← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 15751–15790 · переход к 15756.

стр. 15751

وقال عكرمة: إن عدا حيًّا بعد سقوط العضو منه فلا تأكل العضو وذكِّ الصيد وكله، وإن مات حين ضربه فكله كله (١). وبه قال قتادة (٢) وأبو ثور والشافعي كذلك، قال: إذا كان لا يعيش بعد ضربه ساعة أو مدة أكثر منها (٣). وقال مالك: إن ضربه فقطعه باثنين أكلهما، وإن أبان عضوًا فذبحه فكما قال عكرمة، وبه قال الليث وأصحاب الرأي والثوري وإسحاق بن راهويه (٤)، وفي "التمهيد" عن مالك: إن قطع فخذه لم يؤكل الفخذ وأكل الباقي. زاد ابن بطال: وإن قطع وسطه أو ضرب عنقه أكل كله (٥). وروى محمد، عن ربيعة ومالك: إذا أبان وركيه مع فخذيه لا يؤكل ما بان منه ويؤكل باقيه (٦). وهذا مما لا يتوهم حياته بعده. وعند ابن شعبان: إذا قطع الرأس هل تؤكل الرأس قولان. وقال الشافعي: إن قطع قطعتين أكله، وإن كانت إحداهما أقل من الأخرى إذا مات من تلك الضربة، وإن قطع يدًا أو رجلاً أو شيئًا يمكن أن يعيش بعده ساعة أو أكثر، ثم قتله بعد رميه أكل ما لم يبن، ولا يأكل ما بان وفيه الحياة (٧).

стр. 15752

وقال أبو حنيفة والثوري: إذا قطعه نصفين أكلا جميعًا، وإن قطع الثلث مما يلي الرأس أكلا جميعًا، إن قطع الثلث الذي يلي العجز أكل الثلثين مما يلي الرأس ولا يأكل الثلث الذي يلي العجز (١). وحجة ابن مسعود والجماعة أن ما قطع من الصيد قبل أن ينفذ مقاتله؛ فالمقطوع منه ميتة، ولا شك في ذلك. وكذلك كان أهل الجاهلية يقطعون أسنمة الإبل وهي أحياء، ويأكلونها ثم تكبر الأسنمة وتعود على ما كانت. قال المهلب: وقول الكوفيين: لا أعلم له وجهًا (٢). فرع: - ذكره ابن التين-: إذا بقيت اليد وشبهها لم تبن معلقة بالجلد ويسير من اللحم لم تؤكل، وإن كانت تجري الروح فيها على هيئتها أكلت. فصل: قال الشافعي: إذا رمى رجل صيدًا فكسره، أو قطع جناحه أو بلغ به الحال التي لا يقدر الصيد أن يمتنع فيها من أن يكون مأخوذًا فرماه آخر فقتله كان حرامًا، وكان على الرامي قيمته بالحال التي رماه بها مكسورًا أو مقطوعًا؛ لأنه مستهلك لصيد قد صاده غيره، ولو رماه الأول فأصابه وكان ممتنعًا، ثم رماه الثاني فأثبته كان للثاني، ولو رماه الأول في هذِه الحال فقتله ضمن قيمته للثاني؛ لأنه قد صار له دونه (٣).

стр. 15753

قال أبو بكر: وبه يقول مالك في الذي يرمي الصيد فيثخنه حتى لا يستطيع الفرار، فرماه آخر بعد ذلك فقتله لم يؤكل إلا بذكاة. وقال أصحاب الرأي: إذا رمى الرجل صيدًا فأثخنه حتى لا يستطيع التحرك، وسقط فرماه آخر بسهم فقتله لم يؤكل، وقال يعقوب ومحمد: على الآخر قيمته مجروحًا للأول (١). قال أبو بكر: هذا كما قالوا. وإنما حرم أكله؛ لأنه ﵇ نهى عن صبر البهائم. قال: واختلفوا في الشبكة والأحبولة يقع فيهما الصيد فيدركه صاحبه وقد مات. فقالت طائفة: لا يؤكل إلا أن يدرك ذكاته. هذا قول النخعي وعطاء وعمرو بن دينار وقتادة وربيعة والشافعي وكذلك قال ابن شهاب ومالك فيما قتلت الحبالة (٢). وقال الثوري: لا يعجبني إلا أن يدركه فيذكيه. وقد روينا عن الحسن بن أبي الحسن أنه رخص في ذلك، ذكر يونس عنه أنه كان لا يرى بصيد المناجل بأسًا. وقال: يسم إذا نصبها وذكر قتادة عن الحسن أنه كان لا يرى بأسًا بما قتل المنجل (والحبل) (٣) إذا سمى فدخل فيه وجرحه. والصحيح من قول عطاء أنه لا يجوز أن يأكل ما قتلت الحبولة والموضحة والشبكة؛ جعل أمرها واحداً.

стр. 15754

ولا يجوز أكل ما قتلت الأحبولة؛ وقع به جراح أو لم يقع. هذا قول عوام أهل العلم والسنن يدل عليه ما قالوه، وقول الحسن قول شاذ لا معنى له، وفي "القنية" للحنفية: نصب منجلًا لحمار وحش وسمى ثم وجد حمار وحش مجروحًا به ميتًا لا يحل. فصل: أجمع العلماء أن السهم إذا أصاب الصيد فجرحه وأدماه، وإن كان غير مقتل فجائز أكله. وإذا رمى الطائر في الهواء فأرماه (١) فسقط إلى الأرض ميتًا لم يدر أتلف في الهواء أو بعد ما صار إلى الأرض؟ فإن سقط فمات فقال مالك: يؤكل إذا أنفذ السهم مقاتله، وهو قول أبي حنيفة والأوزاعي والشافعي وأبي ثور قالوا: وإن وقع على جبل فتردى فمات، أو وقع في ماء ولم ينفذ السهم مقاتله لم يؤكل (٢)، وإذا رمى الصيد بسهم مسموم فأدرك ذكاته، فكان مالك يقول: لا يعجبني أن يؤكل (٣). وبه قال أحمد وإسحاق إذا علم أن السم قتله. وقال غيره: إذا ذكاه فأكله جاز (٤). فصل: قوله في أثر الحسن وإبراهيم: (وَتَأْكُلُ سَائِرَهُ) أي: باقيه، هذِه اللغة الفصيحة.

стр. 15755

وقد عاب الحريري في "درته" قول من زعم أن سائر بمعنى: الجميع، من قولهم: قدم سائر الحاج واستوفى في سائر الجراح. قال: والدليل على صحة قولنا قوله ﵇ لغيلان: "اختر أربعًا منهن" يعني من نسائه "وفارق سائرهن" (١) قال: ولما وقع سائر بمعنى: الأكثر، منع بعضهم من استعماله بمعنى الباقي الأقل، والصحيح أنه يستعمل في كل باق قل أو كثر؛ لإجماع أهل اللغة على أن معنى قوله في الحديث: "إذا شربتم فأسئروا" (٢) أي: فأبقوا في الإناء بقية ماء؛ لأن المراد به أن يشرب الأقل ويبقي الأكثر. فصل: لما ذكر ابن التين قول الحسن وإبراهيم، وقول إبراهيم أيضًا قال: إنه مشهور مذهب مالك، ووجهه أنه إذا قطع منه ما لا يتوهم حياته بعد، فكأنه أنفذ مقاتله في ضربته تلك فكانت ذكاة لجميعه، بخلاف قطع اليد والرجل، وإن مات بضربه لم تؤكل اليد والرجل، قال: والحمار المذكور في حديث زيد المراد به حمار وحش، أما الأهلي فهو مبني على حل أكله، ولكنه لا يصاد عتيد الأهلي بما يباح به الصيد، فإن كان مذهب عبد الله الحمار الإنسي فإنه يباح أكله بما يباح به أكل الصيد. فصل: قوله: (إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ الكِتَابِ، أفنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ). الحديث، ولأبي داود: أفتني في آنية المجوس إذا اضطررنا إليها قال: "اغسلها وكل فيها".

