قال الدارقطني في "علله": ورواه حماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وابن عيينة، ويحيى القطان، والمفضل بن فضالة، عن هشام، عن أبيه مرسلًا ليس فيه عن عائشة والمرسل أشبه بالصواب.
قلت: وله طرق أخرى مرسلة أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن الشعبي: أُتي رسول الله ﷺ في غزوة تبوك بجبنة فقيل: إن هذا طعام تصنعه المجوس فقال: "اذكروا اسم الله عليه وكلوه" (١) وأخرج ابن حزم في "محلاه" من حديث ابن عيينة، عن هشام، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "اجتهدوا أيمانهم وكلوا" يعني: اللحمان التي تقدم بها الأعراب لا ندري أذكر اسم الله عليها أم لا. وهذا مرسل، قال: ولا حجة في المرسل (٢).
وروى الطحاوي في "مشكله": سأل ناس من الصحابة رسول الله ﷺ فقالوا: أعاريب يأتوننا بلحمان مشروحة وجبن وسمن (ما ندري) (٣) ما كنه إسلامهم قال: "انظروا ما حرم الله عليكم فأمسكوا عنه، وما سكت عنه فإنه عفي لكم عنه، وما كان ربك نسيا، اذكروا اسم الله" (٤) ومثل هذا ما روي عن ابن عباس: بعث الله نبيه وأحل حلاله وحرم حرامه وما أحل فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو ثم تلا ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية (٥) [الأنعام: ١٤٥].
стр. 15857
فصل:
قد أسلفنا أن هذا الحديث عمدتنا في أن التسمية في الابتداء ليست شرطًا، وكذا قال المهلب: هذا أصل في أن التسمية في الذبح ليست بفرض، ولو كانت فرضًا لاشترطت على كل حال. والأمة مجمعة على أن التسمية على الأكل مندوب إليها، وليست فرضًا، فلما نابت عن التسمية على الذبح دلّ أنها سنة؛ لأنه ينوب عن فرض، وهذا يدل أن حديث عدي، وأبي ثعلبة (١) محمولان على التنزيه من أجل أنهما كانا صائدين على مذهب الجاهلية، فعلمهما أمر الصيد والذبح دقيقه وجليه لئلا يواقعا شبهة من ذلك، ويأخذا بأكمل الأمور في بدء الأمر، فعرفهم ﵇. وهؤلاء القوم جاءوا مستفتين لأمر قد وقع ويقع من غيرهم ليس لهم فيه قدرة على الأخذ بالكمال في بدئه، فعرفهم بأصل ما أحله الله لهم ولم يقل لعدي: إنك إن فعلت فإنه حرام، ولكن قال له: "لا تأكل فإني أخاف".
فأدخل عليه الشبهة التي يجب التنزه عنها والأخذ بالأكمل قبل مواقعتها، ويدل على صحة هذا المعنى- أنه قد يستدل قبل وقوع الأمر ولا يشهد بعده- قضية اللعن (٢) لشارب الخمر (٣) قبل شربها، ونهيه عن اللعنة بعده بقوله: "لا تعينوا الشيطان على أخيكم" (٤) وقال
стр. 15858
ابن التين: يحتمل أن يراد بالتسمية هنا عند الأكل؛ لأن ذلك مما يثني عليهم من التكلف وأما التسمية على ذبح تولاه غيرهم من غير علمهم فلا تكليف عليهم وإنما يحمل على الصحة إذا تبين خلافهما ويحتمل أن يريد أن تسميتكم الآن تستبيحون بها أكل ما لم تعلموا أَذكروا اسم الله عليه أم لا؟ إذا كان الذابح ممن تصح ذبيحته إذا سمى.
وفيه: أن ما في الأسواق من اللحم محمول على الصحة وكذا ما ذبحه الأعراب؛ لأن الغالب أنهم عرفوا التسمية وعلى ذلك عمل المسلمين، وقال أبو عمر بن عبد البر: فيه من الفقه أن ما ذبحه المسلم ولم يعرف هل سمى الله عليه أم لا؟ لا بأس بأكله وهو محمول على أنه قد سمى، والمؤمن لا يُظن به إلا الخير وذبيحته وصيده محمول على السلامة حتى يصح فيه غير ذلك من تعمد ترك التسمية ونحوه.
وقد قيل في معنى هذا الحديث أنه ﵇ أمرهم بأكلها في أول الإسلام قبل أن ينزل عليه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] وهو قول ضعيف لا دليل على صحته، ولا يعرف وجه ما قال قائله، وفي الحديث نفسه ما يرده؛ لأنه أمرهم فيه بالتسمية على أكله فدل على أن هذِه الآية كانت نزلت عليه ومما يدل على بطلان هذا القول (أن) (١) هذا الحديث كان بالمدينة، وأن أهل باديتها هم المشار إليهم ولا يختلف العلماء أن هذِه الآية نزلت في سورة الأنعام بمكة.
وقام الإجماع على أن التسمية على الأكل للتبرك لا مدخل فيها
стр. 15859
للذكاة بوجه من الوجوه، وقد استدل جماعة من أهل العلم على أن التسمية على الذبيحة ليست بواجبة بهذا الحديث.
وقالوا: لو كانت التسمية واجبة على الذبيحة لما أمرهم ﵇ بأكل ذبيحة الأعراب أهل البادية، إذ يمكن أن يسموا ويمكن ألا بجهلهم، ولو كان الأصل ألا يؤكل إلا من ذبائح المسلمين، أو ما صحت التسمية عليه لم يجز استباحة شيء من ذلك إلا بيقين من التسمية؛ إذ الفرائض لا تؤدى إلا بيقين (١).
وأغرب ابن حزم فقال: تسمية الله فرض على كل آكل عند ابتداء أكله لحديث عمر بن أبي سلمة الذي فيه: "سم الله وكل مما يليك" (٢).
стр. 15860
٢٢ - باب ذَبَائِحِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَشُحُومِهَا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَغَيْرِهِمْ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا بَأْسَ بِذَبِيحَةِ نَصَارِيِّ الْعَرَبِ، وَإِنْ سَمِعْتَهُ يُسَمِّى لِغَيْرِ اللهِ فَلَا تَأْكُلْ، وَإِنْ لَمْ تَسْمَعْهُ فَقَدْ أَحَلَّهُ اللهُ، وَعَلِمَ كُفْرَهُمْ. وَيُذْكَرُ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوُهُ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ: لَا بَأْسَ بِذَبِيحَةِ الأَقْلَفِ.
٥٥٠٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا مُحَاصِرِينَ قَصْرَ خَيْبَرَ، فَرَمَى إِنْسَانٌ بِجِرَابٍ فِيهِ شَحْمٌ، فَنَزَوْتُ لآخُذَهُ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَعَامُهُمْ: ذَبَائِحُهُمْ. [انظر: ٣١٥٣، مسلم: ١٧٧٢ - فتح ٩/ ٦٣٦].
