١١ - باب طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الاِثْنَيْنِ
٥٣٩٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ. وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «طَعَامُ الاِثْنَيْنِ كَافِيِ الثَّلَاثَةِ، وَطَعَامُ الثَّلَاثَةِ كَافِيِ الأَرْبَعَةِ». [مسلم: ٢٠٥٨ - فتح ٩/ ٥٣٥].
ذكر فيه حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "طَعَامُ الاثنَيْنِ كَافِي الثَّلَاثَةِ، وَطَعَامُ الثَّلَاَثةِ كَافِي الأَرْبَعَةِ".
وأخرجه مسلم والترمذي وقال: حسن صحيح، والنسائي (١). ولفظ الترجمة أخرجه الترمذي من حديث جابر مرفوعًا: "طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية".
أخرجه عن ابن بشار، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر (٢) قال الطرقي في كتابه: أظن أبا عيسى وَهِمَ في إسناده؛ لأنه كان ضرير البصر يملي حفظًا (٣) قلت: قد أخرجه ابن سعد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، وأخرجه مسلم، عن جماعة، عن أبي معاوية [به، و] (٤) من طريق ابن جريج والثوري عن أبي
стр. 15542
الزبير عنه، وليس على شرط البخاري، وأورده ابن بطال من حديث ابن وهب عن ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعاً، فذكره كما سقناه (١).
وأما ابن المنير فقال: قد ورد حديث بلفظها لكن لم يوافق شرط البخاري فاستقرأ معناه على الجملة من هذا الحديث، ورأى أن ما أمكنه ترك الثلث أمكنه ترك النصف؛ لتقاربهما (٢)، وكأنه رأى أبا سفيان وأبا الزبير ليسا على شرطه، وله طريق آخر واهٍ أخرجه ابن أبي عاصم من حديث سمرة بن جندب. قال أبو حاتم في "علله": حديث باطل (٣). قال الترمذي: وفي الباب عن ابن عمر أيضًا (٤).
إذا تقرر فالمراد: أن ما يشبع منه اثنان يكفي ثلاثة، وما يشبع ثلاثة يكفي أربعة، وكذا في الاثنين مع الأربعة، والأربعة مع الثمانية. والكفاية ليست بالشبع والاستبطان، كما أنها ليست بالغنى والإكثار، ألا ترى قول أبي حازم: إذا كان ما يكفيك لا يغنيك فليس بشيء يغنيك. قيل: إنما ذَلِكَ؛ لاجتماع الأيدي؛ وكثرة ما يسمى الله عليه، فتعظم بركته، وإنما هذا التقوت كما سيأتي عن عمر قيل: معنى ذَلِكَ إذا كانت المواساة عظمت البركة.
قال المهلب: والمراد بهذِه الأحاديث الحث على المكارمة في الأكل، والمواساة، والإيثار على النفس التي مدح الله تعالى به أصحاب نبيه بقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ على أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ ولا يراد بها
стр. 15543
معنى التساوي في الأكل والتشاح؛ لأن قوله ﵇: "كافي الثلاثة". دليل على الأثرة التي كانوا يمتدحون بها والتقنع بالكفاية. وقد هم عمر ﵁ في سنة مجاعة، وهي عام الرمادة أن يجعل مع أهل كل بيت مثلهم، وقال: لن يهلك أحد عن نصف قوته (١).
قال ابن المنذر: وحديث الباب يدل على أنه يستحب الاجتماع على الطعام، وألا يأكل المرء وحده، فإن البركة في ذَلِكَ على ما جاء في حديث وحشي عن رسول الله ﷺ (٢) وسيأتي في باب: من أدخل الضيفان عشرة عشرة، إن شاء الله.
وقد ظهر أن المراد: الكفاية غير الشبع، فدعوى من قال: إن هذا ليس على طريق الخلاف لا يلتفت إليه، وكذا قول من قال: إنه إذا كان طعام الواحد يكفي الاثنين، صار طعام الاثنين كافيًا للأربع، وكذا هلم جرا؛ لأن المقصود إنما هو طعام يشبع الواحد، فهو كاف للاثنين، وكذا ما بعده.
ذكر فيه أحاديث:
أحدها:
حديث وَاقِدِ بْنِ مُحمدٍ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابن عُمَرَ لَا يَأْكُلُ حَتَّى يُؤْتَى بِمِسْكِينٍ يَأْكُلُ مَعَهُ، فَأَدْخَلْتُ رَجُلًا يَأْكُلُ مَعَهُ فَأَكَلَ كَثِيرًا، فَقَالَ: يَا نَافِعُ، لَا تُدْخِلْ هذا عَلَيَّ، سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يَقُولُ: "الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ". وواقد هذا هو ابن محمد بن يزيد بن عبد الله بن عمر، وأخرجه مسلم أيضًا (١).
ثانيها:
عنه أيضًا: قَالَ: قال: رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ المؤْمِنَ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَإِنَّ الكَافِرَ -أَوِ المُنَافِقَ، فَلَا أَدْرِي أَيَّهُمَا قَالَ عُبَيْدُ اللهِ يعني الراوي عن نافع- يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ". وأخرجه مسلم أيضًا (٢).
ثالثها:
قال: وَقَالَ ابن بُكَيْرٍ: ثَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلِهِ. ويأتي
رابعها:
حديث سفيان عن عمر -وهو ابن دينار-قَالَ: كَانَ أَبُو نَهِيكٍ رَجُلًا أَكُولاً، فَقَالَ لَهُ ابن عُمَرَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الكَافِرَ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ". فَقَالَ: فَأَنَا أُومِنُ باللهِ وَرَسُولِهِ. وهذِه الأربعة كلها راجعة إلى ابن عمر.
стр. 15546
خامسها:
حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَأْكُلُ أَكْلًا كَثِيرًا، فَأَسْلَمَ فَكَانَ يَأْكُلُ أَكْلًا قَلِيلاً، فَذُكِرَ ذَلِكَ لرسول الله ﷺ ، فَقَالَ: "إِنَّ المُؤْمِنَ .. " الحديث. وأخرجه النسائي وابن ماجه (١)، وأبو حازم (٢): سليمان مولى عزة.
وعدي: هو ابن أبان بن ثابت، أخو يزيد، شهدا أحدًا، ابنا قيس بن الخطيم، واسمه ثابت بن عدي بن عمرو بن سواد بن ظفر، وقيل عدي أخو الخطيم، ابنا عمرو، وأعمامه عمرو ومحمد ويزيد، أولاد ثابت بن قيس بن الخطيم، قتلوا يوم الحرة، وقيل: أخوهم أبان والد عدي بأرض الروم مع سلمة سنة مسيلمة الأولى، قتل قيس والخطيم وعدي في الجاهلية، وقتل يزيد بن قيس يوم جسر أبي عبيد. وقد روى عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده ثابت ولا ينسب إلا إليه، ومن ولده محمود ابن محمد بن محمود بن عدي بن أبان بن ثابت.
