فائدة:
عباس الجريري هذا والد فروُّخ بصري، والجريري: جرير بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، اتفقا عليه (١)، وكذا على سعيد بن إياس أبي مسعود الجريري. مات سنة أربع وأربعين ومائة.
وأبو عثمان النهدي عبد الرحمن بن مل. وشيخ البخاري فيه أبو النعمان وهو محمد بن الفضل عارم.
الحديث الثاني:
حديث (قَيْسٍ بَنْ) (٢) سَعْدٍ عن أبيه: رَأَيْتُنِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سَابعَ سَبْعَةٍ مَا لنَا طَعَام إِلَّا وَرَقُ الحُبْلَةِ -أَوِ الحَبَلَةِ- حَتَّى يَضَعَ أَحَدُنَا مَا تَضَعُ الشَّاةُ، ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِي عَلَى الإِسْلَامِ، خَبتُ إِذًا وَضَلَّ عملي.
هذا الحديث سلف في فضل سعد بن أبي وقاص، ويأتي في الرقاق (٣)، وأخرجه أيضًا مسلم والترمذي وابن ماجه والنسائي (٤).
стр. 15577
والحبلة: -بضم الحاء وسكون الباء الموحدة- ثمر السمر يشبه اللوبياء، وقيل ثمر العضاة، والأول هو المعروف، قاله عياض. وقيل: عروقه، ووقع الحبلة هنا على الشك كما سلف، ولم يكن عند الأصيلي إلا الأول.
والحبلة -بالتحريك والفتح- ورق الكرم، قال في "الصحاح": وربما سكن. وقال في هذا الحديث مثلما قال ابن فارس: الحبلة: ثمر العضاه. وذكر هذا الحديث، وزاد فيه: إلا الحبلة وورق السمر.
وضبطناه بضم الحاء وسكون الباء قال: والعضاة: شجر له شوك كالطلح والعوسج. وقال ابن الأعرابي: الحبلة: ثمر السمر شبه اللوبياء. وقيل: هو عروق السمر (١).
وقال ابن فارس: قيل ذكره لهذا المتقدم عنه: الحبلة: الكرم، وقد تفتح الباء. وقال أبو حنيفة: الزرجون حبلة، وجمعها حبلة.
قال صاحب "العين": الحبلة أيضًا ضرب من الشجر (٢).
ومعنى: (تعزرني): تؤذيني وقال: إنهم قالوا لعمر في حقه: لا يحسن يصلي فقال: نعم .. الحديث أي: يقوموني علمه ويعلمونيه من قولهم: عزر السلطان فلانًا إذا أدبه وقومه.
وعبارة الزاهر: يعزروني أي: يعلموني الفقه. وأصل التعزير التأديب، ولهذا سمي الضرب دون الحد تعزيرًا، وكان هذا القول عن سعد حين شكاه أهل الكوفة إلى عمر ﵄ وقالوا: إنه لا يحسن الصلاة، كما ذكرناه.
стр. 15578
ووقع في ابن بطال هنا أن عمر بن الخطاب من بني أسد (١)، وهو عجب؛ لأن عدي بن كعب رهط عمر ليسوا من بني أسد في ورد ولا صدر، فإن قلت: كيف مدح نفسه ومن شأن المؤمن التواضع؟ قلت: يضطر إلى التعريف بنفسه كما قال تعالى حاكيًا عن يوسف: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾.
وفيه: أنه لا بأس أن يذكر الرجل فضائله وسوابقه في الإسلام عندما ينتقصه أهل الباطل ويضعون من قدره، ولا يكون ذكره لفضائله من باب الفخر المنهي عنه (٢).
الحديث الثالث:
حديث أبي حازم قَالَ: سَأَلْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ الساعدي فَقُلْتُ: هَلْ أَكَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّقِيَّ؟ قَالَ سَهْلٌ: مَا رَأى النبي ﷺ النَّقِيَّ مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ اللهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ. فَقُلْتُ: هَلْ (كَانَتْ) (٣) لَكُمْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَنَاخِلُ؟ قَالَ: مَا رَأى رَسُولُ اللهِ ﷺ مُنْخُلًا مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ اللهُ حَتَّى قَبَضَهُ. قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَأكُلُونَ الشَّعِيرَ غَيْرَ مَنْخُولٍ؟ قَالَ: كُنَّا نَطْحَنُهُ وَنَنْفُخُهُ، فَيَطِيرُ مَا طَارَ، وَمَا بَقِيَ ثَرَّيْنَاهُ فَأَكَلْنَاهُ.
وأخرجه النسائي أيضًا (٤)، وأهمله ابن عساكر.
ثريت السويق تثرية إذا بللته وأثريه. فثرى، أي: ثرى بالماء واللبن؛ حَتَّى يصير كالثرى: وهو التراب الندي. والمنخل: أخذ ما استثني
стр. 15579
مما أوله ميم من الأدوات مكسور إلا منخل ومدق مسعط: وهو إناء يجعل فيه السعوط.
فصل:
في إسناده ابن أبي ذئب، وهو محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي ذئب أبو الحارث العامري القرشي، مات بالكوفة راجعًا إلى المدينة والعراق سنة تسع وخمسين ومائة عن تسع وسبعين.
الحديث الرابع:
حديث أبي هريرة ﵁ أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ شَاة مَصْلِيَّةٌ، فَدَعَوْهُ فَأَبَى أَنْ يَأكُلَ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَشْبَعْ مِنَ خُبْزِ الشَّعِيرِ.
المصلية: المشوية، وأصلها مصلوية؛ اجتمعت حرفا علة وسبق الأول بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت فيها، يقال: صليت اللحم أصليه صليًا: شويته، والصلاء: الشواء، وصليته وأصليته: ألقيته في النار.
الحديث الخامس:
حديث يُونسَ -هو الإسكاف- عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ ﵁ -قَالَ: مَا أَكَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى خِوَانٍ، وَلَا فِي سُكْرُجَةٍ، وَلَا خُبِزَ لَهُ مُرَقَّق. قُلْتُ لِقَتَادَةَ: عَلَى مَا يَأكُلُونَ؟ قَالَ: عَلَى السُّفَرِ.
وفيه معاذ، وهو ابن هشام الدستوائي.