ثم ساق حديث عبد الله بن مغفل ﵄ قال: كُنَّا مُحَاصِرِينَ قَصْرَ خَيْبَرَ، فَرَمَى إِنْسَانٌ بِجِرَابٍ فِيهِ شَحْمٌ، فَنَزَوْتُ لآخُذَهُ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ.
وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: طَعَامُهُمْ: ذَبَائِحُهُمْ.
الشرح:
تعليق الزهري ذكره معمر بن راشد عنه، وهو في "الموطأ" مرفوعًا قال: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] (١)، وأجراهم مجرى نصارى العرب، وأثر علي يأتي عنه خلافه (٢)، وأثر الحسن وإبراهيم
стр. 15861
سلفا قريبًا، وحديث ابن مغفل سلف في آخر الخمس سندًا ومتنًا سواء (١)، وقل ما يقع له ذلك أعني: أن يعيده بمتنه وسنده سواء من غير زيادة، وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي أيضًا (٢)، ومن تفضل الرب ﷻ إباحة الله لعباده المؤمنين ذبائح أهل الكتاب بالآية المذكورة، وقام الإجماع على أنه أريد بطعامهم في هذِه الآية: ذبائحهم.
وقد نقله البخاري عن ابن عباس، قال الداودي: وهو قول عوام العلماء، وكان ابن عمر يكرهه ويقول: أي شرك أعظم من قولهم في عزير والمسيح؟! قال: ولعله شك أن تكون الآية منسوخة للبعير والنحر للشاء.
واختلفوا في شحومهم المحرمة عليهم، إذا ذكوها، فكرهها مالك، وقال ابن القاسم وأشهب: إنها حرام، وروي عن مالك أيضًا.
وأجاز أكلها الكوفيون والثوري والأوزاعي والليث وابن وهب وابن عبد الحكم والشافعي.
واعتل من حرمها: بأن الله تعالى إنما أباح لنا ما كان طعامًا لهم من ذبائحهم، والشحم ليس بطعام لهم، فدليله أن ما ليس بطعام لهم فلا يحل لنا. وأيضًا فإنهم لا يقصدونه بالذكاة، والذكاة تحتاج إلى قصد، بدليل أنها لا تصح من المجنون والمبرسم، فجرى مجرى الدم الذي في الشاة.
وحجة المجيز أن الشحوم محرمة عليهم لا علينا؛ لأن ذبائحهم حلال لنا، فما وقع تحت ذبحهم مما هو في شريعتنا وسكوت عنه
стр. 15862
بالتحريم فهو حلال؛ بإطلاق الله لنا عليه، لا يقال: لما لم تعمل ذكاتهم في الدم فكذا الشحم؛ لأن الدم منصوص على تحريمه علينا وعلى كل أمة، والشحوم محرمة عليهم لا علينا، ألا ترى قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية [الأنعام: ١٤٥] وليس للشحوم فيها ذكر.
ومن حجة من لم يحرمها أن التذكية لا تقع على بعض الشاة دون بعض، ولما كانت الذكاة سائغة في جميعها دخل الشحم في التذكية؛ لأنها إذا ذكيت ذبح كلها، ثم إذا فصل الشحم فهو المحرم عليهم فكرهناه نحن بعد أن سبقت الذكاة فيه.
وحديث الباب حجة واضحة له؛ لأنه لو كان حرامًا لزجره عنه، وأعلمه تحريمه؛ للزوم البلاع عليه، إذ كان الأغلب أن يهود خيبر لا يذبح لهم مسلم.
فصل:
معنى: (فنزوت لآخذه): وثبت.
قال صاحب "الأفعال": نزا نزوًا (ونزاءً، ونزوانا) (١) وثب، ونزا على الشيء: ارتفع (٢).
فصل:
سلف الاختلاف في ذبائح أهل الكتاب للأصنام قريبا في باب ما ذبح على النصب والأصنام، وذكر البخاري عن علي ﵁ أنه أجاز ذبائح نصارى العرب إذا لم يسمعه يسمي بغير الله، وذكر الطبري عن علي في نصارى بني تغلب خلاف ما ذكره البخاري، روى ابن سيرين عن
стр. 15863
عبيدة، عن علي: سألته عن ذبائح نصارى العرب فقال: لا تأكل ذبائحهم فإنهم لم يتمسكوا من دينهم إلا بشرب الخمر (١).
وهو قول ابن سيرين والنخعي، وقال مكحول: لا تأكلوا ذبائح بني تغلب، وكلوا ذبائح تنوخ وبهراء وسَلِيح (٢)، فنهى عن أكل ذبائحهم فيجب على مذهبه أن يُنهى عن نكاح نسائهم، وقال آخرون: كل ذبائحهم، ونكاح نسائهم حلال، وروي ذلك عن ابن عباس وقرأ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، وعن الشعبي والحسن وعطاء والحكم مثله.
قال الطبري: فإذا كان الاختلاف في أمر بني تغلب موجودًا بين السلف، وكانت تغلب تدين بالنصرانية، ولا تدفع الأمة أن عمر أخذ منها الجزية بين ظهراني المهاجرين والأنصار من غير نكير، وكان أخذه ذلك يعني: أنهم أهل كتاب، لا يعني: أنهم مجوس، صح أنهم أهل كتاب وأن ذبائحهم ونساءهم حلال للمسلمين (٣).
فصل:
وأما ذبيحة الأقلف فقد سلف الكلام عليها قريبًا، والأقلف الذي لم يُختن، والقلفة: الغرلة.
فصل:
قال الطبري: والذي عندي في معنى: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥] وهم لا يؤمنون بالقرآن أن القصد بالتحليل لنا وإن كان القول لهم، كأنه
стр. 15864
قال: أحل لكم طعامهم أن تأكلوه، وأحل لكم أن تطعموه طعامكم ولو لم يقل: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة:٥] لم نعلم إن كان يجوز لنا أن نطعم الكفار طعامًا.
قلت: وقام الاتفاق على أن المراد بالآية ما ذكره دون ما أكله؛ لأنهم يأكلون الميتة ولحم الخنزير والدم ولا يحل لنا شيء من ذلك بالإجماع وَمَا كَانَ ربكَ نَسِيًّا.
وقد ورد عن عمر وعلي وابن مسعود وعائشة وأبي الدرداء وابن عباس وعبد الله بن يزيد والعرباض وأبي أمامة وعبادة بن الصامت وابن عمر، وجمهور التابعين كإبراهيم وجبير بن نفير وأبي مسلم الخولاني ومكحول ومجاهد والحسن ومحمد والشعبي، وسعيد فيمن لا يحصى إباحة ذبيحة أهل الكتاب دون اشتراط ما يستحلونه.