روى عنه ابن أبي الدنيا مات عدي سنة خمس عشرة ومائة (٣)، وكان إمام مسجد الشيعة بالكوفة، وقاضيهم (٤) بالكوفة، وقد اتفقا على الاحتجاج به.
стр. 15547
والتعليق عن ابن بكير قال الإسماعيلي: ذكره البخاري بلا خبر، ثم ساقه من حديث يونس بن عبد الأعلى عن عبد الله بن وهب، أخبرني مالك وغير واحد أن نافعًا حدثهم فذكره. وساقه أبو نعيم من حديث يحيى بن بكير، ثَنَا مالك فذكره.
ولهذا الحديث طرق: أخرجه مسلم من حديث أبي موسى وجابر بن عبد الله (١)، وأخرجه الترمذي من حديث عبد الله بن عمر (٢)، وأخرجه ابن أبي شيبة من حديث الأعمش قال: أظن أبا خالد الوالبي ذكره عن ميمونة مرفوعًا. ومن حديث جهجاه الغفاري مرفوعًا (٣).
وأخرجه ابن أبي عاصم في كتاب "الأطعمة" من حديث ابن مسعود وأبي سعيد وأبي بصرة الغفاري، وفي "مسند الإِمام أحمد" من حديث محمد بن معن بن محمد بن نضلة بن عمرو الغفاري، عن أبيه معن، عن أبيه نضلة مرفوعًا به (٤). وأخرجه أبو حاتم من حديث أبي الزبير عن جابر عن عمر مرفوعًا (٥).
стр. 15548
إذا تقرر ذَلِكَ: فاختلف في الرجل المقول فيه هذا من هو، على أقوال:
أحدها: نضلة هذا، وأخرجه الكجي في "سننه" كذلك. ثانيها: بصرة بن أبي بصرة. ثالثها: ثمامة بن أثال. رابعها: جهجاه الغفاري.
وهذان حكاهما ابن بطال (١) قال أبو عمر: شرب حلاب سبع شياه، فلما أسلم لم يستتم حلاب شاة واحدة (٢).
وقال أبو عبيد وغيره: هذا خاص في رجل واحد قدم على رسول الله ﷺ لأنا قد نجد مسلمًا أكثر أكلًا من الكافر (٣).
وقيل: إئه تمثيل، فأراد ﵇: أن الكافر إنما همته وسعياته في ذَلِكَ ما يدخل جوفه، والمؤمن وهب الله له القناعة، وأكثر همه دينه، وهو متوكل على ربه في رزقه.
وقيل: أراد أن المؤمن يسمي فيكون فيه البركة، فيكفيه ما لا يكفي الكافر، فإن قلت: من المؤمنين من هو أكثر أكلًا من الكافر قيل: لو كان المؤمن الأكول كافرًا كان أكثر لأكله، ولو كان الكافر القليل الأكل مؤمنًا لنقص أكله بعد إيمانه.
وقال الداودي: إنه على التمثيل أو التقليل أو التكثير؛ لقوله: "إن أبا جهم لا يضع عصاه عن عاتقه" قال الخطابي: وليس وجه الحديث أن كل من كان أكولًا ناقص الإسلام، فقد ذكر عن غير واحد من أفاضل السلف الأكل الكثير فلم يكن ذَلِكَ نقصًا من إيمانهم (٤)،
стр. 15549
وقيل: هو مثل أن المؤمن يأكل الحلال والكافر يأكل الحرام. وما قدر عليه.
فهذِه خمسة أقوال، وقيل: الناس في الأكل على ثلاث طبقات:
طائفة يأكلون كل مطعوم من حاجة أو غير حاجة، وهذا فعل الحمير؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ وقوله: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩)﴾
وطائفة يأكلون إذا جاعوا، فإذا ارتفع الجوع أمسكوا، وهذِه عادة المقتصدين (١) والمتناسكين في الشمائل والأخلاق.
وطائفة يتجوعون يقصدون بذلك قمع شهوة النفس، ولا يأكلون إلا عند الضرورة وقدر ما يكسر شدة الجوع، وهذِه عادة الأبرار وشمائل الصالحين والأخيار (٢).
والسؤال السالف، إنا نجد مؤمنًا كثير الأكل كأبي نهيك وغيره، ونجد غيره كافرًا قليل الأكل؟
أجاب ابن بطال عنه بأنه ﵇ أراد بقوله: "المؤمن يأكل في معى واحد" المؤمن التام الإيمان، من حسن إسلامه وكمل إيمانه، تفكر في خلق الله له وفيما يصير إليه من الموت وما بعده، فيمنعه الخوف والإشفاق من تلك الأهوال من استيفاء شهواته.
وقد روي هذا المعنى عن رسول الله ﷺ من حديث أبي أمامة مرفوعًا: "عليكم بقلة الأكل؛ تعرفون في الآخرة، فمن كثر تفكره قل طُعمه، وكلَّ لسانه، ومن قل تفكره كثر طُعمه، وعظم ذنبه وقسا قلبه،
стр. 15550
والقلب القاسي بعيد من الله" (١).
فأخبر أن من تفكر فيما ينبغي له التفكر فيه من قرب أجله، وما يصير إليه في معاده قل طعمه وكل لسانه وحق له ذَلِكَ.
وفيه: الحض على التقلل من الدنيا والزهد فيها والقناعة بالبلغة؛ ألا ترى قوله: "إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس كان كالذي يأكل ولا يشبع" (٢).
فدل هذا المعنى الذي وصفه الشارع أنه يأكل في مِعى واحد، وهو التام الإيمان المقتصد في مطعمه وملبسه، الذي قبل وصية نبيه وأخذ المال بسخاوة نفس، فبورك له فيه واستراح من دواء (٣) الحرص.
فإن قلت: فكيف بما روي عن عمر ﵁ أنه يأكل صاع تمر حَتَّى يتبع حشفة ولا أتم من إيمانه؟
قلت: من علم سيرة عمر ﵁، وتقلله في مطعمه وملبسه لم يعترض بهذا، ولم يتوهم أن قوت عمر كان كل يوم صاع تمر؛ لأنه كان من التقلل في مطعمه وملبسه في أبعد الغايات، وكان أشد الناس اقتداءً
стр. 15551
برسول الله ﷺ في سيرته، وإنما كان عمر يأكل الصاع في بعض الأوقات إذا بلغ منه الجوع وألمه، فكثيرًا كان يجوع نفسه، ولا يبلغ من الأكل نهمته.
وقد كانت العرب في الجاهلية تمتدح بقلة الأكل وتذم كثرته قال الشاعر:
يكفيه فلذة كبدٍ إن ألمَّ بها … من السواد يروي شربه الغمر
وقالت أم زرع في ابن أبي زرع: ويشبعه ذراع الجفرة. وقال حاتم الطائي: يذم بكثرة الأكل:
فإنك إن أعطيت بطنك سؤله … وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا
وقد شبه الله أكل الكفار بأكل البهائم فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ أي: أنهم يأكلون بالشره والنهم كالأنعام؛ لأنهم جهال، وذلك أن الأكل ضربان: أكل نهمة، وأكل حكمة، فأكل النهمة للشهوة فقط وأكل الحكمة للشهوة والمصلحة (١).
