← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 15471–15510 · переход к 15476.

стр. 15471

١٦ - باب الْمَرَاضِعِ مِنَ الْمَوَالِيَاتِ وَغَيْرِهِنَّ ٥٣٧٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، أَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، انْكِحْ أُخْتِي ابْنَةَ أَبِي سُفْيَانَ. قَالَ: «وَتُحِبِّينَ ذَلِكَ؟». قُلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي فِي الْخَيْرِ أُخْتِي. فَقَالَ: «إِنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ لِي». فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَوَاللهِ إِنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ دُرَّةَ ابْنَةَ أَبِي سَلَمَةَ. فَقَالَ: «ابْنَةَ أُمِّ سَلَمَةَ؟». فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: "فَوَاللهِ لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حَجْرِي مَا حَلَّتْ لِي، إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ، فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ ". وَقَالَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: قَالَ عُرْوَةُ: ثُوَيْبَةُ أَعْتَقَهَا أَبُو لَهَبٍ. [انظر: ٥١٠١ - مسلم: ١٤٤٩ - فتح: ٩/ ٥١٦]. ذكر فيه حديث عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عن عُرْوَةَ، عن زينَبَ ابنةِ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ، عن أُمَّ حَبِيبَةَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، انْكِحْ أُخْتِي ابنةَ أَبِي سُفْيَانَ. قَالَ: "وَتُحِبِّينَ ذَلِكَ؟ " الحديث السالف. وَقَالَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: قَالَ عُرْوَةُ: ثُوَيْبَةُ أَعْتَقَهَا أَبُو لَهَبٍ. والترجمة مطابقة، وكانت العرب في أول أمرها تكره رضاع الإماء وتقتصر على العربيات من الضرر به؛ طلبًا لنجابة الولد، فأنبأهم الشارع أن قد رضع في غير العرب وأن رضاع الإماء لا يهجن. وثويبة: كانت جارية لأبي لهب كما سلف. أعتقها حين بشرته بولادة رسول الله ﷺ ، ولم تزل العرب تنتفي من إرضاع الإماء. قال القَتّال الكلابي -واسمه عبيد بن المضرحي كذا أسماه المبرد (١)،

стр. 15472

وسماه الزمخشري عبادة بن مجيب، وسماه ابن ماكولا: عبد الله (١)، وعن الأصمعي: عقيل بن العرندس (٢) -: لا أرضع الدهر إلا ثدي واضحة … لواضح الخد يحمي حوزة الجار وفيه: أن الأخوة بالرضاع حرمتها كحرمة الأخوة بالنسب. فصل: قوله ﵇: "بنت أم سلمة" إنما هو على وجه التقرير على تصحيح المسألة؛ لأنه قد كان يجوز له ﵇ أن ينكح بنات أبي سلمة من غير أم سلمة أم المؤمنين؛ لأن الجمع بين امرأة الرجل وابنته من غيرها حلال عند جماعة الفقهاء، إذ لا نسب بينهما كما سلف. فصل: المواليات: قال ابن بطال: كان الأقرب أن يقول: الموليات: جمع مولاة، والمواليات: جمع مولى جمع التكسير (ثم) (٣) جمع موالي جمع السلامة بالألف والتاء فصار مواليات جمع الجمع (٤) وقال ابن التين: ضبط بضم الميم وفتحها، والوجه الضم أنه اسم فاعل من والت موالٍ. آخر النكاح (٥) والحمد لله وحده.

стр. 15473

٧٠ كتاب الأطعمة

стр. 15474

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٧٠ - كتاب الأطعمة وَ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. وَقَوْلِهِ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ و ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾. [المؤمنون: ٥١] . ٥٣٧٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَطْعِمُوا الْجَائِعَ، وَعُودُوا الْمَرِيضَ، وَفُكُّوا الْعَانِيَ». قَالَ سُفْيَانُ: وَالْعَانِي: الأَسِيرُ. [انظر: ٣٠٤٦ - فتح: ٩/ ٥١٧]. ٥٣٧٤ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ طَعَامٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى قُبِضَ. [مسلَم: ٢٩٧٦ - فتح: ٩/ ٥١٧]. ٥٣٧٥ - وَعَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَصَابَنِي جَهْدٌ شَدِيدٌ، فَلَقِيتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَاسْتَقْرَأْتُهُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللهِ، فَدَخَلَ دَارَهُ وَفَتَحَهَا عَلَيَّ، فَمَشَيْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ، فَخَرَرْتُ لِوَجْهِي مِنَ الْجَهْدِ وَالْجُوعِ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي فَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ». فَقُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. فَأَخَذَ بِيَدِى فَأَقَامَنِي، وَعَرَفَ الَّذِي بِي

стр. 15475

فَانْطَلَقَ بِي إِلَى رَحْلِهِ، فَأَمَرَ لِي بِعُسٍّ مِنْ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: «عُدْ يَا أَبَا هِرٍّ». فَعُدْتُ فَشَرِبْتُ، ثُمَّ قَالَ: «عُدْ». فَعُدْتُ فَشَرِبْتُ حَتَّى اسْتَوَى بَطْنِي فَصَارَ كَالْقِدْحِ. قَالَ: فَلَقِيتُ عُمَرَ وَذَكَرْتُ لَهُ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِي وَقُلْتُ لَهُ: تَوَلَّى اللهُ ذَلِكَ مَنْ كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْكَ يَا عُمَرُ، وَاللهِ لَقَدِ اسْتَقْرَأْتُكَ الآيَةَ وَلأَنَا أَقْرَأُ لَهَا مِنْكَ. قَالَ عُمَرُ: وَاللهِ لأَنْ أَكُونَ أَدْخَلْتُكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي مِثْلُ حُمْرِ النَّعَمِ. [انظر: ٦٢٤٦ - مسلم: ٦٤٥٢ - فتح: ٩/ ٥١٧] ذكر ابن بطال هذا الباب بعد الطب وقبل التعبير، ولا أدري لم ذكره هناك، وذكر عقب النفقات الشهادات، وهي مقدمة كما سلف، وكذا ساق الآية الثانية بلفظ (كلو من طيبات ما كسبتم) والتلاوة: ﴿أَنْفِقُوا﴾ بدل ﴿كُلُوا﴾ (١). وسئل الفضيل بن عياض عمن يترك الطيبات من الجواري واللحم والخبيص للزهد؟ فقال: وما أكل الخبيص بأس، ليتك تتقي الله وتأكل؛ إن الله لا يكره أن تأكل الحلال إذا اتقيت الحرام. والمراد بالطيبات الحلال، وقيل: جيده وطيبه، يؤيده حديث البراء بن عازب ﵄: كانوا يتصدقون بالرديء من ثمرتهم وطعامهم فنزلت الآية الثالثة لهذِه (٢). ولم يختلف أهل التأويل في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ أنها نزلت فيمن حرم على نفسه لذيذ

