وأجابوا عن قوله: "لا فرع ولا عتيرة" بثلاثة أجوبة:
أحدها: ما تقدم عن الشافعي.
ثانيها: المراد: نفي ما كانوا يذبحونه لأصنامهم.
ثالثها: أنهما ليسا كالأضحية في الاستحباب وفي إراقة الدم، فأما تفرقة اللحم على المساكين فبِرّ وصدقة، وقد نص الشافعي في "سنن حرملة" أنهما إن تيسرتا كل شهر كان حسنًا.
وادعى عياض أن جماهير العلماء على نسخ الأمر بهما (١).
قال الحازمي: ذهب قوم إلى أن هذِه الآثار منسوخة، وتمسكوا في ذلك بحديث أبي هريرة.
وقال ابن المنذر: معلوم أن النهي لا يكون إلا عن شيء قد كان يفعل، ولا نعلم أن أحدًا من أهل العلم يقول أنه ﵇ كان نهاهم عنهما ثم أذن فيهما.
وفي إجماع عوام علماء الأمصار أن استعمالهما ذلك موقوف على الأمر بهما، مع ثبوت النهي عن ذلك بيان لما قلناه (٢).
وأما الفرع فذكر أبو عبيد أنه بفتح الراء، وكذلك الفرعة: هو أول ما تلده الناقة كما سلف، وقد أفرع القوم: إذا فعلت إبلهم ذلك (٣)، وذكر شمر أن أبا مالك قال: كان الرجل إذا تمت إبله مائة قدم بكرًا فذبحه لصنمه، فذلك الفرع (٤).
стр. 15717
وروي عن رسول الله ﷺ قال: "فرعوا إن شئتم، ولكن لا تذبحوا غراة (١) حتى تكبر" (٢).
وعند عياض: هو أول ما تنتج الناقة، يذبحونه لطواغيتهم (٣)؛ ورجاء البركة في الأم وكثرة نسلها.
وقيل: العتيرة: نذر كانوا ينذرونه إذا بلغ ملك أحدهم كذا، أن يذبح من كل عشرة منها شاة في رجب.
وذكر الجاحظ في "حيوانه": أن منهم من يجعل عتائره من صيد الظباء (٤).
стр. 15718
وقال الداودي: العتيرة مباحة، وكذلك الخرس: وهو طعام المولود، والعرس: طعام النكاح، والختان: الإعذار، والنقيعة: طعام القادم من سفره، وقيل: هو الطعام الذي يصنع للقبائل إذا قدموا على قوم ليصلحوا بينهم، والوكيرة: طعام يصنع للبناء، ذكره ابن فارس (١)، وذكر ابن حبيب أن العتيرة: الطعام يصنع للميت، والنقيعة: طعام العرس، وقد تقدم أكثر من ذلك فراجعه (٢)
متنًا، وأخرجه باقي الجماعة (١)، ولما ذكر مالك الآية الأولى قال: كل ما تناوله الإنسان بيده أو برمحه أو بشيء من سلاحه فأنفذه وبلغ مقاتله فهو صيد (٢).
قال مجاهد: والذي تناله الأيدي الفراخ والبيض، والذي تناله الرماح مما كان كبيرًا (٣) فاستُدلَّ بهذِه الآية على إباحة الصيد، وعلى منعه.
والأنعام: الإبل والبقر والغنم، وقال قابوس بن أبي ظبيان: ذبحنا بقرة، فأخذ الغلمان من بطنها ولدا ضخمًا قد أشعر فشووه ثم أتوا به أبا ظبيان فقال: أنا (٤) ابن عباس ﵄ أن هذا ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ (٥). والأول أبين؛ لأن بعده ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١] وليس في الأجنة ما يستثنى، وقيل لها بهيمة؛ لأنها أبهمت عن التميز.
وقوله: (﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾) أي: محرمون، وواحد حرم: حرام، والشعائر: الهدايا، أي: معلَّمة، وشعيرة: بمعنى مشعرة، وقال مجاهد: ﴿شَعَائِرَ اللهِ﴾: الصفا والمروة والحرم (٦).
стр. 15723
فالمعنى على هذا: لا تحلوا الصيد في الحرم، والتقدير: لا تحلوا لأنفسكم شعائر الله، فمن قال: هي: البدن، فالآية عنده منسوخة، قال الشعبي: ليس في المائدة آية منسوخة إلا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ﴾ [المائدة: ٢] وقال قتادة: نسختها ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وكانوا منعوا من قتالهم في الشهر الحرام، وإذا كانوا آمين البيت الحرام (١).
وقوله: (﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾) هو رجب.
وقوله: (﴿وَلَا الْهَدْيَ﴾) واحد الهدي: هدية مثل: تمرة وتمر،
وقوله: (﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾) قال الضحاك وعطاء: كانوا يأخذون من شجر الحرم، فلا يقربون إذا زوي عليهم (٢).
وقوله: (﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾) قال مجاهد: الأجر والتجارة (٣).
وقوله: (﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾) أمرٌ بعد حظر وليس بحتم.
وقول ابن عباس: (العقود .. ) إلى آخره. أخرجه إسماعيل بن أبي زياد الشامي في "تفسيره" عنه، وقد فسر ﴿يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ [المائدة: ٢] على (العداوى) (٤)، وقرأ الأعمش بضم الياء (٥)، وتُقرأ (شنئان) بفتح النون وسكونها، وأنكر السكون من قال: لا يكون المصدر على فعلان.
стр. 15724
وقوله: (﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾) هو بسكون الياء، وتشديدها، قال فريق من اللغويين: هما بمعنًى.
وقيل: (﴿الْمَيْتَةُ﴾): التي ماتت و (الْمَيِّتَةُ): التي لم تمت بعد.
وروي أنهم كانوا يجعلون الدم في المباعر ثم يشوونها ويأكلونها، فحرم الله تعالى الدم المسفوح: وهو المصبوب.
وقد فسر (﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾): وكذا ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ يقال: وقذه وأوقذه، و (الموقوذة) من: وقذه، وقوله: (بالخشب يوقذها). من: أوقذ.
وقوله: (﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾) أي: افترسه فأكل بعضه، وقرأ الحسن بإسكان الباء؛ استثقالًا للضمة، وهي قراءة [المعلى] (١) عن عاصم.