وذكر القرطبي فيه أقوالاً:
أحدها: أكل المؤمن إذا نُسب [إلى]، (٢) كافر سُبْعًا.
ثانيها: المراد الصفات السبع، وهي: الحرص، والشره، وطول الأمل، والطمع، وسوء [الطبع] (٣) وحب السمن، والحسد.
وقيل: شهوات الطعام سبع: شهوة الطبع، والنفس، والعين، والفم، والأذن، وأن لا يعيبوا الجوع، وهي الضرورة التي بها يأكل
стр. 15552
المؤمن. وقيل: إنه كان في كافر مخصوص، وهو الذي شرب حلاب الشياه السبع (١). وهذا سلف.
قال الطحاوي في "بيان مشكله": ولم يكن للحديث عندنا غير هذا الوجه، وأن الحديث خرج مخرج المعرفة، وما خرج مخرج المعرفة لم يبعد من قصده إليه إلى من سواه، إلا أن يكون فيه دلالة تدل على المقصد إلى ما هو أكثر من الواحد، فيصرف إلى ذَلِكَ.
ويرجع حكمه إلى حكم النكرة. وسمعت ابن أبي عمران يقول قد كان قوم حملوا هذا الحديث على الرغبة في الدنيا كما تقول: فلان يأكل الدنيا أكلاً، أي: يرغب فيها ويحرص عليها، فالمؤمن يأكل في معى واحدٍ، لزهادته في الدنيا، والكافر في سبعة أمعاء؛ لرغبته فيها (٢).
ولم يجعلوا ذَلِكَ على الطعام قالوا: وقد رأينا مؤمنًا أكثر طعامًا من كفار، ولو تأول ذَلِكَ على الطعام استحال معنى الحديث، قال القرطبي: وقيل: إنه قاله على سبيل التمثيل أراد أن نهمته وسعايته ما يدخله جوفه، والمؤمن وهب الله له القناعة والتوكل عليه في رزقه.
وقيل: أراد أن المؤمن يسمي الله تعالى على طعامه، فلا يشاركه الشيطان، فتكون البركة فيه، فيكفيه ما لا يكفي الكافر. وعند أهل التشريح: لكل إنسان سبعة أمعاء: المعدة، وثلاثة رقاق متصلة بها، ثم ثلاثة غلاظ، فالكافر لشرهه لا يكفيه إلا ملؤها كلها، والمؤمن لاقتصاره وتسميته يشبعه ملء أحدها.
стр. 15553
وقال النووي: لا يلزم أن يكون كل واحد من السبعة مثل معى المؤمن قال ﵇: "حسب المؤمن لقيمات يقمن صلبه" (١) وفي "ربيع الأبرار": كان علي ﵁ يفطر ليلة عند الحسن وليلة عند الحسين وليلة عند ابن جعفر، ولا يزيد على لقمتين أو ثلاث، قيل له فقال: إنما هي أيام قلائل ويأتي أمر الله. وكان يقول:
فإنك مهما تعطِ بطنك سؤله .. البيت.
فصل:
المعى: مقصور، مثل أنا، وتثنيته معيان، وذكر أبو حاتم السجستاني في كتاب "التذكير والتأنيث" أنه مذكر مقصور، وجاء به القطامي الشاعر جمعًا، كما قال تعالى: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ ولم يقل: أطفالاً، فقال:
كان نسوع رحلي حين ضمت … حوالب غررًا ومِعًا جياعًا.
وكان الوجه جائعًا. ولم أسمع أحدًا يؤنث المعى، وقد رواه من لا يوثق به، والهاء في سبعة تدل على التذكير في الواحد، ولم أسمع معى واحد ممن أثق به.
стр. 15554
١٣ - باب الأَكْلِ مُتَّكِئًا
٥٣٩٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الأَقْمَرِ، سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا آكُلُ مُتَّكِئًا». [٥٣٩٩ - فتح ٩/ ٥٤٠]
٥٣٩٩ - حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الأَقْمَرِ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ: «لَا آكُلُ وَأَنَا مُتَّكِئٌ». [انظر: ٥٣٨٩ - فتح: ٩/ ٥٤٠]
حدثنا أَبُو نُعَيْمٍ، ثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الأَقْمَرِ، قال سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ ﵁ قال: قَالَ النبي ﷺ : "لَا آكُلُ مُتَّكِئًا".
حدثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الأَقْمَرِ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ واسمه وهب بن عبد الله قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ: "لَا آكُلُ وَأَنَا مُتَّكِئٌ".
هذا الحديث من أفراده. وأخرجه الأربعة (١)، وقال الترمذي: حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث علي بن الأقمر.
وروى محمد بن عيسى الطباع، عن أبي عوانة، عن رقية بن مصقلة، عن علي بن الأقمر، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: قال النبي ﷺ فذكره (٢). فأدخل بين علي وأبي جحيفة عونًا، فيحمل على أنه سمعه من عون مرة ومرة من أبي جحيفة؛ لتصريحه في رواية البخاري بالسماع، فرواه مرة بعلو ومرة بنزول، وعون ثقة.
стр. 15555
وفي الباب أيضًا عن عبد الله بن عمرو أخرجه أبو داود من حديث ثابت البناني عن شعيب، بن عبد الله بن عمرو، وعن أبيه قال: ما رئي رسول الله ﷺ يأكل متكئًا قط (١). كذا قال شعيب بن عبد الله -نسبة إلى جده- ولولا هذا لكان الحديث مرسلاً؛ لأن أباه لا صحبة له، ولما رواه ابن أبي عاصم قال أبوه عبد الله بن عمرو: فلا أدري: هل هو من قوله أو من قول الراوي عن شعيب؟
ولما ذكره ابن شاهين في كتابه قال: صحيح. وهو ناسخ للأكل متكئًا (٢).
وفي الباب أيضًا عن أبي الدرداء أخرجه ابن شاهين في كتابه مرفوعًا: "لا آكل متكئًا". وأخرجه عن ابن مسعود أيضًا ثم قال: هذا الحديث إن كان محفوظًا، وإلا فهو منكر. قال ابن شاهين: وقد كان أكل متكئًا ثم نهى عنه (٣).
وذكر عن عطاء بن يسار أن جبريل رأى النبي ﷺ يأكل متكئًا فنهاه. وعن أنس ﵁ لما نهاه جبريل ما رأيته متكئًا بعد.
قال ابن شاهين: والتشديد في هذا على وجه الاختيار منه لا على وجه التحريم، وآدابه أولى أن تتبع، وما تركه فلا خير فيه. وقد رخص في الأكل متكئًا (٤).