стр. 15476

الطعام واللذائذ المباحة. قال عكرمة: إنها نزلت في عثمان بن مظعون وأصحابه حين هموا بترك النساء واللحم، والخصي، وأرادوا التخلي من الدنيا والترهب (١)، منهم: علي وعثمان بن مظعون، وقد سلف شيء من هذا في باب: ما يكره من التبتل والخصاء. ثم ذكر البخاري حديث أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁، أن النَّبِي ﷺ قَالَ: "أَطْعِمُوا الجَائِعَ، وَعُودُوا المَرِيضَ، وَفُكُّوا العَانِيَ". قَالَ سُفْيَانُ: وَالْعَانِي: الأَسِيرُ. هذا الحديث سلف قريبًا في الوليمة بلفظ: "فكوا العاني وأجيبوا الداعي وعودوا المريض" (٢). وأبو وائل اسمه شقيق بن سلمة، وأبو موسى اسمه عبد الله بن قيس بن سليم. وكل من ذل واستكان وخضع فقد عنا يعنو وهو عان، والمرأة عانية، جمعها عوان، ومنه الحديث: "اتقوا الله في النساء؛ فإنهن عوان عندكم" كالأسرى (٣). وفيه حديث المقدام: "الخال وارث من لا وارث له؛ يفك عانه" (٤)

стр. 15477

أي: عانيه، فحذف الياء، وفي رواية "يفك عينه". عني يعنو عنوا - وعينًا. ومعنى الأسر في حديث الخال: ما يلزمه، ويتعلق به بسبب الجنايات التي سبيلها أن تتحملها العاقلة، هذا عند من يورث الخال ومن لا يورثه يقول: معناه طعمة أطعمها الخال لا أن يكون وارثًا، كما قاله ابن الأثير (١). وفي هذا الحديث الأمر بالمواساة وإطعام الجائع، وذلك من فروض الكفاية. قال الداودي: إلا أن يحتاج الرجل ولا يجد ما يقيمه يحق على من علم ذَلِكَ منه أن يعطيه ما يقيم به شأنه، وله أن يأخذ ذَلِكَ منه كرهًا وأن يختفي به إن لم يقدر عليه إلا بذلك، ومنه إعطاء السائل إن صادف شيئًا موضوعًا كان حقًّا على المسئول أن ينيله منه، وإن لم يجد شيئًا حاضرًا، وعلم المسئول أنه ليس له شيء يقيمه، وجب عليه أن يعينه، وإن لم يعلم حاله فليقل له قولًا رقيقًا. وقد سلف شيء من هذا المعنى في باب: فكاك الأسير من الجهاد. ثم ساق البخاري حديث محمد بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ واسمه سلمان، مولى عزة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: ما شبع آل محمد ﷺ مِنْ طَعَامٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى قُبِضَ. وَعَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: أَصَابَنِي جَهْدٌ شَدِيدٌ، فَلَقِيتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، فَاسْتَقْرَأْتُهُ آية مِنْ كِتَابِ اللهِ .. الحديث. وفيه: حَتَّى اسْتَوى بَطْنِي فَصارَ كَالْقِدْحِ .. إلى آخره. والسند الثاني معطوف على الأول من غير شك، وعند مسلم:

стр. 15478

ما شبع رسول الله ﷺ وأهله ثلاثًا تباعًا من خبز البر حَتَّى فارق الدنيا (١). روى المقدام بن معدي كرب مرفوعًا فيما أخرجه الزمخشري في "ربيعه": "ما ملأ ابن آدم وعاء شرًّا من بطن، بحسب الرجل من طعامه ما أقام صلبه" (٢). وأخرج من حديث حذيفة مرفوعًا: "من أقل طعمه صح بطنه وصفا قلبه، ومن كثر طعمه سقم بطنه وقسا قلبه" (٣). وفي لفظ: "لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب؛ فإن القلب ثمرة كالزرع إن كثر عليه الماء انتهى" (٤). فيحتمل أن تركه ﵇ الشبع لهذا لا للعدم، وأجمعت العرب كما قال فضيل بن عياض على أن الشبع من الطعام لوم، بل نص الشافعي على أن الجوع يدلي. والجهد فيه بضم الجيم وفتحها لغتان، وقال نفطويه: الضم الوسع والطاقة، والفتح المبالغة والغاية. وقال الشعبي: الضم للمشقة، والفتح القل، وقوله: (فأمر لي بعس من لبن) هو القدح الضخم وجمعه عساس (٥).

стр. 15479

وقوله: (فشربت حَتَّى استوى بطني فصار كالقدح). هو السهم إذا قوم، وذلك أن السهم أول ما يقطع قطعًا، ثم يبرى يسمى بريًا، ثم يقوم، فيقال: القدح، وهو السهم إذا قوم، وذلك أن السهم يراش ثم يركب نصله، فهو حينئذٍ سهم. والمراد: إن بطنه استوى فامتلأ فصار كالسهم. وقوله: (قال عمر: والله لأن أكون أدخلتك أحب إلى من أن يكون لي حمر النعم). هذا حث منه، وحرص على فعل الخير والمواساة. والحمر: لون محمود في الإبل، يريد يملكها ويضعها في سبل الخير، فهي أحسنها وأطهرها جلدًا قال حُنَيْفُ الحناتِم. الرمكاء (١) نهيا والحمراء صُبْرى … والخوَّارة غُزرى والصهباء سرعى وقالت بنو عبس: ما صبر معنا في حربنا من النساء إلا بنات العم، ومن الإبل إلا الحمر، ومن الخيل إلا الكميت. وفي حديث أبي هريرة هذا التعريض بالمسألة والاستحياء وذكر الرجل ما كان أصابه من الجهد. وفي هذا الحديث إباحة الشبع عند الجوع؛ لقوله: (فشربت حَتَّى استوى بطني وصار كالقدح). يعني: السهم في استوائه؛ لأنه لما روي من اللبن استقام بطنه وصار كأنه سهم؛ لأنه كان بالجوع ملتصقًا مثنيًّا. وفيه: ما كان السلف عليه من الصبر على التقلل وشظف (٢) العيش والرضا باليسير في الدنيا؛ ألا ترى أن أبا هريرة لم يكن له هم إلا أن يسد

