← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 15961–16000 · переход к 15966.

стр. 15961

٣٦ - باب إِذَا أَصَابَ قَوْمٌ غَنِيمَةً فَذَبَحَ بَعْضُهُمْ غَنَمًا أَوْ إِبِلاً بِغَيْرِ أَمْرِ أَصْحَابِهِمْ، لَمْ تُؤْكَلْ؛ لِحَدِيثِ رَافِعٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ -. وَقَالَ طَاوُسٌ وَعِكْرِمَةُ في ذَبِيحَةِ السَّارِقِ: اطْرَحُوهُ. ٥٥٤٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّنَا نَلْقَى الْعَدُوَّ غَدًا، وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى. فَقَالَ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ فَكُلُوا، مَا لَمْ يَكُنْ سِنٌّ وَلَا ظُفُرٌ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ، أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفْرُ فَمُدى الْحَبَشَةِ». وَتَقَدَّمَ سَرَعَانُ النَّاسِ فَأَصَابُوا مِنَ الْغَنَائِمِ وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي آخِرِ النَّاسِ، فَنَصَبُوا قُدُورًا، فَأَمَرَ بِهَا فَأُكْفِئَتْ، وَقَسَمَ بَيْنَهُمْ وَعَدَلَ بَعِيرًا بِعَشْرِ شِيَاهٍ، ثُمَّ نَدَّ بَعِيرٌ مِنْ أَوَائِلِ الْقَوْمِ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ خَيْلٌ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ اللهُ. فَقَالَ: «إِنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَا فَعَلَ مِنْهَا هَذَا، فَافْعَلُوا مِثْلَ هَذَا». [انظر: ٢٤٨٨ - مسلم: ١٩٦٨ - فتح ٩/ ٦٧٢] ثم ساق حديث رافع بطوله، وفيه: (وَتَقَدَّمَ سَرَعَانُ النَّاسِ فَأَصَابُوا مِنَ الغَنَائِمِ) وسرعان الناس: أخفاؤهم وهم المستعجلون منهم، كذا رواه المتقنون وهو قول الكسائي وهو الوجه، وضبطه بعضهم بسكون الراء وله وجه، وضبطه الأصيلي وغيره: سُرعان والأول أوجه، لكن يكون جمع سريع كقفيز وقُفْزان. وحكى الخطابي عن بعضهم سُرعان قال: وهو: خطأ: وأما قولهم سرعان ما فعلت بالفتح والضم والكسر (١).

стр. 15962

وقال ابن التين: ضبط بضم السين، والذي في "الصحاح": سَرَعان الناس -بالتحريك -أوائلهم؛ قال: وهنا يلزم الإعراب نونه من كل وجه (١). قال: وقول طاوس وعكرمة لعله يريد على التنزه وإلا فإذا ضمنه صاحبها أو رضي أخذها فأكلها جائز، وقوله في الترجمة: (فذبح بعضهم إبلًا أو غنمًا بغير أمر أصحابهم) هم سرعان الناس الذين فعلوه دون اتفاق من أصحابهم، وقد سلف في الجهاد أيضًا (٢)، وكذا معنى أمره بإكفاء القدور في الذبائح قريبًا. وأما ذبيحة السارق فقال ابن بطال: لا أعلم من تابع طاوسًا وعكرمة على كراهة أكلها غير إسحاق بن راهويه، وجماعة الفقهاء على إجازتها، وأظن أن البخاري أراد نصر قول طاوس وعكرمة لحديث رافع وجعل أمره بإكفاء القدور حجة لمن كره ذبيحة السارق، ورأى الذين ذبحوا الغنائم بغير أمر أصحابهم في معنى ذبيحة السارق حين ذبحوا ما ليس لهم؛ لأنهم إنما ذبحوا في بلاد الإسلام بذي الحليفة قرب المدينة، كذا وقع وفيه نظر، وقد خرجوا من أرض العدو فلم يكن لبعضهم أن يستأثر بشيء منها دون أصحابه وليس في ذلك حجة قاطعة؛ لأنه قد اختلف في معنى أمره بإكفائها، وقيل: إنها كانت نهبة ولا تقطع على وجه من ذلك، واختلف أيضًا في قطع من سرق من المغنم (٣).

стр. 15963

٣٧ - باب إِذَا نَدَّ بَعِيرٌ لِقَوْمٍ فَرَمَاهُ بَعْضُهُمْ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ فَأَرَادَ إِصْلَاحَهُمْ فَهْوَ جَائِزٌ لِخَبَرِ رَافِعِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . ٥٥٤٤ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَنَدَّ بَعِيرٌ مِنَ الإِبِلِ -قَالَ:- فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ لَهَا أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا». قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَكُونُ فِي الْمَغَازِي وَالأَسْفَارِ، فَنُرِيدُ أَنْ نَذْبَحَ فَلَا تَكُونُ مُدًى. قَالَ: «أَرِنْ، مَا نَهَرَ -أَوْ أَنْهَرَ- الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ فَكُلْ، غَيْرَ السِّنِّ وَالظُّفُرِ، فَإِنَّ السِّنَّ عَظْمٌ، وَالظُّفُرَ مُدَى الْحَبَشَةِ». [انظر: ٣٤٨٨ - مسلم: ١٩٦٨ - فتح ٩/ ٦٧٣] ثم ساقه أيضًا. ومعنى أراد إصلاحهم كما قاله المهلب، يعني: إذا علم مرادهم فأراد حبسه على أربابه ولم يرد إفساده عليهم، فلذلك لم يضمن البعير وحل أكله؛ لأن هذا الحبس الذي حبسه بالسهم قد يكون فيه هلاكه من غير ذبح ولا نحر مشروع، وقد سلف اختلاف العلماء في ذلك قريبًا، وأما من قتل بعيرًا لقوم بغير إذنهم فعليه ضمانه إلا أن يقيم بينة بأنه صال عليه. وقال ابن التين: تأول البخاري مثل ما تقدم عن أبي حنيفة وليس في الخبر دليل بين، وقوله: ("أرن ما نهر -أو أنهر- الدم") قال ابن التين: صحيحه "أنهر"، وكذلك في أكثر الروايات رباعي، وإنما يقال: نهر إذا جرى وأنهرته أنا.