стр. 15756

وفي رواية له من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أفتني في آنية المجوس، إذا اضطررنا إليها، قال: "اغسلها وكل فيها" (١). وللترمذي: نمر باليهود والنصارى والمجوس فلا نجد غير آنيتهم. قال: "إن لم تجدوا غيرها فاغسلوها بالماء ثم كلوا فيها واشربوا" (٢). وما ذكره في الآنية قال الخطابي: هذا في آنية المجوس ومن يذهب مذهبهم في مس بعض النجاسات وكذا من يعتاد أكل الخنزير لا تستعمل آنيتهم إلا بعد إعواز غيرها. وقال مالك: من استعار منهم قدرًا نصبوها وداخلها وَدَكُ خنزير يغلى الماء على النار وتغسل به (٣)، فجعلهم مجوسًا، وقد ذكر أنهم أهل كتاب. وكذلك بوب عليه البخاري باب: آنية المجوس كما سيأتي قريبًا (٤)، ولعله يريد أن المجوس أهل كتاب ويريد أن أهل الذمة يتوقون النجاسات بخلافهم. والطعام في الآية المراد بها: الذبيحة. فصل: وقول إبراهيم: (إذا ضربت عنقه أو وسطه فكله) هو بفتح السين من وسط.

стр. 15757

قال ابن فارس: (ضربت وسط رأسه) بالفتح، و (جلست وسط القوم) بالسكون (١)؛ لأنه ظرف والأول اسم، وكذا في "الصحاح" قال: وكل موضع يصلح فيه (بين) [فهو وسط] (٢) وإلا فبالتحريك (٣).

стр. 15758

٥ - باب الْخَذْفِ وَالْبُنْدُقَةِ ٥٤٧٩ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ رَاشِدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ -وَاللَّفْظُ لِيَزِيدَ- عَنْ كَهْمَسِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أَنَّهُ رَأَى رَجُلاً يَخْذِفُ فَقَالَ لَهُ: لَا تَخْذِفْ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْخَذْفِ -أَوْ كَانَ يَكْرَهُ الْخَذْفَ- وَقَالَ: «إِنَّهُ لَا يُصَادُ بِهِ صَيْدٌ وَلَا يُنْكَى بِهِ عَدُوٌّ، وَلَكِنَّهَا قَدْ تَكْسِرُ السِّنَّ وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ». ثُمَّ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَخْذِفُ فَقَالَ لَهُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْخَذْفِ -أَوْ كَرِهَ الْخَذْفَ- وَأَنْتَ تَخْذِفُ! لَا أُكَلِّمُكَ كَذَا وَكَذَا. [انظر: ٤٨٤١ - مسلم: ١٩٥٤ - فتح: ٩/ ٦٠٧]. ذكر فيه حديث عبد الله بن مغفل -أي بالغين المعجمة-: أَنَّهُ رَأى رَجُلًا يَخْذِفُ فَقَالَ لَهُ: لَا تَخْذِفْ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الخَذْفِ -أَوْ كَانَ يَكْرَهُ الخَذْفَ- وَقَالَ: "إِنَّهُ لَا يُصَادُ بِهِ صَيْدٌ وَلَا يُنْكَأ بِهِ عَدُوٌّ، وَلَكِنَّهَا قَدْ تَكْسِرُ السِّنَّ وَتَفْقَأُ العَيْنَ". ثُمَّ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَخْذِفُ فَقَالَ لَهُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ نَهَى عَنِ الخَذْفِ -أَوْ كَرِهَ الخَذْفَ- وَأَنْتَ تَخْذِفُ! لَا أُكَلِّمُكَ كَذَا وَكَذَا. الشرح: هذا الرجل جاء في رواية أخرى أنه قريب لعبد الله، ولمسلم: لا أكلمك أبدًا (١). وروى البخاري في سورة الفتح من التفسير، من حديث عقبة بن صهبان عن ابن مغفل: نهى ﵇ عن الخذف، وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي (٢).

стр. 15759

والخذف: بفتح الخاء المعجمة ثم ذال ساكنة معجمة أيضًا وهو عند أهل اللغة، كما نقله ابن بطال عنهم: الرمي بالحصى (١) أو النوى بالإبهام أو السبابة، والحذف: بالحاء المهملة بالسيف والعصا قال ابن سيده: خذف بالشيء يخذف (خذفًا: رمى) (٢)، وخص بعضهم به الحصى، والمخذفة التي يوضع فيها الحجر وُيرمَى بها الطير (٣). وعن الليث: هو رميك حصاة أو نواة تأخذها بين سبابتيك -أو تجعل مخذفة من خشب ترمي بها بين إبهامك والسبابة (٤). زاد في "الجمهرة": ثم يعتمد باليمين على اليسرى فيخذف بها، والمخذفة: التي يسميها العامة: المقلاع، وهي التي يجعل فيها الحجر ويرمى به؛ ليطرد الطير وغيرها (٥). وفي "مجمع الغرائب": هو رمي الحجر بأطراف الأصابع. وفي "الصحاح": المخذفة: المقلاع أو شيء يرمى به (٦). وقال الداودي: هو الرمي على ظاهر الإصبع الوسطي وباطن الإبهام كالحصى التي يرمى بها الجمار بمنى. وقال الليث: الخذف رميك بنواة أو حصاة تأخذها بين سبابتيك، أو تجعل مخذفة من خشب ترمي بها بين إبهامك والسبابة.

стр. 15760

وقال ابن فارس: خذفت الحصى رميتها بين إصبعيك (١)، وقيل في حصى الخذف أن يجعلها بين السبابة والإبهام من اليسرى ثم يقذفه بالسبابة من اليمنى. وقوله: (والبندقة): هي: طين يدور وييبس فيصير كالحصى. وقال المهلب: أباح الله الصيد على صفة اشترطها، فقال: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]. فمعنى: الأيدي: الذبح، ومعنى: الرماح: كل ما رميت به الصيد بنوع من أنواع فعل اليد من الخزق لجلد الصيد وإنفاذه مقاتله. وليس البندقة والخذف بالحجر من ذلك المعنى، وإنما هو وقيذ، وقد حرم الله الموقوذة وبين رسوله (أن) (٢) الخذف لا يصاد به صيد؛ لأنه ليس من المُجْهِزَات، فدل أن الحجر لا يقع به ذكاة. وأئمة الفتوى بالأمصار على أنه لا يجوز أكل ما قتلته البندقة أو الحجر، واحتجوا بهذا الحديث. وأجاز ذلك الشاميون فخالفوه، ولا حجة لمن خالف السنة، وإنما الحجة العمل بها، وقد أسلفنا ذلك قريبًا. وفيه: أيضًا دلالة أنه لا بأس بهجران من خالف السنة وقطع الكلام عنه، وليس داخلًا تحت النهي عن الهجران فوق ثلاث، يؤيد ذلك أمره ﵇ بذلك في كعب بن مالك وصاحبيه (٣). وفيه: وجوب تغيير العالم ما خالف العلم (٤).

