стр. 15926
← Шархи хадиса следующие страницы →
Шархи хадиса · id 13252
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
ابن الملقن
Полный текст (20 415 стр.). Показаны 15926–15965 · переход к 15931.
стр. 15927
٣٠ - باب جُلُودِ الْمَيْتَةِ
٥٥٣١ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ فَقَالَ: «هَلاَّ اسْتَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟». قَالُوا: إِنَّهَا مَيِّتَةٌ. قَالَ: «إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا». [انظر: ١٤٩٢ - مسلم: ٣٦٣ - فتح ٩/ ٦٥٨]
٥٥٣٢ - حَدَّثَنَا خَطَّابُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حِمْيَرَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ عَجْلَانَ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِعَنْزٍ مَيْتَةٍ فَقَالَ: «مَا على أَهْلِهَا لَوِ انْتَفَعُوا بِإِهَابِهَا». [انظر: ١٤٩٢ - مسلم: ٣٦٣ - فتح ٩/ ٦٥٨]
ذكر فيه حديث صالح، عن الزهري، عن عُبَيْد اللهِ بْن عَبْدِ اللهِ عن ابن عَبَّاسٍ أَنَّه ﷺ مَرَّ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ فَقَالَ: "هَلَّا اسْتَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟ ". قَالُوا: إِنَّهَا مَيِّتَةٌ. قَالَ: "إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا".
ثم أخرجه عن (خطاب بن عثمان) وهو الفوزي الحمصي، وروى النسائي عن رجل عنه (١).
(حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ حِمْيَرَ) أي: بالحاء المهملة، وهو السليحي، من قضاعة الحمصي، انفرد به البخاري (عَنْ ثَابِتِ بْنِ عَجْلَانَ) وهو أنصاري حمصي، انفرد به أيضًا (قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابن عَبَّاسٍ ﵄: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِعَنْزٍ مَيْتَةٍ فَقَالَ: "مَا عَلَى أَهْلِهَا لَوِ انْتَفَعُوا بِإِهَابِهَا").
الشرح:
هذان الحديثان أخرجهما مسلم أيضًا (٢) وفي أفراده: "إذا دبغ
стр. 15928
الإهاب فقد طهر" (١).
وصالح السالف هو ابن كيسان، ولم يذكر في حديثه الدباغ وتابعه مالك (٢) ومعمر (٣) ويونس (٤) وذكره ابن عيينة (٥) والأوزاعي (٦) والزبيدي (٧) وعقيل (٨) عن الزهري به، وذكره أيضًا في الحديث الذي أوردناه وهو ثابت محفوظ، وهو معنى: "هلَّا استمتعتم بإهابها". يعني: بعد الدباغ؛ لأنه معلوم أن تحريم الميتة قد جمع إهابها وعصبها ولحمها، فإنما أباح الانتفاع بجلدها بعد دباغه بدليل الحديث الذي أوردناه، وبدليل حديث عائشة ﵂ أنه ﵇ أمر أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت ذكره مالك في "الموطأ" (٩)، وعلى هذا جمهور العلماء وأئمة الفتوى، وذكر ابن القصار أنه آخر قول مالك، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وروي عن ابن شهاب أنه أباح الانتفاع بها قبله مع كونها نجسة (١٠).
وأما أحمد فذهب إلى تحريم الجلد وتحريم الانتفاع به قبل الدباغ
стр. 15929
وبعده (١)، واحتج بحديث ابن عكيم: قرئ علينا كتاب رسول الله ﷺ : "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" (٢).
قلت: لكنه ضعيف كما أوضحناه في الزكاة.
قال ابن بطال: وهو في الشذوذ قريب من الذي قبله، وعن مالك أن جلودها لا تطهير بالدباغ. وأجاز استعمالها في الأشياء اليابسة وفي الماء خاصة من بين سائر المائعات، فخالف أحمد في استعمالها (٣) وعنه أيضًا: إذا دبغ استعمل فيما عدا المائعات (٤)، وهو عنده نجس (٥) وروى عنه ابن عبد الحكم أنه يطهر طهارة كاملة ويباع ويؤكل (٦)، وهو قول أبي حنيفة والشافعي (٧).
وقال الأوزاعي وأبو ثور: يطهر جلد المأكول به دون ما لا يؤكل (٨)، وحكاه أشهب عن مالك (٩) فيما حكاه ابن التين.
стр. 15930
وفي المسألة أكثر من ذلك أسلفته فيما مضى في الكتاب المذكور واضحًا.
حجة الجمهور أنه معلوم أن قوله: "إذا دبغ الإهاب" هو ما لم يكن طاهرًا من الأهب كجلود الميتات، وما لم تعمل فيه الذكاة من الدواب والسباع؛ لأن الطاهر لا يحتاج إلى الدباغ (للتطهير) (١) ومحال أن يقال في الجلد الطاهر: إذا دبغ فقد طهر، (فقوله) (٢): "فقد طهر" نص ودليل، فالنص طهارة الإهاب بالدباغ، والدليل منه أن كل إهاب لم يدبغ فليس بطاهر وإذا لم يكن طاهرًا فهو نجس محرم، وإذا كان ذلك كذلك كان هذا الحديث مبينًا لحديث ابن عباس، وبطل بنصه قول من قال: إن جلد
الميتة لا ينتفع به بعد الدباغ، وبطل بالدليل منه قول من قال: إن جلد الميتة إن لم يدبغ ينتفع به.
قال أبو عبد الله المروزي: وما علمت أحدًا قال به قبل الزهري (٣).
وقال الطحاوي: لم نجد عن أحد من الفقهاء جواز بيع جلد الميتة قبل الدباغ إلا عن الليث، رواه عنه ابن وهب (٤).
قال ابن القصار: وإنما اعتمد الزهري في ذلك على رواية في حديث ابن عباس "ما على أهلها لو أخذوا إهابها فانتفعوا به". ولم يذكر (فدبغوه)، فدل على أنه يجوز الانتفاع به قبل الدباغ فيقال: قد روى عنه ابن عيينة والأوزاعي وغيرهما الحديث وقالوا فيه: "فدبغوه وانتفعوا به" فإذا كان الزهري الراوي للحديثين أخذنا بالزائد منهما (٥)، ومن
стр. 15931
أثبت شيئًا حجة على من قصَّر عنه ولم يحفظه، وأيضًا فإن الدباغ قد جاء من طرق متواترة عن ابن عباس من غير طريق الزهري، روى ابن جريج وعمرو بن دينار، عن عطاء، عنه، عن النبي ﷺ أنه مر بشاة مطروحة من الصدقة، قال: "أفلا أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به" (١).
وروى الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂ مرفوعًا: "دباغ جلد الميتة ذكاته" (٢).
واحتج أيضًا بقوله: "إنما حرم من الميتة أكلها" وظاهره أنه لا يحرم فيها شيء غيره.
قال الطحاوي: وأما حديث ابن عكيم فيحتمل أن يكون مخالفًا لأحاديث الدباغ، ويكون معناه قبلها، فإنه قد كان سئل عن الانتفاع بشحم الميتة فأجاب فيها بمثل هذا.
وروى ابن وهب، عن زمعة بن صالح، عن أبي الزبير، عن جابر أن ناسًا أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إن سفينة لنا انكسرت، وإنا وجدنا ناقة سمينة ميتة فأردنا أن ندهن بها. فقال ﵇: "لا تنتفعوا بشيء من الميتة" (٣). فأخبر جابر بالسؤال الذي كان قوله: "لا تنتفعوا بالميتة" جوابًا له أن ذلك كان على النهي عن الانتفاع بشحومها، فأما ما دبغ منها وعاد إلى معنى الأهب فإنه يطهر بذلك على ما تواترت به
стр. 15932
الآثار" وعلى هذا لا تتضاد الآثار (١).