стр. 15964

وقال عياض: "ما أنهر الدم" أي: ما أساله وصبه بمرة كصب النهر (١)، كذا الرواية فيه في الأمهات، ووقع الأصيلي في كتاب الصيد "ما نهر الدم" وليس بشيء، والصواب "أنهر" كما في سائر المواضع.

стр. 15965

٣٨ - باب أَكْلِ الْمُضْطَرِّ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٢ - ١٧٣]، وقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾ [المائدة: ٣]. وقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿بِالْمُعْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٨ - ١١٩] ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ قال ابن عباس مهراقًا ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾، إلى قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] وقال: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ (١) الآية [المائدة: ٨٨]. [فتح ٩/ ٦٧٣]. الشرح: أصل البغي: قصد الفساد، وأصل العدوان: الظلم، واختلف المفسرون فيها فقيل: معنى ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ أي: في أكلها ولا متعد فيه من غير ضرورة، وعبارة ابن عباس: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ في الميتة ﴿وَلَا عَادٍ﴾ في الأكل. وقال الحسن: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ فيها ولا متعد بأكلها وهو غني عنها، وقيل: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ غير مستحل لها ﴿وَلَا عَادٍ﴾ متزود منها، وقيل: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ في أكله شهوة بأكلها متلذذًا، ﴿وَلَا عَادٍ﴾ يأكل حتى يشبع ولكن يأكل ليمسك رمقه، وقيل ﴿عَادٍ﴾ معناه: عائد، فهو من المقلوب كشاكي السلاح أصله شائك، وهارٍ: أصله هائر، ولاتٍ أصله لائت ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ على الأئمة ﴿وَلَا عَادٍ﴾

стр. 15966

قاطع سبيل المسلمين في طريقهم، فإن خرج على الأئمة أو قطع الطريق فلا رخصة له في الأكل، وقيل: يأكل مع العصيان في سفره فلا يعصي بقتل نفسه (١)، وإليه ذهب أبو حنيفة وقيل: هو قادر على التوبة فلا يأكل حتى يتوب فيقال له تب كل. والمخمصة: ضمور البطن من الجوع، وقال قتادة: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ﴾ [المائدة: ٣] غير معتقد (٢)، والمعروف أن الجنف الميل، ومعنى الإثم هنا: أن يأكل منها فوق الشبع، واختلف في الشبع وسد الرمق والتزود. وقال مالك: أحسن ما سمعت في المضطر أنه يشبع ويتزود فإذا وجد غنى عنها طرحها وهو قول ابن شهاب وربيعة، وقال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه: لا تأكل منها إلا مقدار ما يمسك الرمق والنفس، والحجة له أن الإباحة إذا خاف الموت على نفسه فإذا أكل منها ما يزيل الخوف فقد زالت الضرورة وارتفعت الإباحة فلا يحل أكلها، وحجة مالك أن المضطر قد أباح الله له الميتة فقال: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] أي: إذا أكل منها ولم يفرق بين القليل والكثير فإذا حلت له الميتة أكل منها ما شاء (٣). وحكى الداودي قولًا أنه يأكل منها ثلاث لقم، وقيل: إن تغد لم يتعش، وإن تعش لم يتغد. فإن احتج الكوفيون والشافعي بتفسير ابن عباس امتنع الشبع والتزود، قيل: قد فسر مجاهد وغيره بما سلف، وإنما معنى قول ابن

стр. 15967

عباس: أن الباغي والمتعدي لا يأكلها وهو غني عنها غير مضطر إليها، فإذا اضطر إليها لم يكن متعديًا في شبعه؛ لأنه لا يقدر على سفره وتصرفه إلا بشبع نفسه والتزود أولى في حفظ النفس وحياطتها؛ لأنه لا يأمن أن لا يجد ما يمسك رمقه من الطعام، ولا ميتة ولعله أن يطول سفره فتهلك نفسه، والله قد حرم على الإنسان أن يتعرض لإهلاك نفسه، وسيأتي اختلاف العلماء في شرب الخمر والبول عند الضرورة في كتاب الأشربة قريبًا. قال مسروق: بلغني أنه من اضطر إلى الميتة فلم يأكلها حتى مات دخل النار (١). فائدة: قوله: (مهراقًا) إن قرأته بفتح الهاء فهو من أراق يريق وزيدت الهاء على ما تقدم ويكون تقديره مهفعلا، وإن قرأته بإسكانها فقد سلف أن الجوهري قال: لا يمكن النطق بتقديره؛ لأن الهاء والفاء ساكنان (٢) يريد إنك إنما تقدر على الأصل (قبل) (٣) دخول الهاء والأصل: هريق على وزن مكرم فإذا دخلت هاء ساكنة على مفعل فلا يصح أن تنطق به لاجتماع ساكنين. آخر الصيد والذبائح ولله الحمد

стр. 15968

٧٣ كتاب الأضاحي

стр. 15969

٧٣ - كتاب الأضاحي الأضاحي: جمع أضحية، وفي الأضحية لغات ضم الهمزة وكسرها وضَحِيَّة، وجمعها: أضاحي وأضحاة، وجمعها أضحى، وبه سمي يوم الأضحى (١)، وجزم صاحب "المطالع" بتشديد الياء فيها، وذكر اللحياني في "نوادره": ضِحية بكسر الضاد وجمعها: ضحايا كجمع ضحية بفتحها. زاد ابن التياني: وإضحا بكسر الهمزة، وقال صاحب "الدلائل": أُضحية بضم الهمزة وتخفيف الياء، وفي "نوادر ابن الأعرابي": كل ذلك للشاة التي تذبح ضحوة.