قال ابن حزم: كل ما ذبحه يهودي أو نصراني أو مجوسي نساؤهم ورجالهم أو نحوه فهو حلال لنا وكذا شحومها، إذا ذكر اسم الله، ولو نحو يهودي بعيرًا أو أرنبًا حل أكله (١). قال: ولا يحل أكل ما ذكاه غير اليهودي والنصراني والمجوسي لا من ذكاة مرتد إلى دين كتابي أو غير كتابي، ولا من ذكاة من انتقل من دين كتابي إلى دين كتابي، ولا من حل (٢) في دين كتابي بعد [مبعث] (٣) رسول الله ﷺ قال: ومن ذبح وهو سكران أو في جنونه، إلا إذا أفاقا فتذكيتهما جائزة، وما ذبحه أو نحره من لم يبلغ لم يحل أكله حتى يبلغ، وأباحها النخعي والشعبي والحسن وعطاء ومجاهد وطاوس (٤). قال: وكل حيوان بين
стр. 15865
اثنين فصاعدًا فذكاه أحدهما بغير إذن الآخر ميتة لا يحل أكله- وهذا أسلفناه- ويضمن لشريكه مثل حصته، إلا أن يرى موتًا أو تعظم مؤنته فيضيع، فله تذكيته حينئذٍ، ومن أمر وكيله أو [خادمه] (١) بذبح ما شاءوا من حيوانه جاز ذلك، ولا يحل كسر قفا الذبيحة حتى تموت فإن فعل بعد تمام التذكية فقد عصى، ولم يحرم أكلها وكل ما غاب عنا مما ذكاه مسلم فاسق أو جاهل أو كتابي فحلال أكله (٢). وقد ورد حديث ضعيف: "أعفُّ الناس قِتلةً أهلُ الإيمان" (٣).
فرع: واختلف في الظرف ونحوه مما حرموه ففي "المدونة": كان مالك يجوز أكله وبه قال أشهب، ثم كرهه. قاله ابن القاسم، ورأى ألا يؤكل.
ومطولًا (١)، ورواه مرة عن مسدد (٢)، وكذا أبو داود (٣)، ورواه الترمذي والنسائي عن هناد بن السري كلاهما عن أبي الأحوص، عن سعيد بن مسروق، عن عباية بن رفاعة، عن أبيه، عن جده رافع (٤).
ورفاعة هذا روى له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي هذا الحديث الواحد على ما فيه من الخلاف.
والتعليق عن ابن مسعود أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد جيد، عن وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة أن حمارًا لأهل عبد الله ضرب رجل عنقه بالسيف فسئل عبد الله فقال: كلوه فإنما هو صيد (٥)، قال: ثنا ابن عيينة عن عبد الكريم، عن زياد بن أبي مريم أن حمارًا وحشيًّا استعصى على أهله فضربوا عنقه فسئل ابن مسعود فقال: تلك أسرع الذكاة (٦).
وثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة كان حمار وحش في دار عبد الله فضرب رجل عنقه بالسيف وذكر اسم الله عليه فقال ابن مسعود: صيد فكلوه (٧).
وثنا عبيد، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة (عن عبد الله بمثله أو نحوه (٨).
стр. 15868
وأثر ابن عباس أخرجه ابن أبي شيبة) (١) أيضًا عن ابن علية، عن خالد، عن عكرمة قال ابن عباس: ما أعجزك مما في يدك فهو بمنزلة الصيد (٢).
ولابن عدي من حديث جابر مرفوعًا: "كل إنسية توحشت فذكاتها ذكاة الوحشية" وأخرجه البيهقي أيضًا (٣) وإسناده فيه مجهول وضعيف وهو حرام بن عثمان المدني والرواية عنه حرام كما قاله الشافعي (٤)، وهو من بليغ العبارات.
وقوله: (ورأى ذلك علي وابن عمر وعائشة) أما التعليق عن علي فأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا عن جعفر، عن أبيه أن ثورًا مر في بعض دور المدينة، فضربه رجل بالسيف وذكر اسم الله قال: فسئل عنه علي فقال: ذكاة وأمرهم بأكله (٥).
والتعليق عن ابن عمر أخرجه عبد الرزاق عن [شعبة وسفيان] (٦)، كلاهما عن سعيد بن مسروق، عن عباية بن رافع بن خديج عنه (٧).
والتعليق عن عائشة ذكره ابن حزم فقال: هو أيضًا قول عائشة ولا يعرف لهم من الصحابة مخالف (٨).
стр. 15869
قال: وهو قول أبي حنيفة والثوري والشافعي وأبي ثور وأحمد وإسحاق وأصحابهم وأصحابنا.
وقال مالك: لا يجوز أن تذكى أصلاً إلا في الحلق واللبة (١)، وهو قول الليث وربيعة، وقد سلف الكلام فيه.
وقال ابن بطال: اختلف العلماء في الإنسي الذي لا يحل إلا بالذكاة في الحلق واللبة إذا توحش فلم يقدر عليه أو وقع في بئر فلم يوصل إلى حلقه ولبته.
فذهبت طائفة من العلماء إلى أنه يقتل بما يقتل به الصيد، ويجوز أكله، روى ذلك البخاري عن خمسة من الصحابة كما بينتهم لك، وقاله من التابعين: عطاء وطاوس.
ومن الفقهاء: الثوري وسائر الكوفيين والثلاثة ومن سلف، وقال ابن المسيب: لا تكون ذكاة كل إنسية إلا بالذبح والنحر وإن تردت لا تحل بما يحل به الصيد.
حجة الأولين: حديث الباب، وموضع الدلالة منه من وجهين:
أحدهما: عدم إنكاره ﵇ عليه الرمي بما أقره عليه وإباحة مثل ذلك الرمي بأن قال: "اصنعوا به هكذا"، ومن خالفنا لا يجيز رميه.
ثانيهما: قوله: ("إن لها أوابد"). والشارع ما يعلمنا اللغة وإنما يعلمنا الحكم فعلم أنه أراد أنه يصير حكمه حكم الوحشي في الذكاة، ومن جهة القياس أنه إذا كان الوحشي إذا قدرنا عليه لا يحل به الإنسي وكذلك الإنسي إذا توحش وامتنع أن يحل بما يحل به الوحشي.
стр. 15870
واحتج المانع فقال: لا تلزم هذِه الحجة أن لو كان المستأنس إذا استوحش كالوحشي في الأصل؛ لوجوب أن يكون حكمه حكم الوحشي في وجوب الجزاء فيه إذا قتله المحرم، وفي أن لا يجوز في الضحايا والعقيقة، ويجب أن يصير ملكًا لمن أخذه ولا شيء على قاتله.
قال مالك: لو أن رجلاً رماها فقتلها غرمها ولم يحل له أكلها، ولو كانت بمنزلة الصيد حلت له فلما أجمعنا على أن جميع أحكامه التي كانت عليه قبل أن يتوحش لم تزل ولم تتغير وكانت كلها بخلاف الوحشي في الأصل كذلك الذكاة وأما الاحتجاج بحديث رافع فيجوز إذا ند ولم يقدر عليه أن يرميه ليحبسه ثم يلحقه فيذكيه وهذا معنى قوله: "فاصنعوا به هكذا"، أي: ارموه لتحبسوه ثم ذكره ولم يرد قتله كما يقتل الوحشي قاله ابن القصار (١). وما أبعده، كما سلف.