стр. 15761

وفيه: منع الاصطياد بالبندق إما محرما وإما كراهة، وبه قال بعض مصنفي الشافعية، وفي بعض المتأخرين جوازه، واستدل على ذلك بحديث الاصطياد بالكلب غير المعلم؛ لأن فيه وفي الاصطياد بقوس البندق تعرض الحيوان للموت من غير مأكله، ومقتضى حديث ابن مغفل جواز الاصطياد به وذكاته، أخذها من أن العلة في النهي على مقتضى الحديث أنه لا ينكأ به العدو ولا يقتل الصيد. فمقتضى مفهوم هذا أن ما ينكأ العدو ويقتل الصيد لا نهي فيه؛ لزوال علة النهي، وهذا دليل مفهوم. ولصيد المعراض ثلاثة أحوال: اثنان: ما يباح بهما الأكل وهما: إذا أصاب بحده ولم يدرك ذكاته، أو أصاب بعرضه وأدركت ذكاته، والثالث: لا يباح، وهو ما إذا أصاب بعرضه ولم يدرك ذكاته. والصيد بقوس البندق ليس فيه إلا حالتان: الإباحة: وهي إدراك ذكاته، والمنع: وهو عدمها؛ إذ لا محدد فيه، ووقوع واحد من ثلاثة أقرب من وقوع واحد من اثنين، فكان صيد المعراض أولى بالجواز من الصيد بالقوس المذكور. فائدة: قال عياض في "مشارقه": قوله: "لا ينكأ العدو" كذا الرواية بفتح الكاف مهموز الآخر، وهي لغة، والأشهر: ينكى في هذا ومعناه المبالغة في أذاه (١)؛ وقال في "إكماله": رويناه مهموزًا قال: وفي بعض الروايات: ينكى. بفتح الياء وكسر الكاف غير مهموز وهو أوجه هنا؛ لأن المهموز إنما هو من نكأت القرحة، وليس هذا

стр. 15762

موضعَهُ إلا على تجوز، وإنما هذا من النكاية يقال: نكيت العدو أنكيه (١). قال صاحب "العين": ونكأت بالهمز لغة فيه (٢). وقال ابن التين: قوله: "لا ينكى به عدو". هو غير مهموز يقال: نكيت في العدو وأنكي إذا قتلت وجرحت، ونكأت القرحة؛ بالهمز.

стр. 15763

٦ - باب مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ ٥٤٨٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ مَاشِيَةٍ أَوْ ضَارِيَةٍ، نَقَصَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطَانِ». [انظر: ٥٤٨١، ٥٤٨١ - مسلم: ١٥٧٤ - فتح: ٩/ ٦٠٨]. ٥٤٨١ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمًا يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلاَّ كَلْبٌ ضَارٍ لِصَيْدٍ أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ». [انظر: ٥٤٨٠ - مسلم: ١٥٧٤ - فتح: ٩/ ٦٠٨]. ٥٤٨٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلاَّ كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ ضَارٍ، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ». [انظر: ٥٤٨٠ - مسلم: ١٥٧٤ - فتح: ٩/ ٦٠٨]. ذكر فيه حديث ابن عمر ﵄ عَنِ رسول الله ﷺ قَالَ: "مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا لَيسَ بِكَلْبِ مَاشِيَةٍ أَوْ ضَارِيَةٍ، نَقَصَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطَانِ". وهو من أفراده من هذا الوجه. وعنه: "مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبٌ ضَارٍ لِصَيْدٍ أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِن أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ". وأخرجه مسلم والنسائي (١). وعنه: "مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ ضَاريًا، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ". وأخرجه مسلم والترمذي وقال: حسن صحيح. والنسائي (٢).

стр. 15764

الشرح: هذا الحديث سلف الكلام عليه، ولمسلم من حديث عمرو بن دينار، فقيل لابن عمر ﵄: إن أبا هريرة يقول: أو كلب زرع، فقال ابن عمر: (إن) (١) لأبي هريرة زرعًا. وفي حديث أبي الحكم عمران بن الحارث عنه: "من اتخذ كلبًا إلا كلب زرع أو غنم أو صيد ينقص من أجره كل يوم قيراط". وفي حديث سفيان بن أبي زهير عن رسول الله ﷺ : "من اقتنى كلبًا لا يغني عنه زرعًا ولا ضرعًا نقص عمله كل يوم قيراط" وفي حديث أبي هريرة: "قيراطين" (٢). وفيه: رد لما تأوله الملاحدة على أبي هريرة، وإن لم يذكره ابن عمر مرة، وقد ذكره أيضًا عبد الله بن مغفل من حديث الحسن عنه "ما من أهل بيت يرتبطون كلبًا إلا نقص من عملهم كل يوم قيراط إلا كلب صيد أو كلب حرث أو كلب غنم" فهؤلاء ثلاثة تابعوه (٣) على أنه لا يحتاج إلى متابع. وهذا أخرجه الترمذي من حديث الحسن عنه وقال: حسن؛ وأخرجه ابن ماجه وقال: "قيراطان" (٤). وكان ابن عمر يجيز اتخاذ الكلب للصيد والماشية خاصةً -على نص حديثه- ولم يبلغه ما روي عنه في ذلك، وحديث سفيان السالف أخرجه

стр. 15765

مالك في "الموطأ" عن يزيد بن خُصيفة، عن السائب بن يزيد عنه (١)، ويدخل في معنى الزرع: الكرم والثمار وغير ذلك. ولم يختلف العلماء في تأويل قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] أنه كان كرمًا ويدخل في معنى الزرع والكرم منافع البادية كلها من الطارق وغيره وقد سئل هشام بن عروة، عن اتخاذ الكلب للدار، فقال: لا بأس به إذا كانت الدار منحرفة (٢). فصل: وذكر القيراط في حديث والقيراطين في آخر، سلف التنبيه عليه. وقال ابن بطال: ويحتمل -والله أعلم- أنه ﵇ غلَّظ عليهم في اتخاذها؛ لأنها تروع الناس فلم ينتهوا، فزاد في التغليظ فجعل مكان القيراط قيراطين (٣)، وكذا قال ابن التين: غلظ عليهم بقيراط ثم زيد فيه قيراطان. وقد روى حماد بن زيد، عن واصل مولى أبي عيينة (٤). قال: سأل سائل الحسن فقال: يا أبا سعيد، أرأيت ما ذكر في الكلب أنه ينقص من أجر أهله كل يوم قيراط فبما ذاك؟ قال: لترويعه المسلم (٥). قلت: ويحتمل أن يكون راجعًا إلى كثرة الأذى وقلته، أو يختلف باختلاف البلدان ففي المدينة قيراطان، وفي غيرها قيراط.

стр. 15766

وقال ابن عبد البر: أو يكون ذلك بذهاب أجرة الإحسان إليه؛ لأنه من المعلوم أن الإحسان إلى كل ذات كبد رطبة فيه أجر، لكن الإحسان إلى الكلاب ينقص الأجر، أو يبلغه كما يلحق مقتنيه من السباب (١). فصل: يقال: اقتنى الشيء إذا أخذه للقنية لا للتجارة. وقوله: (" كَلْبٌ ضَارٍ لِصَيْدٍ") أي: معلم. وقوله (ضاريًا) كذا روي، وروي: ضارٍ، وروي ضاري والأول ظاهر والأخيران مجروران، وقيل: إن لفظة "ضار" صفة للرجل الصائد صاحب الكلب؛ سمي بذلك استعارة. فصل: قام الإجماع على قتل الكلب العقور، ثم اختلفوا فيما لا ضرر فيه، واستقر النهي عن قتلها قاله النووي (٢) (٣)، وقال عياض: ذهب كثير من العلماء إلى الأخذ بالحديث في قتل الكلاب إلا ما استثنى منها، وهو مذهب مالك وأصحابه (٤)؛ قال ابن حزم: ولا يحل قتل الكلاب فمن قتلها ضمنها بمثلها بما يتراضيان عليه إلا الكلب الأسود البهيم، والأسود ذا (النقطتين) (٥) فإن عظمتا حتى لا يسميان نقطتان في اللغة

стр. 15767

العربية لم يجز قتله ولا يحل ملكه (١). فصل: هل هذا النقص من ماضي عمله أو من مستقبله، أو قيراط من عمل الليل وقيراط من عمل النهار، أو قيراط من الفرض، وقيراط من النفل؟ فيه خلاف حكاه في "البحر". فصل: جميع الكلاب عندنا في الاصطياد سواء كما سلف (٢)، واستثنى أحمد الكلب الأسود فقال: لا يجوز الاصطياد به؛ لأنه شيطان. وبنحوه قال النخعي والحسن وقتادة وإسحاق (٣).

