِلَ نِسَاءُ قرَيْشٍ -وَقَالَ الآخَرُ: صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ- أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ في صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ". وَيُذْكَرُ عَنْ مُعَاوِيَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ هذا الحديث سلف في أوائل النكاح من حديث أبي الزناد، وأخرجه مسلم عنهما قال أحدهما: "صالح نساء قريش". وقال الآخر: "نساء قريش أحناه على يتيم في صغره". وفي حديث ابن المسيب عنه، وفي آخره يقول أبو هريرة على إثر ذَلِكَ ولم تركب ابنة عمران بعيرًا قط والنبي ﷺ قال: "خير نساءٍ ركبن الإبل" (١). وذكر صاحب "النجم الثاقب فيما ورد في قريش من المناقب" (٢) من

стр. 15458

حديث ابن سيرين وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، وكأنّ أبا هريرة فهم أن البعير من الإبل فقط، وليس كذلك بل تكون أيضًا حمارًا قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] قال ابن خالويه: لم يكن إخوة يوسف ركبانًا إلا على أحمرة، لم يكن عندهم إبل تحملهم في أسفارهم وشبهها على الأحمرة. وكذا قال مجاهد: البعير هنا الحمار (١)، وهي لغة، حكاه الكواشي (٢). ومراد أبي هريرة أن هذا الحديث لا يؤخذ منه أن القريشات أفضل من مريم؛ لأنها لم تركب بعيرًا قط، والشارع قال: "خير نساء ركبن الإبل" ذكره ابن التين. وفي هذا الحديث تفضيل نساء قريش على سائر العرب لمعنيين: أحدهما: الحنو على الولد والتهمم بأمره وحسن تربيته واللطافة به. ثانيهما: حفظ ذات اليد وعون الزوج على دهره، وبهما تفضل المرأة عند الله وعند رسوله. وكذلك يروى عن عمر أنه مدح المرأة التي تعين على الدهر ولا تعين الدهر عليك (٣) وقال الحسن في تفسير هذا الحديث: الحانية: التي لا تتزوج ولها ولد، وهو من الحنو والعطف والشفقة.

стр. 15459

وعند أهل اللغة كما قال ابن التين: هي التي تقيم على ولدها، فلا تتزوج، يقال: حَنَت تحنو، وأحنى يحني، وحنى يحنى إذا أشفق، فإن تزوجت فليست بحانية "وأرعاه" من الرعاية.

стр. 15460

١١ - باب كِسْوَةِ المَرْأَةِ بِالْمَعْرُوفِ ٥٣٦٦ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: آتَى إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ حُلَّةً سِيَرَاءَ فَلَبِسْتُهَا، فَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، فَشَقَّقْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي. [انظر: ٢٦١٤ - مسلم ٢٠٧١ - فتح: ٩/ ٥١٢]. ذكر فيه حديث علي ﵁ قال: آتى إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ حُلَّةً سِيَرَاءَ فَلَبِسْتُهَا، فَرَأَيْتُ الغَضبَ فِي وَجْهِهِ، فَشَقَّقْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي خمرًا. هذا الحديث سلف في الهبة، وهو مطابق لما ترجم له، وقام الإجماع أن للمرأة نفقتها وكسوتها بالمعروف، وأنه واجبٌ عليه، وقد ذكر بعض أهل العلم أنه يلزمه أن يكسو ثياب بلد كذا، والصحيح ألا يحمل أهل البلدان على كسوة واحدة، وأن يؤمر أهل كل بلد من الكسوة بما يجري في عرف بلدتهم بقدر ما يطيقه المأمور على قدر الكفاية لهم، أو ما يصلح لمثلها، وعلى قدر عسره ويسره، ألا ترى أن عليًّا ﵁ شق الحلة بين نسائه حين لم يقدر على أن يكسو كل واحدة منهن حلة حلة. قلت: لم يكن له إذ ذاك غير فاطمة، وإن كان ظاهر قوله: (بين نسائي). يقتضي خلافه، وكذا قوله: شققتها خُمرًا بين الفواطم، ولذلك قال- ﵇: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" ولو كان في ذَلِكَ حد معلوم لأمرها به، فينبغي للحاكم أن يجتهد في ذَلِكَ بقدر ما يراه. قال ابن التين: وسيرا بالقصر (١).