فصل:
قوله: ("أعجل أو أرني ما أنهر الدم") إلى آخره قال ابن بطال: كذا وقعت هذِه اللفظة في رواية الفربري بالألف والراء ثم نون ثم ياء "أرني" ولم أجد لها معنى يستقيم به الكلام وأظنها مصحفة. وقال الخطابي: هذا حرف طالما استثبت فيه الرواة وسألت عنه أهل العلم باللغة فلم أجد عند واحد منهم شيئًا يقطع بصحته وقد طلبت له مخرجًا فرأيته يتجه لوجوه:
أحدها: أن يكون مأخوذًا من قولهم: أران القوم فهم مرينون إذا هلكت مواشيهم فيكون معناه أهلكها ذبحًا، وأزهق نفسها بما ذكر هذا إذا رويته بكسر الراء على رواية أبي داود.
стр. 15871
ثانيها: أن يقال: (أرأن) (١) القوم مهموزًا على وزن أعرن من أرن يأرن أرنًا إذا نشط وخف تقول: خف وأعجل لئلا تقتلها خنقًا، وذلك أن غير الحديد لا يمور في الذكاة موره والأرن: الخفة والنشاط يقال في مثلٍ: سَمِنَ فأرن، أي: بطر.
ثالثها: أن تكون أرن بمعنى أَدِم الحز ولا تفتر، من قولك رنوت النظر إلى الشيء إذا أدمته، أو يكون أراد أدم النظر إليه وراعه ببصرك لا يزول عن المذبح؛ قال: وأقرب من هذا كله أرزنا بالزاي من قولك: أرز الرجل إصبعه إذا أثاخها في الشيء، وأرزت الجرادة إرزازًا إذا أدخلت ذنبها في الأرض لكي تبيض، وارتزَّ (٢) السهم في الجدار إذا ثبت، هذا إن ساعدته رواية حدثنا ابن داسه، عن أبي داود وقال: أرِن مكسور الراء على وزن عرن، ورواه البخاري ساكنة الراء على وزن عرْن، هكذا حدثنيه الخيام عن إبراهيم بن معقل عنه (٣).
قال ابن بطال: فعرضت قول الخطابي على بعض أئمة اللغة والنقد في كلام العرب فقال: أما الوجه الأول قال: إنه مأخوذ من أران القوم فهم مرينون فلا وجه له؛ لأن أران لا يتعدى إلى مفعولين لا تقول: أران الرجل غنمه ولا أرن غنمك.
وقوله في الثاني: (أأرن) (٤) على وزن أعرن خطأ لاجتماع همزتين في كلمة إحداهما ساكنة وإنما تقول في الأمر من هذِه اللفظة ايرن بياء بعد همزة الوصل بدلاً من الهمزة التي هي فاء الفعل؛ لأن المستقبل منها
стр. 15872
يأرن، والأمر إنما يكون في الفعل المستقبل.
قال ابن بطال: وهذا الوجه أولى بالصواب فكأنه قال: أعجل وانشط في الذبح؛ لأن السنة فيه سرعة الإجهاز على المذبوح بخلاف فعل الجاهلية في تعذيب الحيوان ويحتمل أن يكون (أو) جاءت لشك المحدث في أي اللفظين قال ﵇ لتقاربهما في المعنى أو تكون (أو) جاءت بمعنى الواو للتأكيد. وقول الخطابي: وأقرب من هذا كله أن يكون أرز، بالزاي، فلا وجه له لعدم الرواية به (١). ونقل غيره عن الخطابي أن صوابه: أأرن على وزن أعجل ومعناها وقد سلف أرن على وزن أطع ومعناها ويكون أرن على وزن اعطِ وأرني بالياء بمعنى: هات، وقال بعضهم: وتكون بمعنى: أرني سيلان الدم (وقد) (٢) سلف على وزن ارم وصوب على وزن ادع واغز. وقيل غير ذلك.
وسئل الحافظ أبو موسى المديني عن ذلك فقال: صوابه أيرن ومعناه: خف وانشط وأعجل؛ لئلا تختنق الذبيحة؛ لأن الذبح إذا كان بغير حديد احتاج صاحبه إلى خفة يد في إمرار تلك الآلة على الذبح قبل أن تهلك الذبيحة لما ينالها من ألم الصعب وهو من قولهم: "أرن" يأرن أرنًا وإرانًا، إذا نشط فهو أرن والأمر ائرن على وزن احفظ.
وقال إسماعيل بن الفضل في "شرح مسلم" قوله: (اعجل أو أرن) الشك من الراوي ومعنى: "أرن": اعجل. منهم من يسكن الراء ومنهم من يحذف الياء من الأمر. وقال غيره: قوله: "أَرِن" على وزن عَرِن
стр. 15873
وروى بعضهم أَرْنِ على وزن عَرْن وهو مشكل إلا أن يكون من أران القوم إذا هلكت ماشيتهم فيكون المعنى كن ذا شاة هالكة وأزهق نفسها بكل ما أنهر الدم غير السن والظفر، ويجوز أَرْنِ مثل عَرْنِ أي: أدم الحز، ولا تفتر في ذلك من قولك: رنوت، إذا أدمت النظر، وأرن أي: شد يدك على المحزِّ والمذبح واعتمد بها، ويجوز أن يكون أران تعدية [لِرَان] (١) كما تُعدَّى بالباء ولو قيل رنَّ أي: اذبحن بالإرارة هو ظُرَرَة أي: حجر محدد يَؤُرُّ بها الراعي ثَغْرَ الناقة إذا انقطع لبنها كان وجهًا (٢).
ثم ساق حديث سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن فَاطِمَة بِنْت المُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ -قَالَتْ: نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَرَسًا فَأَكَلْنَاهُ.
وفي رواية من حديث عَبْدَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ: ذَبَحْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرَسًا وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ فَأَكَلْنَاهُ.
ثم ساقه من حديث جَرِير، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ المُنْذِرِ، عن أَسْمَاءَ، به.
تَابَعَهُ وَكِيعٌ وَابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامٍ فِي النَّحْرِ.
والحاصل أن ثلاثة رووه عن هشام بلفظ النحر: جرير، ووكيع، وابن عُيينة. وأن عبدة رواه عن هشام بلفظ الذبح، وذكره في باب لحوم الخيل من حديث: سفيان بلفظ النحر (١).
قال الدارقطني: روي عن أيوب، عن هشام، عن أسماء مرسل، لم يذكر فاطمة بنت المنذر، ورواه منجاب عن شريك، عن هشام، عن أبيه، عن فاطمة قالت: ذبحنا فرسًا على عهد رسول الله ﷺ . ووهم في موضعين أسقط أسماء ابنة أبي بكر وقال فيه: عن أبيه عن أسماء. والصواب: هشام، عن فاطمة عن أسماء (٢). أي: كما ساقه البخاري.