قال المهلب: وحجة مالك في كراهية الصلاة عليها وبيعها وتجويز الانتفاع بها في بعض الأشياء أنه ﵇ أهدى حلة من حرير لعمر وقال له: "لم أعطكها لتلبسها، ولكن لتبيعها أو تكسوها" (٢) فأباح له التصرف فيها في بعض الوجوه، فكذلك جلد الميتة ينتفع به في بعض الوجوه دون بعض.
قال ابن القصار: وأما قول الأوزاعي وأبي ثور السالف فاحتجوا بما رواه أبو المليح الهذلي عن أبيه أنه ﵇ نهى عن افتراش جلود السباع (٣)، ولم يفرق بين أن تكون مدبوغة أو غير مدبوغة وقال ﵇: "دباغ الأديم طهوره" (٤) فأقام الدباغ مقام الذكاة؛ ولأنه يعمل عملها، فلما لم تعمل الذكاة فيما لا يؤكل لحمه لم يعمل الدباغ فيه، والحجة عليهما حديث الباب الذي أسلفته، وإنما نهى عن افتراش جلود السباع التي لم تدبغ.
وأما قولهم: إن الذكاة لا تعمل في السباع فممنوع، بل تعمل فيها، ويستغنى بها عن الدباغ، إلا الخنزير (٥). قلت: وإلا الكلب عندنا (٦).
стр. 15933
وحكى أبو حامد عن مالك عدم استثناء الخنزير، وهو ظاهر إيراد ابن الجلاب (١)، وإنما لم يعمل فيها؛ لأنها محرم العين عن أبي يوسف وأهل الظاهر أن جلد الخنزير يطهره الدباغ (٢). وهو قول سحنون ومحمد بن عبد الحكم (٣)، وحكاه أبو حامد عن مالك كما سلف، واحتجوا بعموم: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" والصواب قول الجمهور.
والفرق بين الخنزير وغيره أن النص ورد بتحريمه، والإجماع حاصل على المنع من اقتنائه فلم تعمل الذكاة في لحمه ولا جلده، فكذلك الدباغ لا يطهر جلده، وأجاز مالك والكوفيون والأوزاعي الخرازة بشعره ومنعه الشافعي لتحريم عينه (٤).
فرع:
الدبغ عندنا نزع فضول الجلد بالأشياء الحريفة كالشب والشث والقرظ ونحوها، بحيث أنه إذا (وقع) (٥) في الماء لا يعود إلى نتنه وفساده، ولا يكفي التتريب والتشميس، ولا يرجع في ذلك إلى أهل الصنعة على الأصح (٦). وقال ابن التين: اختلف فيما يدبغ فقيل: ما يمنع الجلد من الفساد. وقيل: ما ينقله إلى أن تتخذ منه الأسقية والأدم.
стр. 15934
وقيل: القرظ: العفص (١)، ونحوها، وعند أبي حنيفة: إذا جعله في الشمس حتى ينشف انتفع به بكل حال وطهر.
فائدة:
الإهاب: الجلد ما لم يدبغ. قاله في "الصحاح" (٢) وقال ابن فارس، والقزاز: هو الجلد مطلقًا وإن دبغ. وجمعه: أهب بفتح الهمزة والهاء على غير قياس مثل أدم، وقالوا أيضًا أُهب بضم الهمزة، و (هذا) (٣) على الأصل (٤).
أخرى: قوله: (بعنز ميتة) هي واحدة المعز، وهي بفتح العين وسكون النون، وميتة بالتخفيف والتثقيل سواء، هذا قول أكثر أهل اللغة، وقد جمعهما الشاعر في قوله:
ليس من مات ...... البيت (٥).
وقيل: بالتخفيف لمن مات، وبالتشديد لمن لم يمت بعد، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزمر: ٣٠] قال أبو عمرو: الكوفيون وحذاقُ أهل اللغة يقولون: إنهما واحد.
стр. 15935
٣١ - باب الْمِسْكِ
٥٥٣٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي اللهِ إِلاَّ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَدْمَى، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ». [انظر: ٢٣٧ - مسلم: ١٨٧٦ - فتح ٩/ ٦٦٠]
٥٥٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ جَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً». [انظر: ٢١٠١ - مسلم: ٢٦٢٨ - فتح ٩/ ٦٦٠]
ذكر فيه حديث أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سبيل اللهِ إِلَّا جَاءَ يَومَ القِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَدْمَى، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ".
وحديث أبي موسى ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَثَلُ جَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ كَحَامِلِ المِسْكِ وَنَافِخِ الكِيرِ، فَحَامِلُ المِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً".
وقد سلفا في الطهارة (١).
و"يحذيك": أي: يعطيك، يقال: أحذيته وحذوته واستحذاني وأحذاني من الغنيمة إذا أعطيته منها، والاسم: الحذيا مقصور، وإنما
стр. 15936
أدخل المسك هنا؛ ليدل على تحليله إذا (دخله) (١) التحريم؛ لأنه دم لا يتغير على الحالة المكروهة من الدم، وهي الزهم، وقبح الرائحة صار حلالًا طيب الرائحة وانتقلت حاله، وكانت حاله كحال الخمر تتحلل، فتحل بعد أن كانت حرامًا بانتقالٍ، نبه على ذلك المهلب قال: وأصل هذا في كتاب الله تعالى في موسى: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ﴾ [طه:٢٠، ٢١] فحكم لها بما انتقلت إليه، وأسقط عنها ما انتقلت عنه.
وحديث أبي موسى حجة في طهارة المسك أيضًا؛ لأنه لا يجوز حمل النجاسة، ولا يأمره ﵇ بذلك، فدل على طهارته، وجل العلماء على ذلك، ولا عبرة بقول الشيعة فيه، قال ابن المنذر: وممن أجاز الانتفاع بالمسك: علي بن أبي طالب، وابن عمر، وأنس، وسلمان الفارسي، ومن التابعين: سعيد بن المسيب وابن سيرين وجابر بن زيد، ومن الفقهاء: مالك والليث والشافعي وأحمد وإسحاق وخالف ذلك آخرون، ذكر ابن أبي شيبة، عن عمر بن الخطاب: أنه كره المسك وقال: لا تحنطوني به. وكرهه عمر بن عبد العزيز وعطاء والحسن ومجاهد والضحاك، وقال أكثرهم: لا يصلح للحي ولا للميت، لأنه ميتة (٢)، وهو عندهم بمنزلة ما قطع من الميتة. قال ابن المنذر: ولا يصح ذلك إلا عن عطاء (٣).
وهذا قياس غير صحيح؛ لأن ما قطع من الحي يجري فيه الدم وليس هذا سبيل نافجة المسك؛ لأنها تسقط عند الاحتكاك كسقوط الشعر،
стр. 15937
وقد روى أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "أطيب طيبكم المسك" (١). وهذا نص قاطع للخلاف، قال ابن المنذر: وقد روينا عن رسول الله ﷺ بإسناد جيد أنه كان له مسك يتطيب به (٢).
فصل:
(المسك): طيب فارسي معرب، وكانت العرب تسميه المشموم.
والمكلوم: المجروح، (وكَلْمه) بفتح أوله وسكون ثانيه.