وقوله: (﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾) أصل التذكية في اللغة: التمام، واختلف في هذا الاستثناء فقيل: معناه إلا ما أدركتم من هذِه المسميات ذكاته فذكيتموه، وقال الشافعي: يؤكل (٢).
وقال القاضي إسماعيل: معنى الآية: لكن ما ذكيتم من غير هذِه المذكورات فهو حلال، وقال: (هو) (٣) مثل قوله تعالى: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣)﴾ [طه: ١ - ٣] (٤).
стр. 15725
فصل:
الاصطياد مباح لمن اصطاد للاكتساب والحاجة والانتفاع بالأكل أو الثمن، واختلف فيمن صاده للهو وتمكن من قصد تذكيته والإباحة والانتفاع، فكرهه مالك وقال: إن كان من شأنه الصيد للذة يجوز شهادته إن كان لم يضيع فريضة وشبهها (١).
وأجازه الليث وابن عبد الحكم (٢)، فإن فعله بغير نية (التذكية) (٣) فهو حرام؛ لأنه فساد في الأرض وإتلاف نفس عبثًا، وقد نهى ﵇ عن قتل الحيوان إلا لمأكله، ونهى أيضًا عن الإكثار من الصيد: ففي حديث ابن عباس مرفوعًا: "من سكن البادية فقد جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن لزم السلطان افتتن".
أخرجه الترمذي وقال: حسن غريب (٤). وأعله الكرابيسي بأبي موسى (٥) أحد رواته وقال: حديثه ليس بالقائم.
وروي أيضًا من حديث أبي هريرة ﵁ بإسناد ضعيف (٦).
стр. 15726
وروي أيضًا من حديث البراء بن عازب (١)، قال الدارقطني: تفرد به شريك (٢).
فصل:
حديث عدي هذا أخرجه هنا عن أبي نعيم: ثنا زكريا، عن عامر، عنه، وسلف في الطهارة، في باب الماء الذي يُغسل به شعر الإنسان، وفي أوائل البيوع في باب تفسير المشبهات من حديث شعبة، عن ابن أبي السفر، عن الشعبي، عنه، ثم ذكره من حديث بيان عن الشعبي بلفظ: "وإذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله فكل" (٣).
واعترض ابن المنير فقال: ليس في الذي ذكره تعرض [للتسمية] (٤) المترجم لها إلا آخر الحديث، فعده بيانًا لما أجملته الأدلة من التسمية، وكذلك أدخل الجميع تحت الترجمة، وعند أهل الأصول نظر في المجمل إذا اقترنت به قرينة لفظية مثبتة، هل يكون الدليل المجمل معها أو إياها خاصة (٥).
стр. 15727
وذكره البخاري بألفاظ أخر ستأتي.
ولمسلم: "كل ما خزق، وإذا أرسلت كلبك، فإن أمسك عليك فأدركته حيًا، فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله، وإن وجدت مع كلبك كلبًا غيره، وقد قتل: فلا تأكل" (١).
وذكره الإسماعيلي من طرق منها: طريق يحيى بن سعيد، عن زكريابن أبي زائدة؛ ثنا عامر، ثنا عدي. ثم قال: ذكرته لقوله: ثنا عامر (٢)، ثنا عدي. قال: سألت. الحديث.
وذكره الطحاوي في "اختلاف العلماء" من حديث سعيد بن جبير، عن عدي: سألت رسول الله ﷺ فقلت: إنا أهل صيد، يرمي أحدنا الصيد فيغيب عنه الليلة والليلتين، ثم يجد أثره بعدما (وضح) (٣)، فيجد فيه سهمًا. قال: "إذا وجدت سهمك فيه، ولم تجد به أثر سبع، وعلمت أن سهمك قتله، فكل منه" (٤).
ولأبي داود: "إذا رميت بسهمك، فوجدته من الغد ولم تجده في ماء ولا فيه أثر غير سهمك". وفي لفظ: "ما علَّمت من كلب أو باز فكل مما أمسكن عليك"، قلت: وإن قتله قال: "إذا [قتله و] (٥) لم يأكل منه شيئًا فإنما أمسكه عليك".
стр. 15728
وفي لفظ: أحدنا يرمي الصيد فيقتفي أثره اليومين والثلاثة ثم يجده ميتًا وفيه سهمه أيأكل؟! قال: "نعم إن شاء" (١).
ولابن وهب في "مسنده" -بإسناد لا بأس به- قلت: يا رسول الله، إن أحدنا يصيد الصيد ولم يكن معه شيء يذكيه به إلا مروة أو شقة عصاة، فقال: "أمر الدم بما شئت واذكر اسم الله تعالى".
ولابن منيع البغوي في "معجمه" (٢): من حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن عدي: قال لي رسول الله ﷺ : "إذا رميته بسهمك وسميت فخزق فكل، وإن لم يخزق فلا تأكل، ولا تأكل من البندقة إلا ما ذكيت، ولا يأكل من المعراض إلا ما ذكيتم"، ولابن أبي شيبة في "مصنفه": إن شرب من دمه فلا تأكل، فإنه لم يعلَّم ما علمته، ومن حديث مجالد عن عامر عنه: سألت رسول الله ﷺ عن صيد البازي فقال: "ما أمسك عليك فكل" (٣).
فصل:
اختلف العلماء في التسمية على الصيد والذبيحة: فروي عن نافع مولى ابن عمر ومحمد بن سيرين، والشعبي أنها فريضة، فمن تركها عامدًا أو ساهيًا لم تؤكل، وهو قول أبي ثور وأهل الظاهر (٤).
стр. 15729
وذهب مالك والثوري وأبو حنيفة وأصحابه إلى أنه إن تركها عامدًا لم تؤكل، وإن تركها ناسيًا أكلت، قال مالك: هو بمنزلة من ذبح ونسي، يأكل ويسمي (١).
قال ابن المنذر: وهو قول ابن عباس وأبي هريرة وابن المسيب والحسن بن صالح وطاوس وعطاء والحسن البصري والنخعي وابن أبي ليلى وجعفر بن محمد والحكم وربيعة وأحمد وإسحاق.
ورواه في "المصنف" عن الزهري وقتادة (٢)، وقال أشهب: إن لم يتركها استخفافًا أكلت (٣).