стр. 15768

٧ - باب إِذَا أَكَلَ الْكَلْبُ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤] الصَّوَائِدُ وَالْكَوَاسِبُ. ﴿اجْتَرَحُوا﴾ [الجاثية:٢١]: اكْتَسَبُوا. ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة: ٤]. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: إِنْ أَكَلَ الكَلْبُ فَقَدْ أَفْسَدَهُ، إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، والله تعالى يَقُولُ: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ﴾ فَتُضْرَبُ وَتُعَلَّمُ حَتَّى يَتْرُكَ. وَكَرِهَهُ ابن عُمَرَ. وَقَالَ عَطَاءٌ: إِنْ شَرِبَ الدَّمَ وَلَمْ يَأْكُلْ، فَكُلْ. ٥٤٨٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ بَيَانٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قُلْتُ: إِنَّا قَوْمٌ نَصِيدُ بِهَذِهِ الْكِلَابِ. فَقَالَ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كِلَابَكَ الْمُعَلَّمَةَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ، فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ، وَإِنْ قَتَلْنَ، إِلاَّ أَنْ يَأْكُلَ الْكَلْبُ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَهُ على نَفْسِهِ، وَإِنْ خَالَطَهَا كِلَابٌ مِنْ غَيْرِهَا فَلَا تَأْكُلْ». [انظر: ١٧٥ - مسلم: ١٩٢٩ - فتح: ٩/ ٦٠١]. ثم ساق حديث عدي من حديث بيان عَنِ الشَّعْبِيِّ، عنه: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قُلْتُ: إِنَّا قَوْمٌ نَصِيدُ بهذِه الكِلَابِ. فَقَالَ: "إِذَا أَرْسَلْتَ كِلَابَكَ المُعَلَّمَةَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ، فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُ وَإِن قَتَلْنَ، إِلَّا أَن يَأكُلَ الكَلْبُ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ خَالَطَهَا كِلَابٌ مِن غَيْرِهَا فَلَا تَأْكُلْ" الشرح: حديث عدي سلف، وفسر مجاهد: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ بالكلاب والطير (١).

стр. 15769

مثل ما فسره البخاري وانفرد طاوس فقال: لا يحل صيد الطير لقوله: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ (١)، وليس بشيء؛ لأن معناه مجربين. والإجماع على خلافه كما نبه عليه ابن التين، وحكاه ابن بطال عن ابن عمر ومجاهد قال: وهو قول شاذ، وكرها صيد الطير والناس على خلافهم؛ لما دل عليه القرآن من كونها كلها جوارح (٢). وقال قوم -فيما حكاه ابن حزم-: لا يجوز أكل صيد بجارحٍ علمه من لا يحل أكل ما ذكى، وروى (عيسى) (٣) بن عاصم، عن علي أنه كره صيد بازي المجوسي وصقره وكره أيضًا صيد المجوسي (٤) وعن أبي الزبير، عن جابر قال: لا يؤكل صيد المجوسي ولا ما أصاب بسهمه (٥)، وعن خصيف: قال ابن عباس: لا تأكل ما صدت بكلب المجوسي وإن سميت؛ فإنه من تعليم المجوسي قال تعالى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ﴾ [المائدة: ٤] وجاء نحو هذا القول عن عطاء ومجاهد ومحمد بن علي والنخعي والثوري (٦). وأئر ابن عباس أخرجه معمر بن راشد، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه عنه (٧)، وهذا إسناد جيد.

стр. 15770

وأثر ابن عمر أخرجه وكيع بن الجراح: ثنا سفيان بن سعيد، عن ليث، عن مجاهد، عنه. وأثر عطاء أخرجه ابن أبي شيبة، عن حفص بن غياث، عن ابن جريج عنه (١)، وذكر عن عدي بن حاتم: إن شرب من دمه فلا تأكل فإنه لم يعلم ما علمته، وقال الحسن: إن أكل فكل وإن شرب فكل (٢). وزعم ابن حزم: أن الجارح إذا شرب من دم الصيد لم يضر ذلك شيئًا؛ لأنه ﵇ إنما حرم علينا أكل ما قتل إذا أكل ولم يحرم إذا ولغ (٣). وأما مسألة الكتاب فقد أسلفنا الخلاف فيها غير مرة. وقال ابن بطال: اختلف العلماء في أكل الكلب المعلم إذا أكل من الصيد: هل يجوز أكله أم لا؛ فقال ابن عباس: إذا أكل فقد أفسده وأمسك على نفسه. وقال به من التابعين الشعبي وعطاء وعكرمة وطاوس والنخعي وقتادة؛ وحجتهم حديث عدي بن حاتم، وإليه ذهب أبو حنيفة، وأصحابه والثوري، والشافعي وأحمد، وإسحاق وأبو ثور قالوا كلهم: إذا أكل الكلب من الصيد فهو غير معلم فلا يؤكل صيده (٤). ونقله القرطبي عن الجمهور من السلف وغيرهم، منهم ابن عباس وأبو هريرة والزهري في رواية والشعبي وسعيد بن جبير والنخعي وعطاء وعكرمة وقتادة (٥)، وفيها قول آخر، روي عن جماعة من

стр. 15771

الصحابة والتابعين عددتهم فيما سبق أنهم قالوا: كل وإن أكل الكلب ولم يبق إلا نصفه. ثم ساق (١) حديث أبي ثعلبة السالف من عند أبي داود: "فكل وإن أكل منه" (٢) قال: وقال لي بعض شيوخي: في الظاهر أن حديث أبي ثعلبة ناسخ لحديث عدي. وقال إسماعيل: إنما ذكر في الحديث: "إن أكل فلا تأكل". قال: ولما ثبت في حديث عدي وغيره، أنه ﵇ جعل قتل الكلب للصيد تذكية لم يضر ما حدث بعد التذكية من أكل الكلب أو غيره، كما أن البهيمة إذا ذبحت لم يضر لحمها ما حدث فيه بعد التذكية؛ وإنما الكلب بمنزلة السهم أيما أرسلت فذهب بإرسالي إلى الصيد فقتله فكأني أنا قتلته، فكذلك السهم إذا أرسلته من يدي فأصاب الصيد فكأني أنا ذبحت الصيد؛ لأني لا أنال الصيد الذي تناله يدي إلا بذلك، والمعنى في قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] حبسه الصيد حتى جئت فأدركته مقتولًا فلا يضره ما صنع بلحمه بعد التذكية. قال المهلب: ويحتمل أن يكون معنى قوله ﵇: "فإني أخشى أن يكون أمسك على نفسه" إذا أكل الكلب قبل إنفاذ مقاتله وفوات نفسه، وقد أجمع العلماء على أنه إذا أكل الكلب وحياته قائمة حتى مات من أجل أكله أنه غير مذكى ولا يحل أكله وهو معنى الوقيذ. قال إسماعيل: والذي قالوا: إذا أكل الكلب فلا يؤكل.