стр. 15970

١ - باب سُنَّةِ الأُضْحِيَّةِ وَقَالَ ابن عُمَرَ ﵄: هِيَ سُنَّةٌ وَمَعْرُوفٌ. ٥٥٤٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زُبَيْدٍ الإِيَامِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّىَ ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، مَنْ فَعَلَهُ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلُ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ». فَقَامَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ -وَقَدْ ذَبَحَ- فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي جَذَعَةً. فَقَالَ: «اذْبَحْهَا وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ». قَالَ مُطَرِّفٌ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ الْبَرَاءِ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ تَمَّ نُسُكُهُ وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ». [انظر: ٩٥١ - مسلم: ١٩٦١ - فتح ١٠/ ٣] ٥٥٤٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا ذَبَحَ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ». [انظر: ٩٥٤ - مسلم: ١٩٦٢ - فتح ١٠/ ٣] وقال ابن عمر ﵄: هي سنة ومعروف. ثم ساق حديث البراء السالف في العيد وفيه: "وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلُ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيء". قال مطرف، عن عامر، عن البراء: قال النبي ﷺ "مَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ تَمَّ نُسُكُهُ وَأَصَابَ سُنَّةَ المُسْلِمِينَ". وحديث أنس قال: قال النبي ﷺ : "مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا ذَبَحَ لِنَفْسِهِ، وَمَن يذَبَحُ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ وَأَصَابَ سُنَّةَ المُسْلِمِينَ".

стр. 15971

الشرح: أثر ابن عمر أسنده ابن حزم (١). لا شك أن الأضحية من الأمور المهمة المطلوبة. واختلف أهل العلم في وجوبها على قولين: أحدها: أنها لا تجب بل هي سنة يثاب فاعلها ومن تركها لا إثم عليه، وهو قول ابن المسيب وعطاء بن أبي رباح وعلقمة (٢) والأسود والشافعي (٣) وأحمد وأبي يوسف وأبي ثور. قال ابن التين: وهو المعروف من مذهب مالك، وذكر عنه أبو حامد: الوجوب، قال ابن المنذر: وروينا أخبارًا عن الأوائل تدل على أن ذلك ليس بفرض، روينا ذلك عن أبي بكر وعمر وأبي مسعود البدري (٤) وسعد وبلال. وقال الليث وربيعة: لا نرى أن يترك الموسر المالك لأمر الضحيةِ الضحيةَ (٥). وقال مالك: لا يتركها فإن تركها بئس ما صنع إلا أن يكون له عذر. وذكر ابن حبيب وغيره أنه قال: هي سنة لا رخصة لأحد في تركها، وعنه إن وجد الفقير من يسلفه ثمنها فليستسلف.

стр. 15972

وفي "المدونة": من اشترى أضحية ثم حبسها حتى ذهب أيام الذبح أنه آثم إذ لم يضح بها، وقال الثوري: لا بأس حية بتركها. وقد روي عن الصحابة ما يدل أنها ليست بواجبة. ذكر عبد الرزاق، عن الثوري، عن إسماعيل، عن الشعبي، عن أبي سريحة قال: رأيت أبا بكر وعمر وما يضحيان (١). وعن ابن عمر: من شاء ضحى ومن شاء لم يضح (٢). وقد ذكر البخاري فيما مضى أنها سنة ومعروف. وروى الثوري، عن أبي معشر مولى لابن عباس قال: أرسلني ابن عباس أشتري له لحمًا بدرهم وقال: قل هذِه أضحية ابن عباس. وقال النخعي: قال علقمة لأن لا أضحي أحب إليَّ من أن أراه حتمًا عليَّ (٣). والقول الثاني: أنها واجبة وهو قول أبي حنيفة ومحمد، وعن النخعي أنها واجبة على أهل الأمصار ما خلا الحاج، وقال محمد: هي واجبة على كل مقيم في الأمصار إذا كان موسرًا، قال أبو بكر: لا تجب فرضًا؛ لأن الله لم يوجبها ولا الرسول ولا أجمع أهل العلم على (وجوبها) (٤). والدليل على هذا قوله ﷺ : "من رأى منكم هلال ذي الحجة وأراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره" الحديث (٥)، فلو كان واجبًا لم يجعل ذلك إلى إرادة المضحي. أي: الذي يراه أبو حنيفة وأصحابه أنها تجب على

стр. 15973

الحر المقيم المسلم الموسر، وذهب أبو يوسف إلى عدم وجوبها وقال هو ومحمد: هي سنة غير مرخص فيها لمن وجد السبيل إليها. قال الطحاوي: وبه نأخذ، وليس في الآثار ما يدلس على أن وجوبها وجوب فرض، ولكن يدل على تأكيدها وأن الإباحة في تركها، وعبارة ابن حزم عن أبي حنيفة أنها فرض وعلى المرء أن يضحي عن زوجته. قال ابن حزم: وممن روينا عنه إيجابها مجاهد ومكحول، وعن الشعبي: لم يكونوا يرخصون في تركها إلا لحاج أو مسافر وروي عن أبي هريرة: ولا يصح (١). احتج من لم يوجب بحديث الباب "أول ما نبدأ .. " إلى أن قال: "فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا" وما كان سنة فليس بواجب اللهم إلا أن يراد بالسنة الطريقة فيدخل الواجب كما في لفظ الدين. واحتج من أوجب (٢) بحديث الباب أيضًا: "وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ". قال الطحاوي: فإن قيل كان أوجبها فأتلفها فلذلك أوجب عليه إعادتها، قيل له: لو أراد هذا ليعرف قيمة المتلف ليأمره بمثلها فلما لم يتعرف ذلك دل أنه لم يقصد إلى ما ذكرت. وقال مرة: قوله: ("لَنْ تَجْزِيَ (جذعة) (٣) عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ") ولا يكون الإجزاء إلا عن واجب، وهي حجة صحيحة إذ لو كانت إنما وجبت عليه بإيجابه إياها على نفسه واستهلاكه بما يذبحه إياها قبل أوان ذبحها.

