← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 15646–15685 · переход к 15651.

стр. 15646

٥٢ - باب لَعْقِ الأَصَابِعِ وَمَصِّهَا قَبْلَ أَنْ تُمْسَحَ بِالْمِنْدِيلِ ٥٤٥٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا أَوْ يُلْعِقَهَا». [مسلم:٢٠٣١ - فتح: ٩/ ٥٧٧]. ذكر فيه حديث ابن عباس ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا أَوْ يُلْعِقَهَا". هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١). وأخرج من حديث سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر بلفظ: "لا يمسح يده بالمنديل؛ حَتَّى يلعق أصابعه" (٢)، وأخرجه ابن وهب من حديث عياض عن عبد الله القرشي، وابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر بلفظ: "لا يمسح أحدكم يده بالمنديل، حَتَّى يلعق أصابعه؛ فإنه لا يدري في أي طعام يبارك له فيه" (٣). ولم يذكر ابن بطال غيره، وللنسائي: "لا ترفع الصحفة، حَتَّى تلعقها أو تُلعقها، فإن آخر الطعام فيه البركة" (٤).

стр. 15647

وللترمذي وقال: حسن. من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إذا أكل أحدكم فليلعق أصابعه، فإنه لا يدري في أيتها البركة" (١). ولمسلم من حديث كعب بن مالك أنه ﵇ كان يأكل بثلاث أصابع، فإذا فرغ لعقها (٢)، ولأبي داود: "لا يمسح يده حَتَّى يلعقها" (٣). وعن أنس: أنه ﵇ كان إذا أكل طعامًا لعق أصابعه الثلاث وقال: "إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى، ولا يدعها للشيطان". وأمر أن نسلت القصعة وقال: "إنكم لا تدرون في أي طعامه البركة" (٤). ولابن أبي عاصم من حديث ابن عمر: أنه كان يلعق أصابعه إذا أكل، ويقول: قال ﵇: "إنه لا يدري في أي طعامه البركة" (٥) ولابن أبي حاتم من حديث ابن لهيعة، عن أبي عمرة الأنصاري أنه ﵇ قال: "إذا أكل أحدكم فليلعق أصابعه" وذكر أن أبا زرعة قال: إنما هو ابن أبي عمرة (٦). وأما ذكر المص الذي بوب له، فهو في معناه، وإن لم يره في الحديث. قال العلماء: استحباب لعق اليد، محافظة على بركة الطعام، وتنظيفًا لها، ودفعًا للكبر.

стр. 15648

وقوله: (أو يُلعقها). يريد خادمه أو ولده، ومن لا يتقزز من ذَلِكَ فلو ألعقها سواه جاز. قال ابن المنذر: في حديث ابن عباس إباحة مسح [اليد] (١) بالمنديل (٢). وترجم له أبو داود باب: المنديل بعد الطعام (٣).

стр. 15649

٥٣ - باب المِنْدِيلِ ٥٤٥٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، فَقَالَ: لَا، قَدْ كُنَّا زَمَانَ النَّبِيِّ ﷺ لَا نَجِدُ مِثْلَ ذَلِكَ مِنَ الطَّعَامِ إِلاَّ قَلِيلاً، فَإِذَا نَحْنُ وَجَدْنَاهُ لَمْ يَكُنْ لَنَا مَنَادِيلُ، إِلاَّ أَكُفَّنَا وَسَوَاعِدَنَا وَأَقْدَامَنَا، ثُمَّ نُصَلِّي وَلَا نَتَوَضَّأُ. [فتح: ٩/ ٥٧٩]. ذكر فيه حديث سعيد بن الحارث، عن جابر السالف في الطهارة (١) وفيه: لم يكن لنا مناديل إلا أكفنا وسواعدنا وأقدامنا. قال ابن وهب سئل مالك عن الحديث الذي جاء: "من بات في يده غمر فلا يلومن إلا نفسه". فقال: لا أعرف هذا الحديث، وقد سمعت أنه كان يقال: منديل (عمر) (٢) بطن قدميه، وما كان هذا إلا شيئًا حدث، والحديث الذي لم يعرفه مالك أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من نام وفي يده غمر فأصابه شيء، فلا يلومن إلا نفسه" (٣). وقيل لمالك: أيغسل يده بالدقيق؟ قال: غيره أعجب إليَّ منه، ولو فعل لم أر به بأسًا، وقد تمندل عمر بباطن قدميه. وروى ابن وهب في الجلبان: وسنة ذَلِكَ أنه لا بأس أن يتوضأ به ويتدلك به في الحمام، وقد يدهن جسده بالزيت والسمن من الشقاق. وروى أشهب أنه سئل عن الوضوء بالدقيق والنخالة من الفول قال:

стр. 15650

لا علم لي به. ولم يتوضأ به إن أعياه شيء فليتوضأ بالتراب (١) (٢). فائدة: سعيد الراوي عن جابر أخرج له مسلم أيضًا، وهو سعيد (٣) بن أبي سعيد الحارث بن أوس بن المعلى بن كوذان بن حارثة بن عدي بن زيد بن ثعلبة بن مالك، أخي الحارث، ابني زيد مناة بن حبيب بن عدي بن عبد حارثة بن مالك بن غضب، أخي تزيد، رهط سلمة ابني جشم بن الخزرج، قاضي المدينة، ووالده، انفرد به البخاري، وله صحبة. وبنو مالك بن زيد مناة خلفاء بني زريق بن عامر بن زريق بن عبد حارثة، وبنو الحارث بن زيد مناة خلفاء بني بياضة بن عامر بن زريق بن عبد حارثة.

стр. 15651

٥٤ - باب مَا يَقُولُ إِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ ٥٤٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، غَيْرَ مَكْفِيٍّ، وَلَا مُوَدَّعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ، رَبَّنَا». [مسلم: ٥٤٥٩ - فتح: ٩/ ٥٨٠]. ٥٤٥٩ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ -وَقَالَ مَرَّةً: إِذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ- قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَفَانَا وَأَرْوَانَا، غَيْرَ مَكْفِيٍّ، وَلَا مَكْفُورٍ -وَقَالَ مَرَّةً: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّنَا، غَيْرَ مَكْفِيٍّ، وَلَا مُوَدَّعٍ- وَلَا مُسْتَغْنًى، رَبَّنَا». [انظر: ٥٤٥٨ - فتح: ٩/ ٥٨٠]. ذكر فيه حديث أبي أمامة صُديّ بن عجلان ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ قَالَ: "الحَمْدُ لله حمدًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، غَيرَ مَكْفِيٍّ، وَلَا مُوَدَّعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى عَنهُ، رَبَّنَا". وعنه أيضًا: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ -وَقَالَ مَرَّةً: إِذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ- قَالَ: "الْحَمْدُ لله الذِي كفَانَا وَأَرْوَانَا، غَيرَ مَكفِيٍّ، وَلَا مَكفُورٍ -وَقَالَ مَرَّة: لله الحَمْدُ، رَبِّنَا، غَيْرَ مَكفِيٍّ، وَلَا مُوَدَّعٍ- وَلَا مُسْتَغْنًى، رَبَّنَا". هذا الحديث ذكره البخاري في "التاريخ" أيضًا (١)، وأخرجه الأربعة (٢) قال الترمذي: حسن صحيح. وروى ابن أبي عاصم بإسناد جيد، قال أبو أمامة: علمني رسول الله ﷺ أقول عند فراغي من الطعام فقال: "قل: الحمد لله الذي أطعمتنا