وقال عيسى وأصبغ: هي حرام عند العمد.
وقال الشافعي: يؤكلان عمدًا ونسيانًا.
روي ذلك عن أبي هريرة وابن عباس وعطاء وقال ابن عباس: لا يضرك، إنما ذبحت بدينك.
وعن أحمد رواية -وهي المذهب كما قال في "المغني"- أنها شرط إن تركها عمدًا أو سهوًا فهو ميتة.
ورواية: إن تركها على إرسال السهم ناسيًا أكل، وإن تركها على الكلب أو العمد لم تؤكل (٤)، وقال ابن المنذر: التسمية على الذبح والصيد واجبة؛ بدلالة الكتاب والسنة.
стр. 15730
واحتج أصحاب الشافعي بأن المجوسي لو سمى الله لم ينتفع بتسميته؛ لأن المراعى دينه، وكذا المسلم إذا تركها عامدًا لا يضره؛ لأن المراعى دينه، وبهذا قال سعيد بن المسيب وعطاء وابن أبي ليلى، كما نقله ابن بطال، وكان الأبهري وابن الجهم يقولان: إن قول مالك أن من تعمد ترك التسمية لم تؤكل كراهة وتنزيهًا، ووافقهما ابن القصار.
واستدل ابن القصار على عدم وجوبها بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] فأمر بأكل ذلك، ثم عطف على الأكل بقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] والهاء في ﴿عَلَيْهِ﴾ ضمير الأكل؛ لأنه أقرب مذكور، لا يقال (أن) (١) الهاء في ﴿عَلَيْهِ﴾ عائدة على الإرسال إذ لو كانت شرطًا لذكرت قبله ولم يذكرها بعده، ولما قال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] وقال: [بعد] (٢) تقدم الأكل ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ﴾، لم يَخْل أن يريد بالتسمية على الإمساك الذي قد حصل، فإذا أمسك علينا حينئذٍ سمى، أو يريد التسمية على الأكل فبطل أن يريد بالتسمية بعد الإمساك علينا من غير أكل؛ لأنه ليس بقولٍ لأحد؛ لأن الناس على قولين: إما أن تكون التسمية قبل، أو عند الأكل، وإنما أمر الله تعالى بنسخ أمر الجاهلية التي كانت تذكر اسم طواغيتها على صيدها وذبائحها (٣).
وقد روى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه قال: سئل رسول الله ﷺ فقيل: يا رسول الله: إن ناسًا من أهل البادية يأتوننا بلُحمان، لا ندري
стр. 15731
أسموا الله عليها أم لا؟ فقال ﵇: "سموا الله عليها وكلوا" (١)، وسيأتي في البخاري من حديث أسامة بن حفص، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂ (٢).
واحتج من أوجبها بحديث الباب، حيث علل له بأن قال: إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره، فأباح أكل الصيد الذي يجد عليه كلبه؛ لأنه ذكر الله عليه، فدليله أنه إذا لم يسم فلا يأكل.
أجاب المخالف أنا إن قلنا بدليل الخطاب فإنا نقول: إن لم يسم فلا يأكل؛ كراهية وتنزيهًا لما أسلفناه من الأدلة.
واحتج أيضًا بالآية، ومن المعنى: أنه شيء قد ورد الشرع فيه أنه فسق يوجب تحريمه أصله سائر الفسوق، وجوابه: أن المراد به ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ﴾ [المائدة: ٣]. احتج أصحاب الشافعي بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] إلى قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] فأباح المذكى ولم يذكر التسمية.
فإن قلت: لا يكون مذكى إلا بالتسمية
قلت: الذكاة في اللغة: الشق، وقد وجد.
وقال ابن حزم: احتج المالكيون والحنفيون بما روينا من جهة سعيد بن منصور: ثنا عيسى بن يونس: ثنا الأحوص بن حكيم، عن راشد، عن النبي ﷺ قال: "ذبيحة المسلم حلال وإن لم يسم إذا لم يتعمد" وهو مرسل، والأحوص ليس بشيء، وراشد ضعيف. وبخبر آخر من جهة وكيع، ثنا ثور الشامي، عن الصلت -مولى سويد- قال
стр. 15732
رسول الله ﷺ : "ذبيحة المسلم حلال وإن نسي أن يذكر الله"، وهذا مرسل والصلت مجهول.
واحتجوا بقوله: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥] وقال ﵇: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" (١).
فصل:
قال ابن المنذر: وثبت أن رسول الله ﷺ كان يقول إذا ذبح: "باسم الله والله أكبر" قال ابن المنذر: وكان ابن عمر يقول ذلك، وبه قال أحمد وأصحاب الرأي (٢).
وقال الليث: لا يذكر أحدًا ولا يصلي على رسول الله ﷺ . وأنكر الشافعي ذلك وقال: لا أرى بأسًا أن يصلي (٣).
فصل:
سؤال عدي يحتمل أن يكون لمعرفة طلب الحكم قبل الإقدام عليه، وقد قال بعض أهل العلم: لا يجوز الإقدام على الفعل إلا بعد معرفة الحكم.
ويحتمل أن يكون علم أصل الإباحة، وسأل عن أمور اقتضت عنده الشك في بعض الصور أو قيام مانع من الإباحة التي علم أصلها.
فصل:
اختلف العلماء في ذكاة ما سلف في الآية من المتردية والنطيحة والموقوذة والمنخنقة. فذكر ابن حبيب عن ابن الماجشون وابن
стр. 15733
عبد الحكم أن ما أصاب هذِه من نثر الدماغ والحشوة أو قرض المصران أو شق الأوداج وانقطاع النخاع فلا يؤكل وإن ذكيت، فأما كسر الرأس ولم ينثر الدماغ أو شق الجوف ولم تنتثر الحشوة ولا انشق المصران أو كسر الصلب ولم ينقطع النخاع، فهذِه تؤكل إن ذكيت إن أدرك الروح فيها ولم تزهق أنفسها، فإن لم يكن من هذِه المقاتل شيء ويئس لها من الحياة، وأشكل أمرها فذبحت فلا تؤكل وإن طرفت بعينها واستفاض نفسها عند الذبح، وقد كان أصبغ وابن القاسم يحلان أكلها ولا يريان دق العنق مقتلًا حتى ينقطع النخاع، قالا: وهو المخ الأبيض الذي في داخل العنق والظهر، وليس النخاع عندنا إلا دق العنق وإن لم ينقطع المخ. كذلك قال ابن الماجشون ومطرف عن مالك، قال ابن حبيب: وأما انكسار الصلب ففيه يحتاج إلى انقطاع المخ الذي في الفقار، فإن انقطع فهو مقتل وإن لم ينقطع فليس بمقتل؛ لأنه قد يبرأ على حدث ويعيش، وقال أبو يوسف والحسن بن حي بقول ابن الماجشون وابن عبد الحكم قالا: إذا بلغ التردي وشبهه حالاً لا تعيش من مثله لم تؤكل وإن ذكيت قبل الموت.