وتعليق عطاء أخرجه ابن أبي شيبة عن يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء: لا ذبح ولا نحر إلا في المنحر والمذبح. قال: وثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء في رجل ذبح شاة من قفاها، فكره أكلها.
стр. 15876
وأثر ابن عباس أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن المبارك، عن خالد، عن عكرمة، عنه (١)؛ قال ابن حزم: وروي عن عمر بن الخطاب مثله، ولم يخصوا حيوانًا من حيوان بل هتف عمر بذلك مجملًا، ولم نعرف لهما مخالفًا من الصحابة أصلاً.
وقد سلف أن عليًّا أباح أكله بغير ضرب عنقه بالسيف ورأى ذلك ذكاة واجبة وقال: قال ابن عباس لعكرمة: اذبح هذا الجزور. وهو البعير بلا خلاف. وقال عطاء: ذكر الله الذبح في القرآن، فإن ذبحت شيئًا ينحر أجزأ عنك الذبح من المنحر، والمنحر من الذبح. وعن الزهري وقتادة: الإبل والبقر إن شئت ذبحت وإن شئت نحرت.
وعن مجاهد: كان الذبح فيهم والنحر فيكم ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر: ٢] وقد أطلق النبي ﷺ فيما صح عنه في الأضاحي الذبح والنحر عمومًا وفيها الإبل والبقر والغنم، ولم يخص من ذلك شيئًا ينحر دون ذبح ولا عكسه، ورواية أسماء: نحرنا. وفي أخرى: ذبحنا (٢).
قلت: وغرض الباب أن يبين ما يجوز فيه النحر يجوز ذبحه، وما يجوز فيه الذبح يجوز نحره.
فأما البقر فالأمة مجمعون كما قاله ابن بطال (٣) على جواز النحر والذبح فيها، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، وروت عمرة عن عائشة ﵂ أنها قالت: دخل علينا
стр. 15877
يوم النحر بلحم فقيل: نحر رسول الله ﷺ عن أزواجه البقر (١). فجاز فيها
الوجهان.
وأراد البخاري أن يريك [أن] (٢) الفرس مما يجوز النحر والذبح لما جاء فيه من اختلاف الرواة، وسيأتي الخلاف في أكله بعد.
واختلفوا في ذبح ما ينحر من الإبل، ونحر ما يذبح من الغنم، فأجاز أكثر الفقهاء أي ذلك فعل المذكي، قال ابن المنذر (٣): روي ذلك عن عطاء والزهري وقتادة. وقال أبو حنيفة والثوري والليث والشافعي بنحو ذلك ويكرهونه، ولم يكرهه أحمد وإسحاق وأبو ثور (٤)، وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة في ذبح الإبل، أو نحو ما يذبح من طير أو غيره من غير ضرورة. وقال أشهب: إن ذبح بعيرًا من غير ضرورة فقد صار كالضرورة ويؤكل (٥). وقال مالك: إن ذبحت الإبل أو نحرت الشاة أو شيء من الطير من غير ضرورة لم تؤكل (٦). واعتل أصحابه بأنه ﵇ بين وجه الذكاة فنحر الإبل وذبح الغنم والطير ولا يجوز تحويل شيء من ذلك عن موضعه مع القدرة عليه إلا بحجة واضحة.
وقال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا حرم أكل ما نحر مما يذبح، أو ذبح ما ينحر، وإنما كره ذلك مالك ولم يحرمه، وقد يكره المرء الشيء
стр. 15878
ولا يحرمه. حجة الجمهور أنه لما جاز في البقر والخيل النحر والذبح جاز ذلك في كل ما يجوز تذكيته، ألا ترى قول ابن عباس: الذكاة جائزة في الحلق واللبة. ولم يخص شيئًا من ذلك دون شيء، وهو عام في كل ذي حلق وكل ذي لبة، والناس على هذا، ولم يخالف ذلك غير مالك وحده.
وأما قول ابن عباس ﵄ أن الذكاة في الحلق واللبة فمعناه: أن الذكاة لا تكون إلا في هذين الموضعين، وقال صاحب "العين": اللبة من الصدر: أوسطه، ولبة القلادة: واسطتها (١).
فصل:
اختلف العلماء فيما يكون بقطعه من الحلقوم الذكاة، فقال بعض الكوفيين: إذا قطع ثلاثة من الأوداج جاز -والأوداج أربعة: الحلقوم، والمريء، وعرقان من كل جانب عرق- وقال الثوري: إذا قطع الأوداج وإن لم يقطع الحلقوم. وحكى ابن المنذر عن محمد بن الحسن: إذا قطع الحلقوم والمريء فأكثر من نصف الأوداج ثم يدعها حتى تموت فلا بأس بأكلها، وأكره ذلك، وإن قطع أقل من نصف الأوداج فلا خير فيها. وقال مالك والليث: يحتاج أن يقطع الودجين والحلقوم، وإن ترك شيئًا منها لم يجز. ولم يذكر المريء. وقال الشافعي: أقل ما يجزئ من الذكاة قطع الحلقوم والمريء وينبغي أن يقطع الودجين، فإن لم يفعل فيجزئ؛ لأنهما قد يسلان من البهيمة والإنسان ويعيشان (٢).
стр. 15879
وقال ابن جريج: قال عطاء: الذبح: قطع الأوداج؛ قلت: وذبح ذابح فلم يقطع أوداجها. فقال: ما أراه إلا قد ذكاها فليأكلها (١).
وروى يحيى عن ابن القاسم في الدجاجة والعصفور والحمام: إذا (أجيز) (٢) على أوداجه ونصف حلقه أو ثلثه لا بأس بذلك إلا أن يتعمد. وعنه أيضًا عن مالك فيمن ذبح ذبيحة فأخطأ بالغلصمة (٣) أن تكون في الرأس أنها لا تؤكل، وقاله أشهب وأصبغ وسحنون ومحمد بن عبد الحكم (٤).
قال ابن حبيب: إنما لم يؤكل؛ لأن الحلقوم إنما هو من العقدة إلى ما تحتها، وليس فوق العقدة إلى الرأس حلقوم، وإنما العقدة طرف الحلقوم، فمن جهل فذبح فوق العقدة لم يقطع الحلقوم إنما قطع الجلدة المتعلقة بالرأس، فلذلك لم تؤكل، وأجاز أكلها ابن وهب في "العتبية" وأجازه أشهب وأبو مصعب وموسى بن معاوية من رواية ابن وضاح. وعن محمد بن عبد الحكم أنها تؤكل. وعلى قياس قول ابن القاسم إذا صارت في البدن وبقي في الرأس منها قدر حلقة الخاتم أنها تؤكل إلا أن يبقى في الرأس منها ما لا يستدير فلا تؤكل (٥)، وحكى
стр. 15880
ابن المنذر عن أبي حنيفة أنه لا بأس بالذبح في الحلق كله أسفله ووسطه وأعلاه.