стр. 15652

وأسقيتنا وأرويتنا" قال: "الحمدُ لله غَيْرَ مَكْفُورٍ وَلَا مُوَدَّعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ" (١). وله أيضًا عن أنس مرفوعًا: "إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها" (٢). وفي لفظ: كان إذا أوى إلى فراشه قال: "الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي" (٣). ولأبي نُعيم من حديث قطري الخشاب، عن عبد الوارث، عن أنس: "أن الرجل ليوضع طعامه فما يرفع حَتَّى يغفر له"، قيل: يا رسول الله، بما ذاك؟ قال: "يقول: بسم الله إذا وضع، والحمد لله إذا رفع" (٤). ولابن أبي عاصم من حديث حجاج بن رباح بن عبيدة، عن مولى لأبي سعيد: كان رسول الله ﷺ إذا أكل طعامًا قال: "الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين". ومن حديث ابن إدريس عن حصين، عن إسماعيل بن أبي سعد عن أبيه مثله، وأخرجه الترمذي فقال: عن حفص بن غياث، عن ابن أخي

стр. 15653

(ابن سعد) (١) (٢). ولأبي داود من حديث سفيان، عن أبي هاشم الواسطي، عن إسماعيل بن رباح، عن أبيه أو غيره، عن أبي سعيد (٣). وفي "اليوم والليلة" للنسائي من رواية زكريا بن يحيى، عن عبد الله بن مطيع، عن (هاشم) (٤) عن حصين، عن إسماعيل بن أبي إدريس، عن أبي سعيد موقوفًا (٥). وفي "اليوم والليلة" لأبي نعيم عن مخلد بن جعفر، حَدَّثَنَا جعفر الفريابي، ثنا دُحيم، ثنا عبد الله بن يزيد، حَدَّثَني بكر بن عمرو، عن عبد الله بن هبيرة، عن عبد الرحمن بن جبيرة حدثه رجل خدم النبي ﷺ ثماني سنين أنه كان يسمع رسول الله ﷺ إذا قرب إليه الطعام يقول "بسم الله" وإذا فرغ من طعامه قال: "اللهم أطعمت وسقيت، وأغنيت وأقنيت، وهديت وأحييت فلك الحمد على ما أعطيت" (٦) وفي حديث عبد الرحيم بن ميمون بن أبي مرحوم، عن سهل بن معاذ [ابن أنس] (٧)، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "من أكل طعامًا فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه" (٨).

стр. 15654

وقال الترمذي في هذا: حسن غريب، ولأبي داود زيادة: "وما تأخر" (١)، وله للنسائي من حديث عبيد القرشي عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن أبي أيوب أن النبي ﷺ كان إذا أكل أو شرب قال: "الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوغه وجعل له مخرجًا" (٢). ولابن أبي حاتم في "علله" مضعفًا من حديث ابن عباس مرفوعًا: "من أطعمه الله طعامًا فليقل: اللهم بارك لنا فيه وارزقنا خيرًا منه". ومن حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: كان ﵇ إذا فرغ من طعامه قال: "الحمد لله الذي منَّ علينا وهدانا، والذي أشبعنا وأروانا، وكل الإحسان أتانا" قال أبو حاتم: رواه ابن أبي الزعيزعة عنه وهو منكر الحديث (٣). إذا تقرر فالمائدة -كما قال أبو عبيد- فاعلة بمعنى مفعول، مأخوذة من الميد وهو العطاء (٤)، وقيل: هي الخوان، وقيل: لا يقال لها مائدة، إلا إذا كان عليها طعام وإلا فهىِ خوان. وقد سلف هذا، وقيل: هي الطعام نفسه لا الخوان، ذكره أبو علي القاري في "بارعه". زاد ابن سيده في "المحكم" (اسمًا له) (٥)، وإن لم يكن هناك خوان مشتق من ذَلِكَ (٦). وعند القزاز سميت مائدة؛ لأنها تميد أصحابها بما عليها من الخير. وجيل: لأنها تميد بما عليها، أي: تتحرك من قوله

стр. 15655

تعالى: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ المعنى: لئلا تميد بكم، وَميْدة لغة في مائدة، وقال ابن فارس: هي من ماد يميد أي: يطعم الآكلين. وقال قوم: مادني فلان يميدني فلان يميده أي: نَعَشَني، قالوا: وسميت المائدة منه (١). وأهل العلم يستحبون حمد الله تعالى عند تمام الأكل؛ أخذًا بحديث الباب وغيره، فقد روي عنه ﵇ في ذَلِكَ أنواع من الحمد والشكر، وقد ذكرنا جملة منها، وقد روي "من سمى الله أول طعامه وحمده إذا فرغ لم يسأل عن نعمه" (٢). فصل: قوله: ("غَيْرَ مَكْفِيٍّ") هو بفتح الميم وكسر الفاء والياء المشددة، وروي بضم الميم وفتح الفاء. وقال ابن بطال: قوله: ("غَيْرَ مَكْفِيٍّ") يحتمل أن يكون من قولهم: كفأت الإناء، إذا قلبته، فيكون معناه غير مردود عليه إنعامه وأفضاله إذا فضل الطعام على الشبع فكأنه قال: ليست تلك الفضيلة (مردودة) (٣) ولا مهجورة، ويحتمل أن يكون معناه أن الله غير مكفى رزق عباده أي: ليس أحد يرزقهم غيره، ألا ترى أن في الرواية الأخرى: "ولا مستغنى عنه ربنا"، فيكون هو قد كفى رزقهم (٤). وقال الخطابي: غير محتاج (إليّ) (٥) فيكفى؛ لكنه يطعم ويكفي (٦). وقال القزاز: غير مكفي، أي: غير مكتف بنقص يُعن كفايته.