واحتج ابن حبيب لهذا القول فقال: تأويل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] يعني: في الحياة القائمة فمات بتذكيتكم لا في حال اليأس منها (١)؛ لأن الذكاة لا تقع عليها وإن تحركت؛ لأن تلك الحركة إلى الموت من الذي قد سبق إليها؛ لأنه هو الذي أماتها، فإجراء الشفرة عليها وتلك حالها لا يحلها ولا يذكيها، كما أن
стр. 15734
المذبوحة التي قد قطعت الشفرة حلقومها وأوداجها إذا سقط عليها جدار قبل زهق نفسها أو أصابها غرق أو تردي لا يضرها ولا يحرمها؛ لأن الذي سبق إليها من التذكية قبل التردي أو غيره هو الذي أماتها وأحلها (١).
وفيها قول آخر: روى الشعبي، عن الحارث عن علي ﵁ قال: إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردية والنطيحة، وهي تحرك يدًا أو رجلاً فكلها (٢).
وعن ابن عباس وأبي هريرة ﵃ مثله، وإليه ذهب النخعي والشعبي وطاوس والحسن وقتادة وأبو حنيفة والثوري وقالوا: يدرك ذكاته وفيه حياة ما كانت، فإنه ذكي إذا ذكى قبل أن يموت.
وهو قول الأوزاعي والليث والشافعي وأحمد وإسحاق، وعليه الجمهور (٣).
واحتج له القاضي إسماعيل، وذكر تأويل قتادة وأصحابه في قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] قالوا: يعني: من هذِه إذا طرفت بعينها أو حركت ذنبها أو أذنها أو ركضت برجلها فذكِّ وكل (٤). واحتج بعض الفقهاء (لصحته) (٥) بأن عمر ﵁ كانت جراحته مثقلةً وصحت عهوده وأوامره، ولو قتله قاتل في ذلك الوقت كان عليه القود، قال
стр. 15735
الطحاوي: ولم يختلفوا في الأنعام إذا أصابتها الأمراض المثقلة التي قد تعيش معها مدة قصيرة أو طويلة أن ذكاتها الذبح، فكذلك ينبغي في القياس أن يكون حكم المتردية ونحوها (١).
وقال إسماعيل بن إسحاق: بلغني عن بعض من يتكلم في الفقه أن قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] إنما هو على ما أكله السبع خاصة، وأحسبه توهم ذلك؛ لأن الاستثناء يلي ما أكل السوابع، وإنما وقع في الاستثناء على ما ذكر في الآية كما قال قتادة: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ أي: ولكن ما ذكيتم، كما قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس: ٩٨] يعني: ولكن قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم، وإنما كان أهل الجاهلية يأكلون كل ما مات وكل ما قتل، فأعلم الله تعالى المسلمين أن المقتولة لا تحل إلا بالتذكية، وأن المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع حرام كله، وهي لا تسمى موقوذة حتى تموت بالذي فعل بها، وكذلك المتردية والنطيحة وما أكل السبع، ولو أن متردية تردت فلم تمت من ترديها، أو شاة عضها سبع أو أكل من لحمها ولم تمت من ذلك، لما كانت داخلة في هذا الحكم، ولما سميت أكيلة السبع؛ لأنه لم يقتلها، وإنما تسمي العرب أكيلة السبع التي قتلها فأكل منها وبقي منها، فإن العرب تقول للباقي هذِه أكيلة السبع فنهوا عن ذلك الباقي، وأعلموا أن قتل السَّبُع وغيره مما ذكر لا يقوم مقام التذكية، وإن كان ذلك كله قتلاً؛ لأن في التذكية التي أمر الله بها خصوصًا في تحليل الذبيحة.
стр. 15736
وقال أبو عبيد: أكيلة السبع هو الذي صاده السبع فأكل منه وبقي بعضه، وإنما هو فريسة. والنصب: حجارة حول الكعبة، كان يذبح عليها أهل الجاهلية (١).
فصل:
في حديث عدي فوائد:
أولها: أن قتل الكلب المعلم ذكاة.
ثانيها: أنه إذا أكل فليس بمعلم.
وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة، كما ستعلمه.
ثالثها: إذا شك في الذكاة فلا يأكل؛ لأن الأصل أنه حرام إلا بذكاة، فإذا خالط غير كلبه صار في شك من ذكاته، وهذا مذهب مالك.
رابعها: أن عدم التسمية يمنع الأكل؛ لتعليله في المنع بقوله: "فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ".
خامسها: أن محل الآية السالفة ﴿وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤] هو أن يصيب على الوجه المعتاد وهو حد الرمح.
والمعراض: (بكسر الميم) (٢) خشبة ثقيلة في طرفها حديدة يُرمى الصيد بها، وقد يكون بغير حديدة، فما أصاب بعده فهو وجه ذكاة فيؤكل، وما أصاب بعرضه فهو وقيذ. وعبارة الهروي: هو سهم لاريش فيه ولا نصل (٣).
стр. 15737
وقال ابن دريد: هو سهم طويل له أربع قُذذ رقاق، فإذا رمي به اعترض (١).
وقيل: هو عود رقيق الطرفين غليظ الوسط، فإذا رمى به ذهب مستويًا.
وقال ابن الجوزي: هو نصل عريض له ثقل ورزانة.
وفي "الموطأ" أن القاسم بن محمد كان يكره ما قتل المعارض والبندقة (٢)، لعله يريد بعرضه؛ لأنه بينه ﵇ في حديث عدي هذا.