وقوله: ("مثل الجليس الصالح والسوء"). قال الجوهري: تقول: هذا رجل سوء بالإضافة ثم تدخل عليه الألف واللام فتقول: هذا رجل السوء (٣). قال الأخفش: ولا يقال: الرجل السوء، ويقال: الحق اليقين، وحق اليقين جميعًا؛ لأن السوء ليس بالرجل، واليقين: هو الحق، ولا يقول أحد: هذا رجلٌ السُّوء.
و"الكير": قيل: إنه الزق الذي ينفخ به الحداد يكون زقًّا أو جلدًا غليظًا ذا حافات، وقيل: هي المبنية بالطين يحمى ليخرج خبث الحديد، يوضحه قوله ﵇: "المدينة كالكير؛ تنفي خبثها وتنصع طيبها" (٤) وقيل: الكير والكور لغتان.
[قال] (٥) ابن السكيت: سمعت أبا عمرو يقول: الكور: المبني من
стр. 15938
طين، و (الكور) (١): الزق (٢).
وقوله: ("وإما أن تبتاع منه") دلالة على جواز بيعه، وهو إجماع، نعم بيعه في فأرته من غير رؤية باطل على الأصح، وقال ابن شعبان: فأرة المسك ميتة، إنما يؤخذ منها في حال الحياة أو بذكاة من لا تصح ذكاته من أهل الهند؛ إذ لا كتاب لهم، فإنما حكم له بالطهارة لاستحالتها عن صفة الدم، وخرجت عن اسم ما يختص بها فطهرت كما يستحيل الدم إلى اللحم فيطهر، وإنما لم تنجس الفأرة بالموت؛ لأنها ليست بحيوان فتنجس لعدم الذكاة وإنما هي شيء يحدث بالحيوان كالبيض في الطير وقد قام الإجماع على طهارته، قال: وقيل المسك: فأرة تموت فيكون جميع ما فيها مسكًا وقيل شيء يسقط من دويبة تسمى الفأرة، ولعلها ليست لها نفس سائلة.
قال الداودي: أو تكون مختصة من الميتات وكان ابن عمر يكره المسك، وهذا خلاف ما أسلفناه عن ابن المنذر (٣) عنه.
стр. 15939
٣٢ - باب الأَرْنَبِ
٥٥٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا وَنَحْنُ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، فَسَعَى الْقَوْمُ فَلَغَبُوا، فَأَخَذْتُهَا فَجِئْتُ بِهَا إِلَى أَبِي طَلْحَةَ فَذَبَحَهَا، فَبَعَثَ بِوَرِكَيْهَا -أَوْ قَالَ بِفَخِذَيْهَا- إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَبِلَهَا. [انظر: ٢٥٧٢ - مسلم: ١٩٥٣ - فتح ٩/ ٦٦١]
ذكر فيه حديث أَنَسٍ ﵁: أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا وَنَحْنُ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، فَسَعَى القَوْمُ فَلَغَبُوا، فَأَخَذْتُهَا فَجِئْتُ بِهَا إِلَى أَبِي طَلْحَةَ فَذَبَحَهَا، فَبَعَثَ بِوَرِكَيْهَا -أَوْ قَالَ: بِفَخِذَيْهَا- إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَبِلَهَا.
هذا الحديث سلف (١)، ومعنى (أنفجنا): أثرنا، قال ابن سيده: نفج اليربوع ينفج، نفوجًا، وانتفج: عدا، وأنفجه الصائد واستنفجه، الأخيرة عن ابن الأعرابى، ونفجت الأرنب: اقشعرت، يمانية، وكل ما اجْثألَّ فقد نفج (٢).
وفي "المنتهى" لأبي المعالي: نفج الأرنب: إذا ثار وعدا، وانتفج أيضًا، وأنفجه: الصائد أثاره من مجثمهِ، وقيل: معنى (أنفجنا): أنا جعلنا بإثارتنا إياها تنتفج، وانتفاجها: إيقاع شعرها وانتفاشه في العدو؛ لأن الشئ يذكر لغيره؛ لكونه منه بسبب، وربما قيل: صيد أثرته قد انتفج. وفي الحديث "إنكم في فتنتين تكون الأولى منها كنفجة أرنب" (٣).
стр. 15940
يريد أن الأولى تكون وإن طالت وعظمت عند الأخرى كوثبة الأرنب إذا عدت.
وفي "الجامع": نفجت الأرنب، وهو أَوْحَى عَدْوِها، وأنفجه الصائد، ويقال هذا كله للصيد.
فصل:
الأرنب واحد الأرانب، قال في "المنتهى": وربما يبدل من الباء تاء، وذكر فيه شعرًا والدرمة الأرنب، ويقال لولدها الصغير: الخرنق، والجمع خرانق.
قوله: (فلغبوا) أي أعيوا وتعبوا.
قال تعالى ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] وهو بفتح الغين على الأصح.
و (مر الظهران): اسم موضع على بريد مكة. وقيل: على أحد عشر ميلا، وقيل: على ستة عشر ميلًا. قال الجوهري: وبطن مر أيضًا موضع، وهو من مكة على مرحلة (١).
وقوله: (فقبلها) وفي رواية البخاري في كتاب الهبة: قلت: وأكل منه؟ قال: وأكل منه ثم قال بعد: قِبَلَه (٢).
وصح من حديث محمد بن صيفي الأنصاري قال: أتيت رسول الله ﷺ بأرنبتين قد ذبحهما بمروة فأكلهما ﷺ (٣).
стр. 15941
وفي رواية داود، عن الشعبي، عن محمد بن صفوان، عن النبي ﷺ نحوه، أخرجه ابن أبي عاصم وابن أبي شيبة (١)، وهو مما ألزم الدارقطني الشيخين تخريجه لصحة الطريق إلى ابن صيفي. (٢)
فصل:
في أحاديث أخر واردة في الإباحة والكراهة والتوقف.
روى ابن أبي شيبة بإسناد جيد من حديث عمر قال: كنا مع رسول الله ﷺ فأهدى رجل إليه -من الأعراب- أرنبًا فأكلناه، فقال الأعرابي: إني رأيت بها دمًا؛ فقال ﵇: "لا بأس". قال: وحدثنا وكيع عن إبراهيم أن رجلاً سأل عبد الله بن عبيد بن عمير عن الأرنب؛ فقال: لا بأس بها.
قال: إنها تحيض؛ قال: إن الذي يعلم حيضها يعلم طهرها وإنما هي حاملة من الحوامل. وعن ابن المسيب عن سعد أنه كان يأكلها، قيل لسعد: ما تقول فيها؟ قال: كنت آكلها. وعن عبيد بن سعد أن بلالًا رمى أرنبًا فذبحها فأكلها. وعن الحسن أنه كان لا يرى بأكلها بأسًا. قال طاوس: الأرنب حلال. وقال حسن بن حسن بن علي: أنا أعافها ولا أحرمها على المسلمين (٣).
قال ابن حزم: وصح من حديث أبي هريرة أنه ﵇ أتي بأرنب مشوية فلم يأكل منها وأمر القوم فأكلوا (٤).
стр. 15942
وفي أبي داود من حديث محمد بن خالد بن الحويرث قال: سمعت أبي يحدث عن عبد الله بن عمرو، وعن النبي ﷺ أنه قال في الأرنب: "إنها تحيض". (١).
وفي ابن ماجه من حديث ابن إسحاق، عن عبد الكريم بن أبي المخارق، عن حبان بن جَزْء، عن أخيه خزيمة بن جَزْء قلت: يا رسول الله، ما تقول في الأرنب؟ قال: "لا آكله ولا أحرمه". قال: ولمَ يا رسول الله؟ قال: "إني أحسب أنها تدمي" (٢).