الحديث السادس:
حديث عائشة ﵂ قالت: ما شبع آل محمد ﷺ منذ قدم المدينة من طعام البُر ثلاث ليال تباعًا حتى قبض. كذا هنا، وقال في
стр. 15580
حديث أبي هريرة ﵁ خرج رسول الله ﷺ ولم يشبع من خبز الشعير. فيحتمل أن يكون وإنما يأكل دون الشبع ويحتمل أن تكون عائشة علمت ما لم يعلمه أبو هريرة. وذكر عنها البخاري بعد هذا: ما شبع آل محمد ﷺ من خبز مأدوم ثلاثة أيام.
قال الطبري: إن قلت: ما وجه هذِه الأخبار -يعني: حديث عائشة هذا وشبهه وقد علم صحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنه كان يرفع مما أفاء الله عليه من بني النضر وفدك قوته وقوت عياله سنة، ثم يجعل ما فضل من ذَلِكَ في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله، وأنه قسم بين أربعة أنفس زهاء ألف بعير من نصيبه مما أفاء الله عليه من أموال هوازن، وأنه ساق في حجة الوداع مائة بعير فنحرها وأطعمها المساكين، وأنه كان يأمر للأعرابي يسلم بقطيع من الغنم مع ما يكثر تعداده من عطاياه التي لا يذكر مثلها عمن تقدم قبله من ملوك الأمم السالفة، مع كونه بعين أرباب الأموال الجسام كالصديق والفاروق وعثمان وأمثالهم في كثرة الأموال، وبذلهم مهجهم وأولادهم، وخروج أحدهم من جميع ماله؛ تقربًا إلى الله تعالى، مع إشراك الأنصار في أموالهم من قدم عليهم من المهاجرين وبذلهم نفائسها في ذات الله، فكيف بإنفاقها على سيد الأمة وبه إليها الحاجة العظمى؟
ثم أجاب بصحة الأخبار كلها وأن ذَلِكَ كان حينًا بعد حين؛ من أجل أن من كان منهم ذا مال كانت تستغرق نوائب الحقوق ماله، ومواساة الضيفان، والوفود حَتَّى يقل كثيره ويذهب جميعه وكيف لا يكون كذلك، وقد روينا عن عمر ﵁ أنه ﵇ أمرنا بالصدقة فجاء الصديق بكل ماله، فكيف نستنكر من هذا فعله أن يمكن صاحبه ثم لا يجد السبيل إلى سد جوعته وإرفاقه بما يعينه؟!
стр. 15581
وعلى هذِه الخليقة كانت خلائق أصحابه كالذي ذكر عن عثمان أنه جهز جيش العسرة من ماله حَتَّى لم يفقدوا حبلًا ولا قتبًا، وكالذي روي عن ابن عوف أنه ﵇ حث على الصدقة فجاء بأربعة آلاف دينار صدقة، فمعلوم أن من كانت هذِه أخلاقه وأفعاله لا يخطئه أن يأتي عليه التارة من الزمان والحين من الأيام مملقًا لا شيء له إلا أن يثوب ماله فبان خطأ قول القائل: كيف يجوز أن يرهن الشارع درعه عند يهودي بوسق شعير وفي أصحابه أهل الغنى والسعة ما لا يجهل موضعه؟ أم كيف يجوز أن يوصف أنه كان يطوي الأيام ذوات العدد خميصًا وأصحابه يمتهنون أموالهم لمن هو دونه من أصحابه؟ فكيف له إذ كان معلومًا جوده وكرمه وإيثاره ضيفانه القادمين عليه لما عنده من الأقوات والأموال على نفسه واحتماله المشقة والمجاعة في ذات الله؟ ومن كان كذلك هو وأصحابه فغير مستنكر لهم حال ضيق يحتاجون معها إلى الاستسلاف وإلى طي الأيام على المجاعة والشدة وأكلهم ورق الحبلة.
فأما ما روي عنه أنه لم يشبع من خبز البُر ثلاثة أيام تباعًا حَتَّى قبض، فإن البر كان قليلاً عندهم، وكان الغالب عندهم الشعير والتمر، فغير نكير أن يؤثر قوت أهله وأن يؤثر قوت أهل بلده، ويكره أن يخص نفسه مما لا سبيل للمسلمين إليه من الغذاء وهذا هو الأشبه بأخلاقه.
وأما ما روي عنه أنه خرج من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير، فإن ذَلِكَ لم يكن لعوز ولا لضيق في غالب أحواله، وكيف يكون ذَلِكَ وقد كان الله تعالى أفاء عليه قبل وفاته بلاد العرب كلها، ونقل إليه الخراج من بعض بلاد العجم كأيلة والبحرين وهجر، ولكن كان بعضهم كما وصفت من إيثار حقوق الله، وبعضه كراهية منه الشبع وكثرة الأكل فإنه كان يكرهه ويؤدب أصحابه.
стр. 15582
وروي عن زيد بن وهب، عن عطية بن عامر الجهني قال: أكره سلمان على طعام يأكله، فقال: حسبي؛ فإني سمعت النبي ﷺ يقول: "إن أكثر الناس شبعًا في الدنيا أطولهم جوعًا في الآخرة" (١).
وروى أسد بن موسى من حديث عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: أكلت ثريد بر بلحم سمين فأتيت النبي ﷺ وأنا أتجشأُ فقال: "أكفف عليك من جشائك أبا جحيفة؛ فإن أكثر الناس شبعًا في الدنيا أطولهم جوعًا يوم القيامة" (٢).
فما أكل أبو جحيفة ملء بطنه حَتَّى فارق الدنيا، كان إذا تغدى لا يتعشى، وإذا تعشى لا يتغدى، وعلى إيثار الجوع وقلة الشبع مع وجود السبيل إليه مرة وعدمه أخرى مضى الخيار من الصحابة والتابعين.
وروى وهب بن كيسان [عن جابر] (٣) قال: لقيني عمر بن الخطاب ومعي لحم اشتريته بدرهم فقال: ما هذا؟ فقلت يا أمير المؤمنين أشتريته للصبيان والنساء؛ فقال عمر: لا يشتهي أحدكم شيئًا إلا وقع فيه. أو لا يطوي أحدكم بطنه لجاره وابن عمه، أين تذهب عنكم هذِه الآية ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (٤) [الأحقاف:٢٠].
وقال هشيم: عن منصور، عن ابن سيرين: أن رجلاً قال لابن عمر: اجعل جوارشنا قال: وما هو؟ قال: شيء إذا كظَّك الطعام، فأصبت منه سهل عليك، قال ابن عمر ﵄: ما شبعت منذ أربعة أشهر،
стр. 15583
وما ذاك إلا أكون له واجدًا، ولكني عهدت قومًا يشبعون مرة ويجوعون مرة (١).