стр. 15974

قلت: الاستدلال به عجب، فإنه لما أوقع أضحيته على غير الوجه المشروع بين له الوجه المشروع بقوله: اذبح مكانها أخرى إن أردت السنة، ولن تجزي عن أحد بعدك في القيام بالسنة، يوضحه أنك تقول في السنة إذا وقعت بشرطها أجزأت عنك وإذا أفسدتها لم تجز عنك. وأما ابن حزم فقال: احتج أبو حنيفة بأشياء منها: خبر مخنف بن سليم أنه ﷺ قال بعرفة: "إن على أهل كل بيت في كل عام أضحية وعتيرة" (١). ومنها حديث يحيى بن زرارة بن كُرَيم بن الحارث، حدثني أبي، عن جده أنه سمع رسول الله ﷺ في حجة الوداع: "في الغنم أضحيتها" (٢). ومنها حديث أم بلال الأسلمية رفعته: "ضحوا بالجذع من الضأن" (٣). ومنها حديث ابن عباس مرفوعًا: "أمرت بالأضحى ولم تكتب" (٤).

стр. 15975

ومنها حديث معاذ: كان رسول الله ﷺ يأمر أن يضحى ويأمر أن يطعم منها الجار والسائل. ومنها حديث الربيع عن الحسن أنه ﷺ أمر بالأضحى. ومنها حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "من وجد سعة فليضح" (١). ومنها حديثه أيضًا مرفوعًا: "من وجد سعة فلم يضح فلا يقرب مصلانا" (٢). قال ابن حزم: وكل هذا ليس بشيء. أما حديث مخنف فقد تقدم تضعيفه، وأما حديث الحارث فهو عن يحيى بن زرارة، عن أبيه وكلاهما مجهول لا يدرى. قلت: يحيى روى عنه جماعة منهم: ابن المبارك، وذكره ابن حبان في "ثقاته" (٣) وأبوه روى عنه أيضًا عتبة بن عبد الملك، وذكره ابن حبان في "ثقاته" وقال: من زعم أن له صحبة فقد وهم (٤)، وأما ابن الجوزي فقال: له رؤية، وكذا قال أبو نعيم (٥)، وذكره ابن منده فيهم (٦).

стр. 15976

وأما حديث أم بلال ففيه أم محمد وابن أنعم وكلاهما في غاية السقوط. قلت: ابن أنعم ثقة وثقه القطان وغيره. وأما حديث أبي هريرة فكلا طريقيه برواية عبد الله بن عياش، وليس معروفًا بالثقة. قلت: هو من رجال مسلم، وقال أبو حاتم: صدوق (١)، فسقط كل ما موهوا به في ذلك (٢). قال الطحاوي في كتاب الصيد: نظرنا، هل خولف زيد بن حباب في هذا الحديث، فعند وقوفنا على أن أحدًا لم يرفعه ممن روى عن عبد الله بن عياش غير ابن الحباب، فوجدنا عبيد الله بن أبي جعفر لم يتجاوز به أبا هريرة وهو في الجلالة والضبط فوق ابن عياش (٣). قلت: لكن الدارقطني أخرجه من حديث أحمد بن أخي بن وهب وفيه مقال عن عمه، ثنا ابن عياش، عن عيسى بن عبد الرحمن بن فروة الأنصاري، عن الزهري [عن سعيد بن المسيب] (٤) عن أبي هريرة (٥)، ومن حديث ابن علاثة، عن عبيد الله بن أبي [جعفر] (٦)، عن الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعًا (٧).

стр. 15977

وروى أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب "الضحايا" من حديث سلمة بن جنادة عن سنان بن سلمة أنه ﷺ قال: "الله أحق بالقضاء والوفاء اشترها جذعة سمينة فضح بها"، وفي لفظ: "فانسك بها". ومن حديث أبي الحسناء، عن الحكم، عن حنش، عن علي قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أضحي بكبشين (١). ومن حديث محمد بن راشد، عن سليمان بن موسى، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة ﵂ أنها قالت: يأيها الناس ضحوا وطيبوا بها نفسًا (٢). ومن حديث الحجاج بن أرطاة، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أنه ﷺ أقام عشر سنين لا يترك الأضحى. وفي لفظٍ: بالجزور أحيانًا وبالكبش إذا لم يجد جزورًا (٣). وللدارقطني بسند ضعيف عن عائشة ﵂ قالت: يا رسول أستدين وأضحي؟ قال: "نعم فإنه دين مقضي" (٤) ولابن ماجه بسند ضعيف عن محمد بن سيرين قال: سألت ابن عمر عن الضحايا

стр. 15978

أواجبة قال: ضحى رسول الله ﷺ والمسلمون من بعده وجرت السنة (١). وأخرجه الترمذي من حديث جبلة بن سحيم (سألت) (٢) ابن عمر عن الأضحية أواجبة هي؟ فقال: ضحى رسول الله ﷺ وضحى المسلمون، أعاد عليه السؤال فقال: أتعقل؟ ضحى رسول الله ﷺ والمسلمون. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. ولابن ماجه بإسناد جيد عن أبي زيد أنه ﷺ مر بدار من دور الأنصار فوجد ريح قتار (٣) فقال: "من هذا الذي ذبح" فخرج رجل فقال: أنا يا رسول الله قال: فأمره أن يعيد، فقال: لا والله ما عندي إلا جذع أو حمل قال: "اذبح ولن تجزي عن أحد بعدك" (٤). ولمالك في "الموطأ" بإسناد صحيح متصل أن عويمر بن أشقر ذبح أضحيته قبل أن يغدو يوم الأضحى، وأنه ذكر ذلك لرسول الله ﷺ فأمره أن يعيد ضحية أخرى (٥). ولابن وهب في "مسنده"، حدثنا يحيى بن عبد الله العامري، عن أبي عبد الرحمن الجبلي أن عبد الله بن عمرو بن العاصي أخبره أن رجلاً جاء رسول الله ﷺ فقال: إن أبي ذبح قبل أن نصلي، فقال ﷺ : "بل لا نسك صلِّ ثم اذبح" قال: وأنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر: صلى بنا رسول الله ﷺ يوم النحر فتقدم رجال فنحروا وظنوا أن رسول الله ﷺ قد نحر فأمر ﵇ من كان قد نحر أن يعيد نحرًا آخر ولا ينحره حتى ينحر رسول الله ﷺ .