стр. 15461

ومعنى: آتاه (١) جاءه أو أرسل إليه، ولأبي الحسن: أهدى إليَّ قال: وأبين منه أتاني النبي بحلة. وسقطت الياء فتعدى الفعل فقط، قال الداودي: والسيراء منتقلة كالشعرى. قال أبو عبيد: لا تسمى حلة حتَّى تكون من ثوبين.

стр. 15462

١٢ - باب عَوْنِ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا فِي وَلَدِهِ ٥٣٦٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ -قَالَ: هَلَكَ أَبِي وَتَرَكَ سَبْعَ بَنَاتٍ -أَوْ تِسْعَ بَنَاتٍ- فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً ثَيِّبًا، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : «تَزَوَّجْتَ يَا جَابِرُ؟». فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: «بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا». قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبًا. قَالَ: «فَهَلاَّ جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ، وَتُضَاحِكُهَا وَتُضَاحِكُكَ!». قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ عَبْدَ اللهِ هَلَكَ وَتَرَكَ بَنَاتٍ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَجِيئَهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ، فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً تَقُومُ عَلَيْهِنَّ وَتُصْلِحُهُنَّ. فَقَالَ: «بَارَكَ اللهُ [لَكَ]». أَوْ [قَالَ] خَيْرًا. [انظر: ٤٤٣ - مسلم: ٧٥١ - فتح: ٩/ ٥١٣] ذكر فيه حديث جابر: ﵁ أن عبد الله هَلَكَ وَتَرَكَ سَبْعَ بَنَاتٍ -أَوْ تِسْعَ بَنَاتٍ- وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَجِيئَهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ، فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً تَقُومُ عَلَيْهِنَّ وَتُصْلِحُهُنَّ. فَقَالَ: "بَارَكَ اللهُ لَكَ". أَوْ قَالَ "خَيْرًا". وقد سلف، وعون المرأة زوجها في (ولده من غيرها) (١) ليس بواجب عليها، وإنما هو من حسن الصحبة وجميل المعاشرة، ومن سير صالحات النساء وذوي الفضل منهن مع أزواجهن، وقد سلف هل تلزم المرأة خدمة زوجها قبل، فراجعه.

стр. 15463

١٣ - باب نَفَقَةِ الْمُعْسِرِ عَلَى أَهْلِهِ ٥٣٦٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلَكْتُ. قَالَ: «وَلِمَ؟». قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى أَهْلِي فِي رَمَضَانَ. قَالَ: «فَأَعْتِقْ رَقَبَةً». قَالَ: لَيْسَ عِنْدِي. قَالَ: «فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ». قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ. قَالَ: «فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا». قَالَ: لَا أَجِدُ. فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، فَقَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ؟». قَالَ: هَا أَنَا ذَا. قَالَ: «تَصَدَّقْ بِهَذَا». قَالَ: عَلَى أَحْوَجَ مِنَّا يَا رَسُولَ اللهِ؟!، فَوَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا. فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ قَالَ: «فَأَنْتُمْ إِذًا». [انظر: ١٩٣٦ - مسلم: ١١١١ - فتح: ٩/ ٥١٣]. ذكر فيه حديث أبي هريرة ﵁ في المجامع في رمضان. وقد سلف أخذًا من قوله لما أمره بالتصدق بالعرق. وقوله: (على أحوج منا). وقوله: ("فأنتم إذًا"). وجاء في موضع آخر: "فأطعمه أهلك " وأراد البخاري به إثبات نفقة المعسر على أهله، ووجوبها عليه، وذلك أنه ﵇ أباح له إطعام أهله بوجود العرق من التمر، ولم يقل له أن ذَلِكَ يجزئك عن الكفارة؛ لأنه قد تعين عليه فرض النفقة على أهله بوجود العرق وهو ألزم من الكفارة. وزعم الطبري أن قياس قول أبي حنيفة والثوري أن الكفارة دين عليه لا يسقطها عنه عسره، وهو قول مالك وعامة العلماء، وأصلهم أن كل ما لزم أداؤه في اليسار لزم الذمة إلى الميسرة. واحتج بعضهم بقوله: هلكت. على أنه كان متعمدًا؛ لأنه لو كان ناسيًا لم يقل: هلكت، وقيل: إنه لما دفع إليه العرق كان محتاجًا لم يجز له أن يتصدق به؛