стр. 15656

وقال الداودي: ("غَيْرَ مَكْفِيٍّ ") أي: (لم) (١) يكتف من فضل الله ونعمه، قال: وقول أبي سليمان أولاها؛ لأن مفعولًا بمعنى مفتعل فيه بعد، وخروج عن الظاهر. وقال ابن الجوزي: غير مكفور إشارة إلى الطعام. والمعنى: رفع هذا الطعام غير مكفي، أي: مقلوب عنا، من قولك: كفأت الإناء: إذا قلبته، والمعنى غير منقطع. "ولا مودع" يعني: الطعام الذي رفع، "ولا مستغنى عنه": عائد إليه أيضًا، وقيل: "غير مودع": بكسر الدال أي: غير تارك ما عند ربنا. وقيل: المراد به الله تعالى وأن معنى غير مكفي أي: أن تعالى يُطْعِم ولا يُطْعَم، كأنه هنا من الكفاية، أي: أنه تعالى مستغن عن معين وظهير. وقال ابن التين: "غير مودع" أي: غير متروك الطلب إليه والرغبة فيما عنده. ومنه قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ [الضحى: ٣] أي: ما تركك، وقيل: ما أخلاك من صنعه بمعنى: غير مودع وغير مستغن عنه سواء. و"رَبَّنَا": مرفوع خبر مبتدأ محذوف، أي: هو ربنا، ويصح نصبه بإضمار أعني، وبه ضبط في بعض الكتب، أو (يا ربنا) فحذف حرف النداء، ويصح خفضه بدلاً من الضمير في (عنه)، ويصح الرفع على أن يكون مبتدأ، وخبره مقدم عليه، وهو غير مكفى. وقوله: ("وَلَا مَكْفُورٍ") يرجع إلى الطعام، أي: لا نكفر نعمتك بهذا الطعام، ونقل ابن الجوزي عن شيخه أبي منصور أن صوابه:

стр. 15657

غير مكافأ، فيعود إلى الله؛ لأنه لا تكافأ نعمه، وقال ابن التين: أي: لست كافرًا لنعمتك وفضلك. وقوله: ("الْحَمْدُ لله الذِي كَفَانَا") أي: لم يحفنا وأعطانا كفاية من طعامه. وقوله: ("وَأَرْوَانَا") أي: أعطانا ريًّا من شرابنا أذهب عنا عطشًا.

стр. 15658

٥٥ - باب الأَكْلِ مَعَ الْخَادِمِ ٥٤٦٠ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدٍ -هُوَ ابْنُ زِيَادٍ- قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْيُنَاوِلْهُ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ، أَوْ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ، فَإِنَّهُ وَلِيَ حَرَّهُ وَعِلَاجَهُ». [انظر: ٢٥٥٧ - مسلم: ١٦٦٣ - فتح: ٩/ ٥٨١]. ذكر فيه حديث أبي هريرة ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ -قَالَ: "إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْيُنَاوِلْهُ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ، أَوْ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ، فَإِنَّهُ وَلِيَ عِلَاجَهُ". الشرح: هذا الحديث سلف في العتق (١) والأكل مع الخادم من التواضع والتذلل وترك التكبر، وذلك من آداب المؤمنين وأخلاق المرسلين. وقد سلف الحديث في العتق كما ذكر، والمراد بالأكلة: اللقمة، وهو بضم الهمزة، وبالفتح المرة الواحدة، وقيل: إذا أكل حَتَّى يشبع. وقوله: "فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ" دال على أنه لا يجب على المرء أن يطعمه مما يأكل، قيل لمالك: أيأكل الرجل من طعام لا يأكله أهله وعياله ورفيقه، ويلبس غير ما يكسوهم قال: إي والله وأراه في سعة من ذَلِكَ، ولكن يحسن إليهم. قيل (فحديث أبي ذر) (٢) (٣)؟ قال: كان الناس ليس لهم هذا القوت.

стр. 15659

٥٦ - باب الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ مِثْلُ الصَّائِمِ الصَّابِرِ [فِيهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ]. ذكر فيه حديث أبي هريرة ﵁، هذِه الزيادة حذفها ابن بطال في شرحه، ووصل بالباب الآتي بعده ثم قال: لم يذكر البخاري حديثًا في الطاعم الشاكر. وذكر ابن المنذر قال: في حديث سنان بن منبه أنه ﵇ قال: "الطاعم الشاكر له مثل أجر الصائم الصابر" (١) كذا قال سنان بن منبه (٢) وصوابه ابن سنة كما سيأتي. ورواه عبد الرزاق عن معمر، عن رجل من غفار أنه سمع سعيدًا المقبري يحدث عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ مثله (٣)، وهذا من عظم تفضل الله على عباده، أن جعل للطاعم إذا شكر على طعامه وشرابه ثواب الصائم الصابر. قال: ومعنى الحديث والله أعلم: التنبيه على لزوم الشكر لله تعالى على جميع نعمه، صغيرها وكبيرها، فكما ألحق الطاعم الشاكر بالصائم الصابر في الثواب، دل على أنه تعالى كذلك يفعل في شكر سائر النعم؛ لأنها كلها من عنده لا صنع في شيء منها للمخلوقين، فهو المبتدئ بها والملهم للشكر عليها والمثيب على ذَلِكَ، فينبغي للمؤمن لزوم الشكر لربه تعالى في جميع حركاته وسكناته، وعند كل نفس وكل طرفة،

стр. 15660

وليعلم العبد (تحت) (١) ما هو من نعم الله مولاه، ولا يفتر لسانه عن شكرها، فتستديم النعم والعافية؛ لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] وروى معمر عن قتادة والحسن قالا: عرضت على آدم ذريته فرأى فضل بعضهم على بعض، فقال: أي رب هلا سويت بينهم، فقال: إني أحب أن أُشكر (٢). فإن قلت: هل يسمى الحامد لله تعالى على نعمه شاكرًا؟ قيل: نعم. روى معمر، عن قتادة، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "الحمد رأس الشكر، ما شكر الله عبد لا يحمده". وقال الحسن: ما أنعم الله على عبد نعمة فحمد الله عليها إلا كان حمده أعظم منها، كائنة ما كانت. وقال النخعي: شكر الطعام أن تسمي إذا أكلت وتحمد إذا فرغت (٣) (٤). وفي "علل ابن أبي حاتم" عن علي ﵁: شكر الطعام أن تقولوا الحمد لله (٥). قلت: وخرّج ابن حبان في "صحيحه" حديث الباب من حديث معتمر بن سليمان، عن معمر عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر" (٦).