وقال في "المعونة": المعراض: خشبة عريضة في رأسها كالزُّج، يلقيها الفارس على الصيد، فربما أصابته الحديدة فجرحت وأسالت دمه فيؤكل؛ لأنه كالسيف والرمح، وربما أصابته الخشبة فترضه أو تشدخه، فيكون وقيذًا فلا يؤكل (٣)، وقال أبو سليمان: (العارض) (٤): نصل عريض له ثقل ورزانة (٥)، وكأن ابن الجوزي أخذ منه.
فصل:
قوله ﵇: ("فَإِنَّ أَخْذَ الكَلْبِ ذَكَاته") قد يؤخذ منه أن الكلب لا يشترط في صفة تعليمه ألا يأكل، وهو شرط عند أبي حنيفة والشافعي، خلافًا لمالك وبقوله قال سلمان الفارسي وسعد بن أبي وقاص وعلي وابن عمر وأبو هريرة، ومن التابعين: سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والحسن والزهري وربيعة، وهو قول مالك والليث
стр. 15738
والأوزاعي لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، ومن القياس: ذكاة يستباح بها الصيد، فلا يفسد بأكله منه أصله إذا ذبح (١).
وتعلق الأولون بقوله في الباب الآتي: "فإن أكل فلا تأكل، فإنه لم يمسك عليك إنما أمسك على نفسه" قال الأولون: هو عام، فيحمل على الذي أدركه ميتًا من الجري أو الصدمة يأكل منه، فإنه قد صار إلى صفة لا يتعلق بها الإرسال والإمساك علينا، فلذلك لم يكن ممسكًا عليه، يوضحه قوله: "مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَكُلْه، فَإِنَّ أَخْذَ الكَلْبِ ذَكَاةٌ". والحديث واحد.
ويحتمل أن يريد بقوله: "إِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ" ألا يؤخذ منه غير مجرد الأكل دون إرسال الصيد، ويكون قوله: "فإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ". مقطوعًا مما قبله.
ومعنى: إمساكه علينا -عند القاضي أبي الحسن- أن يمسك بإرسالنا؛ لأن الكلب لا نية له ولا يصح منه ميز هذا، وإنما يتقصد بالتعليم، فإذا كان الاعتبار بأن يمسك علينا وعلى نفسه، وكان الحكم مختلفًا بذلك وجب أن يتميز بذلك بنية من له نية وهو مُرْسِلهُ، فإذا أرسله فقد أمسك عليه، وإن لم يرسله فلم يمسكه عليه.
وقال ابن حبيب: معنى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، أي: مما صدن لكم (٢).
وقال القاضي في "شرح الرسالة": في حديث عدي خلاف؛ لأن
стр. 15739
هذِه اللفظة (١) يقال: ذكرها الشعبي ولم يذكرها (هشام وابن أبي مطر) (٢) على أنه معارض بما روى أبو ثعلبة الخشني أنه قال النبي ﷺ : "كل وإن أكل منه" أخرجه أبو داود، ولم يضعفه (٣)، فيحمل حديث عدي على التنزيه، وحديث أبي ثعلبة على الجواز؛ قالوا: وكان عدي موسعًا عليه فأفتاه بالكف تورعًا، وأبو ثعلبة كان محتاجًا، فأفتاه بالجواز.
قال أبو الحسن: وما كان من طريق همام والشعبي أثبت مما يروى عن عدي، ولم يختلف على همام واختلف على الشعبي، وقد قال بعد: "فإني أخاف أن يكون مما أمسك على نفسه" وهذا علة فيه.
قلت: وفي إسناد أبي داود: داود بن عمرو الدمشقي، وثقه يحيى بن معين، وفي رواية الأزدي: مشهور. وقال أحمد: حديثه مقارب. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال ابن عدي: لا أرى بروايته بأسًا. وقال أبو داود: صالح. وقال أبو حاتم: شيخ. وقال العجلي: ليس بالقوي. وذكره ابن حبان في "ثقاته"، وكذا ابن شاهين وابن خلفون، وقال الدارقطني: يعتبر به. وقال العجلي يكتب حديثه. هذا ما نعرفه في ترجمته (٤).
стр. 15740
وأما ابن حزم فغلا وقال: هذا حديث لا يصح، وداود هذا ضعيف، ضعفه أحمد وقد ذكر بالكذب، ثم قال: فإن لجوا وقالوا: هو ثقة. قلنا: لا عليكم وثقتموه هنا، وأما نحن فلا نحتج به ولا نقبله.
وعند ابن حزم: من حديث الثوري، عن سماك، عن مري بن قطري عن عدي قلت: وإن أكل، قال: "نعم".
ولابن سعد عن شيخه (١): ثنا محمد بن عبد الله ابن أخي الزهري، عن أبي عمير الطائي عن أبي النعمان، عن أبيه (٢) -وهو (من) (٣) سعد هُذَيم- قلت: يا رسول الله، إنا أصحاب قنص فقال: "إذا أرسلت كلبك المعلَّم، وذكرت اسم الله، فقتل، فكل"، قلنا: وإن أكل نأكل؟ قال: "نعم". وصح عن ابن عمر أنه قال: "كل مما أكل منه كلبك المعلم" (٤).
واحتج بعض المالكية بالإجماع على أنه إذا وجد الكلب ساعة أخذ أنه يؤخذ من فيه ويؤكل، فلو كان أَكْلُهُ منه يمنع من أَكْلِهِ لَوَقَفَ؛ حتى يَنْظُرَ هل يأكل أم لا. قاله في "المعونة" (٥)، وفي "القنية" للحنفية: لو أرسل كلبه فأخذ صيدًا كثيراً بتسمية واحدة بغير اشتغال الكلب بشيء، ولا ترك، يحل الكل (٦).
الشرح:
أثر ابن عمر ﵄ أخرجه ابن أبي شيبة عن عبد الرحيم بن سليمان، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان لا يأكل ما أصابته البندقة والحجر.
والآثار بعده قال ابن أبي شيبة: حدثنا حفص، عن الأعمش، عن إبراهيم، وحدثنا حفص، عن ليث، عن مجاهد، وحدثنا ابن المبارك، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وحدثنا عبد الأعلى عن هشام، عن الحسن، وحدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن عبيد الله بن عمر، عن القاسم وسالم به.
ونقل كراهته أيضًا عن الشعبي وعكرمة مولى عبد الله (١).