стр. 15480

عمر جوعه فقط، فلما سقاه الشارع حَتَّى روي أقنعه ذَلِكَ ولم يطلب سواه. وذلك دال على إيثارهم البلغة من الدنيا وطلبهم الكفاية، ألا ترى قول أبي هريرة: (ما شبع آل محمد من طعامٍ ثلاثًا حَتَّى قبض). ستأتي معاني هذا الحديث وما عارضه في باب: ما كان النبي ﷺ وأصحابه يأكلون. وفيه: سد الرجل خلة أخيه المؤمن إذا علم منه حاجة من غير أن يسأله ذَلِكَ. وفيه: أنه كان من عادتهم إذا استقرأ أحدهم صاحبه القرآن أن يحمله إلى بيته، ويطعمه ما تيسر عنده، والله أعلم لِمَ لمْ يحمل عمر أبا هريرة حين استقرأه أبو هريرة لشغل كان به، أو أنه لم يتيسر حينئذٍ ما يطعمه، وقد روي عن أبي هريرة أنه قال: (والله لقد استقرأت عمر الآية، وأنا أقرأ (١) منه إلا طمعًا في أن يذهب بي ويطعمني). وهو زائد على ما في البخاري من قوله: (والله لقد استقرأتك الآية وأنا أقرأ لها منك). وفيه: الحرص على أفعال البر، بأسف عمر على ما فاته من حمل أبي هريرة إلى بيته وإطعامه أن كان محتاجًا إلى الأكل، وأن ذَلِكَ كان أحب إليه من حمر النعم.

стр. 15481

٢ - باب التَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّعَامِ وَالأَكْلِ بِالْيَمِينِ ٥٣٧٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ: أَخْبَرَنِي أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ كَيْسَانَ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ يَقُولُ: كُنْتُ غُلَامًا فِي حَجْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَكَانَتْ يَدِى تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا غُلَامُ، سَمِّ اللهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ». فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ. ذكر فيه حديث عُمَرَ بْنَ أَبِي سلَمَةَ ﵁: كُنْتُ غُلَامًا فِي حَجْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "سَمِّ اللهَ (يا غلام) (١)، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ". فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ. هذا الحديث أخرجه بعد بلفظ: فجعلت آكل من نواحي الصحفة (٢). وأخرجه مسلم والأربعة (٣). ولأبي داود أنه: دخل على رسول الله ﷺ ومعه طعام فقال: "ادن يا بني، وسم الله، وكل بيمينك" (٤). وحديث حذيفة في مسلم يبين له أن الشيطان ليستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله عليه، ثم ذكر اسم الله وأكل (٥).

стр. 15482

وللترمذي مصححًا عن عائشة ﵂ مرفوعًا: "إذا أكل أحدكم طعامًا فليقل: بسم الله، فإن نسي في الأول فليقل في الآخر: بسم الله في أوله وآخره" (١). ولمسلم عن جابر مرفوعًا: "إذا دخل الرجل منزله فذكر الله عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء .. " الحديث (٢). وعن ابن عمر ﵄: "إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وليشرب بيمينه" (٣). وفي حديث أبي هريرة: "وليأخذ بيمينه وليعط بيمينه" (٤). ولأبي داود عن عائشة ﵂: كان ﵇ يأكل طعامًا في ستة من أصحابه، فجاء أعرابي فأكله بلقمتين فقال: "أما إنه لو سمى لكفاكم" (٥). وفي حديث عكراش بن ذؤيب قال: أكلت مع رسول الله ﷺ فخبطت بيدي في نواحي الصحفة، فقال: "يا عكراش كل من موضع

стр. 15483

واحد، فإنه طعام واحد" قال: وأتينا بطبق فيه ألوان الثمر فجعلت آكل من بين يدي وجالت يد رسول الله ﷺ في الطبق، فقال: "يا عكراش، كل من حيث شئت فإنه غير لون واحد" أخرجه الترمذي وقال: حديث غريب تفرد به العلاء بن الفضل (١) (٢). ولأبي بكر بن أبي عاصم في كتاب "الأطعمة" من حديث أبي سعيد الخدري: أتى النبي ﷺ بشاة مسمومة فقال لأصحابه: "اذكروا اسم الله وكلوا" قالوا: فأكلنا فلم تضر أحدًا منا (٣).

стр. 15484

ومن حديث أنس: "إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه ويشرب بيمينه" (١). ومن حديث جابر ﵁: نهانا رسول الله ﷺ أن يأكل أحدنا بشماله (٢). ومن حديث حفصة وسلمة بن الأكوع نحوه (٣)، ومن حديث سلمى مولاة رسول الله ﷺ قال لرجل يأكل "ضع ما في يدك ثم سم الله وكل من أدناها تشبع" (٤). ومن حديث واثلة فذكر حديثًا فيه: فقال النبي ﷺ : "كلوا وسموا الله". ولابن طاهر في "صفة التصوف" من حديث عبيد الله بن عبد الله عن أبيه أن النبي ﷺ قال: "إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وليشرب بيمينه" الحديث (٥). وللطبري من حديث أبي قتادة بإسناد جيد: نهى ﷺ أن يعطي الرجل بشماله شيئًا، أو يأخذ بها شيئًا.

стр. 15485

إذا تقرر ذَلِكَ فالحاصل مسألتان: التسمية على الطعام: وهو سنة مؤكدة في الابتداء بالإجماع، ويستحب الجهر بها للتنبيه، ويستحب ختمه بالحمد جهرًا، ويعقبه بالصلاة على نبيه، فإن ترك التسمية عامدًا أو ناسيًا أو جاهلاً أو مكرهًا أو عاجزًا لعارض ثم تمكن في أثناء أكله تدارك استحبابًا، وليقل باسم الله أولاً وآخرًا، كما روي في الحديث. وتحصل التسمية بقوله: بسم الله، فإن أتبعها بالرحمن الرحيم كان حسنًا، ويسمي كل واحد من الآكلين، فإن سمى واحد منهم حصلت التسمية. وعند أهل الظاهر أن التسمية على الآكل فرض كما ستعلمه (١). الثانية: الأكل باليمين، وقد جاء أن الشيطان يأكل بشماله. وفي "المصنف" عن ابن عباس ﵄ أن الأكل بالشمال يورث النسيان (٢)، وهو محمول على الندب؛ لأنه من باب تشريفها، وأقوى في الأعمال وأسبق وأمكن، ولأنها مشتقة من اليمن والبركة وشرف الله أهل الجنة بأن نسبهم إليها، فمن الأدب اختصاصها بالأعمال الشريفة كما جاء في حديث أبي داود: يجعل يمينه لطعامه وشرابه وشماله لما سوى ذَلِكَ (٣)، ونهى عن الاستنجاء بها كما أخرجه مسلم من حديث سلمان الفارسي (٤).