وفي النسائي من حديث بقية بن الوليد، عن الزبيدي، عن الزهري، عن محمد بن عبد الله بن عباس، قال: كان ابن عباس يحدث أن الله
стр. 15556
تعالى أرسل إلى نبيه ملكًا من الملائكة مع جبريل. قال: إن لله يخيرك بين أن تكون عبدًا نبيًّا، وبين أن تكون عبدًا ملكًا. فقال: "لا، بل أكون عبدًا نبيًّا" فما أكل بعد تلك الكلمة طعامًا متكئًا (١).
كذا قال: محمد بن عبد الله -نسبة إلى جدَّه- وإنما هو محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. وإن كان البخاري ذكره فيمن اسمه محمد بن عبد الله؛ لأن جماعة ذكروه كالأول. ولابن أبي شيبة من حديث مجاهد بن جبر قال: ما أكل رسول الله ﷺ متكئًا إلا مرة قال: "اللهم إني عبدك ورسولك" (٢).
وهذا فيه إشارة إلى ترسيخ حديث ابن عباس السالف، فإن قلت: فقد روي عن ابن عباس أنه كان يأكل متكئًا. قلت: إسناده ضعيف، أخرجه ابن أبي شيبة من حديث يزيد بن أبي زياد، أخبرني من رأى ابن عباس يأكل متكئًا.
وروى ابن أبي شيبة، عن هشيم، عن حصين بن عبد الرحمن أن خالد بن الوليد دعا بغدائه فتغدى، وهو متكئ.
وعن عطاء قال: إن (كنا) (٣) لنأكل ونحن متكئون. وقال أبو هلال: رأيت ابن سيرين يأكل متكئًا. وقد سألت عبيدة عن الأكل متكئًا. (قال) (٤): متكئًا. وقال النخعي: كانوا يكرهون أن يأكلوا تكاة، مخافة أن تعظم بطونهم (٥).
стр. 15557
وفي "علل ابن أبي حاتم" من حديث عبد الله بن السائب بن خباب، عن أبيه، عن جده: رأيت رسول الله ﷺ يأكل قديدًا متكئًا. ثم قال عن أبيه: هذا حديث باطل (١).
إذا تقرر ذَلِكَ: فإنما فعل الشارع ذَلِكَ؛ تواضعًا لله وتذللًا له، وقد بين هذا الحديث السالف، وبينه أيوب في حديثه عن الزهري أنه ﵇ أتاه ملك لم يأته قبل تلك المرة ولا بعدها فقال: إن ربك يخيرك بين أن تكون عبدًا نبيًّا أو ملكًا نبيًّا. فنظر إلى جبريل كالمستشير فأومأ إليه أن (تواضع) (٢)، فقال: "بل عبدًا نبيًّا" فما أكل متكئًا (٣).
وقال مجاهد: لم يأكل النبي ﷺ متكئًا قط إلا مرة ففزع فجلس فقال: "اللهم إنى عبدك ورسولك". ومن أكل متكئًا فلم يأتِ حرامًا، وإنما يكره ذَلِكَ؛ لأنه خلاف التواضع الذي اختاره الله لأنبيائه، وصفوته من خلقه، وقد أجاز ابن سيرين والزهري الأكل متكئًا (٤).
وقال ابن التين: قيل: كره؛ لأنه فعل المكثرين. وقيل: لأنه فعل مكثر أكله فنصب الموائد ويكثر الألوان، كأنه ﵇ قال: أنا لا أفعل ذَلِكَ، لكني آكل العُلقة وأجتزئ باليسير، فأقعد له مستوفرًا وأقوم عنه مستعجلًا. وصرح ابن حزم بكراهة الأكل متكئًا فقال: نكرهه متكئًا، ولا نكرهه منبطحًا على البطن، وليس شيء من ذَلِكَ حرامًا؛ لأنه لم يأتِ نهي عن شيء من ذلك، وما لم يتصل بنا تحريمه فهو حلال،
стр. 15558
وقد روى أبو داود حديثًا قال فيه: إنه منكر؛ أنه ﵇ نهى أن يأكل الرجل منبطحًا على بطنه (١).
وعند ابن عدي من طريق مرسلة: زجر النبي ﷺ أن يعتمد الرجل على يده اليسرى عند الأكل، قال مالك: هو نوع من الاتكاء (٢).
ولأبي داود أنه ﵇ جثى على الطعام فقال له آخر: ما هذِه الجلسة؟ فقال: "إن الله جعلني عبدًا كريمًا ولم يجعلني جبارًا عنيدًا" (٣).
فصل:
المراد بالمتكئ في الحديث المعتمد على الوِطاءِ الذي تحته، وكل من استوى قاعدًا على وطاءٍ فهو متكئ كأنه أرخى مقعدته وشدها بالقعود على الوطاء الذي تحته، معناه: إذا أكلت لم أقعد متكئًا. فعل من يريد الاستكثار منه، ولكني آكل بلغة فيكون قعودي مستوفرًا.
وفي الحديث: كان يأكل وهو مقع (٤)، أي: كأنه يجلس على وركه غير متمكن. وهو الاحتفاز والاستنفزاز، وذكر بعضهم أن الاتكاء هو أن يتكئ على أحد جانبيه، وهو فعل المتجبرين، وإنه يمنع نزول الطعام كما ينبغي.
стр. 15559
١٤ - باب الشِّوَاءِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى (جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ) أَيْ: مَشْوِيٍّ.
٥٤٠٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِضَبٍّ مَشْوِيٍّ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ لِيَأْكُلَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ ضَبٌّ. فَأَمْسَكَ يَدَهُ، فَقَالَ خَالِدٌ: أَحَرَامٌ هُوَ؟ قَالَ: «لَا، وَلَكِنَّهُ لَا يَكُونُ بِأَرْضِ قَوْمِي، فَأَجِدُنِى أَعَافُهُ». فَأَكَلَ خَالِدٌ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْظُرُ.
قَالَ مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ. [انظر: ٥٣٩١ - مسلم: ١٩٤٦ - فتح: ٩/ ٥٤٢]
ثم ذكر حديث الضب من طريق ابن عباس عن خالد بن الوليد ففي لفظ: بضب مشوي. وفي آخر: محنوذ.
قال صاحب "العين": حنذت اللحم أحنذه حنذًا، إذا شويته بالحجارة المسخنة واللحم حنيذ ومحنوذ (١)، والشمس تحنذ أيضًا.
والحديث ظاهر لما ترجم له وهو جواز أكل الشواء؛ لأنه ﵇ أهوى ليأكل منه، لو كان مما لا يتقزز أكله غير الضب.
وذكر الطبري أن الخزيرة: شيء يتخذ كهيئة العَصِيد غير أنه أرق منها. وقول النضر: الخزيرة من النخالة، يريد بالخاء المعجمة والزاي، والثاني بالحاء والراء المهلمتين.
وقال ابن فارس: الخزيرة: دقيق يخلط بشحم، كانت العرب تعتز به (١). وقال الضبي والجوهري: الخزيرة: لحم يقطع صغارًا ويصب عليه الماء، فإذا نضج ذر عليه الدقيق، فإن لم يكن فيها لحم فهي عصيدة (٢) وقيل: هي حساء من دقيق ودسم.