стр. 15464

لأن أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى، فلما أكل منه قوت يومه فنقص فلم يُجْزِه فأكله. وثبتت الكفارة عليه. واختلف فيمن أتى أهله ناسيًا فقال مالك والشافعي: لا كفارة عليه (١) وقال عنه ابن نافع وابن الماجشون عليه كفارة (٢) واحتج بالحديث؛ إذ لم يتبين هل هو عمد أو نسيان. وقوله: ("فأعتق رقبة" قال: ليس عندي. قال: "فصم شهرين متتابعين") ظاهره أنه على الترتيب، وهو مذهب الشافعي (٣)، وبه قال ابن حبيب، وقال مالك على التخيير واستحب الإطعام (٤). وقوله: ("فأطعم ستين مسكينًا") هو عند مالك لكل واحد مد (٥) ككفارة اليمين، وعند أبي حنيفة نصف صاع من بر (٦). والعرَق بفتح الراء على الأشهر هو الزنبيل يسع خمسة عشر صاعًا إلى عشرين. وقد فسره في الحديث بالمكتل وهو نحو منه، والمكتل كالقفة والزَّنبيل، وضبطه بعضهم بالسكون وصحح وأنكر، والأشهر الأول جمع عرقه، وهي الضفيرة التي يماط منها القفة، وأما بالسكون فهو العظم عليه بقية اللحم، يقال: عرقته مجتمعًا. واعترقته وتعرقته: إذا أكلت ما عليه بأسنانك، وقال ابن فارس: هو المضفور بالخوص قبل أن يصير زنبيلًا.

стр. 15465

وقوله: (فيه تمر) قد سلف أنه خمسة عشر صاعًا إلى عشرين، وهو ما في "الموطأ" (١) ورواه ابن حبيب عن مالك، وروت عائشة: عشرون صاعًا (٢). وقيل: إنه كلمة حزر وتقدير، والظاهر أنه خمسة عشر صاعًا فقط. وقوله: (فضحك حَتَّى بدت أنيابه). أي: ظهرت، ولعل سببه أنه وجبت عليه الكفارة ليخرجها فأخذها فحملها، وهو مع ذَلِكَ غير آثم، وهذا من تطول (٣) ربِّنَا وامتنانه. وهل يكون أكله له يجزئ عن كفارته؟ قال الزهري: إنه خصوص له، وقيل: لا. وإنما يتبلغ به من الحاجة وتبقى في ذمته، وهو الأظهر عندنا، وقيل: لما دفعه إليه كان محتاجًا فلم يجز له أن يتصدق به؛ لأن أفضل الصدقة ما كان على ظهر غنى، فلما أكل منه قوت يومه نقص كما سلف فلم يُجْزه فأكله وثبتت في الذمة، وهذا كله سلف فلا بأس بإعادته؛ لبعد العهد به.

стр. 15466

١٤ - باب ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وهلْ عَلَى المَرْأَةِ مِنْهُ شَيء؟ ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾ الآية ٥٣٦٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ لِي مِنْ أَجْرٍ فِي بَنِي أَبِي سَلَمَةَ أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْهِمْ، وَلَسْتُ بِتَارِكَتِهِمْ هَكَذَا وَهَكَذَا، إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، لَكِ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ». [انظر:١٤٦٧ - مسلم: ١٠٠١ - فتح: ٩/ ٥١٤] ٥٣٧٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: قَالَتْ هِنْدُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِينِي وَبَنِيَّ؟ قَالَ: «خُذِي بِالْمَعْرُوفِ». [انظر: ٢٢١١ - مسلم: ١٧١٤ - فتح: ٩/ ٥١٤] ثم ساق حديث أم سلمة ﵄: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ لِي مِنْ أَجْرٍ فِي بَنِي أَبِي سَلَمَةَ أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْهِمْ، وَلَسْتُ بِتَارِكَتِهِمْ هَكَذَا وَهَكَذَا، إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ؟ قَالَ: "نَعَمْ، لَكِ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ". وقد سلف في الزكاة، وحديث هند (١) السالف. اختلف العلماء في تأويل قوله تعالى ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ فعن ابن عباس عليه أن لايضار، وهو قول الشعبي ومجاهد والضحاك ومالك، قالوا: عليه أن لا يضار، ولا غرم عليه (٢). وقالت طائفة: ما كان عَلَى الوارث من أجرة الرضاع إذا كان الولد لا مال له. ثم اختلفت هذِه الطائفة في مَن الوارث الذي عناه الله تعالى