وقال الزهري: إن عبد الله بن مطيع قال لصفية تلطفت: هذا الشيخ؟ -يعني: ابن عمر- قال: قد أعياني ألا يأكل إلا ومعه آكل، فلو كلمته، [قال: فكلمته] (٢) فقال: الآن يأمرني بالشبع ولم يبق من عمري إلا ظِمْء حمار، فما شبعت منه ثماني سنين (٣). وقال مجاهد: لو أكلت كل ما أشتهي ما سويت حشفة. وقال الفضيل: خصلتان يقسيان القلب: كثرة الأكل والكلام (٤)(٥).
стр. 15584
٢٤ - باب التَّلْبِينَةِ
٥٤١٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا كَانَتْ إِذَا مَاتَ الْمَيِّتُ مِنْ أَهْلِهَا فَاجْتَمَعَ لِذَلِكَ النِّسَاءُ ثُمَّ تَفَرَّقْنَ إِلاَّ أَهْلَهَا وَخَاصَّتَهَا، أَمَرَتْ بِبُرْمَةٍ مِنْ تَلْبِينَةٍ فَطُبِخَتْ، ثُمَّ صُنِعَ ثَرِيدٌ فَصُبَّتِ التَّلْبِينَةُ عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَتْ: كُلْنَ مِنْهَا: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «التَّلْبِينَةُ مَجَمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ، تَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ». [انظر: ٥٦٩٠،٥٦٨٩ - مسلم: ٢٢١٦ - فتح: ٩/ ٥٥٠].
ذكر فيه حديث عروة، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا كَانَتْ إِذَا مَاتَ المَيِّتُ مِنْ أَهْلِهَا فَاجْتَمَعَ لِذَلِكَ النِّسَاءُ ثُمَّ تَفَرَّقْنَ إِلَّا أَهْلَهَا وَخَاصَّتَهَا، أَمَرَتْ بِبُرْمَةٍ مِنْ تَلْبِينَةٍ فَطُبِخَتْ، ثُمَّ صُنِعَ ثَرِيدٌ فَصُبَّتِ التَّلْبِينَةُ عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَتْ: كُلْنَ مِنْهَا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "التَّلْبِينَةُ مَجَمَّةٌ لِفُؤَادِ المَرِيضِ، تَذْهَبُ بِبَعْضِ الحُزْنِ".
هذا الحديث ذكره في الطب أيضًا بلفظ: إنها كانت تأمر بالتلبين [للمريض وللمحزون] (١) على الهالك وكانت تقول: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنّ التلبين يجم فؤاد المريض ويُذهب بعض الحزن". في لفظٍ: أنها كانت تقول: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن التلبين يجم فؤاد المريض ويذهب بعض الحزن". وفي لفظٍ: أنها كانت تأمر بالتلبين وتقول: هو البغيض النافع (٢). وقد أخرجه مسلم أيضًا (٣).
стр. 15585
و (التَّلْبِينَةُ): حساء من دقيق ونخالة، ويقال التلبين أيضًا؛ لأنه يشبه اللبن في بياضه، فإن كانت ثخينة فهي الحريرة، وقد يجعل اللبن والعسل.
ومعنى: (مَجَمَّةٌ): مريحة وتُسرّي عنه همه، وهي بفتح الميم وكسرها مع فتح الجيم، فإن ضممت الميم كسرت الجيم لا غير. وقوله: ("تجم"): أي: تريحه وقيل: تجمعه وتكمل صلاحه ونشاطه، وقيل: تفتحه. وقيل: تمسكه، وتذهب ألم الجوع.
ومن الأول، الحديث: "الحساء يسري عن فؤاد السقيم" (١). وفي حديث طلحة: رمى النبي ﷺ بسفرجلةً وقال: "دونكها؛ فإنها تجم فؤاد المريض" (٢) قال ابن عائشة: أي، تريحه.
وقال ابن فارس: الجمام: الراحة. وضبطه مجمة بفتح الميم على أنه اسم فاعل (٣).
وقال الشيخ أبو الحسن: الذي أعرف فتح الميم، فهي على هذا مفعلة من جم يجم.
стр. 15586
وقال القرطبي: تروى بفتح الميم والجيم وبضم الميم وكسر الجيم، فعلى الأول يكون مصدرًا، وعلى الثاني يكون اسم فاعل (١).
فصل:
في الترمذي: كان إذا أخذ أهله ﵇ الوعك أمره بالحساء فصنع ثم أمرهم فحسوا منه، وكان يقول: "إنه ليرتو فؤاد الحزين ويسرو عن فؤاد السقيم كما تسروا إحداكن الوسخ بالماء عن وجهها" (٢). ولأبي نعيم: وكان إذا اشتكى أحد من أهله لم تزل البرمة على النار حَتَّى يأتي على أحد طرفيه (٣). ومن حديث إسحاق بن أبي طلحة مرفوعًا: "في التلبين شفاء من كل داء" (٤).
وعن أم سلمة ﵂: كان ﵇ إذا اشتكى أحد من أهله وضعنا القدر على الأثافي ثم جعلنا له لب الحنطة بالسمن يعالجهم بذلك؛ حَتَّى يكون أحد الأمرين (٥). وعن عائشة ﵂ قالت: شكوت إلى رسول الله ﷺ خشونة في صدري ووجعًا في رأسي فقال: "عليك بالتلبين -يعني: الحساء- فإن له وجاء". قال أبو نعيم: التلبينة: دقيق بحت. وقال قوم: فيه شحم (٦).
стр. 15587
وقال الأصمعي: حساء من دقيق أو نخالة، ويجعل فيه عسل -قاله ابن قتيبة- ولا أراها سميت تلبينة إلا لشبهها باللبن؛ لبياضها ورقتها (١).
وهذا سلف. وعند الهروي: وسمتها عائشة أيضًا المشنئة، وهي البغيضة (٢)، ويقال لها بالفارسية: اليوساب.
وقال عبد اللطيف البغدادي: هو الحساء الرقيق الذي هو في قوام اللبن، وهو النافع للمرضى على الحقيقة، وهو الرقيق النضج لا الغليظ النيء.
وقال الداودي: يوجد العجين غير خمير يخرج ماؤه ويجعل حسوًا؛ لأنها لباب لا يخالطه شيء، فلذلك كثر نفعها على قلتها.