ولابن أبي عاصم بإسناد جيد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، من عند ابن أبي شيبة أنه كره أكلها، وكذا عن عكرمة.
قال ابن حزم: روينا عن عمر أو ابنه أنه كره أكلها، وكذا عن عمرو بن العاص وابنه. وروينا من طريق وكيع، ثنا أبو مكين، عن عكرمة، عن النبي ﷺ أنه أتي بأرنب فقيل له: إنها تحيض، فكرهها.
ومن طريق عبد الرزاق عن إبراهيم بن عمر، عن عبد الكريم بن أمية قال: سأل جرير بن أنس السلمي النبي ﷺ عن الأرنب، فقال: "لا آكلها، أنبئت أنها تحيض" (٣) قال ابن حزم: حديث عكرمة مرسل وأبو أمية هالك (٤).
وقال ابن بطال: أكلها حلال عند جمهور الأمة، وذكر عبد الرزاق عن عمرو بن العاص أنه كرهها (٥)، وذكر الطبري عن عبد الله بن عمرو،
стр. 15943
وابن أبي ليلى أنهما كرهاها، وعلتهم في ذلك ما روي عن عبد الله بن عمرو، وأنه قال: كنت قاعدًا عند النبي ﷺ فجيء بها إليه فلم يأمر بأكلها ولم ينه عنها، وزعم أنها تحيض.
قال الطبري: وروي عن عبد (١) الله بن عبيد بن عمير قال: سأل رجل أبي عن الأرنب أيحل أكلها؟ قال: وما الذي يحرمها؟ قال: زعموا أنها تطمث كما تطمث المرأة. قال: فهل تعلم متى تطهر؟ قال: لا. قال: فإن الذي يعلم متى طمثها يعلم متى طهرها، وإلا فإنما هي حاملة من الحوامل، إن الله تعالى لم يزد شيئًا نسيه، فما قال الله ورسوله فهو كما قالا، وما لم يقولا فعفو من الله، وهذا مثل ما كره رسول الله ﷺ الضب ولم يحرمه (٢). كما ستعلمه، وقد سلف أثر عبد الله قريبًا مختصرًا. وقد وقع في الرافعي عن أبي حنيفة تحريمها (٣). وأما النووي فحكى عنه حلها (٤).
стр. 15944
٣٣ - باب الضَّبِّ
٥٥٣٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الضَّبُّ لَسْتُ آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ». [مسلم: ١٩٤٣ - فتح ٩/ ٦٦٢]
٥٥٣٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَيْتَ مَيْمُونَةَ، فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ، فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ: أَخْبِرُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ. فَقَالُوا: هُوَ ضَبٌّ يَا رَسُولَ اللهِ. فَرَفَعَ يَدَهُ، فَقُلْتُ: أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: «لَا، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ». قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْظُرُ. [انظر:
٥٣٩١ - مسلم: ١٩٤٦ - فتح ٩/ ٦٦٣]
ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ ﵄: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الضَّبُّ لَسْتُ آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ".
وحديث خَالِدِ بْنِ الوَلِيدِ أَنَّهُ أكل بحضرته. الحديث بطوله سلف الكلام عليه، وهو مباح عند مالك والشافعي، وكرهه أبو حنيفة (١).
وحديث الباب صريح في الإباحة، وعلل بالعيافة.
وهذا الضب جاء أنه أهداه خالة ابن عباس أم حفيد أو حفيدة بنت الحارث بن حزن أخت ميمونة وكانت (بنجذ تحت) (٢) رجل من بني جعفر.
стр. 15945
وفي لفظ: "كلوا فإنه حلال" (١)، وفي آخر: "لا بأس به" (٢)، وفي آخر: "لا آكله ولا أنهى عنه" (٣).
ولأبي داود، عن ابن عباس ﵄: فجاءوا بضبين مشويين على ثمامتين، فتبزق رسول الله ﷺ ، فقال له خالد: إخالك تقذره يا رسول الله. قال: "أجل" (٤).
وفي "الموطأ" من حديث سليم بن يسار رفعه: "من أين لكم هذا؟ " يعني: ضبابا فيها بيض، فقالت: أهدته إلى أختي هزيلة، فقال: "كلا"، فقالا -يعني ابن عباس وخالته-: قال: "إني حضرني من الله حاضر -يريد: الملائكة- والضب له رائحة ثقيلة". فكره أذى الملائكة بذلك، ذكره أبو القاسم في "شرح الموطأ".
ولمسلم من حديث أبي سعيد مرفوعًا: "إن الله غضب على سبط من بني إسرائيل فمسخهم دواب يدبون في الأرض، فلا أدري لعل هذا منها، فلست آكلها ولا أنهى عنها". قال أبو سعيد: فلما كان بعد ذلك قال عمر: إن الله تعالى لينفع به غير واحد وإنه لطعام عامة الرعاء، ولو كان عندي لطعمته، وإنما عافه رسول الله ﷺ (٥).
وفي حديث جابر أنه ﷺ قال: "لا أدري" أو قال: "لعله من القرون التي مسخت" (٦).
стр. 15946
وعن ثابت بن وديعة عند أبي داود: كنا مع رسول الله ﷺ في جيش فأصبنا ضبًا، فشويت منها ضبًّا ووضعته بين يدي رسول الله ﷺ ، فأخذ عودًا فعد به أصابعه ثم قال: "أمة من بني إسرائيل مسخت دواب في الأرض، وإني لا أدري أي الدواب هي" فلم يأكل ولم ينه (١). وصح عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه ﵇ وجد ريح ضب فرخص لهم في أكله. وعن ابن المسيب قال عمر: ضب أحب إليَّ من دجاجة. وعن الشعبي أنه ﵇ سئل عن الضب، فقال: "حلال لا بأس بأكله لكني أعافه" (٢).
ولأبي داود عن ابن عمر بإسناد جيد أنه ﵇ قال: "وددت أن عندي خبزة بيضاء من برة سمراء ملبقة بسمن ولبن"، فقام رجل من القوم فجاء به، فقال: "في أي شيء كان السمن؟ " قال: في عكة ضب. فقال "ارفعه" (٣).
وعن عبد الرحمن بن شبل أنه ﵇ نهى عن أكل لحم الضب (٤).
وروى ابن أبي عاصم بإسناد جيد عن عبد الرحمن بن حسنة قال: كنا مع النبي ﷺ فنزلنا أرضًا كثيرة الضباب فذبحنا، فبينما القدور تغلي بها إذ خرج رسول الله ﷺ فقال: "أمة من بني إسرائيل فقدت، وإني أخاف أن يكون من هذا". فأكفأناها وإنا لجياع.
стр. 15947
وعن أبي سعيد قال: أُتي رسول الله ﷺ بضب، قال: "اقلبوه". فقلبوه، فقال: "تاه سبط من بني إسرائيل حين غضب الله عليهم، فإن يكن فهو هذا" (١). وعن عائشة ﵂: أهدي إلى رسول الله ﷺ (ضب) (٢) فلم يأكل منه، فقلت: يا رسول الله، ألا نطعمه السؤّال؟ فقال: "لا (تطعموا) (٣) السؤّال ما لا تأكلون" (٤) فإن قلت: قد يحمل على الرداءة لا الحرمة، كما نهى عن الصدقة بالرديء.