قال ابن المنذر: وممن روينا عنه أنه كره صيد البندقة ابن عمر والنخعي ومالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وروينا عن عمر بن الخطاب أنه قال: وليتق أحدكم أن يخذف الأرنب بالعصا والحجر ثم يأكل.
وروى ابن أبي شيبة، عن ابن عيينة، عن عمرو بن سعيد، عن عمار: إذا [رميت] (٢) بالحجر أو البندقة فذكرت اسم الله فكل، وإن قتل؛ ثنا ابن المبارك، عن معمر، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قال: ما رد عليك حجرك فكل.
وفي رواية: كُلّ وحشية أصبتها بعصا أو بحجر أو بندقة وذكرت
стр. 15743
اسم الله عليه فكل (١).
ونقله أيضًا ابن حزم عن سلمان الخير وابن عمر (٢)، ونقله ابن المنذر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وخبر رسول الله ﷺ -أولى إذا أصاب بحده وخزق يؤكل ولا يؤكل ما أصاب بعرضه، وهو قول الأربعة والثوري وإسحاق وأبي ثور وقال الشعبي وابن جبير: يؤكل إذا خزق وبلغ المقاتل.
وفي "كتاب الصيد" للطحاوي: عن مالك: إذا خزق ولم يبعد المقاتل يؤكل، فإن رماه بعود أو عصا فخزق يؤكل.
وكذا إن رماه برمحه أو بمطردة أو حربته، وكان الأوزاعي يحدث أن المعراض خزق أو لم يخزق أن أبا الدرداء وفضالة ومكحولًا لا يرون به بأسًا.
وقال الحسن بن صالح: إن خزق الحجر فكل (٣).
وقال ابن بطال: اختلف العلماء في صيد المعراض والبندقة، فقال مالك والثوري والكوفيون والشافعي: إذا أصاب المعراض بعرضه وقتله لم يؤكل، وإن خزق جلده وبلغ المقاتل بعرضه أكل.
وذهب مكحول (والأوزاعي) (٤) وفقهاء الشام إلى جواز أكل ما قتل المعراض خزق أم لا.
واحتج مالك بقوله تعالى ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤] فكل شيء يناله الإنسان بيده أو رمحه، أو بشيء من سلاحه فأنفذه وبلغ مقاتله
стр. 15744
فهو صيد -كما قال تعالى- ولا حجة لأهل الشام لخلافهم حديث عدي بن حاتم: أن ما أصاب بعرضه فهو وقيذ، والحجة في السنة لا فيما خالفها.
وأما البندقة والحجر: فأكثر العلماء على كراهة صيدهما، وهو عندهم وقيذ؛ لقول ابن عباس: إلا أن تدرك ذكاته. وبه قال النخعي، وذهب إليه الأربعة والثوري وإسحاق وأبو ثور، ورخص في صيد البندقة عمار بن ياسر.
وهو قول سعيد بن المسيب وابن أبي ليلى (١)، وبه قال (الشاميون) (٢) والأصل فيه حديث عدي بن حاتم أنه ﵇ أباح له أكل ما أصاب بحده ومنعه أكل ما أصاب بعرضه؛ لأنه وقيذ، ولا حجة لمن خالف السنة، وإنما كره الحسن البندقة للقرى والأمصار؛ لإمكان وجودهم للسكاكين وما تقع به الذكاة، وأجازها في (البراري) (٣) وفي مواضع يتعذر وجود ذلك فيه.
واختلفوا فيما قتلته الجوارح ولم تدمه، فقال الشافعي: لا يؤكل حتى يخزق؛ لقوله تعالى ﴿من الجوارح﴾، وقال مرة: يؤكل (٤). واختلف ابن القاسم وأشهب فيها على هذين القولين: فقال ابن القاسم: لا يؤكل حتى يدميه ويجرحه. وقال أشهب: إن مات من صدمة الكلب أكل (٥).
стр. 15745
فائدة:
المعراض: سلف بيانه في الباب قبله، والوقيذ: -بالذال المعجمة.
فصل:
قد سلف حكم التسمية عمدًا ونسيانًا، واختلف فيها باللسان وبالقلب، وقيل: النهي عن الأكل إذا لم يسم نهي تنزيه واستحباب، والأمر بالأكل على الإباحة، جمعًا بين الحديثين.
فصل:
قوله: ("فإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ") قد سلف اختلاف العلماء في ذلك.
والحاصل قولان فيما إذا قتل الكلب المعلم الصيد وأكل منه: الحل وهو قول مالك، وعدمه وهو قول الشافعي وأحمد وأبي يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: لا يؤكل مما أكل منه ولا مما صاده قبل ذلك مما لم يأكل منه (١)، فأما جارحة الطير إذا أكلت فهو كالكلب وغيره.
وقيل: فيه قولان أو وجهان، فإن حسا الجارح دم الصيد ولم يأكل منه شيئًا لم يحرم أكله قولًا واحداً، وعن النخعي والثوري كراهة أكله.
فصل:
المعلم هو الذي إذا أرسله على الصيد طلبه، وإذا زجره انزجر، وإذا أشلاه استشلى (٢)، وإذا أخذ الصيد أمسكه عليه وخلى بينه وبينه، فإذا تكرر ذلك منه مرة بعد مرة صار معلمًا، ولم يقدر عدد المرات وإنما اعتبر العرف.
стр. 15746
وقال أبو حنيفة وأحمد: إذا تكرر ذلك مرتين صار معلمًا (١).
وقال الحسن: مرة واحدة.
وقال أيضًا هو وأحمد: لا يجوز الاصطياد بالكلب الأسود البهيم (٢).
وعن مجاهد وابن عمر: لا يجوز الاصطياد إلا بالكلب المعلم، فإن عقر الصيد ولم يقتله فأدركه وفيه حياة مستقرة غير أنه مات قبل أن يتسع الزمان لذكاته، حل، وقال أبو حنيفة: لا يحل.
فرع:
فإن قتل الصيد بثقله من غير جرح فقولان: أصحهما، الحل.
ورواه الحسن بن زياد عن أبي حنيفة والثاني هو رواية أبي يوسف ومحمد عنه.
فرع:
أرسل مسلم كلب مجوسي، فقتل حل وعكسه لا، وبه قال أحمد والمزني، وقيل: الاعتبار بمالك الكلب دون المرسل (٣).