стр. 15979

وفي مسلم عن جندب بن عبد الله نحوه (١)، وفي القرآن سماها: نسكًا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣] قالوا: فاقتضى الأمر الوجوب. وفي الدارقطني: أنه ﷺ كان يقول عند التضحية: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ الآية (٢). وكذا حكي عن علي، وقال أيضًا: "إن أول نسكنا في يومنا هذا" (٣) فدل على أن النسك أريد به الأضحية وأخبر أنه مأمور بذلك والأمر يقتضي الوجوب. وقال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] قالوا: أراد بالصلاة: صلاة العيد، وبالنحر: الأضحية، وإذا أوجب عليه فهو واجب علينا، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] وتأويله على نحر البدن أولى من تأويله بوضع اليمين على الشمال تحت النحر. فصل: واستدل من قال بعدم الوجوب مع ما سبق بحديث ابن عباس ﵄ رفعه: "كتب عليَّ النحر ولم يكتب عليكم، وأمرت بصلاة الضحى ولم تؤمروا بها" أخرجه أبو يعلى الموصلي عن إسماعيل بن

стр. 15980

موسى، حدثنا شريك، عن سماك، عن عكرمة، عنه به (١). وأخرجه أبو الشيخ من حديث [أبي جناب] (٢)، عن عكرمة عنه مرفوعًا: "ثلاث هن عليَّ فرائض وهن لكم تطوع: النحر والوتر وركعتا الضحى" (٣). وأخرجه الدارقطني من حديث جابر، عن عكرمة عنه مرفوعًا: "أمرت بالنحر وليس بواجب" (٤). وأخرجه أبو الشيخ أيضًا من حديث الحسن بن شبيب، ثنا أبو يوسف، عن عبد الله بن محرز، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "أمرت بالوتر والأضحى ولم يفرضا عليَّ". قلت: وكلها معلولة، ؤمن حديث شريك عن جابر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: لم يكتب علينا الأضحى من شاء ضحى، ومن حديث عيسى (بن هلال) (٥)، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "إن الله تعالى أمرني بيوم الأضحى عيدًا للمسلمين" فقال رجل: يا رسول الله أرأيت إن لم أجد إلا ذبيحة أهلي أما أضحي بها؟ قال: "لا ولكن

стр. 15981

تأخذ من شعرك وتقلم أظفارك وتقص شاربك وتحلق عانتك فذاك تمام أضحيتك عند الله" (١). وعن أبي مسعود البدري قال: لقد هممت أن أدع الأضحية وإني لمن أيسركم مخافة أن تحدثني نفسي بخلاف السنة (٢). وعن أبي سريحة حذيفة بن أسيد قال: حملني أهلي على الجفاء بعد ما علمت من السنة، كان أهل البيت يضحون بالشاة والشاتين، والآن يبخلنا جيراننا (٣). وفي رواية لابن حزم: ولقد رأيت أبا بكر وعمر وما يضحيان كراهة أن يقتدى بهما. قال ابن حزم: وروينا من طريق سعيد بن منصور، ثنا أبو الأحوص، أنا عمران بن مسلم الجعفي، عن سويد بن غفلة قال: قال لي بلال: ما كنت أبالي لو ضحيت بديك، ولأن آخذ ثمن الأضحية فأتصدق به على مسكين أحب إليَّ من أن أضحي (٤). ومن طريق حماد بن سلمة، عن عقيل بن طلحة، عن زياد بن عبد الرحمن، عن ابن عمر ﵄ قال: الأضحية سنة. ومن طريق شعبة عن تميم بن حويص الأزدي قال: ضلت أضحيتي قبل أن أذبحها، فسألت ابن عباس فقال: لا يضرك.

стр. 15982

هذا كله [صحيح. و] (١) من طريق وكيع، ثنا أبو معشر المديني، عن عبد الله بن عمير مولى ابن عباس، عن ابن عباس ﵄ أنه أعطى مولًى له درهمين، وقال: اشتر بهما لحمًا ومن لقيك فقل: هذِه أضحية ابن عباس. قال ابن حزم: لا يصح عن أحد من الصحابة أن الأضحية واجبة، وصح أنها ليست واجبة عن سعيد بن المسيب والشعبي، وأنه قال: لأن أتصدق بثلاثة دراهم أحب إليَّ من أن أضحي، وعن سعيد بن جبير وعطاء والحسن وطاوس وأبي الشعثاء. وروي أيضًا عن علقمة وهو قول الثوري وعبيد بن الحسن وإسحاق بن إبراهيم وأبي سليمان (٢). فصل: اختلفوا في تفضيل الصدقة على الأضحية فقال ربيعة وأبو الزناد والكوفيون: الضحية أفضل. وروي عن طاوس مثله. وروي عن بلال أنه قال: ما أبالي أن لا أضحي إلا بديك ولكن أضعه في فِيِّ يتيمٍ قد ترب أحب إليّ أن أضحي به. وقال الشعبي: الصدقة أفضل (وقد سلف) (٣)، وهو قول مالك وأبي ثور، ذكره ابن المنذر، والمعروف من مذهب مالك عند أصحابه كما قال ابن بطال: إنها أفضل من الصدقة (٤).

стр. 15983

وروى ابن وهب عن مالك: أن الصدقة ثمنها أحب إلى الحاج من أن يضحي، فهذا يدل أن الضحية عنده لغير الحاج أفضل من الصدقة، قلت: لأن سنته عنده الهدي كما سيأتي، وقال ابن حبيب: هي أفضل من العتق ومن عظم الصدقة لا إحياء السنة أفضل من التطوع. وقال ربيعة: هي أفضل من صدقة بسبعين دينارًا. وقال غيره: ولم يحفظ عن رسول الله ﷺ أنه ترك الأضحى طول عمره، وندب أمته إليه فلا ينبغي لموسر تركها. وإنما قال: إن الصدقة ثمنها أفضل للحاج بمنى من أصل أنه لا يرى على الحاج أضحية. فصل: قوله في الحديث: ("إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هذا أن نُصَلِّي ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَنْحَرُ"). قال الداودي: الأحاديث كلها من ذبح قبل أن يصلي لم يجزئه ولم يعتبر بالأيام، وكأنه لم يبلغه حديث جابر: صلى بنا النبي ﷺ يوم النحر بالمدينة، فتقدم رجال فنحروا وظنوا أن النبي ﷺ قد نحر، فأمر رسول الله ﷺ من كان نحر قبله أن يعيد بنحر آخر ولا ينحروا حتى ينحر رسول الله ﷺ ، أخرجه مسلم (١). وفي "الموطأ": أن أبا بردة ذبح أضحيته قبل رسول الله ﷺ فزعم أنه ﷺ أمره أن يعيد أخرى (٢). ومذهب أبي حنيفة: أن من ذبح بعد الصلاة قبل الإمام أجزأه.