стр. 15772

يقولون: إذا أكل البازي والصقر فلا بأس أن يؤكل. قالوا: لأن الكلب يُنهى فينتهي والبازي والصقر إنما يعلمان (بالأكل) (١) وهذا يفسد اعتلالهم، ولو كانت علتهم صحيحة؛ لكان البازي والصقر إذا أكلا أمسكا على أنفسهما أيضًا؛ إذ الطير في معنى الكلاب بأنها جوارح كلها، والجوارح عند العرب الكواسب على أهلها قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠] أي: كسبتم، وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] وروي عن ابن عمر ومجاهد تلك القولة الشاذة في الطير أنها لا تكون جارحًا (٢). وروي عن قوم من السلف التفرقة بين ما أكل منه الكلب فمنعوه، وما أكل منه البازي فأجازوه، وهو قول النخعي وحماد والثوري وأصحابهم، وحكي أيضًا عن ابن عباس من وجه فيه ضعف. فصل: يؤخذ من قوله: "إذا أرسلت" اعتباره، حتى لو استرسل بنفسه فلا يؤكل صيده، وهو قول العلماء، إلا ما حكي عن الأصم من إباحته، وحكاه ابن المنذر أيضًا عن عطاء والأوزاعي: أنه يحل إن كان صاحبه أخرجه لاصطياد، فلو أرسل كلبًا حيث لا صيد فاعترض صيدًا فأخذه لم يحل في المشهور عند الشافعي (٣).

стр. 15773

فصل: لفظ الصيد يقتضي التوحش المعجوز عنه فلو استأنس الوحش زال عنه اسم الصيد، وإذا غصب كلبًا واصطاد به هل يكون للمالك أو للغاصب؟ والأول يستدل بقوله: "إذا أرسلت كلبك" إذ لم تصد بكلبه. فصل: ويستدل أيضًا به من يقول: إن الكلب يملك. ومن منع قال إنه للاختصاص. قال ابن حزم: لا يجوز بيع الكلاب أصلاً لا كلب صيد ولا كلب ماشية ولا غيرها، فإن اضطر إليه ولم يجد من يعطيه إياه فإنه يبتاعه وهو حلال للمشتري وحرام على البائع ينزع منه الثمن متى قدر عليه كالرشوة، وفك الأسير، ودفع الظلم ومصانعة الظالم (١). قال: وقد روينا إباحة ثمن الكلب عن عطاء ويحيى بن سعيد وربيعة، وعن إبراهيم إباحة ثمن الكلب للصيد، ولا حجة لأحد مع رسول الله ﷺ (٢). فصل: قد أسلفنا قبيل باب صيد المعراض أنه صح عن ابن عمر أنه قال: كل ما أكل منه كلبك المعلم، وقال ابن أبي وقاص: كل وإن لم يبق إلا بضعة. وعن أبي هريرة وسلمان: كل وإن أكل ثلثيه (٣).

стр. 15774

قال (١): ورويناه أيضًا من طريق رجل لا يعرف من هو ولا يسمى، عن علي. قال: هذا جميع ما شغبوا به ولا حجة لهم فيه، أما حديث أبي ثعلبة فمن طريق داود بن عمرو -وقد سلف كلامه فيه وقد قررنا نفيه- وحديث عمرو صحيفة، وحديث عدي أحد طريقيه من رواية عبد الملك ابن حبيب وقد (رمي بالكذب) (٢) المحض عن الثقات -قلت: غريب؛ وإنما نسب إلى التساهل في سماعه وكثرة الإجازة- عن أسد بن موسى وهو منكر الحديث -قلت: لا بل هو ثقة- والأخرى عن سماك وهو يقبل التلقين عن مُرَي، وهو مجهول -قلت: حدث عنه سماك (ومالك) (٣) بن حرب، وذكره ابن حبان في "ثقاته" والحاكم في "مستدركه" (٤) فزالت عنه الجهالة العينية والحالية (٥) - وحديث أبي النعمان من رواية الواقدي وهو مذكور بالكذب عن ابن أخي الزهري وهو ضعيف عن أبي عمير، ولا يدرى من هو، عن أبي النعمان وهو مجهول، فسقط كل ما تعلقوا به من الآثار عن رسول الله ﷺ ، وأما عن سعد فلا يصح؛ لأنه من طريق حميد بن مالك بن

стр. 15775

(الأختم) (١) وليس بالمشهور، وعن علي وسلمان كذلك؛ لأنا لا نعلم لابن المسيب (سماعًا من علي) (٢) ولا (بكر) (٣) بن عبد الله سماعًا من سلمان ولا كان يعقل إذ مات سلمان؛ لأنه مات أيام عمر، بل هو صحيح عن أبي هريرة وابن عمر واختلف عنهما في ذلك (٤)، قلت: ابن أخي الزهري وثقوه وسكت عنه هو في موضع من الضحايا.

стр. 15776

٨ - باب الصَّيْدِ إِذَا غَابَ عَنْهُ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً ٥٤٨٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَسَمَّيْتَ فَأَمْسَكَ وَقَتَلَ، فَكُلْ، وَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِذَا خَالَطَ كِلَابًا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهَا فَأَمْسَكْنَ وَقَتَلْنَ، فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيُّهَا قَتَلَ، وَإِنْ رَمَيْتَ الصَّيْدَ فَوَجَدْتَهُ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، لَيْسَ بِهِ إِلاَّ أَثَرُ سَهْمِكَ، فَكُلْ، وَإِنْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ». [انظر: ١٧٥ - مسلم: ١٩٢٩ - فتح: ٩/ ٦١٠]. ٥٤٨٥ - وَقَالَ عَبْدُ الأَعْلَى: عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَدِيٍّ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : يَرْمِى الصَّيْدَ فَيَقْتَفِرُ أَثَرَهُ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ، ثُمَّ يَجِدُهُ مَيِّتًا وَفِيهِ سَهْمُهُ. قَالَ: «يَأْكُلُ إِنْ شَاءَ». [انظر: ١٧٥ - مسلم: ١٩٢٩ - فتح: ٩/ ٦١٠]. ذكر فيه حديث عاصم عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَرْسَلْتَ كلْبَكَ وَسَمَّيْتَ فَأَمْسَكَ وَقَتَلَ، فَكُلْ، وَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِذَا خَالَطَ كلَابًا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهَا فَأَمْسَكْنَ وَقَتَلْنَ، فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أيّهَا قَتَلَ، وَإِنْ رَمَيْتَ الصَّيْدَ فَوَجَدْتَهُ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، لَيْسَ بِهِ إِلَّا أَثرُ سَهْمِكَ، فَكُلْ، وَإِنْ وَقَعَ فِي المَاءِ فَلَا تَأْكُلْ". وقد سلف. وَقَالَ عَبْدُ الأَعْلَى: عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَدِيٍّ، به. قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : يَرْمِي الصَّيْدَ فيقتفي أَثَرَهُ اليَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ، ثُمَّ يَجِدُهُ مَيِّتًا، وَفِيهِ: قَالَ: "يَأْكُلُ إِنْ شَاءَ". هذا أسنده أبو داود، عن الحسين بن معاذ، عن عبد الأعلى، وعن ابن مثنى، عن عبد الوهاب كلاهما عن داود (١).