стр. 15661

ورواية عبد الرزاق السالف تدل أن معمرًا لم يسمعه من سعيدٍ، ورواه الترمذي عن إسحاق بن موسى، عن محمد بن معن المديني الغفاري، حَدَّثَني أبي، عن سعيد، ثم قال: حسن غريب (١)، ورواه ابن ماجه عن يعقوب بن حميد بن كاسب، عن محمد بن معن، عن أبيه (٢). وأخرجه الحاكم من حديث عمر بن علي المقدمي: سمعت معن بن محمد يحدث عن سعيد بن أبي سعيد فذكره بلفظ: "مَثلُ الصائم الصابر". ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ورواه عن الأصم عن الربيع بن سليمان: ثنا عبد الله بن وهب، أخبرني سليمان بن بلال، عن محمد بن عبد الله بن أبي حرة، عن حكيم بن أبي حرة، عن سلمان الأغر، عن أبي هريرة قال: ولا أعلمه إلا عن النبي ﷺ قال: "إن للطاعم الشاكر من الأجر مثل ما للصائم الصابر" (٣). وأخرجه ابن ماجه من حديث الدراوردي عن محمد بن عبد الله بن أبي حرة، عن سنان بن سنة الأسلمي أنه ﵇ قال: "الطاعم الشاكر له مثل أجر الصائم الصابر" (٤). ولما سئل أبو زرعة عن هذا وعن حديث أبي هريرة قال: الدراوردي أشبه (٥).

стр. 15662

ولما رواه إسحاق بن أبي إسرائيل عن الدراوردي أدخل بينه وبين محمد بن عبد الله موسى بن عقبة، وقال عن رجل من أسلم، ولم يسمِ سنانًا. ورواه أحمد في "المسند"، عن هارون بن معروف، عن الدراوردي فقال: أخبرني محمد بن أبي حرة فذكره (١)، يدل أنه سمعه عن ابن أبي حرة، عن موسى بن عقبة، ثم حصل له علو فسمعه منه. فصل: قال أهل اللغة: رجل طاعم: حسن الحال في المطعم، ومِطْعام: كثير القِرى، ومُطِعم: كِثير الأكِل، ومطعَم: مرزوق. نقله كله ابن التين عنهم. فصل: الحديث سوى بين درجتي الطاعة من الغني والفقير، وقد نبه عليه ابن العربي. قال ابن حبان في "صحيحه": معناه أن يطعم ثم لا يعصي ربه بقوته ويتم شكره بإتيان طاعته بجواره؛ لأن الصائم قرن به الصبر، وهو صبر عن المحظورات، وقرن الطاعم بالشكر، فيجب أن يكون هذا الشكر الذي يقوم بإزاء ذَلِكَ الصبر يقارنه أول أكله، وهو ترك المحظورات (٢).

стр. 15663

٥٧ - باب الرَّجُلِ يُدْعَى إِلَى طَعَامٍ فَيَقُولُ: وَهَذَا مَعِي وَقَالَ أَنَسٌ ﵁ إِذَا دَخَلْتَ على مُسْلِمٍ لَا يُتَّهَمُ، فَكُلْ مِنْ طَعَامِهِ، وَاشْرَبْ مِنْ شَرَابِهِ. ٥٤٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا شَقِيقٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ الأَنْصَاريُّ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يُكْنَى أَبَا شُعَيْبٍ، وَكَانَ لَهُ غُلَامٌ لَحَّامٌ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهْوَ فِي أَصْحَابِهِ، فَعَرَفَ الْجُوعَ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ فَذَهَبَ إِلَى غُلَامِهِ اللَّحَّامِ فَقَالَ: اصْنَعْ لِي طَعَامًا يَكْفِي خَمْسَةً، لَعَلِّي أَدْعُو النَّبِيَّ ﷺ خَامِسَ خَمْسَةٍ. فَصَنَعَ لَهُ طُعَيِّمًا، ثُمَّ أَتَاهُ فَدَعَاهُ، فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَا أَبَا شُعَيْبٍ، إِنَّ رَجُلاً تَبِعَنَا فَإِنْ شِئْتَ أَذِنْتَ لَهُ، وَإِنْ شِئْتَ تَرَكْتَهُ». قَالَ: لَا، بَلْ أَذِنْتُ لَهُ. [انظر: ٢٠٨١ - مسلم: ٢٠٣٦ - فتح: ٩/ ٥٨٣]. ثم ساق حديث أبي مسعود الأنصاري في قصة اللحام. وقد سلفت بفقهها.

стр. 15664

٥٨ - باب إِذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ فَلَا يَعْجَلْ عَنْ عَشَائِهِ ٥٤٦٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، أَنَّ أَبَاهُ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ فِي يَدِهِ، فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَلْقَاهَا وَالسِّكِّينَ الَّتِي كَانَ يَحْتَزُّ بِهَا، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. [انظر: ٢٠٨ - مسلم: ٣٥٥ - فتح: ٩/ ٥٨٤]. ٥٤٦٣ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا وُضِعَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ». [انظر: ٦٧٢ - مسلم: ٥٥٧ - فتح: ٩/ ٥٨٤]. وَعَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ. [انظر: ٦٧٣ - مسلم: ٥٥٩]. ٥٤٦٤ - وَعَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ تَعَشَّى مَرَّةً وَهْوَ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الإِمَامِ. [انظر: ٦٧٣ - مسلم: ٥٥٩ - فتح: ٩/ ٥٨٤]. ٥٤٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَحَضَرَ الْعَشَاءُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ». قَالَ وُهَيْبٌ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامٍ: «إِذَا وُضِعَ الْعَشَاءُ». [انظر: ٦٧١ - مسلم: ٥٥٨ - فتح: ٩/ ٥٨٤]. ذكر فيه أحاديث: أحدها: حديث عمرو بن أمية السالف قريبًا (١). ثانيها: حديث وهيب: عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا وُضِعَ العَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ".

стр. 15665

وَعَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ. وَعَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّهُ تَعَشَّى مَرَّةً وَهْوَ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الإِمَامِ. ثم ساق حديث عائشة ﵂: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَحَضَرَ العَشَاءُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ". قَالَ وُهَيْبٌ وَيحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامٍ بن عروة: "إِذَا وُضِعَ العَشَاءُ". وهذِه الأحاديث سلفت في الصلاة في باب إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة. أخرج حديث أنس من حديث عقيل عن الزهري عنه (١)، وحديث ابن عمر من حديث أبي أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عنه (٢)، وحديث عائشة من حديث هشام، عن أبيه، عنها (٣)، كما أخرجه هنا بلفظ "إذا وضع". وأخرج أيضًا حديث ابن عمر من حديث موسى بن عقبة عن نافع عنه (٤). وهي محمولة على من تاقت نفسه إلى الطعام كما سلف. وفي حديث عمرو بن أمية ترك غسل اليد قبل الطعام وبعده، قال الداودي: وهو مذهب مالك. وحكي عن الليث أنه لا يغسل قبل، ويغسل بعد.