стр. 15467

في الآية عَلَى أقوال: فقالت طائفة: هو كل وارث للأب، أخًا كان أو عمًّا أو ابن عمًّ أو ابن أخ، روي هذا عن الحسن البصري قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ على الرجال دون النساء (١). وقال آخرون: هو مِن ورثته مَن كان ذا رحم محرم للمولود، فأما مَن كان ذا رحم وليس بمحرم كابن العم والمولى فليس ممن عناه الله بالآية، هذا قول أبي حنيفة وأصحابه. وقال آخرون: هو المولود نفسه. روي عن قبيصة بن ذؤيب والضحاك وتأولوا: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ﴾: المولود، ما كان على المولود له. (٢) وقال آخرون: الباقي من والدي المولود بعد وفاة الآخر منهما، وهذا يوجب أن تدخل الأم في الورثة الذين عليهم أجر الرضاع، فيكون عليها رضاع ولدها واجبًا إن لم يترك أبوه مالاً، روي هذا عن زيد بن ثابت قال: إذا خلف أُمًّا أو عمًّا فعلى كل واحد منهما رضاعة بقدر ميراثه. وهو قول الثوري (٣)، وإلى رد هذا القول أشار البخاري بقوله: وهل على المرأة منه شيء؟ وتلا الآية الكريمة يعني: من رضاع الصبي ومؤنته، فذكر قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾، وشبه منزلة المرأة من الوارث بمنزلة الأبكم الذي لا يقدر عَلَى النطق من المتكلم وجعلها كلا على من يعولها. وذكر حديث أم سلمة، والمعنى فيه أن أم سلمة كانت لها أبناء من أبي سلمة ولم يكن لهم نفقة، فسألت رسول الله ﷺ إن كان لها أجر في

стр. 15468

الإنفاق عليهم بما يعطيها رسول الله ﷺ ، فأخبرها أن لها أجراً فى ذلك، فدل أن نفقة بنيها لا تجب عليها، ولو وجبت عليها لم تقل له: ولست بتاركتهم، لبَيّن لها أن نفقتهم واجبة عليها سواء تركتهم أو لم تتركهم. وأما حديث هند فإنه ﵇ أطلقها على أخذ نفقة بنيها من مال الأب، ولم يوجبها كما أوجبها على الأب. فاستدل البخاري أنه لم يلزم الأمهات نفقة الأبناء في حياة الآباء، فكذلك لا يلزمهن بموت الآباء. وحجة أخرى: وذلك أن قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ بين أكل ورضاع الأبناء، فكيف يعطين بأول الآية وتجب عليهن نفقة الأبناء في آخرها. وأما من قال ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ هو الولد فيقال له: لو أريد بذلك الولد لقال تعالى: وعلى المولود مثل ذلك، فلما قال ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ وكان الوارث اسمًا عامًّا يقع على جماعة غير الولد لم يجز أن يخص به الولد ويقتصر عليه دون غيره إلا بدلالة بينة وحجة واضحة. وأما قول أبي حنيفة في إيجابه رضاع الصبي ونفقته على كل ذي رحم مَحْرم مثل أن يكون له ابن أخت صغير محتاج، وابن عم كذلك، وهو وارثه، فإن النفقة تجب على الخال لابن أخته الذي لا يرثه، ويسقط عن ابن العم لابن عمه الذي يرثه. قال إسماعيل بن إسحاق: فقالوا قولًا ليس في كتاب الله، ولا يعلم أحد قاله، وإنما أوجب بعضهم الرضاعة على الوارث؛ لما تأول من القرآن، وأسقط بعضهم ذلك عنه لما تأول أيضًا، وهم الذين قالوا: على الوارث ألا يضار ولا غرم عليه، فأخذ النفقة على كل رحم