стр. 15486

فإن احتيج إلى الاستعانة بالشمال فبحكم التبعية فروي عنه ﵇ أنه أكل الرطب بالبطيخ أحدهما في يد والآخر في اليد الأخرى (١). وذكر الطبري عن أبي الجنوب أن عليًّا ﵁ أخذ كبدًا مشوية بيده ورغيفًا بيده الأخرى فأكل. فصل: معنى: (تطيش في الصحفة) تجول في سائرها وتتناول من كل جانب، وأصل الطيش: الحفة. وقوله: (فما زالت تلك طعمتي). هو بكسر الطاء أي: لزمت ذَلِكَ وصار دأبي. فائدة: عمر هذا هو ابن أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي ابن أم سلمة، ربيب رسول الله ﷺ ، وله أحاديث توجب له فضل الصحبة مع رسول الله ﷺ ، وطال عمره (٢).

стр. 15487

٣ - [باب] الأَكْلِ مِمَّا يَلِيهِ وَقَالَ أَنَسٌ ﵁: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اذْكُرُوا اسْمَ اللهِ، وَلْيَأْكُلْ كُلُّ رَجُلٍ مِمَّا يَلِيهِ». [انظر: ٥١٦٣]. ٥٣٧٧ - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ الدِّيلِيِّ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ -وَهْوَ: ابْنُ أُمِّ سَلَمَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَكَلْتُ يَوْمًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ طَعَامًا، فَجَعَلْتُ آكُلُ مِنْ نَوَاحِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كُلْ مِمَّا يَلِيكَ». [انظر: ٥٣٧٦ - مسلم: ٢٠٢٢ - فتح: ٩/ ٥٢٣]. ٥٣٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ أَبِي نُعَيْمٍ قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِطَعَامٍ وَمَعَهُ رَبِيبُهُ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، فَقَالَ: «سَمِّ اللهَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ». [انظر: ٥٣٧٦ - مسلم: ٢٠٢٢ - فتح: ٩/ ٥٢٣] هذا أخرجه ابن أبي عاصم في "الأطعمة" له حَدَّثنَا هدبة: ثَنَا مبارك ثنا بكر و (ابن ثابت) (١)، عن أنس به وأصله في الصحيحين. ثم ساق حديث عمر بن أبي سلمة، وهو ابن أم سلمة وقد سلف، وفي لفظ: أُتِيَ بِطَعَامٍ وَمَعَهُ رَبِيبُهُ عُمَرُ بْنُ أَبِي سلَمَةَ، فَقَالَ: "سَمِّ اللهَ، وكل بيمينك وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ". (الشرح) (٢): وقد أسلفنا حديث عكراش (٣) في الباب قبله من عند الترمذي وقال:

стр. 15488

غريب. تفرد به العلاء بن فضل (١). ثم ترجم البخاري بعده: باب مَنْ تَتَبَّعَ حَوَالَيِ القَصعَةِ مَعَ صَاحِبِهِ، إِذَا لَمْ يَعْرِفْ مِنْهُ كَرَاهِيَةً. ثم ساق حديث أنس ﵁ في الخياط وأنه ﵇ تتبع الدباء من حوالي القصعة. وقد سلف في أوائل البيوع (٢). وحمل ابن التين الأول على ما إذا أكل مع غير خدمه وعياله، والثاني إذا أكل مع خدمه وهو أنس، والخياط كان أيضًا مولى رسول الله ﷺ -كما سيأتي في باب الدباء (٣). وقد أجاز مالك أن يأكل الرجل في أهله وتجول يده في القصعة، وهذا إذا كان الذي في الإناء شيئًا واحداً، فإن كانت أنواعًا فلا بأس أن يأكل مما يلي غيره. وعبارة ابن بطال فيه أن الأكل مما يليه من أدب الطعام إلا أن يكون ألوانًا مختلفة فلا بأس أن يأكل من أيهما شاء؛ لقوله لعكراش لما أتوا بطبق من تمر (ورطب) (٤): "كل من حيث شئت؛ فإنه غير لون واحد". ذكره ابن المنذر في كتاب "الأطعمة". وذكره الترمذي كما سلف.

стр. 15489

وقال: لا نعرف لعكراش عن رسول الله ﷺ سواه (١). وذكر القرطبي أن الأكل بما يليه سنة متفق عليها، وخلافها مكروه شديد الاستقباح إذا كان الطعام واحداً (٢) كما في الحديث. لكن نص الشافعي في "الأم" و"الرسالة" والبويطي على تحريم الأكل من غير ما يليه، ومن رأس الطعام إذا كان عالمًا بالنهي (٣). والدباء- ممدود- جمع دباءة، وحكي القصر. فصل: أذكر فيه آدابًا للطعام في فصول متفرقة: قال ابن حزم: التسمية على الأكل فرض (٤). واعلموا أن الآدمي مخلوق على جبلة الأكل موظف عليه وظائف من حين أوله إلى حين تناوله، وأمره الله بعبادته، وأذن له في التمتع بطيباته فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ وقال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾، وقال: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾. روى ابن أبي عاصم من حديث ابن عباس ﵄ أن رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: إني إذا أكلت اللحم انتشرت إلى النساء فحرمه علي، فنزلت هذِه الآية (٥).

стр. 15490

فإذا حصل الطعام في حد التناول فعلى الآكل آداب تنقسم إلى حالات الطعام فيما يتقدم على الأكل: وهو أن يتناول شراءه بنفسه، وأن يعمله بنفسه، وأن يكون حلالًا طلقًا. ومن جهة كسبه؛ احترازًا من البيع الفاسد وشبهه، وفي "الأطعمة" للدارمي (١) أنه ﵇ قال: "أيما رجل كسب مالاً من حلال فأطعمه نفسه أو كساها، ممن رأيتم من خلق الله، فإنه له زكاة" (٢). قال: وألا يكون رشوة، ولا عوضًا عن فاسد، ولا بيد مبتدع، ولا ظالم، ولا ربوي، ولا تاجر، ولا من يغلب على مكسبه الحرام. فإن قدمه له صالح فلا يسأل عنه، وأن يرى النعمة في حصوله من الله، وأن يأكله بنية التقوي على الطاعة. فإن نوى اللذة أجزأه، وجاز له أن يري للمنعم الشكر؛ فإنه يقال: إن الطعام الواصل كان على يد ثلاثمائة وستين صانعًا أولهم ميكائيل. فصل: وأن يغسل يديه في أوله للنظافة والمروءة، وإن كان الحديث فيه ضعف: "غسل اليد قبل الطعام يتقي الفقر وبعده يتقي اللمم" (٣)، وقد ضعفه ابن الجوزي. نعم لابن أبي عاصم: "بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده"،

стр. 15491

وأصله في "جامع الترمذي" (١): فإن لمح بعضهم فيه الوجوب قيل له: ليس كما زعمت؛ لأنه صح عند مسلم أنه ﵇ خرج من الخلاء فأُتِيَ بطعامٍ فقيل: ألا تتوضأ؟ فقال: "أأصلي فأتوضأ" (٢). وينوي بغسلها العبادة؛ لأنه إذا نوى كالأكل التقوي على الطاعة كان التأهب بالغسل له غناء، ويغسل يديه أيضًا بعد الأكل وغسلها (بعد الأكل وغسلها) (٣) مالك أول القوم وآخرهم قال: هو الأولى. فصل: وأن يجعل طعامه على الأرض دون خوان. كما جاء في الحديث: لم يأكل ﵇ على خوان. فإن لم تطمئن بذلك نفسه وضعه على سفرة، وإن وضعه على مائدة جاز، وإن كانت بدعة ولا كراهة، ولا يباشر به الأرض؛ لئلا يتعلق به شيء -والعياذ بالله- يتأذى منه، وكان ﵇ لا يأكل إلا على السُّفَر. فصل: وأن يجلس على الأرض وينصب رجله اليمنى ويعتمد على اليسرى، ولا يضطجع.