وقال ابن وضاح: سألت موسى بن معاوية عن هذِه المسألة، فغضب وقال: هذِه من مسائل المريسي وابن علية يخلِّطون على الناس دينهم، قد علَّم الشارع أصحابه كل شيء حتى الخراءة (١)، فكان يدعهم فلا يعرفهم الذبح؟!
قال موسى: لقد كتبت بالعراق نحوًا من مائة ألف حديث، وبمكة كذا وكذا ألفًا، وبمصر نحوًا من أربعين ألف حديث ما سمعت لرسول الله ﷺ ولا لأصحابه ولا للتابعين فيها شيئًا. وكان يحيى بن يحيى وأصحابه (يقولون) (٢): لا نعرف ما العقدة، ما فرى الأوداج فكل.
قال ابن وضاح: ثم بلغني عن أبي زيد بن أبي الغمر أنه روي عن ابن القاسم عن مالك كراهتها، فلما قدمت مصر سألته عنها، فأنكرها وقال: ما أعرف هذا. قلت له: فما تقول في أكلها؟ قال: لا بأس بذلك (٣).
قال ابن وضاح: ولم تعرف العقدة في أيام مالك ولا أيام ابن القاسم، وإنما أول ما سمعوا بها أن عبد الله بن عبد الحكم ذبح شاة فطرحت العقدة إلى الجسد، فأمر بها أن تُلقى، فبلغ ذلك أشهب فأنكره وأجاز أكلها، وسئل عنها أبو المصعب بالمدينة وذلك أن أهل المدينة يطرحون العقدة في ذبائحهم إلى الجسد لمعنى الجلود، فأجاز ذلك، فقيل له: إذا طرحها إلى الجسد لم يذبح في الحلق إنما يذبح
стр. 15881
في الرأس، فانتهره الشيخ، وقال: مغاربة برابر يأتوننا يريدون أن يعلمونا، هذِه دار السنة والهجرة وبها كان المهاجرون والأنصار فكانوا لا يعرفون الذبح؟ وكانوا لا يذكرون عقدة ولم يعنوا بها.
قال ابن وضاح: ثم سألت يعقوب بن حميد بن كاسب -ولم أر بالحجاز أعلم منه بقول المدنيين منه- فقال: لا بأس بها، فرددت عليه فنزع لحديث عائشة ﵂ -يعني السالف-: "سموا وكلوا" (١).
فقال ابن كاسب: فهلا قال لهم ﵇: انظروا إن كان يصيبون العقدة، إن كان الذبح إنما هو فيها، ونزع لحديث عطاء بن يسار أن امرأة ترعى غنمًا؛ فرأت بشاة موتًا فذكتها بشظاظ، فقال ﵇: "ليس بها بأس فكلوها". فهلا قال لهم: انظروا أين طرحت العقدة؟ أو هل كانت هذِه تعرف العقدة؟
قال ابن وضاح: أفهل هذِه كانت تعرف العقدة؟! ما فرى الأوداج وقطع الحلقوم فكل.
فصل:
ونهى ابن عمر ﵄ عن النخع (٢).
قال أبو عبيدة: الفرس هو النخع. يقال منه: فرست الشاة ونخعتها، وذلك أن ينتهي بالذبح إلى النخاع وهو عظم في الرقبة.
قال أبو عبيد في النخع كما قال أبو عبيدة، وأما الفرس فقد خولف.
стр. 15882
وقيل: هو كسر رقبة الذبيحة، وممن كره أكل الشاة إذا نخعت سوى ابن عمر، عمر بن الخطاب وقال: لا تعجلوا الأنفس حتى تزهق (١). وكرهه إسحاق، وكرهت ذلك طائفة وأباحت أكله، هذا قول النخعي والزهري والأربعة وأبي ثور.
قال ابن المنذر: ولا حجة لمن منع أكلها لأن القياس أنها حلال بعد الذكاة، والنخع لا يحرم الذكي.
وإنما إذا قطع الرأس فأكثر العلماء على إجازته.
وممن روي عنه سوى من ذكره البخاري علي وعمران بن حصين، ومن التابعين: عطاء والنخعي والشعبي، والحسن والزهري وبه قال الأربعة، وإسحاق، وأبو ثور وكرهها ابن سيرين، ونافع والقاسم وسالم ويحيى بن سعيد، وربيعة والصواب قول من أجازها كما قال ابن بطال (٢).
وقد قال فيها علي بن أبي طالب هي ذكاة وحيَّة؛ إلا أنهم اختلفوا إن قطع رأسها من قفاها، واختاره الكوفيون والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور وكره ذلك ابن المسيب وقال: لا بد في الذبح من المذبح.
وهو قول مالك وأحمد وقالوا: فاعل هذا فاعل غير ما أمر به، فإذا ذبحها من مذبحها فسبقت يده فأبان الرأس فلا شيء عليه (٣).
стр. 15883
فصل:
قسم ابن التين البهائم ثلاثة أنواع: نوع منها ينحر -وهو البعير- ونوع منها يذبح، وهو الشاة وشبهها من الغزلان ونحو ذلك.
ونوع منها يذبح وينحر وهو البقر، ذبحها بالقرآن ونحرها بالسنة كما سلف قال: إن نحر ما يذبح أو عكس فمنعه ابن القاسم وأجازه أشهب، وقال ابن بكير: تؤكل البعير بالذبح ولا تؤكل الشاة بالنحر، واختلف في المنع هل هو على الكراهة أو التحريم؟ وبه قال ابن حبيب: وروى إسماعيل بن أبي أويس عن مالك: من نحر البقر ما صنع مخالفة الآية، وهذا إنما يصح على قول من يقول: إنا مخاطبون بشريعة من كان قبلنا (١).
فصل:
(والذبح: قطع الأوداج) هما ودجان بدال مهملة، وهما عرقان في الأخدعين محيطان بالحلقوم. وقيل: محيطان بالمريء من باب إطلاق صيغة الجمع على الاثنين، وهو صحيح حقيقة عند طائفة، مجازًا عند الأكثرين، وذلك مستحب عندنا (٢)، والودج والوداج أيضًا يقال: دِجْ دابتك أي: اقطع ودجها، وهو لها كالعضد للإنسان.
وقال ابن التين: لعله ترك ذكر الحلقوم لما كان معلومًا في الأغلب لا تُفرى الأوداج إلا بعد فري الحلقوم، والذي في "المدونة": أن الذكاة فري الحلقوم والودجين فإن قطعهما دون الحلقوم أو عكسه (٣) لم يصح
стр. 15884
الذكاة (١)، وزاد أبو التمام عن مالك رابعها؛ وهو قطع المريء (٢)، ثم قال: قال الشافعي: الذكاة: قطع الحلقوم والمريء، وهو البلعوم، والاعتبار بالودجين (٣) قال: ودليلنا قوله ﵇: "ما أنهر الدم" وإنهاره: إجراؤه، وذلك لا يكون إلا بقطع الأوداج؛ لأنها مجرى الدم، وأما المريء فليس مجراه، وإنما هو مجرى الطعام، وليس فيه من الدم ما يحصل به إنهار.