قلت: ذاك عند القدرة على غيره دون ما إذا لم يكن عنده سواه أو كان نفر من طبعه دون طبع غيرهن والظاهر أن عائشة لم يكن عندها سواه. والأشبه أن تحمل الكراهة عند الحنفية على التنزيه لتتفق معاني الآثار وكما أسلفناه من أن المسخ لا يعقب.
قال ابن أبي عاصم: وفي الضب عن أبي مريم الكندي وعبد الرحمن ابن شبل (٥) وسمرة وميمونة وخزيمة بن جَزْء.
قلت: حديث سمرة أخرجه الدارمي، ولفظه: "أمة من بني إسرائيل مسخت، فلا أدري أي الدواب مسخت".
ثم ساقه من حديث أبي هريرة مرفوعًا قال: ومنها ألفاظ مختلفة على رجال شتى من الصحابة، لم يصحح أحد منهم عن رسول الله ﷺ تحريمها، وأكثر من روى أنه أمسك عن أكلها عيافة.
стр. 15948
وحديث عبد الرحمن بن حسنة يدل على النهي، إذ أمر أن تُكفأ القدور بها (١).
وحديث ميمونة أخرجه ابن أبي شيبة من حديث يزيد بن أبي زياد بلفظ: "إنكما أهل نجد تأكلونها، وإنا أهل المدينة لا نأكلها".
ومن حديث الحارث عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه كره أكلها (٢).
فصل:
قال ابن حزم: أكل الضب حلال ولم ير أبو حنيفة أكله.
روى أبو الزبير عن جابر ﵁ أنه سئل عن الضب فقال: لا نطعمه. قال: وحديث عبد الرحمن بن شبل ففيه ضعفاء ومجهولون، وأما حديث عبد الرحمن بن حسنة فصحيح وحجة، إلا أنه منسوخ بلا شك؛ لأن فيه أنه ﵇ إنما أمر بإكفاء القدور بالضباب خوف أن تكون من بقايا مسخ الأمة السالفة، هذا نص الحديث، فإن وجدنا عنه ﵇ ما يؤمن من هذا الظن بيقين فقد ارتفعت الكراهة أو المنع في الضب فنظرنا في ذلك فوجدنا في "صحيح مسلم" عن ابن مسعود، قيل: يا رسول الله، القردة والخنازير مما مسخ؟ فقال: "إن الله لم يهلك قومًا أو يعذب قومًا فيجعل لهم نسلاً، وإن القردة والخنازير كانوا قبل ذلك" (٣) فصح يقينًا أن تلك المخافة منه في الضباب أن تكون مما مسخ قد ارتفعت وأنها ليس مما مسخ (ولا مما مسخ) (٤) شيء في صورتها فحلت.
стр. 15949
وحديث ابن عباس في أكله بحضرة رسول الله نص على تحليله وهو الآخر الناسخ؛ لأن ابن عباس لم يجتمع -بلا شك- مع رسول الله ﷺ بالمدينة إلا بعد انقضاء الفتح وحنين والطائف ولم يغز بعدها إلا تبوك، ولم تصبهم في تبوك مجاعة أصلاً، فصح يقينًا أن خبر ابن حسنة كان قبل هذا بلا مرية فارتفع الإشكال جملة وصحت إباحة عمر وغيره (١).
قلت: قوله: لأن ابن عباس. إلى آخره. قد يحتمل أنه كان لما تزوج ميمونة، ويحمل قوله: في بيت ميمونة، على موضع منها أي موضع كان.
وغزوة تبوك سماها الرب تعالى بالعسرة وقد أسلفنا عن عائشة ﵂ وعبد الله بن عمر في كراهة أكلها.
وقوله في حديث ابن شبل ما سلف من الطعن يرده أن أبا داود أخرجه عن محمد بن عوف الحمصي الإمام (٢) -وثقه الخلال ومسلمة والجياني- عن الحكم بن نافع -وهو ثقة عند أبي حاتم الرازي (٣) وابن معين والخليلي وابن حبان في "ثقاته" (٤)، وأثنى عليه غيرهم- عن إسماعيل بن عياش -وقد قال جماعة: حديثه عن الشاميين صحيح، منهم يحيى بن معين والبخاري (والعلاء بن) (٥) ويعقوب بن سفيان وأبو زرعة وأبو أحمد الحاكم والبرقي والساجي وابن حبان وابن عدي (٦) وحديثه هنا عن الشاميين وهو ضمضم بن زرعة بن ثوب
стр. 15950
الحمصي الشامي وثقه ابن حبان (١)، وقال الأونبي (٢) في "ثقاته": وثقه ابن نمير وغيره.
وقال أبو بكر أحمد بن محمد بن عيسى البغدادي: لا بأس به عن شريح بن عبيد الشامي الحمصي وهو ثقة عند النسائي ودحيم وابن حبان والعجلي (٣) ومحمد بن عوف، وابن خلفون عن أبي راشد الحبراني وهو ثقة عند العجلي وابن حبان (٤) والحاكم عن (شرحيل) (٥) وصحبته ثابتة بلا شك، فهذا إسناد لا ضعيف فيه ولا مجهول.
فصل:
قال الطبري عقب حديث خالد: قال به جماعة من السلف وأحلوا أكله، روي عن عمر وعائشة وابن مسعود.
وقال أبو سعيد الخدري: إن كان أحدنا ليهدى إليه الضب المكونة أحب إليه من أن تهدى له الدجاجة السمينة.
وروي عن ابن سيرين، وهو قول مالك والأوزاعي والشافعي، وقد سلف عن أبي حنيفة الكراهة (٦) ونقله الطبري عن الكوفيين أن أكلها
стр. 15951
مكروه وليست بحرام، وروي عن أبي هريرة، وقال آخرون: حرام.
واعتلوا بحديث الأعمش عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن حسنة قال: كنا مع رسول الله ﷺ فنزلنا أرضًا كثيرة الضباب فذبحناها فبينما القدور تغلي .. الحديث وقد سلف، ثم ساق حديث عائشة السالف أيضًا.
قالوا: الأخبار بالنهي عنها صحيحة، وقد روى عبد الرحمن الشامي عن الحارث، عن علي ﵁ أنه نهى عن الضب، قال: والصواب في ذلك قول من قال أنه حلال؛ للخبر الصحيح عنه.
وتركه عباد كما قاله عمرو، ولم يأت خبر صحيح بتحريمه بل قال له عمر: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: "لا".
وقد روى الثوري عن علقمة بن مرثد، عن [المغيرة] (١) بن عبد الله اليشكري، عن المعرور بن سويد، عن [ابن] (٢) مسعود أنه ﵇ سألته أم حبيب (٣): يا رسول الله القردة والخنازير؟ .. الحديث، وقد سلف.
قال الطحاوي: فبين في هذا الحديث أن المسوخ لا يكون لها نسل ولا عقب فعلمنا بذلك أن الضب لو كان مسخًا لم يبق (٤).
وروي عن ابن عباس أنه قال: لم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام ولم يأكل ولم يشرب.
وأما حديث الأسود عن عائشة ﵂ فلا حجة لهم فيه، ثم
стр. 15952
ذكر ما أسلفناه من أنه أراد أن يكون مما يتقرب به إلى الله من خير الطعام، كما نهى أن يتصدق بالبسر والتمر الرديء، وفي ذلك نزلت ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وبقول مالك قال الطحاوي.
قال الطبري: وليس في الحديث أنه ﵇ قطع أن الضب من المسوخ وإنما قال: أخشى أن تكون مسخت على صور هذِه وخلقتها، لا أنها بعينها فكرهها؛ لشبهها في الخلقة والصورة، خلقًا غضب الله عليه فغيره الله تعالى عن هيئته وصورته إلى صورتها، وعلى هذا التأويل يصح معنى قوله: إن المسخ لا يعقب.