стр. 15984

وعندنا لا يتوقف على ذبحه، بل إذا مضى مقدار خطبتين وركعتين خفيفات دخل وقته. وحكى ابن التين عن الشافعي اعتبار صلاتين تامتين، قال: وحكي عنه ركعتين وخطبتين، وعن غيره: الصلاة والخطبة الأولى. وقوله: ("وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلُ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيء") ظاهره أنه غير نسك وأنه لا يجوز بيعه، وفي لفظ: "من نسك قبل الصلاة فلا نسك له" (١) واستدل به القابسي على أن من ذبح قبلها لا تباع؛ لأنه سماه نسيكة. وقوله: (إِنَّ عِنْدِي جَذَعَةً)، يريد من الماعز كما بينه بعد. وقال مالك في "المدونة": أرخص النبي ﷺ في الجذع من الضأن (٢). قال أبو عبد الملك: إنما أراد هذا الحديث؛ لأنه لا يوجد له عن رسول الله ﷺ رخصة في الجذع من الضأن سواه، قاله الداودي: وقال في موضع آخر: عندي عناق. وهي: التي استحقت أن تحمل دون الثنية سواء بنت سنة أو نحوها. وقوله: ("وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ") هو بفتح التاء أي: تقضي. قال الخطابي: يقال: جزى وأجزى مثل وفي وأوفى، وأجزأ يجزئ مهموزًا إذا كفاه الشيء وقام فيه مقامه (٣)، وليس هو هنا مهموز إلا أن الهمز لا يستعمل معه (عن) عند الضرر، إنما يقولون: هذا مجزي من هذا.

стр. 15985

وفي "الصحاح" جزى بمعنى قضى، وبنو تميم يقولون أجزأ [مهموز] (١) (٢). فصل: شرط إجزاء الإبل عندنا أن يطعن في السنة السادسة، والبقر والماعز في الثالثة، والغنم في الثانية وتجذع قبلها. وقال ابن حزم: لا يجزئ في الأضاحي جذع ولا جذعة لا من الضأن ولا من غيره، ويجزئ ما فوق الجذع، والجذع من الضأن والماعز والظباء والبقر ما أتم عامًا كاملًا ودخل في الثانية من أعوامه فلا يزال جذعًا حتى تتم عامين، ويدخل في الثالثة فيكون ثنيًا من حينئذٍ، كذا قال في الضأن والمعز الكسائي والأصمعي وأبو عبيد، وهؤلاء عدول أهل العلم واللغة. قاله ابن قتيبة -وهو ثقة في علمه ودينه- وقاله العَدَبَّس الكلابي وأبو فقعس الأسدي وهما ثقتان في اللغة، وقال ذلك في البقر والظباء أيضًا أبو فقعس، ولا نعلم له مخالفًا من أهل العلم باللغة، والجذع من الإبل ما استكمل أربع سنين ودخل في الخامسة فهو جذع إلى أن يدخل في السادسة فيكون ثنيًّا، قال: هذا مما لا خلاف فيه (٣). قلت: قد ذكر الأزهري في "تهذيبه" عن ابن الأعرابي: ربما أخذت العناق قبل تمام السنة. ثم حكى أيضًا عن ابن الأعرابي أنه قال: إذا كان الضأن ابن شابَّين أجذع لستة أشهر إلى سبعة أشهر، وإذا كان ابن هَرِمين أجذع لثمانية

стр. 15986

أشهر إلى عشرة أشهر، قال الأزهري: فابن الأعرابي فرق بين المعز والضأن في الإجذاع فجعل الضأنين أسرع إجذاعًا. ثم حكى عن ابن الأعرابي أيضًا أنه قال: الإجذاع وقت وليس بسن. وذكر أبو حاتم عن الأصمعي: الجذع من الضأن لثمانية أشهر أو تسعة أشهر (١). وفي "الموعب" عن أبي زيد: الإجذاع زمن وليس بسن يسقط ولا ينبت، قال الشاعر: إذا سهيل مغرب الشمس طلع … فابن اللبون الحِق، والحقُّ جذع وفي "العين": الجمع الجِذاع، وجُذعان (٢). الفراء: وأجذاع، وجذوع. أبو حاتم: جذعان بكسر الجيم وضمها. وفي "المحكم": الجذع الصغير السن (٣). وفي "المغيث": الجذع ما تمت له ستة أشهر ودخل في السابع (٤). وقال أبو حاتم عن الأصمعي: الجذع من الماعز لستة أشهر، ومن الضأن لثمانية أو تسعة. وقال ابن دريد: الإجذاع ليس بوقوع سن إنما هو وقت (٥). فهذا كما ترى ما فيه من الخلاف. ولله الحمد. وقال أبو عمر: لا خلاف علمته بين العلماء أن الجذع من الماعز لا يجزئ ضحية ولا هديًا، والذي يجزئ فيها الجذع من الضأن فما