وقال أبو الهيثم: إذا كان من دقيق فهي خزيرة، وإذا كان من نخالة فهي حريرة.
وقال الداودي: قول النضر: من النخالة: يعني: التي يبقى فيها بعض الحشيش. قيل: ويخرج ماؤها.
والتلبينة الآتية في بابها والتلبين: حساء يعمل من دقيق أو نخالة، وربما جعل فيها عسل، سميت تشبيهًا باللبن لبياضها ورقتها، وقيل: دقيق ولبن.
وقول الزهري: ثم سألت الحُصين بن محمد الأنصاري أحد بني سالم وكان من سراتهم عن حديث محمود فصدقه، قال ابن التين: ضبط القابسي الحضين -بضاد معجمة ونون- وقال الشيخ أبو عمران: لم يدخل البخاري في "جامعه" الحضير -بالضاء والراء- وإنما أدخله مسلم وأدخل الحصين -بصاد غير معجمة ونون- قلت: وهو الصواب هنا. ومعنى: سراتهم: أفاضلهم، وفيه ما ترجم له.
стр. 15562
وفيه من فوائده:
إمامة الأعمى إذا كان من أفضلهم، وصلاة النافلة جماعة، وقد أجازه مالك وغيره، قال ابن حبيب: وذلك إذا كان سرًّا ليس جهرًا الجماعة اليسيرة.
стр. 15563
١٦ - باب الأَقِطِ
وَقَالَ حُمَيْدٌ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁: بَنَى النَّبِيُّ ﷺ بِصَفِيَّةَ، فَأَلْقَى التَّمْرَ وَالأَقِطَ وَالسَّمْنَ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ أَنَسٍ: صَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ حَيْسًا.
٥٤٠٢ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: أَهْدَتْ خَالَتِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ضِبَابًا وَأَقِطًا وَلَبَنًا، فَوُضِعَ الضَّبُّ عَلَى مَائِدَتِهِ، فَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُوضَعْ، وَشَرِبَ اللَّبَنَ، وَأَكَلَ الأَقِطَ. [انظر: ٢٥٧٥ - مسلم: ١٩٤٧ - فتح: ٩/ ٥٤٤]
ثم ساق حديث أبي بشر -جعفر- عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄ في الضَّبَّ.
وفيه: وَأَكَلَ الأَقِطَ.
سلفا في المغازي في غزوة خيبر (١)، والثاني في البيع والجهاد والهبة (٢).
والأقط: شيء يصنع من اللبن وذلك أن يؤخذ ماء اللبن فيطبخ، كلما طفا عليه من بياض اللبن شيء جمع في إناء، فذلك الأقط وهو من أطعمة العرب. وهذِه الخالة في حديث ابن عباس هي أم حفيد هزيلة بنت الحارث.
стр. 15564
١٧ - باب السِّلْقِ وَالشَّعِيرِ
٥٤٠٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: إِنْ كُنَّا لَنَفْرَحُ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ تَأْخُذُ أُصُولَ السِّلْقِ، فَتَجْعَلُهُ فِي قِدْرٍ لَهَا، فَتَجْعَلُ فِيهِ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ، إِذَا صَلَّيْنَا زُرْنَاهَا فَقَرَّبَتْهُ إِلَيْنَا، وَكُنَّا نَفْرَحُ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ، وَمَا كُنَّا نَتَغَدَّى وَلَا نَقِيلُ إِلاَّ بَعْدَ الْجُمُعَةِ، وَاللهِ مَا فِيهِ شَحْمٌ وَلَا وَدَكٌ. [انظر: ٩٣٨ - مسلم: ٨٥٩ - فتح: ٩/ ٥٤٤].
ذكر فيه حديث أبي حازم سلمة بن دينار عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السالف في الجمعة والمزارعة، ويأتي في الاستئذان (١)، وفيه ما كان السلف عليه من الآقتصاد في مطعمهم وتقللهم واقتصارهم على الدون من ذَلِكَ؛ ألا ترى حرصهم على السلق والشعير، وهذا يدل أنهم كانوا لا يأكلون في ذَلِكَ كل وقت، ولم تكن همتهم اتباع شهواتهم، وإنما كانت همتهم من القرب ما يبلغهم المحل، ويدفعون سورة الجوع بما يمكن، فمن كان حريصًا أن يكون في الآخرة مع صالح سلفه فليسلك سبيلهم وليجرِ على طريقتهم وليقتدِ بهم يرشد.
وقوله: (وما كنا نتغدى ولا نقيل إلا بعد الجمعة). فيه دليل أنهم كانوا يبكرون لها، وأن التأهب لها يمنعهم أن يقيلوا قبلها، وتأوله قوم على جوازها قبل الزوال. والفقهاء أكثرهم على خلافه. ونَقِيل بفتح أوله ثلاثي قال تعالى ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤].
стр. 15565
١٨ - باب النَّهْسِ وَانْتِشَالِ اللَّحْمِ
٥٤٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: تَعَرَّقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَتِفًا ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. [انظر: ٢٠٧ - مسلم: ٣٥٤ - فتح: ٩/ ٥٤٥].
٥٤٠٥ - وَعَنْ أَيُّوبَ وَعَاصِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: انْتَشَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَرْقًا مِنْ قِدْرٍ فَأَكَلَ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. [انظر: ٢٠٧ - مسلم: ٣٥٤ - فتح: ٩/ ٥٤٥].
ذكر فيه: حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، ثَنَا حَمَّاد، ثنا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄: تَعَرَّقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَتِفًا ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، وَلَمْ يتوَضَّأْ.
وَعَنْ أَيُّوبَ وَعَاصِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: انْتَشَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَرْقًا مِنْ قِدْرٍ فَأَكَلَ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.
الشرح:
النهس: -بالسين المهملة- أخذ اللحم بأطراف الأسنان، وبالمعجمة الأخذ بجميعها، وقد قيده بالمهملة ابن التين، ونقل ابن بطال عن أهل اللغة: نهس الرجل والسبع اللحم نهسًا: قبض عليه ثم نتره، والنهس (والنهش) (١) عند الأصمعي سواء: أخذ اللحم بالفم (٢) وبه جزم في "الصحاح" وقال: إنه الأخذ بمقدم الفم كنهس الحية (٣).
قلت: وقيل بالمهملة: القبض على اللحم ونشره عند أكله. فتحصلنا على ثلاثة أحوال: الأخذ بالفم بمقدمه التعرقة، وعرقت
стр. 15566
العظم واعترقته تعرقته إذا أخذت عنه اللحم بأسنانك.
والعرق بالسكون العظم إذا أخذت عنه معظم اللحم، وقال الداودي: هو النصيب من اللحم.
ومعنى: (انتشل): أخذ قبل النضج، وهو النشيل، قاله الهروي (١).
ويقال للذي يرفع به المنشل. وقال ابن بطال: انتشال اللحم نتفه وقطعه، يقال: نشلت اللحم من المرق نشلاً: أخرجته منه وقال بعضهم: نشلت اللحم نشلاً، إذا أخذت بيدك عضوًا فانتشلت ما عليه (٢).