فصل:
فيه أن الجوع (يزيد) (٣) الحزن، فإن ذهابه يذهب ببعضه، وقد سلف أن معنى: مَجَمَّة: مريحة، وتقويه أيضًا وتنشطه، وذلك لأنه غذاء فيه لطف سهل تناوله على المريض، فإذا استعمله اندفع عنه (حرارة) (٤) الجوعة وحصلت له القوة العفافيه من غير مشقة.
فصل:
وقولها: (البغيض): فيه إشارة إلى أن المريض يبغضه كما يبغض الأدوية، وذكره ابن قرقول في باب الباء الموحدة مع الغين وقال: كذا لهم. وعند المروذي: النغيض بالنون. ولا معنى له.
стр. 15588
قال عبد اللطيف: والفؤاد هنا: رأس المعدة وفؤاد الحزين يضعف باستيلاء اليبس على أعضائه، وعلى معدته خاصة؛ لتقليل الغذاء، وهذا الغذاء يرطبها ويقويها، ويفعل مثل ذَلِكَ بفؤاد المريض، وما أنفع هذا الحساء لمن يغلب (على) (١) غذائه في (صحتها) (٢) الشعير، وأما من يغلب على غذائه الحنطة فالأولى به في مرضه حساء الشعير.
أراه أن فاطمة أفضل؛ لأنها بضعة منه ولا يعدل ببضعته (١)
ثانيها:
حديث أبي طوالة، عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ -قَالَ: "فَضْلُ عَائِشَةَ .. " الحديث سلف هناك أيضًا (٢)، وأبو طوالة: اسمه عبد الله بن عبد الرحمن، كما سماه هناك، وجدّه معمر بن حزم بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار، قاضي المدينة لأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم في خلافة عمر بن عبد العزيز، مات في خلافة أبي العباس السفاح (٣)، أخرجا له (٤).
ثالثها:
حديث ثمامة عن أنس ﵁ في الدباء. وقد سلف (٥)، وفيه الأشهل بن حاتم مولى بني جمح من أفراده، ضعفه الراويان (٦)، وثمامة هو ابن عبد الله بن أنس بن مالك، روى له الجماعة (٧).
стр. 15591
إذا تقرر ذَلِكَ فالثريد أذكى الطعام وأكثره بركة، وهو طعام العرب، وقد شهد له الشارع بالفضل على سائر الطعام، وكفى بذلك تفضيلًا له وشرفًا له. وقد شهد الشارع بالكمال لمريم وآسية، وشهد لعائشة تفضلها على النساء، وهل تدخل (في ذَلِكَ) (١) مريم وآسية، ولا شك أن مريم مصطفاة بالنص، أي: مختارة ومطهرة من الكفر أو من الأدناس: الحيض والنفاس، واصطفاؤها على نساء العالمين دال على تفضيلها على جميع نساء الدنيا؛ لأن العالمين جمع عالم، وقد جعلها وابنها آية؛ كونها ولدت من (غير) (٢) فحل؛ وجاءها جبريل ولم يأت غيرها من النساء قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ الآية [مريم: ١٧]، واختار جماعة نبوتها: ابن وهب وأبو إسحاق الزجاج وأبو بكر بن اللباد -فقيه المغرب- وابن أبي زيد والقابسي، وعلى هذا فأول الحديث على العموم في مريم وآسية، وآخره على الخصوص في عائشة، ويكون المعنى: فضلهما على جميع نساء كل عالم، وفضل عائشة على نساء عالمها خاصة، وأباه طائفة أخرى وقالوا: تفضل عائشة على جميع النساء. ولم يقولوا بنبوة مريم ولا أحد من النساء.
وحملوا آخر الحديث على العموم، وأوله على الخصوص وقالوا: قوله تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ على نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢] يعني: عالم زمانها، وهو قول الحسن وابن جريج (٣)، ويكون قوله: "فضل عائشة" على نساء الدنيا كلها. ومن حجتهم: قوله تعالى لهذِه الأمة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]
стр. 15592
فعُلم بهذا الخطاب أن المسلمين أفضل جميع الأمم، ألا ترى قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] والوسط: العدل عند أهل التأويل، فدل هذا كله أن من شهد له الشارع بالفضل من أمته وعيَّنه فهو أفضل ممن شهد له بالفضل من الأمم الخالية. ويؤيد هذا التأويل قوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] فدل عموم هذا اللفظ على فضل أزواجه على كل من قبلهن وبعدهن.
وقام الإجماع على أن نبينا محمدًا ﷺ أفضل من جميع الأنبياء، فكذلك نساؤه ﵇ لهن من الفضل على سائر نساء الدنيا ما للنبي ﷺ من الفضل على سائر الأنبياء. وقد صح أن نساءه معه في الجنة، ومريم مع ابنها وأمها في الجنة، ودرجة نبينا في الجنة فوق درجة هؤلاء كلهم، والله أعلم بحقيقة الفضل في ذَلِكَ.
ثم قال البخاري:
تَابَعَهُ مُحَمَّدٌ، عَنِ ابن عُيَيْنَةَ. وقال ابن جريج: قلت لعطاء قال: حتى جئنا المدينة، قال: لا.
الشرح:
التعليق الأول سلف في أوائل الصلاة مسندًا (١)، والثاني رواه أبو نعيم، عن سليمان بن أحمد (٢)، ثنا معاذ المثنى، ثنا محمد بن كثير، ثنا سفيان، وعباس هو ابن ربيعة النخعي، اتفقا عليه وعلى ابنه (٣).
ومحمد هذا هو ابن سلام، قاله أبو نعيم، ثم رواه من طريق الحميدي، ثنا سفيان بن عيينة. والبخاري رواه أولاً عن عبد الله بن محمد، عن سفيان.
وهذا الباب رد على الصوفية في قولهم: إنه لا يجوز ادخار طعام لغدٍ، وأن المؤمن الكامل الإيمان لا يستحق اسم الولاية لله؛ حَتَّى يتصدق بما يفضل عن شبعه. ولا يترك طعامًا لغد، ولا يصبح عنده شيء من عين ولا عرض، ويمسي كذلك، ومن خالف ذَلِكَ فقد أساء الظن بربه ولم يتوكل عليه حق توكله، وهذِه الآثار ثابتة بادخار الصحابة، وتزود الشارع وأصحابه في أسفارهم، وهي المقنع والحجة الكافية في رد قولهم.