стр. 15492

فصل: وأن يبدأ بالملح ونحوه، ذكره ابن طاهر في "صفة التصوف" من حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده أن النبي ﷺ قال: "يا علي، ابدأ بالملح واختم به فإن فيه شفاء من سبعين داءٍ" (١) ثم قال: وسنده ضعيف. فصل: ولا يديم أكل اللحم؛ لأن عمر وعائشة ﵄ نهيا عن ذَلِكَ (٢). فصل: ولا يأكل وذو عينين ينظر إليه، وقد ورد مرفوعًا: "من فعل ذَلِكَ ابتلي بداء لا دواء له". فصل: ولا يأكل حَتَّى يجوع، لا كما يزعم بعض الجهلة أنهم يأكلون بالعادة، ولهذا قيل لبعضهم: أي طعام أطيب؛ قال: الجوع أعلم. فصل: وأن يرضى بما تيسر ولا يتكلف ولا يأكل وحده؛ إذا أكل مع عياله كان أدفع للكبر (٣)، كما جاء في حديث عند ابن أبي عاصم.

стр. 15493

وأن تكثر الأيدي على الصحفة وأكثرهم ثمانية (١). ذكره ابن أبي عاصم في حديث، وإن كانوا عشرة جاز، ذكره البيهقي في حديث (٢). فصل: ولا يتعود طعامًا واحداً، فإن عمله له غيره أجلسه ليأكل معه، وإلا فليناوله لقمة أو لقمتين، كما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة (٣). فصل: ولا يأكل في آنية مجوسيِّ إلا بعد غسلها؛ كما ثبت في "الصحيح" (٤). فصل: ويجوز أن يجمع على مائدته بين لونين وإدامين، لا كما يزعمه بعض الصوفية، ويذكرون فيه حديثًا غير صحيح، والصواب ما ذكرناه. فصل: وأن يعدد العُراق على الخادم؛ ليدفع عن نفسه سوء الظن، كذا كان يفعله سلمان. فصل: وأن يصغر لقمته ويطيل مضغها، ولا يمد يده إلى أخرى ما لم يبلعها

стр. 15494

وإن كان التاريخي (١) ذكر أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يأكل كل يوم (إحدى) (٢) وعشرين لقمة، كل لقمة كرأس الجدي، منها سبعة بملح. فهذا بالنسبة إلى طَول عمر، وعجلته للنظر في مصالح المسلمين، وفي "الموطأ" أنه كان يطرح له عن عشائه صاع من التمر فيأكله ويأكل معه حشفه (٣). وفي "ربيع الأبرار" كان معاوية بن أبي سفيان يأكل كل يوم سبع مرات أعظمهن ثريدة في جفنة على وجهها عشرة أفنان من البصل. فصل: وأن يأكل بنصف بطنه وإن كان رخاء، عكس ما قال القائل: كلوا في نصف بطونكم تعيشوا فإن زمانكم زمن خميص. وفي الحديث: "ثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث للنفس" (٤). وذكر المهلب أن عمرَ همَّ سنة المجاعة أن يجعل مع أهل كل بيت مثلهم وقال: لن يهلك أحد عن نصف قوته.

стр. 15495

فصل: وأن يجيد المضغ، ولا يذم طعامًا، ويقدمه على الصلاة إذا كان صائمًا ونفسه تتوق إليه، كما في الحديث، وألا ينظر إلى غيره؛ فإنه شر وبله، ويبدأ بالأكل إذا كان رب المنزل أو من يقتدى به، وأن يقدم لطيف الطعام كالفاكهة وشبهها قبل ثقيله -نص عليه أبقراط- ثم اللحم ثم الحلاوة (يختم بها) (١). ولا يجعل على الخبز زفرًا يتقزز من أكله غيره، فإن الحاكم صحح: "أكرموا الخبز" (٢) (٣). فصل: وأن يأكل بيد واحدة إلا أن يكون طعام يدين، كان حسان بن ثابت إذا دعي إلى الطعام قال: طعام يد أو يدين؟ فإن قالوا: يدين جاء، وإلا لم يأت. فصل: وأن يأكل باليمين كما سلف، وأن يأكل بثلاث أصابع، وإن شاء بخمسة، ذكره ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤).

стр. 15496

وأن ينهس اللحم، وإن وقعت عنه لقمة أماط ما عليها من الأذى وأكلها؛ ولا يدعها للشيطان. ولا ينفخ في الطعام، يدعه حَتَّى يبرد؛ فإن الحار لا بركة فيه. فصل: ويقابل بين الأطعمة يضم ثقيلًا إلى خفيف، ورطبًا إلى يابس، وحارًا إلى بارد، وأن يأكل من الخبز بيدين إن كان قفارًا (١)، وإن كان بإدام نقص منه بمقدار الطعام. ولا يسرف، وعلامته أن يرفع يده وهو يشتهيه، فقد ذكر أن عبد الله بن المغفل قيل له إن ابنك أكل طعامًا كاد يقتله فقال: لو مات ما صليت عليه. وقال الحسن: إن الأرض لتضج إلى الله من الضخم، كما تضج من السكران. قال الروياني: ويكره أن يزيد على قدر الشبع. وهو ما ذكره الرافعي في أواخر الأطعمة، وفي "الحاوي" تحريمه، وهو ما اقتضاه كلام الشيخ عزَّ الدين (٢) قال: ولا يأكل فوق ما يقتضيه العرف في المقدار. قال: وكذا لو كان الطعام قليلاً فأكل لقمًا كبارًا مسرعًا في مضغها وابتلاعها حَتَّى يحرم أصحابه. فصل: قد أسلفنا أن السنة الأكل باليمين، وقد نهى النبي ﷺ أن يأكل الرجل بشماله أو يشرب بشماله. وقال: "إن الشيطان يفعل ذَلِكَ" (٣) وقد أسلفناه، وقد رواه مالك وعبيد الله وابن عيينة، عن الزهري، عن