وقال ابن فارس: النشيل: اللحم يطبخ بلا توابل ينشل بالقدر بالمنشل (٣) ووقع في رواية أبي الحسن: أنشل رباعيًا. وفي رواية أبي ذر وغيره: انتشل ثلاثي، وهو في اللغة ثلاثي.
فصل:
ومحمد هذا هو ابن سيرين، ولم يسمع من ابن عباس كما نص عليه غير واحد، قال يحيى بن معين: إنما روى عن عكرمة عنه (٤). وسمع من ابن عمر حديثًا واحداً (٥)، ورأى زيد بن ثابت
قلت: وهذا الحديث من أفراده، وليس له في "صحيحه" (٦) سواه. وكذا قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه أنه لم يسمع محمد منه يقول في كلها: بلغت عنه (٧).
стр. 15567
وقال ابن المديني قال شعبة: أحاديث محمد عنه إنما سمعها من عكرمة، لقيه أيام المختار بن أبي عبيد، فلم يسمع محمد من ابن عباس شيئًا (١).
وقد أخرج له النسائي حديثًا في الجنائز من حديث أيوب عنه، عن ابن عباس، ومن طريق منصور بن زاذان، عنه، عن ابن عباس، ومن هذا الوجه أيضًا خرج النبي ﷺ من المدينة إلى مكة لا يخاف إلا الله فصلى ركعتين. وأخرجه الترمذي أيضًا (٢).
وجزم ابن بطال بأنه لا يصح له سماع منه قال: ولا من ابن عمر وإنما يسند الحديث برواية عن عكرمة عنه، وما ذكره في ابن عمر يخالفه ما ذكرناه عن يحيى بن معين (٣).
وحديث ابن عباس أخرجه في الطهارة من حديث عطاء عنه (٤).
وقوله: (وعن أيوب وعا صم) ذكر صاحب "الأطراف" أن البخاري رواه في الأطعمة عن عبد الله بن عبد الوهاب، عن حماد عنه، وعن عاصم كلاهما عن عكرمة، وهو كما قال (٥)، كما سقناه أولاً.
فصل:
فيه ما ترجم له، وفيه أيضًا ترك الوضوء مما مست النار كما سلف في بابه.
стр. 15568
١٩ - باب تَعَرُّقِ الْعَضُدِ
٥٤٠٦ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ الْمَدَنِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ مَكَّةَ. [انظر: ١٨٢١ - مسلم: ٣٥٤ - فتح: ٩/ ٥٤٥].
٥٤٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ السَّلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ يَوْمًا جَالِسًا مَعَ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَنْزِلٍ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ نَازِلٌ أَمَامَنَا، وَالْقَوْمُ مُحْرِمُونَ وَأَنَا غَيْرُ مُحْرِمٍ فَأَبْصَرُوا حِمَارًا وَحْشِيًّا وَأَنَا مَشْغُولٌ أَخْصِفُ نَعْلِى، فَلَمْ يُؤْذِنُونِي لَهُ، وَأَحَبُّوا لَوْ أَنِّي أَبْصَرْتُهُ، فَالْتَفَتُّ فَأَبْصَرْتُهُ، فَقُمْتُ إِلَى الْفَرَسِ فَأَسْرَجْتُهُ، ثُمَّ رَكِبْتُ وَنَسِيتُ السَّوْطَ وَالرُّمْحَ، فَقُلْتُ لَهُمْ: نَاوِلُونِي السَّوْطَ وَالرُّمْحَ. فَقَالُوا: لَا وَاللهِ لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ. فَغَضِبْتُ فَنَزَلْتُ فَأَخَذْتُهُمَا، ثُمَّ رَكِبْتُ فَشَدَدْتُ على الْحِمَارِ فَعَقَرْتُهُ، ثُمَّ جِئْتُ بِهِ وَقَدْ مَاتَ، فَوَقَعُوا فِيهِ يَأْكُلُونَهُ، ثُمَّ إِنَّهُمْ شَكُّوا فِي أَكْلِهِمْ إِيَّاهُ وَهُمْ حُرُمٌ، فَرُحْنَا وَخَبَأْتُ الْعَضُدَ مَعِي، فَأَدْرَكْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: «مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟». فَنَاوَلْتُهُ الْعَضُدَ فَأَكَلَهَا حَتَّى تَعَرَّقَهَا، وَهْوَ مُحْرِمٌ. قَالَ ابْنُ جَعْفَرٍ: وَحَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ مِثْلَهُ. [انظر: ١٨٢١ - مسلم: ١١٩٦ - فتح: ٩/ ٥٤٦].
ذكر فيه حديث أبي قتادة من طريق أبي حازم سلمة بن دينار، عن عبد الله بن أبي قتادة، عنه السالف في الحج والجهاد (١)، وهو الحارث بن ربعي، من بني سليمة بن الخزرج وقال في آخره: (قال ابن جعفر: حدثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي قتادة مثله).
стр. 15569
وموضع الحاجة منه: (فناولته العضد فأكلها وتعرقها وهو محرم).
قال صاحب "العين": تعرقت العظم وأعرقته وعرقته أعرقه عرقًا: أكلت ما عليه، والعراق: العظم بلا لحم، فإن كان عليه لحم فهو عرق (١). وهو ظاهر فيما ترجم له.
وقوله فيه: (أخصف نعلي) أي: أصلحها وأجمع قبالها، والخصف: الجمع قال تعالى: ﴿يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ أي: يجمعان الورق.
стр. 15570
٢٠ - باب قَطْعِ اللَّحْمِ بِالسِّكِّينِ
٥٤٠٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، أَنَّ أَبَاهُ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ فِي يَدِهِ، فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَلْقَاهَا وَالسِّكِّينَ الَّتِي يَحْتَزُّ بِهَا، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. [انظر: ٢٠٨ - مسلم: ٣٥٥ - فتح: ٩/ ٥٤٧].
ذكر فيه حديث عمرو بن أمية ﵁ أَنَّهُ رَأى النَّبِيَّ ﷺ يحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ فِي يَدِهِ، فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَلْقَى السِّكِّينَ (١) التِي يَحْتَزُّ بِهَا ثمَّ قَامَ فَصَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.
وقد سلف في الطهارة والصلاة والجهاد (٢) وذكره هنا رادًا بحديث أبي معشر نجيح -وهو واهٍ- عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ رفعته: "لا تقطعوا اللحم بالسكين؛ فإنه من صنع الأعاجم، وانهشوه؛ فإنه أهنأ وأمرأ" (٣).
قال أبو داود: وهو حديث ليس بالقوي. وحديث عثمان بن أبي سليمان، عن صفوان بن أمية ولم يسمع منه: كنت آكل مع رسول الله ﷺ وآخذ اللحم من العظم فقال لي: "أدن العظم من فيك؛ فإنه أهنأ وأمرأ".