فصل:
(اللبة) في أثر ابن عباس ﵄ بفتح اللام، قال الداودي: في أعلى العنق ما دون الخرزة إلى أسفل، قال أهل اللغة: إن اللبة موضع القلادة من الصدر وهي المنحر (٤).
فصل:
وقول ابن عمر ومن بعده: (إذا قطع الرأس فلا بأس). قال مالك في "المدونة": وذلك أنها تؤكل (٥). قال غيره: ولو تعمد من أول أكلت؛ لأن التعدي حصل بعد تمام الذكاة.
وقال مطرف وابن الماجشون: إن فعل ذلك بنية سبقت أكلت، وإن كان متعمدًا من غير جهل لم تؤكل (٦).
стр. 15885
فصل:
وحديث أسماء دال على حل أكل الخيل، وهو قول الشافعي (١) وأبي يوسف ومحمد بن الحسن، وسيأتي حديث جابر فيه، وقال مالك: إنها مكروهة. وبه قال أبو حنيفة، وقال ابن حبيب: الخيل مختلف في كراهة أكلها والبراذين منها فجعلها مباحة في قوله (٢).
فصل:
سلف فيه: نحرنا وذبحنا. قال بعض العلماء: حكم الخيل في الذكاة حكم البقر، يريد أنها تنحر وتذبح وأن الأحسن فيها الذبح.
وأخرجه مسلم أيضًا وأبو داود والنسائي وابن ماجه (١).
والحكم (٢) هذا هو: ابن عم الحجاج بن يوسف الثقفي، وزوج أخته زينب بنت يوسف التي كانت يشبب بها النميري، وكان الحجاج استعمله على البصرة.
ثانيها: حديث ابن عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَغُلًامٌ مِنْ بَنِي يَحْيَى رَابِطٌ دَجَاجَةً يَرْمِيهَا، فَمَشَى إِلَيْهَا ابن عُمَرَ حَتَّى حَلَّهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ بِهَا وَبِالْغُلَامِ مَعَهُ فَقَالَ: ازْجُرُوا غِلْمَانكمْ عَنْ أَنْ تصْبرَ هذا الطَّيْرَ لِلْقَتْلِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ تُصْبَرَ بَهِيمَةٌ أَوْ غَيْرُهَا لِلْقَتل.
ثالثها: حَدَّثنَا أَبُو النُّعْمَانِ، ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابن عُمَرَ ﵄ فَمَرُّوا بِفِتْيَةٍ -أَوْ بِنَفَرٍ- نَصَبُوا دَجَاجَةً يَرْمُونَهَا، فَلَمَّا رَأَوُا ابن عُمَرَ تَفَرَّقُوا عَنْهَا، وَقَالَ ابن عُمَرَ: مَنْ فَعَلَ هذا؟ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ مَنْ فَعَلَ هذا.
وأخرجه مسلم أيضا (٣).
قال البخاري: تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ، عَنْ شُعْبَةَ، ثَنَا المِنْهَالُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابن عُمَرَ: لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ مَثَّلَ بِالْحَيَوَانِ.
стр. 15888
وهذِه المتابعة أسندها أبو نعيم الحافظ فقال: حدثنا أبو إسحاق بن حمزة وأبو أحمد قالا: ثنا أبو خليفة، ثنا أبو داود الطيالسي سليمان بن داود، ثنا شعبة (١).
رابعها: وَقَالَ عَدِيٌّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
هذا أخرجه مسلم عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، وعن بندار عن غندر وابن مهدي ثلاثتهم عن شعبة، عن عدي، عن سعيد (٢)، وعدي هو: عدي بن ثابت، وسعيد هو: ابن جبير.
خامسها: حَدَّثنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، ثَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنِ النُّهْبَةِ وَالْمُثْلَةِ.
هذا رواه الإسماعيلي من حديث جماعة عن شعبة قال: رواه يعقوب بن إسحاق الحضرمي، وداود بن المحبر عن شعبة فقالا: عن عبد الله بن يزيد، عن أبي أيوب، عن رسول الله ﷺ . ولابن أبي شيبة عن عبد الرحيم بن سليمان: حدثني ابن إسحاق، عن بكير بن عبد الله، عن عبيد بن يعلى، عن أبي أيوب سمعت النبي ﷺ ينهى عن صبر البهيمة، وما أحب أني صبرت دجاجة وأن لي كذا وكذا (٣).
قلت: وعبد الله راويه هو ابن يزيد بن حصين بن عمرو بن الحارث بن خطمة واسمه: عبد الله بن جشم بن مالك بن الأوس الأنصاري أبو موسى الخطمي وإنما سمي خطمة؛ لأنه ضرب رجلاً على خطمه، شهد الحديبية مع رسول الله ﷺ ، وهو ابن سبع عشرة، وشهد
стр. 15889
الجمل وصفين والنهروان مع علي وكان أميرًا على الكوفة.
قال أبو داود -فيما حكاه الآجري-: له رؤية، سمعت يحيى بن معين يقوله، قال: وسمعت مصعبًا الزبيري يقول: عبد الله بن يزيد الخطمي ليس له صحبة، وهو الذي قتل الأعمى أمه، وهو الطفل الذي سقط بين رجليها، التي سبَّت رسول الله ﷺ (١)، من طريق عكرمة عن ابن عباس (٢).
وقال أبو حاتم: روى عن رسول الله ﷺ وكان صغيرًا على عهده، فإن صحت روايته فذاك (٣).
فصل:
وفي الباب عن أبي الدرداء وأم حبيبة بنت العرباض عن أبيها أخرج الأول الترمذي، وقال غريب: نهى رسول الله ﷺ عن أكل المجثمة وهي التي تصبر بالنبل. وكذا الثاني أنه ﵇ نهى يوم خيبر عن المجثمة وعن الخليسة (٤).
стр. 15890
فصل:
أصل الصبر: الحبس، وكل من حبس شيئًا فقد صبره، ومنه يمين الصبر وقيل للرجل يقدم فيضرب عنقه: قتل صبرا يعني: أمسك للموت. ويقال: صبر عند المصيبة يصبر صبرًا. وصبرته إذا: حبسته، قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: ٢٨]
والصبير: الكفيل تقول منه: صبرت أصبر صبرًا وصبارة أي: كفلت. والصبير: السحاب الأبيض لا يكاد يمطر.
والمجثمة: المصبورة أيضًا، قاله أبو عبيد، ولا يكون إلا في الطير والأرانب وأشباه ذلك مما يجثم بالأرض (١) والجثوم: الانتصاب على الأرض، وكذا في "الصحاح" (٢) أيضًا، وعبارة ابن فارس: المجثمة هي الطير المصبورة على الموت (٣). قلت: وفرق بين المجثمة والجاثمة؛ لأن الجاثمة التي جثمت بنفسها فإذا صبرت على تلك الحال لم تحرم، والمجثمة: هي التي ربطت ونصبت، فإذا رميت حتى تهلك حرمت، وسيأتي.