стр. 15777

واختلف العلماء في الصيد يغيب عن صاحبه، فقال الأوزاعي: إذا وجد من الغد ميتًا ووجد فيه سهمه أو أثرًا من كلبه فليأكله (١)، وهو قول أشهب وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ قالوا: إذا مات ما نفذت الجوارح أو السهم مقاتله ولم يشك في ذلك فليؤكل (٢)، وروي عن مالك -فيما حكاه ابن القصار- والمعروف عنه خلافه، قال أصبغ: بخلاف الكلب والباز. قال في "الموطأ" و"المدونة": لا بأس بأكل الصيد وإن غاب عنه مصرعه، إذا وجدت به أثرًا من كلبك أو كان به سهمك ما لم يبت فإذا بات لم يؤكل. وروي عنه الأخذ بظاهر هذا الحديث وبحديث أبي ثعلبة: "فكله بعد ثلاث ما لم يُنتن" وسوى فيه بين السهم والكلب. وعنه: لا يؤكل شيء من ذلك إذا غاب عنك، وعنه الفرق بين السهم فيؤكل وبين الكلب فلا يؤكل (٣). وقال ابن التين: فيه ثلاث روايات في الكلب والبازي إذا بات ووجد مُنْفَذ المقاتل: يؤكل، لا يؤكل، الفرق بين ما صيد بسهم فيؤكل أو بجارح فلا. وفي رابع: يكره فيهما، قال في رواية ابن القصار: كان صاحب مطلبه أم لا. وقال أبو حنيفة: إذا توارى عنه الصيد والكلب وطلبه فوجده قد قتله جاز أكله، وإن ترك الكلب الطلب واشتغل بعمل غيره، ثم ذهب في طلبه فوجده مقتولًا والكلب عنده كرهت أكله (٤)؛ دليله حديث داود، عن

стр. 15778

الشعبي السالف: (فيقفو أثره) وقال الشافعي: إنه لا يأكله إذا غاب عنه؛ لاحتمال أن يكون غيره قتله، وقال ابن عباس: كُلْ ما أصميت ودع ما أنميت (١)، قال أبو عبيد: [الإصماء] (٢) أن يرميه فيموت بين يديه لم يغب عنه، والإنماء أن يغيب عنه فيجده ميتًا (٣). احتج لأهل المقالة الأولى الذين وافقوا حديث عدي، وقالوا: إنه ﵇ أجاز أكله بعد يومين وثلاثة إذا وجد فيه أثر سهمه، ألا ترى أنه ﵇ بين له ما يحل له أكله بشرط إذا وجد فيه أثر سهمه أو سهمه، وهو يعلم أنه قتله فإذا عدم الشرط لم يحل. واحتج الكوفيون بحديث عدي المذكور معلقًا. فيقال لهم: قد جاء حديث (عدي) (٤) في أول الباب، وفيه: "فكل" ولم يذكر الاتِّباع فيستعمل الجميع، فيجوز أن يؤكل وإن لم يتبعه إذا كان فيه سهمه ولا أثر فيه غيرُه، ويستعمل خبركم إذا شاهده قد أنفذ مقاتله ثم غاب الصيد عنه ثم وجده على حاله مقتولًا، واستعمال الأخبار أولى من إسقاط بعضها، وأما قولهم: إذا لم يتبعه لم يأمن أن يكون قد صار مقدورًا عليه، فإننا نقول: هذا حكم بشيء مظنون وإنما يجوز أكله إذا لم ير فيه (أثرًا غير كون سهمه فيه) (٥)، ولو روعي هذا الذي ذكروه لوجب أن يتوقف عن كل صيد؛ لأنه يجوز أن يكون (مات) (٦) خوفًا

стр. 15779

وفزعًا وإن شاهدناه واتبعناه، وإن وجدنا السهم فيه ولا أثر فيه غيره، فالظاهر أنه مات منه. وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه مر بالروحاء فإذا هو بوحش عقير فيه سهم قد مات. فقال ﵇: "دعوه حتى يجيء صاحبه" فجاء البهزي فقال: يا رسول الله، هي رميتي. فأمره أن يقسمه بين الرفقة وهم محرمون (١)، فلو كان الحكم يختلف بين أن يتبعه حتى يجده أو يشتغل عنه ثم يطلبه ويجده؛ لاستفسر الشارع فلما لم (يسكت) (٢) عن ذلك وقال: "دعوه حتى يجيء صاحبه" ولم يزد: هل كان يتبعه؟ علم أن الحكم لا يختلف، والحجة لقول مالك فيما مضى ما روي عن ابن عباس أنه سئل عن الرجل يرمي الصيد فيجد فيه سهمه من الغد، قال: لو أعلم أن سهمك قتله لأمرتك بأكله ولكن لا أدري قتله برد أو غيره، وفي حديث آخر عنه: وما غاب عنك ليلة فلا تأكله (٣). قال ابن القصار من المالكية: وهو عندي على الكراهة. وقوله: ("يَأْكُلُ إِنْ شَاءَ") فيه دليل لأبي حنيفة أنه إن لم يتبعه لا يأكل، وقال محمد: إذا وجده وقد أنفذت مقاتله وكان رماه بسهم أكل، وإن كان بكلب أو باز لم يؤكل. فصل: قوله: (فيقتفي أَثَرَهُ). أي: يتبعه، وفي رواية أبي ذر: فيقتفر (٤)

стр. 15780

معناه: يتبع أيها، وكذلك تقفرت واقتصر ابن بطال على رواية: فيقتفر، ثم قال: واقتفوت (١) الأثر: اتبعته. فصل: أخرج مسلم من حديث أبي ثعلبة عن النبي ﷺ قال: "إذا رميت بسهمك فغاب عنك فأدركته فكل ما لم ينتن". وفي روايةٍ في الذي يدرك صيده بعد ثلاث: "فكله ما لم ينتن فدعه" (٢). وأما ابن حزم فقال: لا يصح -كما سيأتي- لأنه من طريق معاوية بن صالح (٣)، وقال مرة: إنه ليس بالقوي (٤). قلت: أخرج له مسلم هذا الحديث، ووثقه أحمد وابن مهدي وابن سعد وأبو زرعة والعجلي والبزار ويحيى بن معين وابن حبان وابن شاهين وغيرهم، نعم كان ابن سعيد لا يرضاه (٥). واختلف في تأويل قوله: "ما لم ينتن" فمنهم من قال: إذا أنتن لحق بالمستقذر الذي تمجه الطباع فلو أكله جاز، كما جاء أنه أكل إهالة سنخة (٦)، قال بعضهم أي: منتنة. ومنهم من قال: هو معلل بما يخاف منه من الضرر على آكله وعلى هذا يكون أكله محرمًا إن كان الخوف محققًا.