فرع:
في وجوب الغسل من موضع ظفره ونابه وشربه خلاف عندنا، والأصح: نعم (٤).
стр. 15747
فرع:
أرسل سهمًا في الهواء وهو لا يرى صيدًا فأصابه فهل يحل؟ وجهان، وإن رأى صيدًا فظنه حجرًا فرماه فقتله؟ حل، وإن أرسل كلبًا عليه؟ فوجهان (١).
فرع:
يصح ذكاة الصبي والمجنون.
خاتمة:
قال ابن حزم: ما شرد فلم يقدر عليه من حيوان البر أو أنسيه لا يتحاشى (شيئًا) (٢) طائرًا ولا ذا أربع يحل أكله، فإن ذكاته أن يرمي بما يعمل عمل الرمح أو السهم، أو عمل السيف أو السكين، فإن أصيب بذلك فمات قبل أن تدرك ذكاته فأكله حلال، فإن أدرك حيًّا إلا أنه في سبيل الموت السريع فإن ذبح أو نحو فحسن وإلا فلا بأس، وإن كان لا يموت سريعًا لم يحل أكله إلا بذبح، أو نحر، أو بأن يرسل عليه سبع من سباع الطير أو ذات الأربع، لا ذكاة له إلا بأحد هذين الوجهين (٣)، وقد اختلف الناس في هذا.
стр. 15748
٣ - باب مَا أَصَابَ الْمِعْرَاضُ بِعَرْضِهِ
٥٤٧٧ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نُرْسِلُ الْكِلَابَ الْمُعَلَّمَةَ. قَالَ: «كُلْ مَا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ». قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلْنَ؟ قَالَ: «وَإِنْ قَتَلْنَ». قُلْتُ: وَإِنَّا نَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ. قَالَ: «كُلْ مَا خَزَقَ، وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْ». [انظر: ١٧٥ - مسلم: ١٩٢٩ - فتح: ٩/ ٦٠٤].
ساق فيه حديث سفيان: عَنْ مَنْصورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الحَارِثِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نُرْسِلُ الكِلَابَ المُعَلَّمَةَ. قَالَ: "كُلْ مَا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ". قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلْنَ؟ قَالَ: "وَإِن قَتَلْنَ". قُلْتُ: إَنَّا نَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ. قَالَ: "كُلْ مَا خَزَقَ، وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْ". وقد سلف.
و"خزق": بالخاء والزاي (١) المعجمتين، وخسق أيضًا: إذا أصاب الرمية ونفذ فيها خزق يخزق خزوقًا وبالسين في الثلاث أيضًا، وسهم خازق وخاسق أي: نافذ، قال صاحب "العين": كل شيء حاد تَرُزَّهُ في الأرض فَيَرْتَزّ تقول: خزقته.
والخزق والخسق: ينبت والخزق: ما ينفذ (٢). وقال ابن التين: خزق: أصابه بحده، وأصل الخزق في اللغة: الطعن.
وفقه الباب سلف في الباب قبله وغيره.
صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَذَكرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ المُعَلَّم فَذَكرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غيرَ المُعَلَّم فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ".
الشرح:
أثر الحسن أخرجه ابن أبي شيبة، عن هشيم، عن يونس عنه في رجل ضرب صيدًا فإن بان منه يدًا أو رجلاً وهو حي ثم مات قال: يأكله، ولا يأكل ما بان منه إلا أن يضربه فيقطعه فيموت من ساعته، فإذا كان ذلك فليأكله كله.
وحدثنا وكيع، عن الربيع عنه وعطاء قالا: إذا ضرب الصيد فسقط منه عضو فلا يأكله -يعني العضو-.
وحدثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة قال: إذا ضرب الرجل الصيد فبان عضو منه ترك ما سقط وأكل ما بقي (١).
وفي "الإشراف" عن الحسن خلاف ما سلف قال في الصيد يقطع منه عضو، قال: فأكلنا جميعًا ما بان وما بقي.
وأثر الأعمش أخرجه أبو بكر (٢)، عن عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن زيد بن وهب ولفظه: سئل ابن مسعود عن رَجل ضرَب رِجل حمار وحش فقطعها قال: دعوا ما سقط وكلوا ما بقي.
وحكاه أيضًا عن علي من حديث الحارث عنه وعن مجاهد (٣)، وحكاه ابن المنذر عن قتادة قال: وقال ابن عباس وعطاء: لا تأكل العضو وَذَكِّ الصيدَ وكُلْهُ.
стр. 15751
وقال عكرمة: إن عدا حيًّا بعد سقوط العضو منه فلا تأكل العضو وذكِّ الصيد وكله، وإن مات حين ضربه فكله كله (١).
وبه قال قتادة (٢) وأبو ثور والشافعي كذلك، قال: إذا كان لا يعيش بعد ضربه ساعة أو مدة أكثر منها (٣).
وقال مالك: إن ضربه فقطعه باثنين أكلهما، وإن أبان عضوًا فذبحه فكما قال عكرمة، وبه قال الليث وأصحاب الرأي والثوري وإسحاق بن راهويه (٤)، وفي "التمهيد" عن مالك: إن قطع فخذه لم يؤكل الفخذ وأكل الباقي.
زاد ابن بطال: وإن قطع وسطه أو ضرب عنقه أكل كله (٥).
وروى محمد، عن ربيعة ومالك: إذا أبان وركيه مع فخذيه لا يؤكل ما بان منه ويؤكل باقيه (٦). وهذا مما لا يتوهم حياته بعده.
وعند ابن شعبان: إذا قطع الرأس هل تؤكل الرأس قولان.
وقال الشافعي: إن قطع قطعتين أكله، وإن كانت إحداهما أقل من الأخرى إذا مات من تلك الضربة، وإن قطع يدًا أو رجلاً أو شيئًا يمكن أن يعيش بعده ساعة أو أكثر، ثم قتله بعد رميه أكل ما لم يبن، ولا يأكل ما بان وفيه الحياة (٧).
стр. 15752
وقال أبو حنيفة والثوري: إذا قطعه نصفين أكلا جميعًا، وإن قطع الثلث مما يلي الرأس أكلا جميعًا، إن قطع الثلث الذي يلي العجز أكل الثلثين مما يلي الرأس ولا يأكل الثلث الذي يلي العجز (١).