قلت: ففرق البخاري بين المصبورة والمجثمة؛ لأن المجثمة خاصة بما ذكرت بخلاف المصبورة، وفي كتاب "الأفعال": يقال جثم على ركبتيه جثومًا (٤)، ومنه ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود: ٦٧] ثم رأيت ابن بطال ذكره فقال: نهيه عن المجثمة نظير نهيه عن المصبورة، غير أن التجثيم عند العرب هو في الممتنعات من الوحش والطير التي
стр. 15891
تنبذ بالأرض وتجثم بها، وأن الصيد المصبر يكون في ذلك وغيره فإن وجه موجه -يعني: نهيه عن المجثمة- إلى المعنى الثاني وهو النهي عن أكل لحمها إذا مات من الرمي، فكان ذلك نظير نهيه تعالى عن المنخنقة والموقوذة والمتردية، وتحريمه أكلها إذا ماتت من ذلك، وإن جثمت فرميت ولم تمت فذبحها مجثمها كان حلالًا أكلها بالتذكية (١).
والنهبى: اسم ما ينهب، وهو الأخذ من الغنيمة وقال صاحب "المطالع": هو اسم الانتهاب، وهو أخذ الجماعة الشيء اختطافًا عجل غير سوية لكن يحسب السبق إليه.
فصل:
هذِه النهبى نهبى تحريم لقوله في رواية ابن عمر لعن الله من فعل هذا.
فصل:
قال أبو عبيد: قال أبو زيد وأبو عمرو وغيرهما في نهيه ﵇ أن تصبر البهائم هو الطائر وغيره من ذوات الروح يصبر حيَّّا ثم يرمى حتى يقتل (٢).
قال ابن المنذر عن أحمد وإسحاق: لا تؤكل المصبورة والمجثمة (٣).
قال غيره: ولا أعلم أحدًا من العلماء أجاز أكل المصبورة، وكلهم يحرمها؛ لأنه لا ذكاة في المقدور عليه إلا في الحلق واللبة.
стр. 15892
فصل:
قال المهلب: وهذا إنما هو نهي عن العبث في الحيوان وتعذيبه بغير مشروع، وأما تجثيمها للنحر وما شاكله فلا بأس به، وإنما يكره العبث؛ لحديث شداد بن أوس أنه ﵇ قال: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلَة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبْحَةَ، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته" أخرجه مسلم (١) وكره أبو هريرة أن تحد الشفرة والشاة تنظر إليها، وروي أنه ﵇ رأى رجلاً أضجع شاة فوضع رجله على عنقها وهو يحد شفرته، فقال ﵇: "ويلك، أردت أن تميتها موتات، هلا حددت شفرتك قبل أن تضجعها" (٢) وكان عمر بن الخطاب ينهى أن تذبح الشاة عند الشاة (٣)، وكرهه ربيعة أيضًا، ورخص فيه مالك (٤).
وقال الطبري: في نهيه عن صبر البهائم الإبانة عن تحريم قتل ما كان حلالًا أكله من الحيوان، إذا كان إلى تذكيته سبيل، وذلك أن رامي الدجاجة بالنبل ويتخذها غرضًا قد يخطئ رميه موضع الذكاة فيقتلها، فيحرم أكلها، وقاتله كذلك غير ذابحه ولا ناحره، وذلك حرام عند جميع الأمة، ومتخذه غرضًا مقدم على معصية الرب تعالى من وجوه:
стр. 15893
منها: تعذيب ما قد نهي عن تعذيبه، وتمثيله ما قد نهي عن التمثيل به، وإماتته بما قد حظر عليه إماتته منه، وإفساده من ماله ما كان له إلى إصلاحه والانتفاع به سبيل كالتذكية وذلك من تضييع المال المنهي عنه.
وقال ابن عمر ﵄: من اتخذ شيئًا فيه الروح غرضًا لن يخرج من الدنيا حتى تصيبه قارعة (١) وقال أيضًا وقد انصرفوا: ما يفعلون بطائر أما إنهم سيعادون لها. وذكر الطبري عن قتاد، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبي ﷺ نهى عن المجثمة وقال: المجثمة التي التصقت بالأرض وحبست على القتل والرمي، فإذا جثمت من غير أن يفعل ذلك بها فهي جاثمة. وقال: ويحتمل نهيه عن المجثمة معنيين:
أحدهما: أن يكون نهيًا عن رميها بعد تجثمها فيكون المعنى فيها النهي عن تعذيبها بالرمي والضرب.
والثاني: أن يكون معنى النهي عنها عن أكل لحمها إذا هي ماتت بالضرب والرمي؛ لأنها ماتت كذلك بعد أن تجثم فهي ميتة؛ لأنه لا تجثم إلا بعد أن تصاد، ولو كانت هي الجاثمة من قتل نفسها لم يقدر على صيدها إلا بالرمي، فرماها ببعض ما يخرجها لتجثمها فماتت من رميه كانت حلالاً؛ لأنها حينئذٍ جاثمة لا مجثمة، وهي صيدٌ صِيدَ بما يصاد به الوحش.
ذكر في الباب حديث أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ زَهْدَمٍ الجَرْمِيِّ -ووالده مضرب البصري- عَنْ أَبِي مُوسَى -واسمه عبد الله بن قيس بن سليم الأَشْعَرِيّ- قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأْكُلُ دَجَاجًا. ثم ساقه عن أبي معمر -واسمه عبد الله بن عمرو المقعد- ثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، ثَنَا أَيُّوبُ بْنُ أَبِي تَمِيمَةَ، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ زَهْدَمٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى. مطولاً، والحديثان في المغازي والخمس (١). والقاسم هو ابن عاصم بصري تميمي كليني (٢)، أخو رياح، ابنا يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم.
وقوله في الأول: (حدثنا يحيى، ثنا وكيع، عن سفيان، عن أيوب، عن أبي قلابة) به. يريد يحيى بن موسى النخعي، وقيل: يحيى بن جعفر البلخي فيما ذكره الكلاباذي (٣)، ونص أبو نعيم الحافظ أنه ابن جعفر.
وقوله: (لئن تغفلنا رسول الله ﷺ يمينه). يقال: تغفلته واستغفلته: تحينتُ غفلته أي: جعلناه غافلًا عن يمينه. وقيل: سألناه في وقت شغله.
أما ترجمة الباب فما أورده واف. وليته ذكر الدجاج والخيل ولحوم الحمر، وغير ذلك من الأطعمة، فإنه أليق به، وإن كان لما ذكر هنا مدخلًا من حيث الذكاة.
وقام الإجماع على حل لحم الدجاج (٤) وهو من رقيق المطاعم وناعمه، ومن كره ذلك من المتقشفين والزهاد فلا عبرة بكراهته، وقد