стр. 15469

محرم، فليس في قولهم تأويل للقرآن، ولا اتباع الحديث، ولا قياس على أجل يرجع إليه، ومذهب مالك في هذا الباب: أنه لا تجب نفقة الصغير إلا على الأب خاصة، وهو المذكور في قوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ وقوله: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فلما وجب على الأب الإنفاق على من يرضع أنه وجب عليه النفقة على ولده إذا خرج من الرضاع ما دام صغيرًا، ووجب أن يغذى بالطعام كما كان يغذى بالرضاع، ولم تجب النفقة على الوارث لما في تأويل الآية من الاختلاف، وليس مجراهم في النظر مجرى الأب؛ لأن الأب وجب عليه رضاع ولده حين وُلِدَ، ولم يجب على غيره من ورثته، فلا يرجع ذَلِكَ عليهم بعد، إن لم يكن واجبًا في الأصل إلا بحجة، وكان يجب على قولهم: إذا مات الرجل عن امرأته وهي حامل ولم يخلف مالاً أن يلزموا العصب النفقة على المرأة من أجل ما في بطنها، وكان يجب على مذهب أبي حنيفة أن يُلْزِموا كل ذي رحم مَحْرم النفقة على هذِه الأم؛ من أجل ما في بطنها كما يُلزمون أجر رضاعه إذا وضعته أمه؛ لأنهم إنما كانوا يلزمون الرحم النفقة على الأم التي ترضع المولود؛ من أجل المولود (١).

стр. 15470

١٥ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ تَرَكَ كَلاًّ أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ» ٥٣٧١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْمُتَوَفَّى عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَيَسْأَلُ «هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ فَضْلاً؟». فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً صَلَّى، وَإِلاَّ قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ». فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ قَالَ: «أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَتَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ». [انظر: ٢٢٩٨ - مسلم: ١٦١٩ - فتح: ٩/ ٥١٥] ذكر فيه حديث أبي هريرة ﵁ أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ المُتَوَفَّى عَلَيْهِ الدَّيْنُ، .. الحديث. وفي آخره: (فمن توفي من المؤمنين وترك دينًا فعلي قضاؤه، ومن ترك مالاً فلورثته). هذا الحديث سلف في الكفالة. والكَلُّ في اللغة: بفتح الكاف: العيال والثقل، قاله ابن فارس (١)، والضَياع: بفتح الضاد مصدر ضاع الشيء يضيع ضياعًا إذا ذهب (٢).

стр. 15471

١٦ - باب الْمَرَاضِعِ مِنَ الْمَوَالِيَاتِ وَغَيْرِهِنَّ ٥٣٧٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، أَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، انْكِحْ أُخْتِي ابْنَةَ أَبِي سُفْيَانَ. قَالَ: «وَتُحِبِّينَ ذَلِكَ؟». قُلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي فِي الْخَيْرِ أُخْتِي. فَقَالَ: «إِنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ لِي». فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَوَاللهِ إِنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ دُرَّةَ ابْنَةَ أَبِي سَلَمَةَ. فَقَالَ: «ابْنَةَ أُمِّ سَلَمَةَ؟». فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: "فَوَاللهِ لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حَجْرِي مَا حَلَّتْ لِي، إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ، فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ ". وَقَالَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: قَالَ عُرْوَةُ: ثُوَيْبَةُ أَعْتَقَهَا أَبُو لَهَبٍ. [انظر: ٥١٠١ - مسلم: ١٤٤٩ - فتح: ٩/ ٥١٦]. ذكر فيه حديث عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عن عُرْوَةَ، عن زينَبَ ابنةِ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ، عن أُمَّ حَبِيبَةَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، انْكِحْ أُخْتِي ابنةَ أَبِي سُفْيَانَ. قَالَ: "وَتُحِبِّينَ ذَلِكَ؟ " الحديث السالف. وَقَالَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: قَالَ عُرْوَةُ: ثُوَيْبَةُ أَعْتَقَهَا أَبُو لَهَبٍ. والترجمة مطابقة، وكانت العرب في أول أمرها تكره رضاع الإماء وتقتصر على العربيات من الضرر به؛ طلبًا لنجابة الولد، فأنبأهم الشارع أن قد رضع في غير العرب وأن رضاع الإماء لا يهجن. وثويبة: كانت جارية لأبي لهب كما سلف. أعتقها حين بشرته بولادة رسول الله ﷺ ، ولم تزل العرب تنتفي من إرضاع الإماء. قال القَتّال الكلابي -واسمه عبيد بن المضرحي كذا أسماه المبرد (١)،