وحجة ابن مسعود والجماعة أن ما قطع من الصيد قبل أن ينفذ مقاتله؛ فالمقطوع منه ميتة، ولا شك في ذلك.
وكذلك كان أهل الجاهلية يقطعون أسنمة الإبل وهي أحياء، ويأكلونها ثم تكبر الأسنمة وتعود على ما كانت.
قال المهلب: وقول الكوفيين: لا أعلم له وجهًا (٢).
فرع: - ذكره ابن التين-: إذا بقيت اليد وشبهها لم تبن معلقة بالجلد ويسير من اللحم لم تؤكل، وإن كانت تجري الروح فيها على هيئتها أكلت.
فصل:
قال الشافعي: إذا رمى رجل صيدًا فكسره، أو قطع جناحه أو بلغ به الحال التي لا يقدر الصيد أن يمتنع فيها من أن يكون مأخوذًا فرماه آخر فقتله كان حرامًا، وكان على الرامي قيمته بالحال التي رماه بها مكسورًا أو مقطوعًا؛ لأنه مستهلك لصيد قد صاده غيره، ولو رماه الأول فأصابه وكان ممتنعًا، ثم رماه الثاني فأثبته كان للثاني، ولو رماه الأول في هذِه الحال فقتله ضمن قيمته للثاني؛ لأنه قد صار له دونه (٣).
стр. 15753
قال أبو بكر: وبه يقول مالك في الذي يرمي الصيد فيثخنه حتى لا يستطيع الفرار، فرماه آخر بعد ذلك فقتله لم يؤكل إلا بذكاة.
وقال أصحاب الرأي: إذا رمى الرجل صيدًا فأثخنه حتى لا يستطيع التحرك، وسقط فرماه آخر بسهم فقتله لم يؤكل، وقال يعقوب ومحمد: على الآخر قيمته مجروحًا للأول (١).
قال أبو بكر: هذا كما قالوا. وإنما حرم أكله؛ لأنه ﵇ نهى عن صبر البهائم.
قال: واختلفوا في الشبكة والأحبولة يقع فيهما الصيد فيدركه صاحبه وقد مات.
فقالت طائفة: لا يؤكل إلا أن يدرك ذكاته.
هذا قول النخعي وعطاء وعمرو بن دينار وقتادة وربيعة والشافعي وكذلك قال ابن شهاب ومالك فيما قتلت الحبالة (٢).
وقال الثوري: لا يعجبني إلا أن يدركه فيذكيه.
وقد روينا عن الحسن بن أبي الحسن أنه رخص في ذلك، ذكر يونس عنه أنه كان لا يرى بصيد المناجل بأسًا.
وقال: يسم إذا نصبها وذكر قتادة عن الحسن أنه كان لا يرى بأسًا بما قتل المنجل (والحبل) (٣) إذا سمى فدخل فيه وجرحه.
والصحيح من قول عطاء أنه لا يجوز أن يأكل ما قتلت الحبولة والموضحة والشبكة؛ جعل أمرها واحداً.
стр. 15754
ولا يجوز أكل ما قتلت الأحبولة؛ وقع به جراح أو لم يقع. هذا قول عوام أهل العلم والسنن يدل عليه ما قالوه، وقول الحسن قول شاذ لا معنى له، وفي "القنية" للحنفية: نصب منجلًا لحمار وحش وسمى ثم وجد حمار وحش مجروحًا به ميتًا لا يحل.
فصل:
أجمع العلماء أن السهم إذا أصاب الصيد فجرحه وأدماه، وإن كان غير مقتل فجائز أكله.
وإذا رمى الطائر في الهواء فأرماه (١) فسقط إلى الأرض ميتًا لم يدر أتلف في الهواء أو بعد ما صار إلى الأرض؟
فإن سقط فمات فقال مالك: يؤكل إذا أنفذ السهم مقاتله، وهو قول أبي حنيفة والأوزاعي والشافعي وأبي ثور قالوا: وإن وقع على جبل فتردى فمات، أو وقع في ماء ولم ينفذ السهم مقاتله لم يؤكل (٢)، وإذا رمى الصيد بسهم مسموم فأدرك ذكاته، فكان مالك يقول: لا يعجبني أن يؤكل (٣). وبه قال أحمد وإسحاق إذا علم أن السم قتله. وقال غيره: إذا ذكاه فأكله جاز (٤).
فصل:
قوله في أثر الحسن وإبراهيم: (وَتَأْكُلُ سَائِرَهُ) أي: باقيه، هذِه اللغة الفصيحة.
стр. 15755
وقد عاب الحريري في "درته" قول من زعم أن سائر بمعنى: الجميع، من قولهم: قدم سائر الحاج واستوفى في سائر الجراح. قال: والدليل على صحة قولنا قوله ﵇ لغيلان: "اختر أربعًا منهن" يعني من نسائه "وفارق سائرهن" (١) قال: ولما وقع سائر بمعنى: الأكثر، منع بعضهم من استعماله بمعنى الباقي الأقل، والصحيح أنه يستعمل في كل باق قل أو كثر؛ لإجماع أهل اللغة على أن معنى قوله في الحديث: "إذا شربتم فأسئروا" (٢) أي: فأبقوا في الإناء بقية ماء؛ لأن المراد به أن يشرب الأقل ويبقي الأكثر.
فصل:
لما ذكر ابن التين قول الحسن وإبراهيم، وقول إبراهيم أيضًا قال: إنه مشهور مذهب مالك، ووجهه أنه إذا قطع منه ما لا يتوهم حياته بعد، فكأنه أنفذ مقاتله في ضربته تلك فكانت ذكاة لجميعه، بخلاف قطع اليد والرجل، وإن مات بضربه لم تؤكل اليد والرجل، قال: والحمار المذكور في حديث زيد المراد به حمار وحش، أما الأهلي فهو مبني على حل أكله، ولكنه لا يصاد عتيد الأهلي بما يباح به الصيد، فإن كان مذهب عبد الله الحمار الإنسي فإنه يباح أكله بما يباح به أكل الصيد.
فصل:
قوله: (إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ الكِتَابِ، أفنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ). الحديث، ولأبي داود: أفتني في آنية المجوس إذا اضطررنا إليها قال: "اغسلها وكل فيها".