وقد سلف في كتاب الخمس في حديث مالك بن أوس بن الحدثان قول عمر ﵁ لعلي والعباس حين جاءا يطلبان ما أفاء الله على رسوله من
стр. 15596
بني النضير إلى قول عمر ﵁، فكان ﵇ ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال (١). وقد صح بهذا ادخاره لأهله فوق سنتهم.
وفيه: أسوة حسنة، وفي باب: نفقة نسائه بعد وفاته في الخمس أيضًا إيضاح ذَلِكَ مع الجواب عما عارضه.
стр. 15597
٢٨ - باب الْحَيْسِ
٥٤٢٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَمْرِو -بْنِ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَنْطَبٍ- أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَبِي طَلْحَةَ: «الْتَمِسْ غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي». فَخَرَجَ بِي أَبُو طَلْحَةَ، يُرْدِفُنِي وَرَاءَهُ، فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ كُلَّمَا نَزَلَ، فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ». فَلَمْ أَزَلْ أَخْدُمُهُ حَتَّى أَقْبَلْنَا مِنْ خَيْبَرَ، وَأَقْبَلَ بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ قَدْ حَازَهَا، فَكُنْتُ أَرَاهُ يُحَوِّي وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ -أَوْ بِكِسَاءٍ- ثُمَّ يُرْدِفُهَا وَرَاءَهُ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ صَنَعَ حَيْسًا فِي نِطَعٍ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَدَعَوْتُ رِجَالاً فَأَكَلُوا، وَكَانَ ذَلِكَ بِنَاءَهُ بِهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى إِذَا بَدَا لَهُ أُحُدٌ قَالَ: «هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ». فَلَمَّا أَشْرَفَ على الْمَدِينَةِ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا مِثْلَ مَا حَرَّمَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ؛ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ». [انظر: ٣٧١ - مسلم: ١٣٦٥ - فتح: ٩/ ٥٥٣].
ذكر فيه حديث أنس ﵁ في بنائه بصفيه، وقد سلف (١). والشاهد منه: صنع حيسًا في نطع. والحيس عند العرب: خلط الإقط بالتمر، تقول: حُسْته حيسًا وحيسة، عن صاحب "العين" (٢).
وقوله فيه: ("اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ") إلى آخره يريد الغم، يقال: أهمني هذا الأمر. أي: أخوفني وهو مهم، فيحتمل أن يكون من همه المرض إذا أذابه وأنحله، مأخوذ من هم الشحم، إذا أذابه، والشيء مهموم أي: مذاب، فيكون تعوذه من المرض الذي ينحل جسمه.
стр. 15598
وقال الداودي: الغم: ما شغل الضمير، وليس شيء أضر على البدن منه.
قال: ("وَالْحَزَنِ"): أن يصاب الرجل في أهله، وهما عند القزاز سواء الهم والحزن. والعجز: ذهاب القدرة -في وجه-، وهو الكسل عن الشيء مع القدرة عن الأخذ في (عمله) (١)، وكلاهما يجوز أن يتعوذ منه.
وقال الداودي: العجز: ترك ما يجب فعله، والكسل: فترة بالنفس فتثبط عن العمل، وضلع الدين: ثقله، يقال: أضلعني هذا الأمر أي: أثقلني وشق علي، وهو بفتح الضاد واللام قال الأصمعي: هو آحتمال الثقل والقوة (٢). وقيل: هو من الميل، كأنه يميل صاحبه عن قول الصدق إلى الوعد بالكذب، ومنه: كلمت فلانًا فكان ضلعك علي، أي: ميلك. فعلى هذا التأويل يختلف في فتح اللام وسكونها.
قال ابن فارس: ضَلَعْتَ ضَلَعًا: إذا مِلْتَ. وحكي عن أبي يوسف: (ضَلِعْتَ) (٣) ضَلَعًا إذا مِلْتَ (٤). والضلع: الاعوجاج، أي: يثقله حَتَّى يميل صاحبه عن الاستواء والاعتدال، ويقال: ضَلِع يَضْلَع ضَلَعًا، وضلَع يَضلَع ضَلْعًا، أي: بالتسكين أي: مال (٥).
وقوله: (يحوي وراءه)، التحوية: أن: يدير حول سنام البعير ثم يركبه، والاسم الحوية، والجمع حوايا.
стр. 15599
ومنه قول عمير بن وهب يوم بدر: رأيت الحوايا عليها المنايا (١).
فصل:
وقوله في أحد: "هذا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ" يحتمل أن يريد أهله أو حقيقته، وقد سلف.
وقوله: "اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا" أي: تحريم الصيد فيها.
فصل:
راوي الحديث عن أنس عمرو بن أبي عمرو، مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب، وهو متكلم فيه، وحنطب بفتح الحاء (٢)، ووقع في ابن التين أنه بضمها، وهو غريب، ولم يرو عنه مالك في الأقضية والأحكام، كما فعل في عبد الكريم بن أبي المخارق، وإنما أدخل عنهما في الرقائق.
وقد روى مالك عن عمرو بعض هذا الحديث، وقال النسائي: كل من روى عنه مالك فهو بمنزلة مالك في الثقة إلا عبد الكريم (٣)، ومن أدخله مالك ورضيه فحسبك به.
стр. 15600
٢٩ - باب الأَكْلِ فِي إِنَاءٍ مُفَضَّضٍ
٥٤٢٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى أَنَّهُمْ كَانُوا عِنْدَ حُذَيْفَةَ فَاسْتَسْقَى، فَسَقَاهُ مَجُوسِيٌّ، فَلَمَّا وَضَعَ الْقَدَحَ فِي يَدِهِ رَمَاهُ بِهِ وَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي نَهَيْتُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ -كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَمْ أَفْعَلْ هَذَا- وَلَكِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ وَلَا الدِّيبَاجَ، وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَنَا فِي الآخِرَةِ». [٥٦٣٢، ٥٦٣٣، ٥٨٣١، ٥٨٣٧ - مسلم: ٢٠٦٧ - فتح: ٩/ ٥٥٤].
ذكر فيه حديث ابن أبي ليلى: أَنَّهُمْ كَانُوا عِنْدَ حُذَيْفَةَ فَاسْتَسْقَى، فَسَقَاهُ مَجُوسِيٌّ، فَلَمَّا وَضَعَ القَدَحَ فِي يَدِهِ رَمَاهُ بِهِ وَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي نَهَيْتُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ -كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَمْ أَفْعَلْ هذا- وَلَكِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يقُولُ: "لَا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ وَلَا الدِّيبَاجَ، وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا، فَإِنهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَنَا فِي الآخِرَةِ".