стр. 15497

سالم، عن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ . ولم يخرجه البخاري؛ لأنه قد رواه معمر وعقيل عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، ورواية مالك أصح، كما قاله الترمذي (١). وذكره أيضًا الطبري من حديث ابن عمر عن أبيه، عن رسول الله ﷺ . قال الطبري فيه: أنه لا يجوز الأكل والشرب باليد اليسرى، إلا لمن كانت بيمنى يديه علة مانعة من استعمالها، ومثله الأخذ والإعطاء بها والرفع والوضع والبطش، وقصة عليِّ السالفة لا تدفعه؛ لأنه إنما يدل على استعمال اليسرى في وقت شغل اليمنى بالطعام، وإذا كانت كذلك فصاحبها معذور في أعماله الأخرى فيما هو محظور عليه إعماله ما فيه في غير حالة العذر، كما لو كانت مقطوعة لكان له استعمال اليسرى في مطعمه ومشربه، وما كان محظورًا عليه استعمالها فيه، وبنحو ذَلِكَ جاء الخبر عن عمر ﵁ حَدَّثَنَا سوار بن عبد الله، أنا يحيى بن سعيد، عن عمارة بن مطرف، حَدَّثَني يزيد بن أبي مريم، عن أبيه قال: رأى عمر رجلاً قد صوب يده اليسرى؛ ليأكل بها فقال: لا، إلا أن تكون يدك معتلة (٢). فرأى عمر أن من كانت يده معتلة إباحة اليسرى، وقد روي عن نافع مولى ابن عمر وعطاء قالا: لا تأكل بشمالك، ولا تصدق بها. وروى ابن وهب عن عمر بن محمد بن زيد قال: كان نافع يزيد فيها ولا يأخذن بها ولا يعطين. يعني: الشمال، وعن جرير بن حازم، عن هشام بن أبي عبد الله، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة،

стр. 15498

عن أبيه أن رسول الله ﷺ نهى أن يعطى الرجل بشماله شيئًا أو يأخذ شيئًا (١). فصل: وألا ينهش النهشة ثم يردها في الصحفة، ويأكل في الملأ كأكله في الخلوة، ولا يأكل في سُكُرُّجَة (٢)، ولا خبزًا مرققًا للاتباع، فإن فعل فلا حرج، ولا يأكل في آنية ذهب ولا فضة؛ للنص (٣)، ولا في رفيع نوعه كالياقوت وشبهه، فإن انتهى أكله بلفظه فأسقط عن الفتات، ذكر أبو هلال العسكري في كتاب "البقايا": أن أبا حنيفة كان يسميه الرغم، وفي "ربيع الأبرار" عن رسول الله ﷺ : "من لقط ما حول الخوان حرم الله جسده على النار" وفي لفظ: "عوفي في ولده وولد ولده من الحمق، وعاش في سعة" (٤). فصل: ويمسح أصابعه بعد لعقها بالمنديل، وقال مالك عن ابن عمر ﵄ أنه كان يمسحها (برحله) (٥). وأن يستعمل الأشنان، ويأخذه بيمينه، كما فعله بشير السلمي، وكانت له صحبة ذكره ابن طاهر وإن كان ابن العربي قال: لست أدري من أين قاله أصحابنا.

стр. 15499

وأن يتمضمض مضمضة بالغة، صححه ابن حبان (١). وقال الغزالي: كيفيته أن يغسل الأصابع الثلاث من اليمنى أولاً ويضرب أصابعه على الأشنان اليابس، ويمسح به شفتيه، ولا يكره الغسل في الطست، وله أن ينخنم فيه إن كان وحده، وأن يقدم المتبوع ويكون الخادم قائمًا. ويصب صاحب المنزل الماء على يدي ضيفه (٢). فصل: ومن آدابه: حمد الله في آخر الأكل والشرب جهرًا مع الصلاة كما سلف، فيقول: الحمد لله حمدًا طيبا مباركًا فيه غير مكفي ولا مكفور ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا. كما سيأتي في الباب الذي عقده له (٣). فصل: و (قد سلف أن) (٤) من آدابه أن يبسمل أولاً، وتكفي التسمية من واحد، وقال الغزالي: يقول مع اللقمة الأولى: بسم الله، ويزيد في الثانية: الرحمن، والثالثة: الرحيم (٥). فصل: وأن يناهدوا على الطعام وهي المخارجة وتسمى النهد بكسر النون وفتحها، كما ذكره عياض، وفسره القابسي بطعام الصلح بين القبائل، والأول أعرف (٦)، وقال الحسن: أخرجوا نهدكم؛ فإنه أعظم للبركة وأحسن لأخلاقكم.

стр. 15500

وأول من فعلها -كما نقله التاريخي في "مناهدته" عن ابن المدائني وابن الكلبي- حصين بن المنذر أبو ساسان الوقاشي، وقال قتادة: ما أفلس المتلازمان. يعني: المتناهدين وقد سلف الكلام عليه في الشركة. فصل: يقدم الخبز عند ضيفه قبل ذَلِكَ بيوم، ويقدم إليهم نزلًا يسيرًا؛ ليأتي بما أعده جملة واحدة يتفق جميعه على جميعه، فإن لم يتفق الإتيان بجميعه أعلمهم به. ولا يصف لهم طعامًا ليس عنده، ولا يدخر عنهم شيئًا، ويقدم ضيفه على عياله؛ كما فعل أبو طلحة وأم سليم بأبي هريرة، كما ذكره الطبراني في "أوسطه" (١)، وبعضهم كرهه ولا اعتبار به، ولا ينتظر بالخبز إذا حضر غيره، بل يبادر إلى أكله. فصل: ويجمع في مائدته بين فقير وغني، ويحدث الآكلين عنده، وأن تخدمهم أهله، ولا يجعل على مائدته قائما يأكل ما يشتهي، فإن تركه إيثارًا جاز. فصل: وكره بعضهم القِران، ولا كراهة فيه؛ لأن النهي عنه إنما كان لضرورة، وقد زالت، ذكره ابن شاهين في "منسوخه" (٢): إلا أن يكونا متناهدين، وذكر الرافعي والنووي في "الروضة" أنه لا بأس بالقران

стр. 15501

بين التمرتين (١) ونحوهما. وفصل في غير "الروضة" بين الطعام المشترك وغيره (٢). فصل: وأن يجتمعوا على الطست خلافًا لما يصنعه الأعاجم، قال ﵇ فيما ذكره ابن طاهر: "أترعوا الطسوس وخالفوا المجوس" (٣). وأن يمسح عينه ببلل يده، ولا ينفض يده، وفي الحديث: "إذا توضأتم فأشربوا أعينكم الماء" (٤) وأن يتخلل بعد فراغه. وفي الحديث: "حبذا المتخللون من الطعام؛ فإنه ليس شيء أشد على الملك الذي مع العبد من أن يجد من أحدكم ريح الطعام" (٥) وإن أكل ما يخرج من أسنانه بلسانه، فلا حرج عليه، وفيه حديث في أبي داود (٦).