ومعنى قول ابن عباس السالف إذ لم يمسخ الله تعالى خلقًا من خلقه على صورة دابة من الدواب إلا كره إلى نبينا وأمته أكل لحم تلك الدابة أو حرمها كتحريمه عليهم لحوم الخنازير التي مسخت على صورتها أمة من اليهود، وكتحريمه لحوم القردة التي مسخت على صورتها فيهم أمة أخرى غير أن قوله: "أخشى أن تكون هذِه" بيان واضح أنه لم يتبين أن الضب من نوع الأمة التي مسخت؛ ولذلك لم يحرمها (ولو) (١) تبين له فيها ما تبين من القردة والخنازير لحرمها، ولكنه رأى خلقًا مشكلًا يشبه المسوخ فكرهه ولم يحرمه ولم يأته وحي من الله.
فصل:
قال غيره: وفيه من الفقه أنه يجوز للمرء أن يترك أكل ما هو حلال إذ لم يجر له بأكله عادة، ويكون في سعة من ذلك.
فصل:
معنى "أعافه": أكرهه، يقال: عافه الطعام يعافه عيافة وعيوفًا: إذا كرهه.
стр. 15953
والمحنوذ: المشوي، قال تعالى ﴿جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: ٦٩] أي: محنوذ، حنذت اللحم حنذًا: شويته.
وقوله: (فاجتررته)، هو بالجيم والراء المكررة، وفي نسخة بالزاي.
فصل:
(الضب) بفتح الضاد: حيوان بري معروف.
قال الداودي: هو دويبة صغيرة فوق الحية في الغلظ والطول، وكان أهل المدينة يأكلونها وكانت عند أحدهم خيرًا من دجاجة، وقد أسلفناه عن عمر وغيره، وعبارة صاحب "الغريبين": هي دويبة تشبه الورل يأكله العرب، وكذا نص عليه الجوهري أن الورل يشبه الضب أيضًا (١). وهي لا ترد الماء، ومن عجائبه أن الذكر له ذكران والأنثى فرجان، ويشترك معه في هذِه (الخصوصية) (٢) السقنقور وأن أسنانه لا تتبدل ولا يقلع منها شيء، يقال: إنها قطعة واحدة.
وأفاد ابن خالويه في كتاب "ليس": أنه يعيش سبعمائة سنة فصاعدًا، ويقال: إنها تبول في كل أربعين يومًا قطرة، وغير ذلك مما أوضحته في "لغات المنهاج" فراجعه منه.
стр. 15954
٣٤ - باب إِذَا وَقَعَتِ الْفَأْرَةُ فِي السَّمْنِ الْجَامِدِ أَوِ الذَّائِبِ
٥٥٣٨ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُهُ، عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ فَأْرَةً وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَمَاتَتْ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهَا، فَقَالَ: «أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَكُلُوهُ». قِيلَ لِسُفْيَانَ: فَإِنَّ مَعْمَرًا يُحَدِّثُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: مَا سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ إِلاَّ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ مِرَارًا. [انظر: ٢٣٥ - فتح ٩/ ٦٦٧]
٥٥٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ الدَّابَّةِ تَمُوتُ فِي الزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَهْوَ جَامِدٌ أَوْ غَيْرُ جَامِدٍ، الْفَأْرَةِ أَوْ غَيْرِهَا، قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِفَأْرَةٍ مَاتَتْ فِي سَمْنٍ، فَأَمَرَ بِمَا قَرُبَ مِنْهَا فَطُرِحَ، ثُمَّ أُكِلَ، عَنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ. [انظر: ٢٣٥ - فتح ٩/ ٦٦٨]
٥٥٤٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ ﵃ قَالَتْ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ، فَقَالَ: «أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَكُلُوهُ». [انظر: ٢٣٥ - فتح ٩/ ٦٦٨]
ذكر فيه حديث مَيْمُونَةَ ﵂، وقد سلف في الطهارة (١)، وهنا أطول منه فإنه ساقه عن الحُمَيْدِيِّ، ثَنَا سُفْيَانُ، ثَنَا الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّهُ سَمِعَ ابن عَبَّاسٍ يُحَدِّثُهُ، عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ فَأْرَةً وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَمَاتَتْ، فَسُئِلَ رسول الله ﷺ عَنْهَا، فَقَالَ: "أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَكُلُوهُ". قِيلَ لِسُفْيَانَ: إِنَّ مَعْمَرًا يُحَدِّثُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: مَا سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُه إِلَّا عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ، عَنِ
стр. 15955
النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ مِرَارًا.
حَدَّثنَا عَبْدَانُ، أَنَا عَبْدُ اللهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ الدَّابَّةِ تَمُوتُ فِي الزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَهْوَ جَامِدٌ أَوْ غَيْرُ جَامِدٍ، الفَأْرَةِ أَوْ غَيْرِهَا، قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِفَأْرَةٍ مَاتَتْ فِي سَمْنٍ، فَأَمَرَ بِمَا قَرُبَ مِنْهَا فَطُرِحَ، ثُمَّ أُكِلَ. مَنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ.
ثم ساق من حديث مالك: عن ابن شهاب، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ قالَتْ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ، فَقَالَ: "أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَكُلُوهُ".
الشرح:
توقف البخاري في إسناد معمر عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة؛ لأنه انفرد به معمر عن الزهري.
وأما حديث الزهري عن عبيد الله، عن ابن عباس فرواه جماعة أصحاب ابن شهاب عنه بهذا الإسناد، وقد صحح الذهلي الإسنادين جميعًا عن ابن عباس، وإنما لم يدخل البخاري في الحديث "وإن كان مائعًا فلا تقربوه" (١)؛ لأنه من رواية معمر عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة واستراب انفراد معمر، قلت: وأما ابن حبان فصححه (٢).
وفي قوله ﵇: "ألقوها وما حولها" دلالة على أن السمن كان جامدًا؛ لأنه لا يمكن طرح ما حولها في المائع الذائب؛ لأنه عند الحركة يمتزج بعضه ببعض.
стр. 15956
وقام الإجماع على أن هذا حكم السمن الجامد تقع فيه الميتة فتلقى وما حولها ويؤكل سائره؛ لأنه ﵇ حكم للسمن الملاصق للفأرة بحكم الفأرة، لتحريم الله تعالى الميتة، فأمر بإلقاء ما مسها منه، وأما السمن المائع والزيت والخل والمري والعسل وسائر المائعات تقع فيه الميتة، ولا خلاف أيضًا بين أئمة الفتوى أنه لا يؤكل منها شيء.
واختلفوا في بيعه والانتفاع به، فقالت طائفة: لا يباع ولا ينتفع بشيء منه كما لا يؤكل، هذا قول الحسن بن صالح وأحمد، واحتجوا بحديث أبي هريرة السالف وبقوله: "لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها" (١).
وقال آخرون: يجوز الاستصباح به والانتفاع به في الصابون وغيره، ولا يجوز بيعه وأكله، هذا قول مالك والثوري والشافعي، واحتجوا برواية عبد الواحد بن زياد، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "وإن كان مائعًا فاستصبحوا به" (٢) قالوا: وقد روي عن علي وابن عمر وعمران بن حصين: أنهم أجازوا الاستصباح به، وأمر ابن عمر أن يدهن به الأدم، وذكر الطبري عن ابن عباس مثله، وذكر ابن المنذر عن ابن مسعود وأبي سعيد الخدري وعطاء مثله (٣).