стр. 15987

فوقه، والثني من الماعز فما فوقه من الأزواج (١) والجذع من الضأن ابن سبعة أشهر، قيل: إذا دخل فيها، وقيل: إذا أكملها وعلا أن يرقد صوف ظهره بعد قيامه، وثني الماعز إذا تم له سنة ودخل في الثانية. قال ابن حزم: ومن طريق السبيعي، عن هبيرة بن يريم، عن علي بن أبي طالب ﵁: ضحوا بثني فصاعدًا، وكذا قاله ابن عمر. وفي لفظ: لا تجزئ إلا الثني فصاعدًا، وقال حصين بن عبد الرحمن: رأيت هلال بن يساف يضحي بجذع من الضأن فقلت له: أتفعل؟ فقال: رأيت أبا هريرة يضحي بجذع من الضأن. وقال الحسن: يجزئ ما دون الجذع من الإبل عن واحد في الأضحية؛ برهان صحة قولنا حديث أبي بردة في الجذعة "وَلَنْ تَجْزئ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ"، فقطع ﷺ أن لا تجزئ جذعة فلا يحل لأحد تخصيص نوع دون نوع بذلك، ولو أن ما دون الجذعة لا يجزئ لسنه رسول الله ﷺ . فإن اعترض معترض متعسف فقال: إن حديث أبي بردة هذا قد رواه منصور بن المعتمر، عن الشعبي، عن البراء فقال فيه: إن عندي عناقًا جذعة فهل تجزئ عني؟ قال: "نعم ولن تجزئ عن أحد بعدك" (٢) قلنا: نعم. والعناق: اسم يقع على الضأنية كما يقع على الماعزة ولا فرق، قالوا: إن مطرف بن طريف رواه عن الشعبي، عن البراء بلفظ:

стр. 15988

يا رسول الله إن عندي داجنًا جذعة من الماعز، قال: "اذبحها ولا تصلح لغيرك" (١) قلنا: نعم، ولا خلاف في أن هذا كله خبر واحد في موطن واحد، فرواية من روى: "لا تجزئ عن أحد بعدك" هي الزائدة ما لم يروه من لم يرو هذِه اللفظة، وزيادة العدل خبر قائم بنفسه وحكم وارد ولا يسع أحد تركه وإنما يحتج برواية مطرف هذا من لم يمنع الجذع إلا من الماعز فقط، وأما من منع الجذاع كلها ما عدا الضأن فلا حجة له في شيء، هذا الخبر يكن هو الحجة عليه، كما أن هذا الخبر نفسه قد رواه زكريا عن فراس، عن الشعبي، عن البراء أن أبا بردة قال: يا رسول الله إن عندي شاة هي خير من شاتين، قال: "ضح بها فإنها خير نسيكة" (٢) فلم يذكر أنها لا تجزئ عن أحد بعدك. وكذلك روينا من طريق ابن عيينة عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أنس فذكر هذا الخبر وأن ذلك القائل قال: يا رسول الله عندي جذعة هي أحب إليَّ من شاتي لحم أفأذبحها؟ قال: فرخص له، قال أنس: فلا أدري أبلغت رخصته من سواه أم لا (٣). فلم يجعل المخالفون سكوت زكريا عما زاده غيره من بيان أنه خصوص، ولا سكوت أنس عن ذلك أيضًا، ومغيب ذلك عنه حجة في رد الزيادة التي رواها غيرهما فما الذي (جعل هذِه) (٤) الزيادة واجبًا أخذها، وزيادة من زاد لفظ الجذعة لا يجب أخذها إن هذا لتحكم- نعوذ بالله منه. قال: وقد جاء خبر يمكن أن يشغب به وهو ما روينا من طريق مسلم

стр. 15989

عن أبي بكرة فذكر حديثًا فيه: "أليس يوم النحر؟ " قالوا: بلى، وفيه: ثم انكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما، وإلى جذعة من الغنم فقسمها بيننا (١)، وليس فيه أنه أعطاهم إياها ليضحوا بها ولا أنهم ضحوا بها، وأيضًا فاسم الغنم يقع على الماعز كما يقع على الضأن، فإن كان حجة لهم في إباحة التضحية بالجذاع من الغنم فليس حجة في إباحة التضحية بالجذاع من الماعز، وإن لم يكن حجة في إباحة التضحية بالجذاع من الماعز فليس حجة في إباحة التضحية بالجذاع من الضأن. والذي قد صح عامًّا في أن لا تجزئ جذعة عن أحد بعد أبي بردة. وفي مسلم أيضًا عن جابر ﵁ قال رسول الله ﷺ : "لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن" (٢) وهو حجة على الحاضرين المخالفين؛ لأنهم يجيزون الجذع من الضأن مع وجود المسنات فقد خالفوه وهم يصححونه، وأما نحن فلا نصححه؛ لأن أبا الزبير مدلس، ثم لو صح لكان خبر البراء ناسخًا له؛ لأن قوله له: "لا تَجْزِئ جذعة عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ" خبر قاطع ثابت ما دامت الدنيا، ناسخ لكل ما تقدم فلا يجوز نسخه، واحتج من أجاز الجذاع بخبر رويناه من طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، عن معاذ بن عبد الله بن خُبيب، عن عقبة بن عامر قال: ضحينا مع رسول الله ﷺ بجذاع من الضأن (٣).

стр. 15990

ومن طريق وكيع عن أسامة بن زيد، عن معاذ بن خُبيب، عن ابن المسيب، عن عقبة قال: سألت رسول الله عن الجذع من الضأن، فقال: "ضح به" (١). وبخبر رويناه من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن محمد بن أبي يحيى، عن أمه، عن أم بلال قال ﷺ : "ضحوا بالجذع من الضأن" (٢). ومن طريق الحجاج بن أرطاة، عن ابن النعمان، عن بلال بن أبي الدرداء، عن أبيه أن رسول الله ﷺ ضحى بكبشين جذعين (٣). ومن طريق الحجاج أيضًا، عن أبي جعفر، عن النبي ﷺ : ضحى بكبشين جذعين. ومن طريق وكيع عن عثمان بن واقد، عن كدام بن عبد الرحمن، عن أبي كباش أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "نعم -أو نعمت- الأضحية الجذع من الضأن" (٤). ومن طريق هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة أن جبريل قال للنبي ﷺ : "يا محمد إن الجذع من الضأن خير من المسن من المعزى" (٥).