هذا الحديث ذكره في الشرب أيضًا واللباس مكررًا (١)، وأخرجه مسلم والترمذي وقال: حسن صحيح، والنسائي، وابن ماجه (٢). وترجم عقبه باب: آنية الفضة وذكر معه هذا حديث أم سلمة - رضي الله
стр. 15601
عنها: "الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم" (١). وفي لفظ: "إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب".
وفي مسلم من حديث البراء بن عازب: "من شرب منها في الدنيا لم يشرب منها في الآخرة" (٢).
إذا تقرر ذَلِكَ: فالأكل والشرب في آنية الذهب والفضة حرام، وقد حكي فيه الإجماع، وإن كان حكي عن القديم أنه مكروه كراهة تنزيه.
وروى ابن القاسم عن مالك أنه كره مداهن الفضة والاستجمار في آنية الفضة (٣)، والمرآة فيها حلقة فضة؛ لنهيه ﵇ عن استعمال آنية الذهب والفضة وقال: "هي لهم في الدنيا". يعني: للكفار "ولكم في الآخرة"، وسيكون لنا عودة إليه في الأشربة إن شاء الله.
والترجمة: الإناء المفضض، والحديث في آنية الفضة، إلا أن يراد أن الإناء كان مضببًا، وأن الماء كان فيه. وفي موضع الشفة على الأصح عندنا أنه لا فرق بين أن يكون في موضع الاستعمال أو غيره.
فصل:
منع لباس الحرير؛ لأنه من زي النساء، قاله الأبهري، وقيل خشية أن يئول به إلى الكبر والعجب.
وأما إلباس الذهب فعلى هذا أيضًا، وأما الشرب في أواني الفضة فللسرف، واعتذار حذيفة حين رمى القدح؛ لئلا يقتدى به في إراقة الشراب.
стр. 15602
وفيه: استخدام المجوس.
فصل:
قال ابن العربي: هذا الحديث كقوله: "من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حُرمها في الآخرة" (١)، وما في معناه إذا لم يتب منه، فالشارب إما يتوب أو يموت مدمنها.
فإن تاب فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له، وإلا فالذي عليه أهل السنة أن أمره إلى الله، فإن عاقبه لم يخلد أبدًا، بل لا بد له من الخروج منها بما معه من الإيمان. فإن دخل الجنة فظاهر الحديث.
ومذهب نفر من الصحابة ومن أهل السنة أنه لا يشربها في الجنة، وكذا من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، وذلك؛ لأنه استعجل ما أمر بتأخيره ووعد به (لحرمة ميقاته) (٢) كالقاتل في الإرث، وقيل: إنه لا يشتهيها فيعذب بفقدها، وقيل: لا يشربها جزاءً إنما يشربها تفضلًا بوعد آخر (٣).
ويحمل الحديث على ما يحمل عليه، فإن الوعيد من أن ذَلِكَ في شخص دون شخص أو حال دون حال.
ثالثها:
حديث أبي هريرة: "السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ؛ .. ". سلف في آخر الحج (١).
ومعنى هذِه الترجمة -والله أعلم- إباحة أكل الطعام الطيب وكراهية أكل المر، وأن الزهد ليس في خلاف ذَلِكَ؛ ألا ترى أنه ﵇ شبه المؤمن الذي يقرأ القرآن بالأترجة التي طعمها طيب وريحها طيب، وشبه المؤمن الذي لا يقرأ بالتمرة طعمها حلو ولا ريح لها، ففي هذا ترغيب في أكل الطعام الطيب وأكل الحلو، ولو كان الزهد فيه أفضل لما شبه ﵇ ذَلِكَ مرة بقراءة القرآن، ومرة بالإيمان، فكما فضل المؤمن بالقراءة والإيمان. فكذلك فضل الطعام الطيب سائر الطعام، وشهد لهذا فضل الثريد، وهذا تنبيه منه على أكل الثريد واستعماله لفضله، وتشبيهه المنافق بالحنظلة والريحانة اللتين طعمهما مر، وذلك غاية الذم للطعام المر، إلا أن السلف كرهوا الإكثار من أكل الطيبات وإدمانها؛ خشية أن يصير ذَلِكَ لهم عادة. فلا تصبر نفوسهم على فقدها؛ رياضة لها وتذليلًا وتواضعًا.
وأما حديث أبي هريرة فليس فيه ذكر أفضل الطعام ولا أدناه، فقيل: يحتمل أن يريد أن ابن آدم لا بد له في الدنيا من طعام يقيم به جسده ويقوى به على طاعة ربه، وأن الرب ﷻ جبل النفوس على الأكل والشرب والنوم، وذلك قوام الحياة، والناس في ذَلِكَ بين مقل ومكثر، فالمؤمن يأخذ من ذَلِكَ قدر إيثاره للآخرة والدنيا.
стр. 15605
فصل:
الحديث الثالث: تفرد به مالك عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة وقال: ما لأهل العراق يسألون عن هذا الحديث؟ قيل لأنك انفردت به، قال: لو علمت أني انفردت به ما حدثت به (١).
فصل:
قوله فيه: (فَإِذَا قَضَى نَهْمَتَهُ). هو بفتح النون، قال ابن التين: ضبطه بالفتح وذلك في ضبط كتاب ابن فارس. وقال: هي الهمة بالشيء (٢) يريد ما قصد إليه وسافر بسببه. والأنرجة: بالنون وبغير النون لغتان.
стр. 15606
٣١ - باب الأُدْمِ
٥٤٣٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ سَمِعَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ، أَرَادَتْ عَائِشَةُ أَنْ تَشْتَرِيَهَا فَتُعْتِقَهَا، فَقَالَ أَهْلُهَا: وَلَنَا الْوَلَاءُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «لَوْ شِئْتِ شَرَطْتِيهِ لَهُمْ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». قَالَ: وَأُعْتِقَتْ فَخُيِّرَتْ فِي أَنْ تَقِرَّ تَحْتَ زَوْجِهَا أَوْ تُفَارِقَهُ، وَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا بَيْتَ عَائِشَةَ وَعَلَى النَّارِ بُرْمَةٌ تَفُورُ، فَدَعَا بِالْغَدَاءِ فَأُتِيَ بِخُبْزٍ وَأُدْمٍ مِنْ أُدْمِ الْبَيْتِ فَقَالَ: «أَلَمْ أَرَ لَحْمًا؟». قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَكِنَّهُ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَأَهْدَتْهُ لَنَا. فَقَالَ: "هُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا، وَهَدِيَّةٌ لَنَا». [انظر: ٤٥٦ - مسلم: ١٥٠٤ - فتح: ٩/ ٥٥٦].