стр. 15571
وأخرجه الترمذي من حديث عبد الكريم، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل بلفظ: "انهشوا اللحم نهشًا". وقال: لا نعرفه إلا من حديث عبد الكريم (١).
قلت: قد أخرجه ابن أبي عاصم من حديث محمد بن زياد بن الفضل بن عباس قال: كانت فينا وليمة فسمعت صفوان بن أمية يقول، فذكره.
قال ابن حزم: وقطع اللحم بالسكين للأكل حسن، ولا يكره أيضًا قطع الخبز به؛ إذ لم يأتِ نهي صحيح عن قطع الخبز وغيره بالسكين، وهو مباح.
стр. 15572
٢١ - باب مَا عَابَ النَّبِيُّ ﷺ طَعَامًا
٥٤٠٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَا عَابَ النَّبِيُّ ﷺ طَعَامًا قَطُّ، إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ. [انظر: ٣٥٦٣ - مسلم: ٢٠٦٤ - فتح: ٩/ ٥٤٧].
ذكر فيه حديث أَبِي حَازِمٍ وهو سلمان مولى عزة الأشجعية، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: مَا عَابَ النَّبِيُّ ﷺ طَعَامًا قَطُّ، إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وإلا تَرَكَهُ.
هذا الحديث سلف في باب صفته عليه الصلاة السلام، وأخرجه مسلم وقال: وإن كرهه سكت. وأخرجه أيضًا أبو داود وابن ماجه والترمذي وقال: حسن صحيح (١). وهو دال على حسن أدبه مع الله تعالى؛ لأنه إذا عاب المرء ما كرهه من الطعام فقد رد على الله رزقه، وقد يكره بعض الناس من الطعام ما لا يكرهه غيره، ونعم الله لا تعاب، وإنما يجب الشكر عليها والحمد لله من أجلها؛ لأنه لا يجب لنا شيء عليه منها، بل هو متفضل في إعطائه، عدل في منعه.
стр. 15573
٢٢ - باب النَّفْخِ فِي الشَّعِيرِ
٥٤١٠ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ أَنَّهُ سَأَلَ سَهْلاً: هَلْ رَأَيْتُمْ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ النَّقِيَّ قَالَ: لَا. فَقُلْتُ [فَهَلْ] (١) كُنْتُمْ تَنْخُلُونَ الشَّعِيرَ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ كُنَّا نَنْفُخُهُ. [٥٤١٣ - فتح: ٩/ ٥٤٨].
ذكر فيه حديث أبي غسان محمد بن مطرف المدني: حَدَّثَني أبو حازم -واسمه سلمة بن دينار- أَنَّهُ سَأَلَ سَهْلاً: هَلْ رَأَيْتُمْ في زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ النَّقِيَّ؟ قَالَ: لَا. فَقُلْتُ: كيف كُنْتُمْ تَنْخُلُونَ الشَّعِيرَ؟ قَالَ: لَا، ولكن كُنَّا نَنْفُخُهُ.
الشرح:
النقي: الخبز الحُوَّارى وفي حديث آخر: يجيء الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي. يعني: الحُوَّارى. ونخل الدقيق بالغربال -وهو المنخل- أي: تصفيته من النخالة وغيرها.
وفيه: ما كان عليه السلف من التخشن في مأكلهم وترك الرقيق لها والتباين فيها، وكانوا في سعة من تنخيله؛ لأن ذَلِكَ مباح لهم، فآثروا التخشن وتركوا التنعم؛ ليقتديَ بهم من يأتِي بعدهم، فخالفناهم في ذَلِكَ وآثرنا الترقيق في المأكل، ولم نرض مما رضوا به من ذَلِكَ، ولا قوة إلا به.
٥٤١٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ طَعَامِ الْبُرِّ ثَلَاثَ لَيَالٍ تِبَاعًا، حَتَّى قُبِضَ. [٦٤٥٤ - مسلم: ٢٩٧٠ - فتح: ٩/ ٥٤٩].
ذكر فيه أحاديث:
أحدها:
حديث عباس الجريري، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَصْحَابِهِ تَمْرًا، فَأَعْطَى كُلَّ إِنْسَانٍ منهم سَبْعَ تَمَرَاتٍ، وأَعْطَانِي سَبْعَ تَمَرَاتٍ إِحْدَاهُنَّ حَشَفَةٌ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِنَّ تَمْرَةٌ أَعْجَبَ إِلَيَّ مِنْهَا، شَدَّتْ فِي مَضَاغِي.
كذا هنا أعطاه سبعًا، وذكر بعده أنه أعطاه خمسًا. قال ابن التين: فإما أن تكون إحداهما فيها وهم، أو كان مرتين. وأخرجه أيضًا الترمذي والنسائي وابن ماجه (١).
والحشفة: -بفتح الحاء المهملة والشين المعجمة- هي التمرة إذا لم تطب في النخلة وتناهى طيبها فتيبس، وهو أردأ التمر، وقيل لها: حشفة؛ ليبسها. وقيل: الضعيف الذي لا نوى له كالشيص.
ومعنى: (شدت في مضاغي): أي: دامت معي فيه، وهو بفتح الميم عند الأصيلي وكسرها. قال ابن الأثير: المضاغ -بالفتح- الطعام يمضغ، وقيل: هو المضغ نفسه، يقال: لقمة لينة المضاغ، وشديد المضاغ. أراد أنها كانت فيها قوة عند مضغها (٢).
стр. 15576
فائدة:
عباس الجريري هذا والد فروُّخ بصري، والجريري: جرير بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، اتفقا عليه (١)، وكذا على سعيد بن إياس أبي مسعود الجريري. مات سنة أربع وأربعين ومائة.
وأبو عثمان النهدي عبد الرحمن بن مل. وشيخ البخاري فيه أبو النعمان وهو محمد بن الفضل عارم.
الحديث الثاني:
حديث (قَيْسٍ بَنْ) (٢) سَعْدٍ عن أبيه: رَأَيْتُنِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سَابعَ سَبْعَةٍ مَا لنَا طَعَام إِلَّا وَرَقُ الحُبْلَةِ -أَوِ الحَبَلَةِ- حَتَّى يَضَعَ أَحَدُنَا مَا تَضَعُ الشَّاةُ، ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِي عَلَى الإِسْلَامِ، خَبتُ إِذًا وَضَلَّ عملي.
هذا الحديث سلف في فضل سعد بن أبي وقاص، ويأتي في الرقاق (٣)، وأخرجه أيضًا مسلم والترمذي وابن ماجه والنسائي (٤).
стр. 15577
والحبلة: -بضم الحاء وسكون الباء الموحدة- ثمر السمر يشبه اللوبياء، وقيل ثمر العضاة، والأول هو المعروف، قاله عياض. وقيل: عروقه، ووقع الحبلة هنا على الشك كما سلف، ولم يكن عند الأصيلي إلا الأول.
والحبلة -بالتحريك والفتح- ورق الكرم، قال في "الصحاح": وربما سكن. وقال في هذا الحديث مثلما قال ابن فارس: الحبلة: ثمر العضاه. وذكر هذا الحديث، وزاد فيه: إلا الحبلة وورق السمر.