стр. 15666

وذكر أبو محمد عن مالك أنه سئل عن الوضوء بالدقيق والنخالة والفول قال: لا علم لي، ولم يتوضأ به إن أعياه شيء فليتوضأ بالتراب، وقال: قال عمر ﵁: إياكم وهذا التنعم، وأمر الأعاجم، وأكره غسل اليدين قبل الطعام وأراه من فعل العجم (١). وقد سلف الخوض في ذَلِكَ أيضًا.

стр. 15667

٥٩ - باب قَوْلِ اللهِ : ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ [الأحزاب: ٥٣] ٥٤٦٦ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ أَنَسًا قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِالْحِجَابِ، كَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يَسْأَلُنِي عَنْهُ، أَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَرُوسًا بِزَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ -وَكَانَ تَزَوَّجَهَا بِالْمَدِينَةِ- فَدَعَا النَّاسَ لِلطَّعَامِ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَجَلَسَ مَعَهُ رِجَالٌ بَعْدَ مَا قَامَ الْقَوْمُ، حَتَّى قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَمَشَى وَمَشَيْتُ مَعَهُ، حَتَّى بَلَغَ بَابَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، ثُمَّ ظَنَّ أَنَّهُمْ خَرَجُوا فَرَجَعْتُ مَعَهُ، فَإِذَا هُمْ جُلُوسٌ مَكَانَهُمْ، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ الثَّانِيَةَ، حَتَّى بَلَغَ بَابَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ، فَإِذَا هُمْ قَدْ قَامُوا، فَضَرَبَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ سِتْرًا، وَأُنْزِلَ الْحِجَابُ. [انظر: ٤٧٩١ - مسلم: ١٤٨٢ - فتح: ٩/ ٥٨٥]. ثم ساق حديث أنس في البناء بزينب والحجاب وقد سلف، وقد بين الله تعالى في آخر هذِه الآية معنى هذا الحديث وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وأذاه حرام على جميع أمته، وكذا أذى المؤمنين بعضهم بعضًا. وفيه من الفقه: أن من أطال الجلوس في بيت غيره حَتَّى أضر بصاحب المنزل أنه مباح له أن يقوم عنه، ويخبره أنه له حاجة إلى قيام لكي يقوم، وليس ذَلِكَ من سوء الأدب، وسيأتي في الأدب إن شاء الله (١). آخر الأطعمة.

стр. 15668

٧١ كتاب العقيقة

стр. 15669

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٧١ - كِتابُ العَقِيْقَةِ هذا الكتاب ذكره ابن بطال عقب باب الخمس، وأعقب الأطعمة بالتعبير. ويحصر الكلام على العقيقة في سبعة مواضع لا تسأم من طولها: أولها: في اشتقاقها: والمعروف أنه اسم للشاة التي تذبح عن المولود، سميت عقيقة؛ لأنه تعق مذابحها أي: تشق وتقطع، وقيل: أصلها الشعر الذي يحلق. وقال ابن فارس: عق يعق إذا حلق عن ابنه عقيقة، وذبح للمساكين شاة. قال: والشاة المذبوحة والشعر كلاهما عقيقة، ولا تكون العقيقة إلا الشعر الذي يولد به، وهي العقة أيضًا (١). وقد أوضحت الكلام عليها في لغات "المنهاج". وعبارة ابن التيّاني في "موعبه": أنها الشعر والوبر الذي يولد به الصبي، فإذا حلق ونبت فقد زال عنه اسم العقيقة، وإنما يسمى الشعر عقيقة بعد الحلق على الاستعارة، سميت باسم الشعر؛ لأنه يحلق في ذَلِكَ اليوم.

стр. 15670

وعبارة القزاز في "جامعه" أصل العق: الشق، فكأنها قيل لها: عقيقة أي: معقوقة. ويسمى شعر المولود عقيقة باسم ما يعق عنه، وقيل: باسم المكان الذي أعق عنه فيه أي: الشق، وكل مولود من البهائم فشعره عقيقة، فإذا سقط وبر البعير مرةً ذهب عنه هذا الاسم. وقال أبو عبيد: وقوله في الحديث "أميطوا عنه الأذى" يعني بالأذى: الشعر (١). وقال الأزهري في "تهذيبه": يقال لذلك الشعر عقيق بغير هاء. وقيل للذبيحة: عقيقة؛ لأنها تذبح أي: يشق حلقومها ومريئها وودجاها قطعًا (٢). وقال ابن سيده: قيل: العقة في الناس والحمر خاصة، وجمعها عقق (٣)، قال أبو زيد: ولم نسمعه في غيرها، وأعقت الحامل: نبتت عقيقة ولدها في بطنها (٤)، وقال صاحب "المغيث": عن أحمد في قوله: "الغلام مرتهن بعقيقته". أي: يُحْرَم شفاعةَ ولده (٥). وقال في "المجمل": لا تكون العقيقة إلا للشعر الذي يولد به (٦)، وقيل للشعر الذي ينبت بعد ذَلِكَ: عقيقة على جهة الاستعارة، حكاه في "الغريبين". وأنكر أحمد تفسير أبي عبيد العقيقة وقال: إنما العقيقة الذبح نفسه،

стр. 15671

حكاه عنه ابن عبد البر في "تمهيده" (١). واحتج بعضهم لقول أحمد، فإن الذي قاله معروف في اللغة؛ لأنه يقال: عق إذا قطع، ومنه يقال: عق والديه إذا قطعهما، قال أبو عمر: وقول أحمد في معناها أولى من قول أبي عبيد وأقرب وأصوب (٢). فصل: وثانيها: في حكمها: فالجمهور على أنها سنة، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور وإسحاق، ولا ينبغي تركها لمن قدر عليها (٣)، قال أحمد: هو أحبُّ إليّ من التصدق بثمنها على المساكين (٤). قال مالك: إنه الأمر الذي لا اختلاف فيه عندهم. وقال مرة: إنه من الأمر الذي لم يزل عليه أمر الناس عندنا (٥). وقال يحيى بن سعيد: أدركت الناس وما يَدَعُونها عن الغلام والجارية. وقال ابن المنذر: وممن كان يراها ابن عباس وابن عمر وعائشة، وروي عن فاطمة (٦)، وسئل الثوري عن العقيقة فقال: ليست بواجبة، وإن صنعت لما جاء فحسن (٧)، وقال الأوزاعي: هي سنة من رسول الله ﷺ (٨)، ويقابله قولان:

стр. 15672

أحدهما: أنها بدعة، حُكي عن الكوفيين وأبي حنيفة، وأنكره أصحابه ويقولون: هو خرق الإجماع وإنما قوله: أنها مباحة (١)، وهو خلاف ما عليه العلماء من الترغيب فيها والحض عليها. ثانيهما: وجوبها: حكي عن الحسن وأهل الظاهر وتأولوا قوله: "مع الغلام عقيقة" على الوجوب (٢)، وكان الليث يوجبها (٣). قال البغوي في "شرح السنة": أوجبها الحسن قال: تجب على الغلام يوم سابعه، فإن لم يعق عنه عق عن نفسه (٤). وأبو الزناد (٥)، وهو (رواية) (٦) عن أحمد (٧)، وقال أبو وائل: هي سنة في الذكر دون

стр. 15673

الأنثى (١)، حكاه ابن التين، وكذا ذكره في "المصنف" عن محمد والحسن (٢)، وقال محمد بن الحسن: هي تطوع، كان الناس يفعلونها ثم نسخت بالأضحى (٣)، وحكاه ابن بطال عن أبي وائل والحسن لما عق ﵇ عن الحسن والحسين، فالسنة من كل مولود من الذكور كذلك. وأما الإناث، فلم يصح عندنا [عنه] (٤) ﵇ أنه أمر بالعقيقة عنهن، ولا أنه فعله، إلا أن الذي مضى عليه العمل بالمدينة، والذي انتشر في بلدان المسلمين: أن يعق عنها أيضًا (٥). دليل الجمهور: الأحاديث المشهورة فيه، ومنها: حديث "الموطأ": "مَن وُلد له وَلد فأحب أن ينسك عنه فليفعل" (٦) فعلقه بمحبة فاعله، وسيأتي. قال أبو محمد ابن حزم: هي فرض واجب، يجبر الإنسان عليها، إذا فضل له عن قوته مقدارها، وهو أن يذبح عن كل مولود يولد له حيًّا أو ميتا بعد أن (يكون) (٧) قد وقع عليه اسم غلام أو جارية، إن كان ذكرًا فشاتين، وإن كان أنثى فشاة تذبح يوم سابعه، ولا يجزئ قبله وإلا ذبح بعده متى أمكن ويأكل منها، ويهدي ويتصدق، هذا كله مباح لا فرض، ويحلق رأس المولود في سابعه، ولا بأس أن يمس بشيء من دم العقيقة، ولا بأس بكسر عظامها.

стр. 15674

كما روينا من طريق النسائي: أخبرنا محمد بن المثنى، ثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، أنا أيوب ابن أبي تميمة، وحبيب -هو: ابن الشهيد- ويونس -هو: ابن عبيد- وقتادة، كلهم عن محمد بن سيرين، عن سلمان بن عامر الضبي أن رسول الله ﷺ قال: "في الغلام (عقيقة) (١) فأهريقوا عنه دمًا وأميطوا عنه الأذى" (٢). قال: ورويناه من طريق البخاري وغيره إلى حماد بن زيد وجرير بن حازم، كلاهما عن أيوب، عن ابن سيرين، عن سلمان أنه ﵇ بنحوه، ومن طريق الرباب، عن سلمان عن رسول الله ﷺ بنحوه (٣). قلت: البخاري رواه من طريق حماد بن زيد أولاً موقوفًا، فإنه قال بعد أن ترجم باب: إماطة الأذى عن الصبي في العقيقة: حَدَّثَنَا أبو النعمان -هو محمد بن الفضل- ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد، عن سلمان بن عامر قال: مع الغلام عقيقة. ثم قال: وقال حجاج: ثنا حماد، أنا أيوب وقتادة وهشام وحبيب، عن ابن سيرين، عن سلمان، عن رسول الله ﷺ ، وحماد هذا: هو ابن سلمة -كما سيأتي- وقال غير واحد: عن عاصم وهشام، عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب، عن سلمان، عن رسول الله ﷺ -وقال أصبغ: أخبرني ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن أيوب السختياني، عن محمد ابن سيرين قال: ثنا سلمان بن عامر الضبي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مع الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه دمًا وأميطوا عنه الأذى" (٤).

стр. 15675

ورواه الإسماعيلي، عن البغوي، ثنا إسماعيل، ثنا سليمان، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد، عن سلمان أن رسول الله ﷺ قال: "مع الغلام عقيقة" الحديث، قال: رواه -يعني: البخاري- عن عكرمة، عن حماد بن زيد، فقال: عن سلمان من قوله. وبنحوه ذكره أبو نعيم. وقد ظهر لك أن البخاري روى حديث جرير معلقًا، لا جرم قال أبو نعيم: ذكره البخاري بلا رواية. واعترض الإسماعيلي فقال: لم يروِ البخاري في هذا الباب -يعني: باب إماطة الأذى- حديثًا صحيحًا على شرطه، أما حديث حماد بن زيد، فجاء به موقوفًا وليس فيه ذكر إماطة الأذى، والباب من أَجْلِه، وحديث جرير ذكره بلا خبر، وقد قال أحمد: حديث جرير بمصر، كأنه على التوهم أو كما قال (١). وأما حديث حماد بن سلمة فذكره مستشهدًا به فقال: وقال حجاج: ثنا حماد، قلت: وكان ابن حزم ظنه حماد بن زيد؛ لأنه طوى اسم والده بخلاف حماد بن زيد، فإنه صرح به أولاً (٢). وطريق الرباب قد أخرجها أيضًا معلقًا ووصلها أبو داود عن الحسن بن علي، عن عبد الرزاق، عن هشام (٣)، والترمذي وصل رواية عاصم عن الحسن بن علي، عن عبد الرزاق، عن سفيان بن عيينة، عن عاصم بن سليمان، ثم قال: صحيح (٤).