стр. 15502

ولا يكره الأكل ماشيًا؛ فعله ابن عمر والشارع أيضًا وهو يمشي إلى الصلاة. والمختار أن الشرب قائمًا بلا عذر خلاف الأولى. قال الغزالي: ويكره الأكل قائمًا، وصرح النووي به في "فتاويه" أنه لا يكره (١). أعني: الشرب قائمًا، وخالف في "شرح مسلم" وقال: الصواب أن النهي محمول على الكراهة وفعله له؛ لأجل البيان، ويستحب أن يتقيأ (٢). فإن أكل تمرًا فلا بأس بتنقيته. وفيه حديث في أبي داود (٣). فصل: ولا يأكل من طعام لم يُدْعَ إليه. وفي الحديث أنه دخل فاسقًا وأكل حرامًا، رواه أبو هريرة وعائشة ﵄ (٤) وأن يلحس القصعة

стр. 15503

فإنها تستغفر له، ذكره الترمذي (١)، وفي كتاب رزين فتقول: أعتقك الله كما أعتقتني من الشيطان. فإن سقط في طعامه ذباب فلا يتقزز منه وليغمسه ثم لينزعه؛ فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء؛ وأنه يقدم الداء كما صرح. فصل: فإن أكل معه ذو عاهة فلا يتقزز منه؛ إن سهل ذَلِكَ عليه؛ ولم يخف العدوى، وليقل كما قال الشارع في كتاب أبي داود: "كُلْ ثقة بالله وتوكلًا عليه" (٢) وفعله أيضًا أبو بكر وعمر ﵄، وإن خشي ذَلِكَ فلا يأكل معه، وليفر منه كفراره من الأسد. فصل: فإن كان الآكل ضيفًا فليتوق تسعة وعشرين عيبًا، رويناها في كتاب "فوائد الموائد": التشوف إلى الباب لمجئ الطعام، وعد الزبادي إذا حضرت، والزحف إلى الأكل من قبل الإذن، وإذا أكل لا يجرف لقمته من جهة الزبدية إلى الجانب الآخر، ولا يجعل اللقمة في فمه يرشفها ويسمع لها حس، ولا ينفض أصابعه وهو يأكل، ولا يهتدم

стр. 15504

اللقمة بأسنانه ثم يضعها في الصحفة، ولا ينتهب في وجوه جلسائه؛ ليأكل ما بين أيديهم من اللحم، ولا يلت اللقمة بأصابعه قبل وضعها في الطعام، ولا يمد يده ميمنة وميسرة يأخذ الزبادي واللحم، ولا يتخلل بأظفاره، ولا يحمل معه شيئًا من المائدة. ولا يرنخ اللقمة في المرق؛ ليسهل بلعها، ولا يوسخ جاره والخبز، ولا يفتش على اللحم بأصابعه، ولا يكشف شواربه من الودك باللقمة ثم يأكلها، ولا يملأ الطعام لبابًا، ولا يسيغ الطعام بإمجاج ( … ) (١) حتى يبرد في الزبدية، ولا ينفخ فيه -أي: في الطعام الحار- ولا يحمي من يديه الزبادي عن غيره، ولا يجنح؛ ليوسع على نفسه، ولا يذكر حين الأكل أحاديث تغثى منها الأنفس. والأدب: التحدث على الطعام بما لا إثم فيه، ولا يرفع يديه من قدامه ويضع مكانها غيرها، وإذا غسل يده لا يتحدث فيشغل الخادم عن خدمة غيره ولا يكركب في الطيب، ولا يغسل يده بالأشنان ثم يأخذ من يده فيتسوك به، ولا يشرب فضل غسل فيه. فصل: من أدب الضيف ألا يخرج إلا برضى صاحب المنزل وإذنه، ومن أدب المضيف أن يشيعه عند خروجه إلى باب الدار؛ فهو سنة. وينبغي للضيف ألا يجلس في مقابلة حجرة النساء وسترهن، ولا يكثر النظر إلى الموضع الذي يخرج منه الطعام كما سلف، وإذا حضر المدعوون وتأخر واحد أو اثنان عن الوقت الموعود فحق الحاضرين في التعجيل أولى من حقها في التأخير، إلا أن يكون المؤخر فقيرًا ينكسر قلبه بذلك، فلا بأس به.

стр. 15505

فصل: ويستحب أن يكون على المائدة البقل، هاذا دخل ضيف للمبيت فليعرفه رب الدار -عند الدخول- القبلة وبيت الماء وموضع الوضوء. فصل: ويستحب أن ينوي بأكله وشربه التقوي على الطاعة، ويكره الأكل والشرب مضطجعًا قال الغزالي: إلا ما ينتقل من الحبوب، قال: ويأكل من استدارة الرغيف إلا إذا قل الخبز فيكره، ولا يقطع بالسكين، ولا يقطع اللحم، ولا يوضع على الخبز إلا ما يؤكل به، ولا يمسح يده فيه (١). فصل: ولا يجمع بين التمر والنوى في طبق، ولا يترك ما استرذله من الطعام في القصعة، بل يجعله مع البقل؛ لئلا يلتبس على غيره، فيأكله، ولا يغمس اللقمة الدسمة في الخل، ولا الخل في الدسمةِ، وإذا قلل رفيقه الأكل نشَّطه، ولا يزيد في قوله: كل، على ثلاث مرات. قال الغزالي: وأما الحلف عليه بالأكل فممنوع. ولا يقوم حَتَّى يرفع المائدة، ولا يبتدئ بالطعام ومعه من يستحق التقديم، إلا أن يكون هو المتبوع، ولا يشرب في أثناء الطعام إلا لضرورة، وورد النهي عن الشرب من ثلمة القدح، ويستحب إدارة المشروب عن يمين المبدأ بالشرب (٢).