ذكر فيه حديث عائشة ﵂ في قصة بَريرةَ وفيها: فَأُتِيَ بِخُبْزٍ وَأُدْمٍ مِنْ أُدْمِ البَيْتِ. وفيه -كما قال الطبري- البيان: أنه ﵇ كان يؤثر في طعامه اللحم على غيره إذا وجد إليه سبيلاً؛ وذلك أنه لما رأى اللحم في منزله قال: "ألم أرَ لحمًا؟! "، فقالوا: إنه تصدِّقُ به على بريرة، فدل هذا على إيثاره ﵇ للحم إذا وجد إليه سبيلاً؛ لأنه قال ذَلِكَ بعد أن قرب إليه.
ولما حدثناه سعيد بن عنبسة الرازي، ثنا (أبو عبيد) (١) الحداد، ثنا أبو هلال، عن [ابن] (٢) بريدة، عن أبيه: أن النبي ﷺ قال: "سيد الإدام
стр. 15607
في الدنيا والآخرة اللحم" (١) فإن قيل: فقد قال عمر بن الخطاب لرجل رآه يكثر الاختلاف إلى القصابين: اتقوا هذِه المجازر على أموالكم؛ فإن لها ضراوة كضراوة الخمر، وعلاه بالدرة.
وروى الحسن أن عمر ﵁ دخل على ابنه عبد الله فرأى عنده لحمًا طريًّا فقال: ما هذا؟ قال: اشتهيناه. فقال: وكلما اشتهيت اللحم أكلته، كفى بالمرء سرفًا أن يأكل كل ما اشتهى (٢).
وقال أبو أُمامة (لأني لأبغض) أهل البيت أن يكونوا لحميين قيل: وما اللحميون؟ قال: يكون لهم قوت شهر فيأكلونه في اللحم في أيام. وقد قال يزيد بن أبي حبيب: (البطينة) (٣): طعام الأنبياء.
وقال ابن عون: ما رأيت على خوان محمد لحمًا يشتريه إلا أن يهدى له، وكان يأكل السمن والكافخ ويقول: سأصبر على هذا حتى يأذن الله بالفرج. قال الطبري: وهذِه أخبار صحاح ليس فيها خلاف بشيء مما تقدم.
стр. 15608
قلت (١): كراهة عمر فإنما كان منه؛ خوفًا عليه الإجحاف بماله؛ لكثرة شرائه له إذ كان قليلاً عندهم، وأراد أن يأخذ بحظه من ترك شهوات الدنيا وقمع نفسه، يدل عليه قوله: كفى. إلى آخره.
وأما أبو أمامة فقد أخبر بالعلة التي لها كره أن يكون أهل [البيت] (٢) لحميين، وهو تبذيرهم وتدميرهم. وأما ابن سيرين فإنما ترك شراءه؛ لأنه لزمه الدين وفلس من أجله فلم يكن عنده لها قضاء، والحق عليه ما فعل من التقصير في عيشه وترك التوسع في مطعمه؛ حَتَّى يؤدي ما عليه لغرمائه، وكان إذا وجده من غير الشراء لم يؤثر عليه غيره.
وأما قول يزيد بن أبي حبيب فمعناه -والله أعلم- نحو معنى فعل عمر في تركه ذَلِكَ؛ إشفاقًا أن يكون بأكله ممن يدخل في جملة من أذهب طيباته في حياته الدنيا. مع أن التأسي بالشارع أولى بنا من التأسي بغيره من الأنبياء، وكان لا يؤثر على اللحم شيئًا ما وجد إليه السبيل.
ثم ساق حديث جابر ﵁ قال: ذبحت لرسول الله ﷺ عناقًا وأصلحتها، فلما وضعتها بين يديه، نظر إلى وقال: "كأنك قد علمت حبنا اللحم" (٣).
وبمثل ما قلناه كان السلف يعملون، روى الأعمش، عن أبي عباد، عن أبي عمرو الشيباني قال: رأى عبد الله مع رجل دراهم فقال: ما تصنع
стр. 15609
بها؟ قال: أشتري بها سمنًا. قال: أعط امرأتك نصفها تحت فراشها ثم اشترِ كل يوم بدرهم لحمًا. وكان للحسن كل يوم لحم بنصف درهم، وقال ابن عون: إذا فاتني اللحم فما أدري مما أئتدم (١).
فصل:
قول القاسم بن محمد: كان في بريرة ثلاث سنن. اعترض الداودي فقال: تشتمل على نحو ثلاثين. قلت: وصلت إلى نحو الأربعمائة، وأفردت بالتأليف.
والجواب: إن هذِه الثلاث مهمات.
وقوله ﵇: "لَوْ شِئْتِ شَرَطْتِ لَهُمْ، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ". وفي أكثر الأحاديث: "اشترطي لهم الولاء" (٢).
واحتيج إلى الجواب إما بأن اللام بمعنى: على؛ لقوله: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] أو أن الشرط لم يقارن بل سبق، أو هشامًا انفرد به، فلعله نقله على المعنى، أو أنه أولاً أمر به كما كانوا يفعلونه في الجاهلية ثم منعها عنه، أو أنه خاص بتلك الواقعة. وقال الأصيلي: معناه: لا يلزمه؛ لأن الولاء لمن أعتق، يؤيده رواية البخاري "ودعيهم يشترطون ما شاءوه" (٣).
فصل:
وقولها: (فَخُيِّرَتْ بين أَنْ تَقِرَّ تَحْتَ زَوْجِهَا، أو تفارقه) يصح أن
стр. 15610
يكون أصله من وقر، فالراء مخففة، قال الأحمر في قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] ليس من الوقار، وإنما هو من الجلوس ويقال: وقرت أقر؛ فعلى هذا المحذوف من (يقر) فاء الفعل، وهي الواو، ويصح أن تكون القاف مفتوحة من قولهم: قررت بالمكان أقر، قيل: هو معنى الآية المذكورة، أصله: واقررن، حذفت الراء الأولى للتضعيف، وألقيت حركتها على القاف، فاستغنى عن ألف الوصل لتحرك القاف. ويجوز كسر القاف وتشديد الراء من قريت، ويؤول ذَلِكَ على قراءة (وقرن في بيوتكن) بكسر القاف، وأصله: واقررن حذفت الراء الأولى وألقيت حركتها على القاف. ولغة أهل الحجاز: قررت بالمكان، بكسر الراء وبالفتح أيضًا، ذكره أجمع ابن التين.