стр. 15676

قال الإسماعيلي: وقد رواه الثوري موصولاً مجردًا فلم يذكره -يعني: البخاري- ثم ساقه عنه، عن أيوب، عن محمد، عن سلمان مرفوعًا به، والحاصل أنه أخرجه مع البخاري أصحاب السنن من ذكرناه وابن ماجه أيضًا (١)، وقال الترمذي: حسن صحيح، ولم يخرج مسلم عن سلمان هذا في كتابه شيئًا، وقال: لم يكن في الصحابة صبي غيره، ثم قال ابن حزم: وبالسند المذكور للنسائي حَدَّثَنَا أحمد ابن سليمان، [ثنا عفان] (٢) ثنا حماد بن سلمة، عن قيس بن سعد، عن مجاهد وطاوس، عن أم كرز الخزاعية أن رسول الله ﷺ قال: "عن الغلام شاتان مكافئتان (٣)، وعن الجارية شاة". ثم قال: وحَدَّثنَا حمام (٤)، ثنا عباس بن أصبغ، ثنا ابن أيمن، ثنا

стр. 15677

محمد بن إسماعيل الترمذي، ثنا الحميدي، ثنا سفيان، ثنا عمرو بن دينار، أنا عطاء بن رباح أن حبيبة بنت ميسرة، أخبرته أنها سمعت أم كرز قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول في العقيقة: "عن الغلام شاتان" الحديث (١). قلت: فحديث أم كرز هذا أخرجه أصحاب السنن الأربعة، وصححه الترمذي وابن حبان، وقال الحاكم: صحيح الإسناد (٢). قلت: واختلف في حديث عطاء، قال الدارقطني: روي عنه عن أم كرز بلا واسطة، وتارة عن أم عثمان بنت خيثم، عن أم كرز، وأخرى: عن ميسرة بن أبي خيثم عن أم كرز، وتارة عن عبيد، (بن) (٣) عمير، عن أم كرز، وتارة: عن عطاء، عن ابن عباس، عن أم كرز، وتارة عن عطاء، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ ، وتارة عن عطاء، عن عائشة، وأخرى عطاء عن أم كرز، عن عائشة بلفظ: "شاتان مكافئتان" وتارة قال عطاء: سألت سبيعةُ بنت الحارث رسول الله ﷺ عن العقيقة. وأخرى: عن عطاء، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله ﷺ (٤). زاد في كتاب أبي الشيخ: قال جابر: تقطع العقيقة أعضاء ثم تطبخ بماء وملح ويبعث منها إلى الجيران ويقال: هذِه عقيقة فلان، قيل: فإن جعل فيها خل؟ قال: ذاك أطيب. وفي حديث الوليد بن مسلم، عن

стр. 15678

زهير بن محمد، عن ابن المنكدر، عن جابر أنه ﵇ ختن الحَسَنَين لسبعة أيام، وعق عنهما (١)، قال الوليد: فذكرته لمالك فقال: لسبعة أيام فلا أدري، ولكن الختان طهرة، وكلما قدمها كان أحب إليّ. ثم ساقه ابن حزم من حديث ابن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن أبيه عن سباع بن ثابت، عن أم كرز سمعت رسول الله ﷺ يقول: "عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة لا يضركم ذكرانًا كن أو إناثًا" (٢) وهذا أخرجه الترمذي من حديث ابن جريج: أخبرني عبيد الله بن أبي يزيد، عن سباع، [عن محمد بن ثابت بن سباع] (٣) عن أم كرز وقال: حسن صحيح (٤). وكذا أخرجه النسائي، عن قتيبة، عن سفيان، ولم يقل: عن أبيه (٥). قال ابن عبد البر: قول ابن عيينة: عن أبيه. خالفه حماد بن زيد، فلم يقل: عن أبيه، وذكر أن أبا داود قال: وهم فيه ابن عيينة. قال أبو عمر: ولا أدري كيف قال أبو داود هذا، وابن عيينة حافظ (٦). قلت: أدخل الترمذي بين أم كرز وسباع محمد بن ثابت بن سباع أنه أخبره أن أم كرز أخبرته بالحديث وصححه، ولأبي عمر قلت: يا رسول الله، ما المكافئتان؟ قال: "المثلان وأن الضأن أحبُّ إليّ من المعز".

стр. 15679

وذكر أنها أحب إليه من المعز، وذكر أنها أحبُّ إليه من إناثها، قال ابن جريج: كان هذا رأيًا من عطاء (١). ثم ذكر ابن حزم حديث الحسن عن سمرة مرفوعًا: "الغلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويحلق ويسمى" من طريق أبي داود والنسائي (٢). ومن عند البخاري: حدثنا عبد الله بن أبي الأسود: ثنا قريش بن أنس، عن حبيب بن الشهيد قال: أمرني ابن سيرين أن أسأل الحسن ابن أبي الحسن ممن سمع حديث العقيقة فقال: من سمرة بن جندب (٣). ثم قال ابن حزم: لا يصح للحسن سماع من سمرة إلا حديث العقيقة وحده (٤). قلت: وهذا الحديث أخرجه مع أبي داود والنسائي ابن ماجه والترمذي، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، والحاكم وقال: صحيح الإسناد (٥). وقد ذكر البخاري في "تاريخه الكبير": قال لي علي بن المديني: سماع الحسن من سمرة صحيح، وأخذ بحديثه: "من قتل عبده قتلناه" (٦).

стр. 15680

وقال البرديجي في مراسيله: الحسن عن سمرة ليس بصحيح إلا من كتاب، ولا نحفظ عن الحسن عن سمرة حديثًا يقول فيه: سمعت سمرة، إلا حديثًا واحداً وهو حديث العقيقة ولم تثبت رواية قريش بن أنس، عن الحسن، عن سمرة، ولم يروه غيره وهو وهم. قلت: قد رواه عنه أبو حره أيضًا عن الحسن، كما ذكره الطبراني في "أوسط معاجمه" (١)، وفي كتاب أبي الشيخ ابن حيان روايته له من حديث فطر عن الحسن. ومن طريق يزيد بن السائب، عن الحسن فيها: ولا ثلاثة تابعوه، وفي سؤالات الأثرم ضعف أبو عبد الله حديث قريش -يعني: هذا- وقال: ما أراه بشيء. ثم رواه ابن حزم من طريق أبي داود من حديث قتادة عن الحسن، عن سمرة يرفعه: "كل غلام مرتهن بعقيقته؛ حتى تذبح عنه يوم السابع ويحلق رأسه ويدمى". قال: فكان قتادة إذا سئل عن التدمية كيف تصنع؟ قال: إذا ذبحت العقيقة أخذت صوفة فاستقبلت بها أوداجها ثم توضع على يافوخ الصبي؛ حتى يسيل على رأسه مثل الخيط، ثم تغسل رأسه بعد، وتحلق. قال أبو داود: أخطأ همَّام، إنما هو يسمى (٢). قال ابن حزم: بل وهم أبو داود؛ لأن همامًا ثبت، وبين أنهم سألوا قتادة عن صفة التدمية المذكورة فوصفها لهم (٣).