стр. 15506

فصل: وأن يدعو لصاحب الطعام إن كان ضيفًا فيقول: أكل طعامكم الأبرار، وأفطر عندكم الصائمون، وصلت عليكم الملائكة. وإن كان صائمًا دعا أيضًا. وقال الغزالي: وإن أكل طعامًا قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وتنزل البركات، اللهم أطعمنا طيبًا واستعملنا صالحًا، وإن كان فيه شبهة قال: الحمد لله على كل حال، اللهم لا تجعله قوة لنا على معصيتك. قال: ويقرأ بعد الطعام: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١)﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾ وإن كان المأكول لبنًا قال: اللهم بارك لنا فيما رزقتنا، وزدنا منه، وإن كان غيره قال: اللهم بارك لنا فيما رزقتنا، وارزقنا خيرًا منه (١). فصل: ويكره أن يأكل متكئًا، وسيأتي، وأن يأكل من وسط القصعة وأعلى الثريد ونحوه. وخصه بعضهم بما إذا أكل مع غيره. ولا بأس بذلك في الفواكه، وقد أسلفنا عن نص الشافعي تحريم الأكل من رأس الطعام إذا كان عالمًا بالنهي. ويكره أن يعيب الطعام. فصل: ويكره أن يتنفس في الإناء، وأن ينفخ فيه. فصل: ويكره أن يمتخط ويبصق في حال أكلهم إلا لضرورة، وأن يقرب فمه

стр. 15507

من القصعة؛ بحيث يرجع من فمه إليه شيء، ويستحب لعق أصابعه، وأن يأكل اللقمة الساقطة، ما لم تنجس ويتعذر تطهيرها. فصل: والأولى ألا يأكل وحده، ولا يرتفع عن مؤاكلة الغلام ونحوه، وألا يتميز عن جلسائه بنوع إلا بحاجة كدواء ونحوه، وأن يمد الأكل مع رفقته ما دام يظن لهم حاجة إلى الأكل، وأن يؤثرهم بفاخر الطعام. فصل: ويستحب الترحيب بالضيف وحمد الله على حصوله ضيفًا عنده وسروره به، وثناؤه عليه يجعله أهلًا ليضيفه، ورأيت في "الخصال" لأبي بكر الخفاف (١) من قدماء أصحابنا أن من سنة الأكل قلة الأكل (٢) في وجه صاحبك، والجلوس على إحدى راحتيك، والرضا والشكر. وهذِه فصول مهمة قل أن تجتمع في مؤلف، فلا تسأم منها.

стр. 15508

٤ - باب مَنْ تَتَبَّعَ حَوَالَيِ الْقَصْعَةِ مَعَ صَاحِبِهِ، إِذَا لَمْ يَعْرِفْ مِنْهُ كَرَاهِيَةً ٥٣٧٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: إِنَّ خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ اللهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ -قَالَ أَنَسٌ:- فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرَأَيْتُهُ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَيِ الْقَصْعَةِ -قَالَ:- فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ. [انظر: ٢٠٩٢ - مسلم: ٢٠٤١ - فتح: ٩/ ٥٢٤] (١). ذكر فيه حديث مالك إلى أنس ﵁ إِنَّ خَيَّاطًا دَعَا النبي ﷺ -لِطَعَامٍ صَنَعَهُ قَالَ أَنَسٌ: فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرَأَيْتُهُ يَتَتَبَّعُ الدبَّاءَ مِنْ حَوَالَيِ القَصْعَةِ -قَالَ:- فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمَئِذٍ. قد سلف ذَلِكَ في البيوع، وتكرر في الباب (٢)، وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي (٣)، ومن عادة البخاري ﵀ أن يبوب أولاً على أمرٍ ثم يبوب بعد بابا آخر ينبه (به) (٤) على المراد منه. والجمع بين مختلفه ظاهرًا، فذكر أولاً حديث الأكل مما يلي الشخص ثم أعقبه بهذا الباب؛ لبيان جوازه في حالة إذا لم يعرف من أحد كراهة لذلك فهو مفسر له في الحقيقة، ودال على أن المراد بذلك إذا كان يأكل مع غير عياله ومن يتقزز جولان يده في الطعام، وأما إذا أكل مع أهله ومن لا مؤنة عليه منهم من خالص إخوانه،

стр. 15509

فلا بأس أن تجول يده فيه؛ استدلالًا بهذا الحديث، وإنما جالت يده الكريمة فيه؛ لأنه علم أن أحدًا لا ينكر ذَلِكَ، ولا يتقزز منه، بل كل مؤمن ينبغي له أن يتبرك بريقه الكريم، وما مسه بيده، ألا تراهم كانوا يتبادرون إلى نخامته فيتبركون بها، فلذلك لم يتقززه مؤاكله له أن تجول يده في الصحفة. فصل: قال ابن عبد البر: هكذا هذا الحديث في "الموطأ" عند جميع رواته، زاد بعضهم فيه ذكر القديد -ورواه أبو نعيم عنه عن إسحاق عن أنس ﵁: رأيت النبي ﷺ أتى بمرقٍ فيه دباء وقديد .. الحديث، وذكره البخاري أيضًا كما سيأتي (١) - وقد أدخله مالك في باب الوليمة في العرس، ويشبه أن يكون وصل إليه من ذَلِكَ علم، وقد روي عنه نحو هذا، وليس في ظاهر الحديث ما يدل عليه (٢). فصل: قد أسلفنا من عند البخاري أن هذا الخياط مولى رسول الله ﷺ ، ذكره في باب: الدباء، كما سيأتي (٣). وذكر في باب: من أضاف رجلاً إلى طعام، وأقبل هو على عمله قال: فدخل رسول الله ﷺ على غلام له خياط، فأتاه بقصعة فيها طعام وعليه دباء، فجعل رسول الله ﷺ يتتبع الدباء قال: فلما رأيت ذَلِكَ جعلت أجمعه بين يديه (٤). وذكره في باب القديد أيضًا كما سيأتي، وهو موافق لما ترجم له هنا أيضًا.

стр. 15510

ولمسلم: فجعلت ألقيه إليه ولا أطعمه. وله: فَقُدم إليه خبز من شعير ومرق فيه دباء، وقديد. وله: قصعة فيها ثريد وعليه دباء (١). وفي "كتاب الأطعمة" للدارمي: قال أنس: وكان يعجبه الدباء، فجعلت آخذ الدباء فأضعه بين يديه، لما أعلم من إعجابه به. وللترمذي من حديث حكيم بن جابر قال: دخلت على رسول الله ﷺ فرأيت عنده دباء يقطأع قلت: ما هذا؟ قال: نكثر به طعامنا (٢). فصل: قال ابن عبد البر: في هذا الحديث إجالة اليد في الصحفة، وهذا عند أهل العلم لا يحسن إلا بالرئيس ورب البيت، وأيضًا فالمرق والإدام وسائر الطعام إذا كان فيه نوعان أو أنواع فلا بأس أن تجول اليد فيه للتخيير مما وضع في المائدة من أصناف الطعام؛ لأنه قدم للأكل، وليأكل كل ما أراد، ولما كان في هذِه الصحفة أنواع اللحم والقديد والدباء والثريد أو المرق، حسن بالآكل أن تجول يده فيما اشتهى (٣). وقد أسلفنا الكلام فيه قبل. وقال ابن التين: فعله ذَلِكَ؛ لأنه كان يأكل وحده؛ لأن في الحديث أن الخياط أقبل على عمله. وقد أسلفنا عن أنس أنه قال: كنت ألقيه إليه ولا أطعمه.
следующие страницы →