стр. 15781

فصل: قوله: ("وَإِنْ وَقَعَ فِي المَاءِ فَلَا تَأْكُلْ") هذا محمله على الشك المحقق في السبب القاتل للصيد، والشك تردد بين مجوزين لا ترجيح لأحدهما على الآخر، فما كان كذلك لم يؤكل وأما إذا تحقق أن سهمه أنفذ مقاتله قبل وقوعه في الماء أو شبهه، فمذهب الجمهور: أكله. وروى ابن وهب فيما ذكره عن مالك كراهته، وعنه إذا سقط في الماء أو وقع من أعلى جبل بعد إنفاذ مقاتله أكل وقبل إنفاذها لا (١)، وعن أبي حنيفة والشافعي: [عدم] (٢) أكله على كل حال ذكره ابن التين وزعم بعض الحنفية أنه إذا رماه فأدماه ثم نزع الخف وخاض في الماء فوجده ميتًا وكان محال لو خاض فيه متخففًا لوجده حيًّا يحل (٣). ذكره في "المحيط". وقال القاضي بديع: لا يحل. ولو رماه في الهواء فلم يصبه فلما عاد السهم إلى الأرض فأصاب صيدًا يحل لبقاء فعله، ولهذا لو أصاب إنسانًا حالة العود أو مالاً يضمن. فصل: قال ابن حزم: وسواء أنتن أو لم ينتن، ولا يصح الأثر الذي فيه في الذي يدرك صيده بعد ثلاث: "فكله ما لم ينتن"؛ لأنه من طريق معاوية بن صالح (ولا) (٤) الخبر الذي فيه: "فإن تغيب عنك فلم يصل" (٥)؛ لأنه من

стр. 15782

حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ولا الأثر الذي فيه: كل ما أصميت ولا تأكل ما أنميت، وتفسير الإصماء: أن تقعصه، والإنماء: أن يستقل بسهمه حتى يغيب عنه [فيجده] (١) بعد ذلك ميتًا، يومًا أو نحوه. كذا روينا تفسيره عن ابن عباس لأن راوي المسند في ذلك محمد بن سليمان بن مسمول وهو منكر الحديث -قلت: قد وثقه يحيى بن معين وذكره ابن حبان في "ثقاته" (٢) عن عمرو بن تميم، عن أبيه وهو منكر الحديث. قلت: ذكره ابن حبان في "ثقاته" وترجم له البخاري وابن أبي حاتم (٣). قال: وأبوه مجهول، ولا الخبر الذي فيه أن رجلاً قال: يا رسول الله، رميت صيدًا فتغيب عني أيامًا فقال ﵇: "إن هوام الأرض كثيرة" (٤) لأنه مرسل، ولا الخبر الذي فيه قال ﵇: "لو أعلم أنه لم (يعن على) (٥) قتله دواب الغار لأمرتك بأكله"؛ لأنه مرسل، وفيه الحارث بن نبهان وهو ضعيف (٦). قلت: بل منكر الحديث كما قاله البخاري وغيره (٧).

стр. 15783

٩ - باب إِذَا وَجَدَ مَعَ الصَّيْدِ الكلب آخَرَ ٥٤٨٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُرْسِلُ كَلْبِي وَأُسَمِّي فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَسَمَّيْتَ فَأَخَذَ فَقَتَلَ فَأَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ». قُلْتُ: إِنِّي أُرْسِلُ كَلْبِي أَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ، لَا أَدْرِي أَيُّهُمَا أَخَذَهُ. فَقَالَ: «لَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ». وَسَأَلْتُهُ عَنْ صَيْدِ الْمِعْرَاضِ، فَقَالَ: «إِذَا أَصَبْتَ بِحَدِّهِ فَكُلْ، وَإِذَا أَصَبْتَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ، فَإِنَّهُ- وَقِيذٌ فَلَا تَأْكُلْ». [انظر: ١٧٥ - مسلم: ١٩٢٩ - فتح: ٩/ ٦١٢]. ذكر فيه حديث شعبة عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُرْسِلُ كَلْبِي وَأُسَمِّي فَقَالَ ﷺ : "إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَسَمَّيْتَ فَأَخَذَ فَقَتَلَ فَأَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ، فَإنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ". قُلْتُ: إِنِّي أُرْسِلُ كَلْبِي فأَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ، فلَا أَدْرِي أَيُّهُمَا أَخَذَهُ. فَقَالَ: "لَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ". وَسَأَلْتُهُ (١) عَنْ صَيْدِ المِعْرَاضِ، فَقَالَ: "إِذَا صدت بِحَدِّهِ فَكُلْ، وَإِذَا أَصَبْتَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ -فَإِنَّهُ وَقِيذٌ- فَلَا تَأْكُلْ". الشرح: جمهور العلماء بالحجاز والعراق متفقون أنه إذا أرسل كلبه على الصيد، ووُجِدَ معه كلب آخر ولا يدرى أيهما أخذه، فإنه لا يؤكل ذلك الصيد أخذًا بحديث عدي المذكور، وممن قال ذلك عطاء والأربعة وأبو ثور، وقد بين الشارع المعنى في ذلك فقال: "إنما سميت على كلبك عند إرسالك، ولم تسم على غيره" فينبغي أن يكون

стр. 15784

الصيد بإرسال ونية لله تعالى عند إرساله، وكان الأوزاعي يقول: إذا أرسل كلبه المعلم فعرض له كلب آخر معلم فقتلاه فهو حلال وإن كان غير معلم لم يؤكل. وعبارة القرطبي: الكلب المخالط (محمول) (١) [على أنه] (٢) غير مرسل من صائد آخر وإنه إنما انبعث في حال طلبه الصيد بطبعه ونفسه، ولا يختلف في هذا فأما إذا أرسله صائد آخر على ذلك (الصيد) (٣) فاشترك الكلبان فيه: فإنه للصائدين، فلو أنفذ أحد الكلبين مقاتله ثم جاء الآخر بعد، فهو للأول (٤). ونقل ابن بطال عن بعض من لقيه: إن كان الكلب المعلم قد أرسله صاحبه فالمسألة إجماع على جواز أكله، ولو أن كلبًا معلمًا انطلق على صيد وأخذه ولم يرسله أحد عليه أنه لا يجوز له أكله؛ لعدم الإرسال والنية وهذا إجماع. قال ابن المنذر: وإذا اجتمع أصحاب كلاب وأطلقوا كلابهم على صيد وسمى كل واحد منهم، ثم وُجِدَ الصيدُ قتيلًا ولا يدرى من قتله منهم فكان أبو ثور يقول: إذا مات الصيد بينهم فإنه يؤكل وهذا إجماع، فإن اختلفوا فيه وكانت الكلاب متعلقة به كان بينهم، وإن كان مع واحد منهم كان صاحبه أولى، وإن كان قتيلًا والكلاب ناحية أقرع بينهم فمن أصابته القرعة منهم كان له (٥).

стр. 15785

وفي الحديث تنبيه على أنه لو وجد حيًّا أو فيه حياة مستقرة فذكُّاهُ حلَّ، ولا يضر كونه اشترك في إمساكه كلبه وكلب غيره؛ لأن الاعتماد حينئذٍ على الإباحة على تذكية الآدمي، لا على إمساك الكلب وإنما تقع الإباحة بإمساك الكلب إذا قتله، وحينئذٍ إذا كان معه كلب آخر لم يحل إلا يكون أرسله من هو من أهل الذكاة.

стр. 15786

١٠ - باب مَا جَاءَ فِي التَّصَيُّدِ ٥٤٨٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنِي ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ: إِنَّا قَوْمٌ نَتَصَيَّدُ بِهَذِهِ الْكِلَابِ. فَقَالَ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كِلَابَكَ الْمُعَلَّمَةَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ، فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ، إِلاَّ أَنْ يَأْكُلَ الْكَلْبُ، فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَ على نَفْسِهِ، وَإِنْ خَالَطَهَا كَلْبٌ مِنْ غَيْرِهَا فَلَا تَأْكُلْ». [انظر: ١٧٥ - مسلم: ١٩٢٩ - فتح: ٩/ ٦١٢]. ٥٤٨٨ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ حَيْوَةَ. وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَبِيعَةَ بْنَ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ ﵁ يَقُولُ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ الْكِتَابِ، نَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ، وَأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي، وَأَصِيدُ بِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ وَالَّذِى لَيْسَ مُعَلَّمًا، فَأَخْبِرْنِي مَا الَّذِي يَحِلُّ لَنَا مِنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: «أَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ الْكِتَابِ، تَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ، فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَ آنِيَتِهِمْ فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا ثُمَّ كُلُوا فِيهَا، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ بِأَرْضِ صَيْدٍ، فَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، ثُمَّ كُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ ثُمَّ كُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الَّذِي لَيْسَ مُعَلَّمًا فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ، فَكُلْ». [انظر: ٥٤٧٨ - مسلم:١٩٣٠ - فتح: ٩/ ٦١٢]. ٥٤٨٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، فَسَعَوْا عَلَيْهَا حَتَّى لَغِبُوا، فَسَعَيْتُ عَلَيْهَا حَتَّى أَخَذْتُهَا، فَجِئْتُ بِهَا إِلَى أَبِي طَلْحَةَ، فَبَعَثَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِوَرِكِهَا وَفَخِذَيْهَا، فَقَبِلَهُ. [انظر: ٢٥٧٢ - مسلم: ١٩٥٣ - فتح: ٩/ ٦١٢]. ٥٤٩٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ -مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ -عَنْ نَافِعٍ-مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ- عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ،