стр. 15681

قلت: قال البرديجي: لا يحتج بهمام، وأبان العطار أمثل منه. وقال ابن سعد: ربما غلط في الحديث (١). وقال أبو حاتم: في حفظه شيء (٢). وقال يزيد بن زريع كما حكاه العقيلي في "تاريخه": كتابه صالح وحفظه لا يساوي شيئًا، وكان يحيى بن سعيد لا يرضى كتابه ولا حفظه. وقال عفان: كان لا يرجع إلى كتابه وكان يخالف فلا يرجع إلى كتابه ولا ينظر فيه، ثم رجع بعد فنظر في كتابه فقال: يا عفان كنا نخطئ كثيراً فتستغفر الله تعالى منه (٣). وقال الساجي: صدوق سيئ الحفظ ما حدث من كتاب فهو صالح، وما حدث من حفظه فليس بشيء. وفي كتاب الساجي: قال أحمد: كان يحيى ينكر عليه أنه يزيد في الإسناد (٤). وقال ابن المنذر: تكلموا في هذا الحديث. وقال أبو عمر: رواية همام في التدمية: قالوا: هي وهم من همام؛ لأنه لم يقل أحد في هذا الحديث. ويدمى غيره، وإنما قالوا: ويسمى. وكذا أخرجه النسائي وابن ماجه من طريق ابن أبي عروبة، ثنا قتادة (٥). وأبو الشيخ من طريق سلام بن أبي مطيع، عن قتادة والترمذي من حديث إسماعيل بن مسلم، عن الحسن (٦).

стр. 15682

قلت: ثم هو منسوخ، كما قاله أبو داود، وكان ناسخه حديث عائشة ﵂: كانوا في الجاهلية إذا عقوا عن الصبي خضبوا قطنة بدم العقيقة، فإذا حلقوا [رأس] (١) الصبي وضعوها على رأسه فقال ﵇: "اجعلوا مكان الدم خلوقًا" أخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٢). ولأبي الشيخ: فأمرهم ﵇ أن يجعلوا مكان الدم خلوقًا، ونهى أن تمس رأس المولود بدم. ولأبي داود من حديث بريدة قال: كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام ذبح شاة، ولطخ رأس المولود بدمها، فلما جاء الله بالإسلام كنا نذبح شاة ونحلق رأسه ونلطخ بزعفران (٣). ولابن عدي من حديث إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة -وثقه أحمد- عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال رسول الله ﷺ : "الخلوق بمنزلة الدم" يعني: على العقيقة (٤). ولابن ماجه بإسناد جيد، عن يزيد بن (عبدٍ) (٥) المزني أنه ﵇ قال: "يعق عن الغلام ولا تمس رأسه بدم" (٦) رواه أبو الشيخ الأصبهاني والطحاوي في كتابه "ختلاف العلماء" من حديث يزيد عن أبيه (٧) وذكر ابن أبي شيبة، عن عبد الأعلى، عن هشام، عن الحسن

стр. 15683

ومحمد: أنهما كرها أن يلطخ رأس الصبي بشيء من دم العقيقة، وقال الحسن: هو رجس (١)، وهذا خلاف ما نقله النووي عن الحسن: أنه استحب التدمية (٢)، وعن الترمذي صحيحًا: لا يمس الصبي بشيء من دمها (٣)، ثم قال ابن حزم: وهذِه الأخبار نص ما قلنا، وهو قول جماعة من السلف، روينا من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج: أخبرني يوسف بن ماهك، عن حفصة قالت: كانت عمتي عائشة تقول: على الغلام شاتان، وعلى الجارية شاة (٤). قلت: أخرجه الترمذي عنها مرفوعًا أن رسول الله ﷺ أمرهم عن الغلام بشاتين، وعن الجارية بشاة، ثم قال: حسن صحيح (٥). زاد أبو الشيخ في كتابه "العقيقة" تأليفه من حديث عبد المجيد بن عبد العزيز، عن ابن جريج، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة ﵂: يعق عن الغلام بشاتين وعن الجارية بشاة، وعق ﵇ عن حسن وحسين بشاتين وشاتين، ذبحهما يوم سابعهما وسماهما وقال: "اذبحوا على اسم الله، وقولوا: بسم الله اللهم منك وإليك هذِه عقيقة فلان". وفي رواية من حديث يوسف بن ماهك، عن حفصة، عنها: أمرنا رسول الله ﷺ أن نعق .. الحديث.

стр. 15684

قال ابن حزم: ومن طريق أبي الطفيل، عن ابن عباس ﵁: عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة (١). قلت: قد سلف رفعه، وأخرجه أبو الشيخ أيضًا من حديث يزيد بن أبي زناد، عن عطاء، عنه أنه ﵇ قال: "يعق عن الغلام بشاتين وعن الجارية بشاة" قال ابن حزم: وهو قول عطاء بن أبي رباح، ومن طريق عطاء بن السائب، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر قال: يحلق رأسه ويلطخ بالدم (٢). قلت: من شأنه رد حديث عطاء؛ فلا ينبغي أن يحتج به هنا. وكذا قوله عن مكحول أنه قال: بلغني أن ابن عمر قال: المولود مرتهن بعقيقته (٣). ثم قال: وعن بريدة الأسلمي: إن الناس يعرضون يوم القيامة على العقيقة، كما يعرضون على الصلوات الخمس. ومثله عن فاطمة بنت الحسين (٤). قلت: وروى أبو الشيخ في كتابه بإسناد جيد من حديث الحسن عن أنس أنه ﵇ قال: "كل غلام مرتهن بعقيقته، تعق عنه يوم سابعه، من الإبل والبقر والغنم" (٥).

стр. 15685

زاد ابن أبي شيبة: وكان (أنس) (١) يعق عن ولده بالجزور (٢)، ومن حديث أبي هريرة مرفوعًا: "مع الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه دمًا وأميطوا عنه الأذى" (٣) ولفظ: "إن اليهود تعق عن الغلام كبشًا ولا تعق عن الجارية، فعقوا عن الغلام كبشين وعن الجارية كبشًا" (٤) وفي لفظ لابن أيمن (٥): "الغلام مرتهن بعقيقته". قال الترمذي: وفي الباب عن علي (٦). ورواه ابن أبي شيبة (٧) وأبو الشيخ عن علي مرفوعًا، وفي الباب أيضًا عن أم عطية أخرجه أبو نعيم في "مستخرجه" من حديث محمد عنها مرفوعًا: "مع الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه دمًا".
следующие страницы →