стр. 15957
واحتجوا في منع بيعه بقوله ﵇ في الخمر: "إن الله تعالى حرم شربها وحرم بيعها" (١) وبحديث النهي عن بيع الشحوم (٢)، وأيضاً فإنه قد ينتفع مما لا يجوز بيعه، ألا ترى أنّا ننتفع بأم الولد ولا يجوز بيعها، وننتفع بكلب الصيد ونمنع من بيعه، ويطفأ الحريق بالماء النجس والخمر ولا يجوز بيعه، وهذا كله انتفاع.
وقال آخرون: ينتفع بالزيت الذي تقع فيه الميتة بالبيع وكل شيء ما عدا الأكل، قالوا: ويجوز أن يبيعه ويبين؛ لأن كل ما جاز الانتفاع به جاز بيعه، والبيع من الانتفاع وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والليث.
وروي عن أبي موسى أنه قال: بيعوه وبينوا لمن تبيعونه عيبه ولا تبيعوه من مسلم (٣)، وروى ابن وهب عن القاسم وسالم أنهما أجازا بيعه وأكل ثمنه بعد البيان.
قال الكوفيون: ويحمل ما روى معمر من قوله ﵇: "وإن كان مائعًا فلا تقربوه" أي: للأكل، وليس في تحريم الشحوم على اليهود وتحريم ثمنها حجة لمن منع بيع الزيت تقع فيه الميتة؛ لأن الحديث خرج على تحريم شحوم الميتة وهي نجسة الذات فلا يجوز بيعها ولا أكلها ولا الانتفاع بها، والزيت والسمن الذي تقع فيه الميتة إنما ينجس بالجوار، ولا ينجس بالذات كالثوب الذي يصيبه الدم، ولذلك رأى
стр. 15958
بعض العلماء غسله ويجوز عندهم الاستصباح به، ولا يجوز بشحوم الميتة.
وقال أهل الظاهر فيما نقله ابن القصار: لا يجوز بيع السمن ولا الانتفاع به إذا سقطت فيه الفأرة، ويجوز بيع الزيت والخل والمري وجميع المائعات تقع فيها الفأرة؛ لأن النهي إنما ورد في السمن فقط وهذا إبطال للمعقول؛ لأنه ﵇ لما نص على السمن وهو مما يؤكل ويشرب وهو من المائعات الطاهرات كان فيه تنبيه على كل ما هو طاهر مثله؛ لأنه يثقل عليه أن يقول السمن والزيت والشيرج والخل والمري والدهن والمرق والعصير وكل مائع لأنه أوتي جوامع الكلم، وهذا كما قال تعالى ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] فنبه بذلك على أن كل ما كان في معناه من الانتهار والسب فما فوقه مثله في التحريم، وكذلك كل مائع وقعت فيه نجاسة هو مثل السمن.
ومما يبطل به مذهبهم أن يقال لهم: ما تقولون في السمن تموت فيه وزغة أو حية أو سائر الحيوان؟ فإن طردوا أصلهم وقالوا: لا ينجس السمن بموت شيء من الحيوان فيه غير الفأرة التي ورد النص فيها خرجوا من قول الأمة ومن المعقول، وإن سووا بين جميع ما يموت في السمن من سائر الحيوان لزمهم ترك مذهبهم.
وذكر ابن التين في "شرحه" سؤالًا وجوابًا فقال: هلا طرح ما قابل فم الفأرة خاصة؛ لأن نفسها خاصة نجس وهي دهنية توجد عند فيها.
قيل: إذا خرجت النفس غرقت الفأرة فيتنجس ما حولها، ومعنى ذلك إذا لم يخص بهنّ للجامد يذوب فيها، قاله سحنون.
стр. 15959
٣٥ - باب الْوَسْمِ وَالْعَلَمِ فِي الصُّورَةِ
٥٥٤١ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ تُعْلَمَ الصُّورَةُ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُضْرَبَ. تَابَعَهُ قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا الْعَنْقَزِيُّ، عَنْ حَنْظَلَةَ وَقَالَ: تُضْرَبُ الصُّورَةُ. [فتح ٩/ ٦٧٠]
٥٥٤٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِأَخٍ لِي يُحَنِّكُهُ وَهْوَ فِي مِرْبَدٍ لَهُ، فَرَأَيْتُهُ يَسِمُ شَاةً حَسِبْتُهُ قَالَ: فِي آذَانِهَا. [انظر: ١٥٠٢ - مسلم: ٢١١٩ - فتح ٩/ ٦٧٠]
حدثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابن عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ تُعْلَمَ الصُّورَةُ. وَقَالَ ابن عُمَرَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُضْرَبَ. تَابَعَهُ قُتَيْبَةُ، ثَنَا العَنْقَزِيُّ، عَنْ حَنْظَلَةَ وَقَالَ: تُضْرَبُ الصُّورَةُ. ثم ساق حديث أَنَسٍ ﵁: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِأَخٍ لِي يُحَنِّكُهُ وَهْوَ فِي مِرْبَدٍ لَهُ، يَسِمُ شَاةً حَسِبْتُهُ قَالَ: فِي آذَانِهَا.
الشرح:
(العنقزي) نسبة إلى العنقز وهو المرزنجوش واسمه عمرو بن محمد القرشي مولاهم، مات سنة تسع وتسعين ومائة، انفرد به مسلم. وعلق له البخاري كما ترى.
والصورة: الوجه، والمربد: الموضع الذي تحبس فيه الإبل وغيرها، وهو اسم الموضع الذي يجفف فيه التمر عند أهل المدينة وهو المسطح والجرين في لغة أهل نجد.
والوسم في الصورة مكروه عند العلماء كما قاله ابن بطال (١) وعندنا أنه حرام.
стр. 15960
وفي أفراد مسلم من حديث جابر أنه ﵇ مر على حمار وقد وسم في وجهه فقال: "لعن الله الذي وسمه" (١) وإنما كرهوه لشرف الوجه وحصول الشَّيْن فيه وتغيير خلق الله.
وأما الوسم في غير الوجه للعلامة والمنفعة بذلك فلا بأس به إذا كان يسيرًا غير شائن، ألا ترى أنه يجوز في الضحايا وغيرها، والدليل على أنه لا يجوز الشائن من ذلك أنه ﵇ حكم أن من شان عبدًا ومثل به باستئصال أنف أو أذن أو جارحة عتق عليه، وليس يعتق إن جرحه أو شق أذنه، وقد وسم الشارع إبل الصدقة وهو حجة ما لا يشين منه، وقد سلف حيث يجوز الوسم من البهائم في باب وسم الإمام إبل الصدقة في كتاب الزكاة (٢).
فائدة:
هذا الأخ هو عبد الله بن أبي طلحة كما فسر في موضع آخر منه، وقوله: (حسبته قال: في آذانها)، الظاهر أنه من قول شعبة إذ في الصحيح أيضًا، قال شعبة: وأكثر علمي أنه قال: في آذانها (٣).
وفي رواية لأحمد وابن ماجه: يسم غنمًا في آذانها (٤).
стр. 15961
٣٦ - باب إِذَا أَصَابَ قَوْمٌ غَنِيمَةً فَذَبَحَ بَعْضُهُمْ غَنَمًا أَوْ إِبِلاً بِغَيْرِ أَمْرِ أَصْحَابِهِمْ، لَمْ تُؤْكَلْ؛ لِحَدِيثِ رَافِعٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ -.