стр. 15787

حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ تَخَلَّفَ مَعَ أَصْحَابٍ لَهُ مُحْرِمِينَ. وَهْوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ، فَرَأَى حِمَارًا وَحْشِيًّا، فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ، ثُمَّ سَأَلَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطًا، فَأَبَوْا، فَسَأَلَهُمْ رُمْحَهُ، فَأَبَوْا فَأَخَذَهُ ثُمَّ شَدَّ عَلَى الْحِمَارِ فَقَتَلَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَبَى بَعْضُهُمْ، فَلَمَّا أَدْرَكُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ سَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا اللهُ». [انظر: ١٨٢١ - مسلم: ١١٩٦ - فتح: ٩/ ٦١٣]. ٥٤٩١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ مِثْلَهُ، إِلاَّ أَنَّهُ قَالَ: «هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ؟». [انظر: ١٨٢١ - مسلم: ١١٩٦ - فتح: ٩/ ٦١٣]. ذكر فيه أربعة أحاديث: أحدها: حديث عدي وقد سلف وفيه ابن فضيل، وهو محمد. ثانيها: حديث أبي ثعلبة وقد أخرجه مسلم والأربعة (١). وقد سلف. وشيخ البخاري فيه أبو عاصم وهو الضحاك بن مخلد بن الضحاك ابن (٢) مسلم الشيباني مولاهم. وقد اختلف في اسمه (٣) واسم أبيه اختلافًا كبيرًا فقيل: جرهم، وقيل: جرهوم بن ناشب، وقيل: ناشم، وقيل: ناشر، وقيل اسمه: الأشر بن جرهم، وقيل: ابن حمير، وقيل: جرثومة بن ناشح وقيل: غير ذلك، وقال ابن الكلبي: اسمه الأشر بن الحشرج بن هبي بن عامر بن مسرف بن حارث بن عمرو بن مر بن وائل بن خُشَين بن

стр. 15788

النمر أخي كلب وأسد وغيرهم أبناء وبرة أخي ريان والد جرم بن ريان ابني ثعلبة بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة (١). قال ابن سعد: قدم على رسول الله ﷺ وهو يتجهز إلى خيبر فشهد خيبر معه، ثم قدم على رسول الله ﷺ وقد خشين وهم سبعة، فنزلوا على أبي ثعلبة، وقال الواقدي: توفي بالشام سنة خمس وسبعين أول خلافة عبد الملك بن مروان (٢). وقال أبو عمر وغيره: كان أبو ثعلبة ممن بايع تحت الشجرة ثم نزل الشام ومات في خلافة معاوية، وقال ابن الكلبي: بايع بيعة الرضوان وأرسله إلى قومه فأسلموا وأخوه عمرو بن الحشرج (٣). الحديث الثالث: حديث أنس بن مالك ﵁: قَالَ: أَنْفَجْنَا أَرْنبَا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، فَسَعَوْا عَلَيْهَا حَتَّى لَغبُوا، فَسَعَيْتُ عَلَيْهَا .. الحديث. وسلف في الهبة. ومعنى: (أنفجنا): أجرينا، وفي كتاب "الأفعال": نفج الأرنب وغيره نفوجًا: أسرع (٤). وقال صاحب "العين": وأنفجته، وكل ما ارتفع فقد انتفج ورجل نفاج بما لم يفعل (٥). وقال ابن التين: أنفجنا: أثرنا، يقال: نفج الأرنب إذا ثار، وأنفجه صائده أثاره وهو بمعنى ما سلف.

стр. 15789

ولغبوا -بفتح الغين-: أعيوا. وقال الجوهري: لغب بالكسر: لغة ضعيفة (١)، ومنه: وما ﴿مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ أي: إعياء. وقوله: (فَبَعَثَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِوَرِكِهَا وَفَخِذَيْهَا). الورك: ما فوق الفخذين بكسر الواو وسكونها لغتان كذا ذكرهما ابن التين، وأهمل ثالثة: فتح الواو وكسر الراء وإسكان ثانيه مع فتح أوله وكسره. والفخذ: بفتح الفاء وكسر الخاء هذا أصله ويجوز فيه ثلاث لغات غير هذا، سكون الخاء أيضًا وكسر الفاء وسكون الخاء -كَقِدْر- وكسرها؛ وذلك أن كل اسم وفعل على وزن عَلِم وسطه حرف حلق يجوز فيه أربع لغات كما بينا، فمثال الاسم فخذ، ومثال الفعل شهد وبئس ونعم. الحديث الرابع: حديث أبي قتادة السالف في الحج والجهاد والأطعمة والهبة (٢). وقوله: (تَخَلَّفَ مَعَ أَصْحَابٍ لَهُ مُحْرِمِينَ) كذا في الأصول، وذكره ابن التين بلفظ: (محرمون) (٣) ثم قال: [كذا] (٤) وقع هنا، ولعله خبر مبتدأ محذوف، التقدير: وهم محرمون. وقوله: (وَهْوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ). قال ابن التين: انظر كيف جاوز الميقات وهو غير محرم.

стр. 15790

قال أبو عبد الملك: كان هذا في عمرة الحديبية، أحرم ﵇ من ذي الحليفة وأمر أبا قتادة وأصحابه أن يكشفوا طريق الساحل قبل أن يحرموا، ثم أحرم أصحاب أبي قتادة ولم يحرم هو حتى رأى الحمار. وقوله: (ثُمَّ سَأَلَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطًا، فَأَبَوْا). فيه: أن المحرم لا يعين الحلال على الصيد. وفي بعض طرق البخاري: "هل أثرتم أو أعنتم" قالوا: لا. وقال ابن القاسم: إن دل محرم حلالًا أو إنسانًا أو أمر بقتله فلا شيء عليه، إلا أن يأمر عبده فيقتله، فعليه جزاء واحد أو استغفر الله للدال، وكذلك إن ناوله سوطه (١). وقال عطاء وأحمد وإسحاق والليث: عليه الجزاء، وروي عن أشهب. وقال ابن وهب: أحبُّ إلى أن يفدي، وهو قول أبي حنيفة واستدل أصحابه بسؤاله أن يناولوه سوطه أو رمحه. وهذا الحديث أصل في جواز أكل ما صاده الحلال لنفسه لا للمحرم، وهو قول فقهاء الأمصار وغيرهم، وقال عبد الله بن عمرو وابن عباس: لا يحل للمحرم أكل الصيد. واختلف فيما صاده الحلال لأجل المحرم. قال مالك: لا يأكله المحرم. وسواء أمره المحرم بذبحه أو لا، وبه قال عطاء وأحمد وإسحاق والشافعي وأجاز أكله أبو حنيفة (٢).
следующие страницы →