стр. 15472

وسماه الزمخشري عبادة بن مجيب، وسماه ابن ماكولا: عبد الله (١)، وعن الأصمعي: عقيل بن العرندس (٢) -: لا أرضع الدهر إلا ثدي واضحة … لواضح الخد يحمي حوزة الجار وفيه: أن الأخوة بالرضاع حرمتها كحرمة الأخوة بالنسب. فصل: قوله ﵇: "بنت أم سلمة" إنما هو على وجه التقرير على تصحيح المسألة؛ لأنه قد كان يجوز له ﵇ أن ينكح بنات أبي سلمة من غير أم سلمة أم المؤمنين؛ لأن الجمع بين امرأة الرجل وابنته من غيرها حلال عند جماعة الفقهاء، إذ لا نسب بينهما كما سلف. فصل: المواليات: قال ابن بطال: كان الأقرب أن يقول: الموليات: جمع مولاة، والمواليات: جمع مولى جمع التكسير (ثم) (٣) جمع موالي جمع السلامة بالألف والتاء فصار مواليات جمع الجمع (٤) وقال ابن التين: ضبط بضم الميم وفتحها، والوجه الضم أنه اسم فاعل من والت موالٍ. آخر النكاح (٥) والحمد لله وحده.

стр. 15473

٧٠ كتاب الأطعمة

стр. 15474

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٧٠ - كتاب الأطعمة وَ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. وَقَوْلِهِ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ و ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾. [المؤمنون: ٥١] . ٥٣٧٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَطْعِمُوا الْجَائِعَ، وَعُودُوا الْمَرِيضَ، وَفُكُّوا الْعَانِيَ». قَالَ سُفْيَانُ: وَالْعَانِي: الأَسِيرُ. [انظر: ٣٠٤٦ - فتح: ٩/ ٥١٧]. ٥٣٧٤ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ طَعَامٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى قُبِضَ. [مسلَم: ٢٩٧٦ - فتح: ٩/ ٥١٧]. ٥٣٧٥ - وَعَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَصَابَنِي جَهْدٌ شَدِيدٌ، فَلَقِيتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَاسْتَقْرَأْتُهُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللهِ، فَدَخَلَ دَارَهُ وَفَتَحَهَا عَلَيَّ، فَمَشَيْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ، فَخَرَرْتُ لِوَجْهِي مِنَ الْجَهْدِ وَالْجُوعِ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي فَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ». فَقُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. فَأَخَذَ بِيَدِى فَأَقَامَنِي، وَعَرَفَ الَّذِي بِي

стр. 15475

فَانْطَلَقَ بِي إِلَى رَحْلِهِ، فَأَمَرَ لِي بِعُسٍّ مِنْ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: «عُدْ يَا أَبَا هِرٍّ». فَعُدْتُ فَشَرِبْتُ، ثُمَّ قَالَ: «عُدْ». فَعُدْتُ فَشَرِبْتُ حَتَّى اسْتَوَى بَطْنِي فَصَارَ كَالْقِدْحِ. قَالَ: فَلَقِيتُ عُمَرَ وَذَكَرْتُ لَهُ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِي وَقُلْتُ لَهُ: تَوَلَّى اللهُ ذَلِكَ مَنْ كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْكَ يَا عُمَرُ، وَاللهِ لَقَدِ اسْتَقْرَأْتُكَ الآيَةَ وَلأَنَا أَقْرَأُ لَهَا مِنْكَ. قَالَ عُمَرُ: وَاللهِ لأَنْ أَكُونَ أَدْخَلْتُكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي مِثْلُ حُمْرِ النَّعَمِ. [انظر: ٦٢٤٦ - مسلم: ٦٤٥٢ - فتح: ٩/ ٥١٧] ذكر ابن بطال هذا الباب بعد الطب وقبل التعبير، ولا أدري لم ذكره هناك، وذكر عقب النفقات الشهادات، وهي مقدمة كما سلف، وكذا ساق الآية الثانية بلفظ (كلو من طيبات ما كسبتم) والتلاوة: ﴿أَنْفِقُوا﴾ بدل ﴿كُلُوا﴾ (١). وسئل الفضيل بن عياض عمن يترك الطيبات من الجواري واللحم والخبيص للزهد؟ فقال: وما أكل الخبيص بأس، ليتك تتقي الله وتأكل؛ إن الله لا يكره أن تأكل الحلال إذا اتقيت الحرام. والمراد بالطيبات الحلال، وقيل: جيده وطيبه، يؤيده حديث البراء بن عازب ﵄: كانوا يتصدقون بالرديء من ثمرتهم وطعامهم فنزلت الآية الثالثة لهذِه (٢). ولم يختلف أهل التأويل في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ أنها نزلت فيمن حرم على نفسه لذيذ
следующие страницы →