стр. 15611
٣٢ - باب الْحَلْوَاءِ وَالْعَسَلِ
٥٤٣١ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ. [انظر: ٤٩١٢ - مسلم: ١٤٧٤ - فتح: ٩/ ٥٥٧].
٥٤٣٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شَيْبَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي الْفُدَيْكِ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنْتُ أَلْزَمُ النَّبِيَّ ﷺ لِشِبَعِ بَطْنِي حِينَ لَا آكُلُ الخَمِيرَ، وَلَا أَلْبَسُ الحَرِيرَ، وَلَا يَخْدُمُنِي فُلَانٌ وَلَا فُلَانَةُ، وَأُلْصِقُ بَطْنِي بِالْحَصْبَاءِ، وَأَسْتَقْرِئُ الرَّجُلَ الآيَةَ وَهْيَ مَعِي كَيْ يَنْقَلِبَ بِي فَيُطْعِمَنِي، وَخَيْرُ النَّاسِ لِلْمَسَاكِينِ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، يَنْقَلِبُ بِنَا فَيُطْعِمُنَا مَا كَانَ فِي بَيْتِهِ، حَتَّى إِنْ كَانَ لَيُخْرِجُ إِلَيْنَا الْعُكَّةَ (١) لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ، فَنَشْتَقُّهَا فَنَلْعَقُ مَا فِيهَا. [انظر: ٣٧٠٨ - فتح: ٩/ ٥٥٧].
كذا ذكره البخاري بالمد، أعني: الحلواء، قال ابن ولاد: الحلوى عند الأصمعي مقصور تكتب بالياء (٢)، وفي قول الفراء: ممدود وكل ممدود يكتب بالألف. وقيل: يمد ويقصر، وقال الليث: هو ممدود عند أكثرهم، وهو كل حلو يؤكل. وقال الخطابي: اسم الحلواء لا يقع إلا على ما دخلته الصنعة (٣)، وقال ابن سيده في "المخصص": هو كل ما عولج من الطعام بحلاوة (٤). وهو أيضًا الفاكهة.
وترجم على حديث عائشة الآتي باب: شرب الحلواء والعسل (٥).
قال الداودي: يحتمل أن يريد النقيع الحلو، ويحتمل أن يريد التمر
стр. 15612
ونحوه من الثمار. قلت: التمر كيف يشرب؟ إلا قول من قال: شراب ألبان وتمر وأقط، ذكره مع اللبن للمجاورة.
وذكر البخاري في الباب حديث عائشة ﵂: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ الحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ.
ذكره في الأشربة والطب وترك الحيل (١).
وأخرجه مسلم والأربعة (٢)، وحديث أبي هريرة في ذكر جعفر، وقد سلف في ترجمته (٣).
وشيخه هنا عبد الرحمن بن شيبة، وهو عبد الرحمن بن عبد الملك بن محمد بن شيبة، أبو بكر القرشي الحزامي، مولاهم المَدنيُّ (٤).
وروى النسائي عن رجل عنه (٥)، قال ابن المنير: ومناسبة حديث أبي هريرة لما بوب له أن الحلواء المذكورة ليست المعهود الآن على وجه الإسراف واجتماع المفردات الكبيرة وإنما هي الشيء الحلو
стр. 15613
ولو نبيذ التمر (١)، ولما كانت العلة المذكورة فيه تكون فيها غالبًا العسل وربما جاء مصرحًا به في بعض الروايات فناسبت التبويب، ولم يكن حب الشارع للحلواء على كثرة التشهي بها، وشدة نزاع النفس إليها، وتأنق الصنعة في اتخاذها فعل (أهل) (٢) النهم، وإنما كان ينال منها إذا قدمت إليه نيلًا صالحًا من غير تعذر، فيعلم بذلك أنها تعجبه طعمها وحلاوتها.
وفيه: دليل على اتخاذ الأطعمة من ألوان شتى، وكان بعض أهل الورع يكره ذَلِكَ ولا يرخص أن يأكل من الحلواء إلا ما كان حلوًا بطبعه من غير أن يخلط بلتٍّ أو دسم كالعسل والتمر.
ومن الأحاديث الواهية: حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إذا قرب إلى أحدكم الحلواء فليأكل منها ولا يردها" (٣).
قال أبو زرعة: حديث منكر (٤).
стр. 15614
ولا شك أن الحلواء والعسل من جملة الطيبات المباحة قال تعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] وقال: ﴿وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] على قول من ذهب [إلى] (١) أن الطيبات: المستلذ من الطعام.
ودل حديث عائشة ﵂ على صحة هذا التأويل لمحبة الشارع الحلواء والعسل، وأن ذَلِكَ من طعام الصالحين الأبرار؛ اقتداء بحبه ﵇ لهما، ودخل في معناه كل ما شاكلهما من أنواع المآكل الحلوة الطعم كالتمر والتين والزبيب والعنب والرمان، وشبه ذَلِكَ من الفواكه (٢).
فصل:
وقوله في العُكَّةَ: (فَنَشْتَقُّهَا فَنَلْعَقُ مَا فِيهَا). قال ابن التين لأبي الحسن: بالمعجمة والفاء. وروي بالقاف، والأول أبين والثاني أظهر؛ لأن الاشتفاف إنما هو شرب ما في الإناء ولا يبقي شيئًا، وهنا قد ذكر أنه لا شيء فيها، وإنما هم سقوها ولعقوا ما فيها.
وقال ابن قرقول: فنشتفها كذا لهم، أي: نتقصى ما فيها من بقيتة كما جاء (فنلعق ما فيها). ورواه المروزي والبلخي بالقاف، وهو أوجه.
فصل:
وفي حديث أبي هريرة من الفقه: الاقتصاد في المعيشة، والأخذ منها بالبلغة الباعثة على الزهد في الدنيا.
стр. 15615
وفيه: فضل جعفر بن أبي طالب ﵁، ووصفه بالكرم والتواضع لتعاهده للمساكين وإطعامه لهم في بيته وإكرامهم بذلك.
وفيه: جواز الإحسان بالشيء التافه؛ لأن ذَلِكَ لا يخلو أن يكون فيه مثاقيل ذرٍّ كثيرة (١).