وضبطناه بضم الحاء وسكون الباء قال: والعضاة: شجر له شوك كالطلح والعوسج. وقال ابن الأعرابي: الحبلة: ثمر السمر شبه اللوبياء. وقيل: هو عروق السمر (١).
وقال ابن فارس: قيل ذكره لهذا المتقدم عنه: الحبلة: الكرم، وقد تفتح الباء. وقال أبو حنيفة: الزرجون حبلة، وجمعها حبلة.
قال صاحب "العين": الحبلة أيضًا ضرب من الشجر (٢).
ومعنى: (تعزرني): تؤذيني وقال: إنهم قالوا لعمر في حقه: لا يحسن يصلي فقال: نعم .. الحديث أي: يقوموني علمه ويعلمونيه من قولهم: عزر السلطان فلانًا إذا أدبه وقومه.
وعبارة الزاهر: يعزروني أي: يعلموني الفقه. وأصل التعزير التأديب، ولهذا سمي الضرب دون الحد تعزيرًا، وكان هذا القول عن سعد حين شكاه أهل الكوفة إلى عمر ﵄ وقالوا: إنه لا يحسن الصلاة، كما ذكرناه.
стр. 15578
ووقع في ابن بطال هنا أن عمر بن الخطاب من بني أسد (١)، وهو عجب؛ لأن عدي بن كعب رهط عمر ليسوا من بني أسد في ورد ولا صدر، فإن قلت: كيف مدح نفسه ومن شأن المؤمن التواضع؟ قلت: يضطر إلى التعريف بنفسه كما قال تعالى حاكيًا عن يوسف: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾.
وفيه: أنه لا بأس أن يذكر الرجل فضائله وسوابقه في الإسلام عندما ينتقصه أهل الباطل ويضعون من قدره، ولا يكون ذكره لفضائله من باب الفخر المنهي عنه (٢).
الحديث الثالث:
حديث أبي حازم قَالَ: سَأَلْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ الساعدي فَقُلْتُ: هَلْ أَكَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّقِيَّ؟ قَالَ سَهْلٌ: مَا رَأى النبي ﷺ النَّقِيَّ مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ اللهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ. فَقُلْتُ: هَلْ (كَانَتْ) (٣) لَكُمْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَنَاخِلُ؟ قَالَ: مَا رَأى رَسُولُ اللهِ ﷺ مُنْخُلًا مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ اللهُ حَتَّى قَبَضَهُ. قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَأكُلُونَ الشَّعِيرَ غَيْرَ مَنْخُولٍ؟ قَالَ: كُنَّا نَطْحَنُهُ وَنَنْفُخُهُ، فَيَطِيرُ مَا طَارَ، وَمَا بَقِيَ ثَرَّيْنَاهُ فَأَكَلْنَاهُ.
وأخرجه النسائي أيضًا (٤)، وأهمله ابن عساكر.
ثريت السويق تثرية إذا بللته وأثريه. فثرى، أي: ثرى بالماء واللبن؛ حَتَّى يصير كالثرى: وهو التراب الندي. والمنخل: أخذ ما استثني
стр. 15579
مما أوله ميم من الأدوات مكسور إلا منخل ومدق مسعط: وهو إناء يجعل فيه السعوط.
فصل:
في إسناده ابن أبي ذئب، وهو محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي ذئب أبو الحارث العامري القرشي، مات بالكوفة راجعًا إلى المدينة والعراق سنة تسع وخمسين ومائة عن تسع وسبعين.
الحديث الرابع:
حديث أبي هريرة ﵁ أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ شَاة مَصْلِيَّةٌ، فَدَعَوْهُ فَأَبَى أَنْ يَأكُلَ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَشْبَعْ مِنَ خُبْزِ الشَّعِيرِ.
المصلية: المشوية، وأصلها مصلوية؛ اجتمعت حرفا علة وسبق الأول بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت فيها، يقال: صليت اللحم أصليه صليًا: شويته، والصلاء: الشواء، وصليته وأصليته: ألقيته في النار.
الحديث الخامس:
حديث يُونسَ -هو الإسكاف- عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ ﵁ -قَالَ: مَا أَكَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى خِوَانٍ، وَلَا فِي سُكْرُجَةٍ، وَلَا خُبِزَ لَهُ مُرَقَّق. قُلْتُ لِقَتَادَةَ: عَلَى مَا يَأكُلُونَ؟ قَالَ: عَلَى السُّفَرِ.
وفيه معاذ، وهو ابن هشام الدستوائي.
الحديث السادس:
حديث عائشة ﵂ قالت: ما شبع آل محمد ﷺ منذ قدم المدينة من طعام البُر ثلاث ليال تباعًا حتى قبض. كذا هنا، وقال في
стр. 15580
حديث أبي هريرة ﵁ خرج رسول الله ﷺ ولم يشبع من خبز الشعير. فيحتمل أن يكون وإنما يأكل دون الشبع ويحتمل أن تكون عائشة علمت ما لم يعلمه أبو هريرة. وذكر عنها البخاري بعد هذا: ما شبع آل محمد ﷺ من خبز مأدوم ثلاثة أيام.
قال الطبري: إن قلت: ما وجه هذِه الأخبار -يعني: حديث عائشة هذا وشبهه وقد علم صحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنه كان يرفع مما أفاء الله عليه من بني النضر وفدك قوته وقوت عياله سنة، ثم يجعل ما فضل من ذَلِكَ في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله، وأنه قسم بين أربعة أنفس زهاء ألف بعير من نصيبه مما أفاء الله عليه من أموال هوازن، وأنه ساق في حجة الوداع مائة بعير فنحرها وأطعمها المساكين، وأنه كان يأمر للأعرابي يسلم بقطيع من الغنم مع ما يكثر تعداده من عطاياه التي لا يذكر مثلها عمن تقدم قبله من ملوك الأمم السالفة، مع كونه بعين أرباب الأموال الجسام كالصديق والفاروق وعثمان وأمثالهم في كثرة الأموال، وبذلهم مهجهم وأولادهم، وخروج أحدهم من جميع ماله؛ تقربًا إلى الله تعالى، مع إشراك الأنصار في أموالهم من قدم عليهم من المهاجرين وبذلهم نفائسها في ذات الله، فكيف بإنفاقها على سيد الأمة وبه إليها الحاجة العظمى؟
ثم أجاب بصحة الأخبار كلها وأن ذَلِكَ كان حينًا بعد حين؛ من أجل أن من كان منهم ذا مال كانت تستغرق نوائب الحقوق ماله، ومواساة الضيفان، والوفود حَتَّى يقل كثيره ويذهب جميعه وكيف لا يكون كذلك، وقد روينا عن عمر ﵁ أنه ﵇ أمرنا بالصدقة فجاء الصديق بكل ماله، فكيف نستنكر من هذا فعله أن يمكن صاحبه ثم لا يجد السبيل إلى سد جوعته وإرفاقه بما يعينه؟!