وَقَالَ طَاوُسٌ وَعِكْرِمَةُ في ذَبِيحَةِ السَّارِقِ: اطْرَحُوهُ.
٥٥٤٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّنَا نَلْقَى الْعَدُوَّ غَدًا، وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى. فَقَالَ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ فَكُلُوا، مَا لَمْ يَكُنْ سِنٌّ وَلَا ظُفُرٌ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ، أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفْرُ فَمُدى الْحَبَشَةِ». وَتَقَدَّمَ سَرَعَانُ النَّاسِ فَأَصَابُوا مِنَ الْغَنَائِمِ وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي آخِرِ النَّاسِ، فَنَصَبُوا قُدُورًا، فَأَمَرَ بِهَا فَأُكْفِئَتْ، وَقَسَمَ بَيْنَهُمْ وَعَدَلَ بَعِيرًا بِعَشْرِ شِيَاهٍ، ثُمَّ نَدَّ بَعِيرٌ مِنْ أَوَائِلِ الْقَوْمِ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ خَيْلٌ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ اللهُ. فَقَالَ: «إِنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَا فَعَلَ مِنْهَا هَذَا، فَافْعَلُوا مِثْلَ هَذَا». [انظر:
٢٤٨٨ - مسلم: ١٩٦٨ - فتح ٩/ ٦٧٢]
ثم ساق حديث رافع بطوله، وفيه: (وَتَقَدَّمَ سَرَعَانُ النَّاسِ فَأَصَابُوا مِنَ الغَنَائِمِ) وسرعان الناس: أخفاؤهم وهم المستعجلون منهم، كذا رواه المتقنون وهو قول الكسائي وهو الوجه، وضبطه بعضهم بسكون الراء وله وجه، وضبطه الأصيلي وغيره: سُرعان والأول أوجه، لكن يكون جمع سريع كقفيز وقُفْزان.
وحكى الخطابي عن بعضهم سُرعان قال: وهو: خطأ: وأما قولهم سرعان ما فعلت بالفتح والضم والكسر (١).
стр. 15962
وقال ابن التين: ضبط بضم السين، والذي في "الصحاح": سَرَعان الناس -بالتحريك -أوائلهم؛ قال: وهنا يلزم الإعراب نونه من كل وجه (١).
قال: وقول طاوس وعكرمة لعله يريد على التنزه وإلا فإذا ضمنه صاحبها أو رضي أخذها فأكلها جائز، وقوله في الترجمة: (فذبح بعضهم إبلًا أو غنمًا بغير أمر أصحابهم) هم سرعان الناس الذين فعلوه دون اتفاق من أصحابهم، وقد سلف في الجهاد أيضًا (٢)، وكذا معنى أمره بإكفاء القدور في الذبائح قريبًا.
وأما ذبيحة السارق فقال ابن بطال: لا أعلم من تابع طاوسًا وعكرمة على كراهة أكلها غير إسحاق بن راهويه، وجماعة الفقهاء على إجازتها، وأظن أن البخاري أراد نصر قول طاوس وعكرمة لحديث رافع وجعل أمره بإكفاء القدور حجة لمن كره ذبيحة السارق، ورأى الذين ذبحوا الغنائم بغير أمر أصحابهم في معنى ذبيحة السارق حين ذبحوا ما ليس لهم؛ لأنهم إنما ذبحوا في بلاد الإسلام بذي الحليفة قرب المدينة، كذا وقع وفيه نظر، وقد خرجوا من أرض العدو فلم يكن لبعضهم أن يستأثر بشيء منها دون أصحابه وليس في ذلك حجة قاطعة؛ لأنه قد اختلف في معنى أمره بإكفائها، وقيل: إنها كانت نهبة ولا تقطع على وجه من ذلك، واختلف أيضًا في قطع من سرق من المغنم (٣).
стр. 15963
٣٧ - باب إِذَا نَدَّ بَعِيرٌ لِقَوْمٍ فَرَمَاهُ بَعْضُهُمْ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ فَأَرَادَ إِصْلَاحَهُمْ فَهْوَ جَائِزٌ
لِخَبَرِ رَافِعِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
٥٥٤٤ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَنَدَّ بَعِيرٌ مِنَ الإِبِلِ -قَالَ:- فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ لَهَا أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا». قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَكُونُ فِي الْمَغَازِي وَالأَسْفَارِ، فَنُرِيدُ أَنْ نَذْبَحَ فَلَا تَكُونُ مُدًى. قَالَ: «أَرِنْ، مَا نَهَرَ -أَوْ أَنْهَرَ- الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ فَكُلْ، غَيْرَ السِّنِّ وَالظُّفُرِ، فَإِنَّ السِّنَّ عَظْمٌ، وَالظُّفُرَ مُدَى الْحَبَشَةِ». [انظر: ٣٤٨٨ - مسلم: ١٩٦٨ - فتح ٩/ ٦٧٣]
ثم ساقه أيضًا.
ومعنى أراد إصلاحهم كما قاله المهلب، يعني: إذا علم مرادهم فأراد حبسه على أربابه ولم يرد إفساده عليهم، فلذلك لم يضمن البعير وحل أكله؛ لأن هذا الحبس الذي حبسه بالسهم قد يكون فيه هلاكه من غير ذبح ولا نحر مشروع، وقد سلف اختلاف العلماء في ذلك قريبًا، وأما من قتل بعيرًا لقوم بغير إذنهم فعليه ضمانه إلا أن يقيم بينة بأنه صال عليه.
وقال ابن التين: تأول البخاري مثل ما تقدم عن أبي حنيفة وليس في الخبر دليل بين، وقوله: ("أرن ما نهر -أو أنهر- الدم") قال ابن التين: صحيحه "أنهر"، وكذلك في أكثر الروايات رباعي، وإنما يقال: نهر إذا جرى وأنهرته أنا.
стр. 15964
وقال عياض: "ما أنهر الدم" أي: ما أساله وصبه بمرة كصب النهر (١)، كذا الرواية فيه في الأمهات، ووقع الأصيلي في كتاب الصيد "ما نهر الدم" وليس بشيء، والصواب "أنهر" كما في سائر المواضع.
стр. 15965
٣٨ - باب أَكْلِ الْمُضْطَرِّ
لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٢ - ١٧٣]، وقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾ [المائدة: ٣]. وقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿بِالْمُعْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٨ - ١١٩] ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ قال ابن عباس مهراقًا ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾، إلى قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] وقال: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ (١) الآية [المائدة: ٨٨]. [فتح ٩/ ٦٧٣].
الشرح:
أصل البغي: قصد الفساد، وأصل العدوان: الظلم، واختلف المفسرون فيها فقيل: معنى ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ أي: في أكلها ولا متعد فيه من غير ضرورة، وعبارة ابن عباس: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ في الميتة ﴿وَلَا عَادٍ﴾ في الأكل. وقال الحسن: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ فيها ولا متعد بأكلها وهو غني عنها، وقيل: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ غير مستحل لها ﴿وَلَا عَادٍ﴾ متزود منها، وقيل: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ في أكله شهوة بأكلها متلذذًا، ﴿وَلَا عَادٍ﴾ يأكل حتى يشبع ولكن يأكل ليمسك رمقه، وقيل ﴿عَادٍ﴾ معناه: عائد، فهو من المقلوب كشاكي السلاح أصله شائك، وهارٍ: أصله هائر، ولاتٍ أصله لائت ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ على الأئمة ﴿وَلَا عَادٍ﴾