стр. 15991

ومن طريق سعيد بن منصور، عن عيسى بن يونس، عن إسماعيل بن رافع، عن شيخ من أهل حمص أن النبي ﷺ قال: "قال لي جبريل" بمثله. ومن طريق ابن أبي شيبة عن [ابن] (١) مُسْهر، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن عبادة بن أبي الدرداء، عن أبيه: أن النبي ﷺ ضحى بكبشين جذعين (٢). ومن طريق سليمان بن موسى، عن مكحول أن رسول الله ﷺ قال: "ضحوا بالجذع من الضأن والماعز". قال ابن حزم: لا يحتج بهذِه الأخبار إلا قليل العلم بوهيها فيعذر، أو قليل الدين يحتج بالأباطيل. أما حديث عقبة الذي صدرنا به فمن طريق معاذ بن عبد الله وهو مجهول، ورواية ابن وهب له غير مسندة؛ لأنه ليس فيه أنه ﷺ عرف ذلك وهم لا يجعلون قول أسماء: نحرنا فرسًا على عهد رسول الله ﷺ فأكلناه (٣). مسندًا، ولا قول جابر: كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله ﷺ (٤). مسندًا، (ولا قول ابن عباس أن طلاق الثلاث

стр. 15992

كان يرد على عهد رسول الله (١). مسندًا) (٢). وكلها في غاية الصحة، ويقولون: ليس فيها أنه ﷺ كان يعرف ذلك ثم يجعلون هذا الخبر الساقط الواهي مسندًا (٣). قلت: معاذ هذا ليس مجهولاً؛ لأن جماعة رووا عنه منهم زيد بن أسلم، قال: أبو داود ثقة روى عنه غير واحد، وقال ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في "ثقاته" وكذا ابن سعد في "طبقاته" في الثالثة من أهل المدينة، وقال: مات قديمًا وكان قليل الحديث. وقال ابن ماكولا: هو أخو عبد الله بن عبد الله بن خبيب [و] (٤) مسلم بن عبد الله بن خبيب (٥). وفي "الجرح والتعديل" عن الدارقطني: ليس بذاك، وذكره مسلم في الطبقة الأولى من أهل المدينة. وقال ابن أبي عاصم في "تاريخه": توفي سنة ثمان عشرة ومائة. قلت: وله متابعين أيضًا عن عقبة أخرجه أبو الشيخ في كتاب "الضحية" من حديث يحيى بن أبي كثير، عن بعجة بن عبد الله، ومن حديث يزيد عن أبي الخير كلاهما عن عقبة. ومن حديث ابن إسحاق عن بشير بن يسار، عن أبي بردة بن نيار، قلت: يا رسول الله التمست مسنة فلم أجدها، فقال: "التمس جذعًا من الضأن" فقال: "ضح به".

стр. 15993

وقوله (١): وروايةُ ابن وهب له غير مسندة. عجيبٌ، فإذا قال الصحابي: فعلنا ذلك مع رسول الله ﷺ ، لا خلاف في رفعه نعم الخلاف في قوله: كنا نفعل كذا أو كنا نقول كذا من غير إضافة إلى زمن رسول الله ﷺ ، والصحيح أنه مرفوع مسند فلإن يكون قول عقبة أحرى بكونه مسندًا. ثم قال ابن حزم: والثاني من طريق أسامة بن زيد وهو ضعيف جدًا عن مجهول (٢). قلت: أسامة أخرج له مسلم ووثقه يحيى وأحمد وابن حبان وقال: يخطئ وهو مستقيم الأمر صحيح الكتاب، وكان يحيى بن سعيد يكتب عنه، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن نمير: مدني مشهور، وقال العجلي: ثقة، وقال أبو داود: صالح، وقال يعقوب بن سفيان: هو عند أهل المدينة من أصحابنا ثقة مأمون. وذكره ابن شاهين والأونبي (٣) في "ثقاته"، زاد ابن خلفون: هو حجة في بعض شيوخه وضعيف في بعضهم، ومن تدبر حديثه عرف ذلك، وقال أبو العرب: اختلفوا فيه فقيل ثقة وقيل: غير ثقة. ثم قال ابن حزم: وأما حديث أم بلال فهو (عن محمد بن أبي يحيى فلا ندري من هو، وأم بلال مجهولة) (٤) لا ندري لها صحبة أم لا (٥).

стр. 15994

قلت: قد ذكر هو أن يحيى القطان روى عنه، ومن روى عنه يحيى بن سعيد قبل حديثه؛ لأنه لا يروي إلا عن ثقة، قاله الفلاس وغيره، وذكر أبو نعيم في "معرفة الصحابة" أن أم بلال هذِه روت هذا الحديث عن ابنها هلال عن النبي ﷺ (١)، فتكون على هذا تابعية (٢). ثم قال ابن حزم: وحديث أبي الدرداء وأبي جعفر كلاهما من حديث ابن أرطاة وهو هالك، وطريق أبي هريرة الأول أسقطها كلها، وفضيحة الدهر أنه عن عثمان بن واقد وهو مجهول عن كدام، ولا ندري من هو عن أبي كباش الذي جلب الكباش الجذعة إلى المدينة فبارت عليه، هكذا نص حديثه فأبو كباش وما أدراك ما أبو كباش ما شاء الله كان، وكذلك خبر الشيخ من أهل حمص وكفاك به، وطريق أبي هريرة الآخر من حديث هشام بن سعد وهو ضعيف، وحديث مكحول مرسل، وحديث أبي الدرداء من طريق ابن أبي ليلى وهو سيئ الحفظ (٣). قلت: عثمان بن واقد، هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب العمري، قال ابن أبي حاتم: روى عنه هذيل بن بلال ووكيع وزيد بن حباب، أنا عبد الله بن أحمد فيما كتب إليَّ قال: سألت أبي عن عثمان بن واقد، فقال: عمري لا أرى به بأسًا. وقرئ على العباس بن محمد: سمعت يحيى يقول: عثمان بن واقد ثقة (٤)، وذكره ابن حبان وغيره في "ثقاته"، ولما خرج أبو داود حديثه ضعفه.

стр. 15995

وفي "الجرح والتعديل" عن الدارقطني: لا بأس به، وأما كدام فقد روى عنه أيضًا أبو حنيفة مع عثمان فارتفعت عنه جهالة العين. وقوله في هشام إنه ضعيف قد قال فيه يحيى بن معين: إنه صالح، وقال: أبو حاتم يكتب حديثه ويحتج به (١). وقال العجلي: جائز الحديث حسنه (٢). وقال أبو زرعة: محله الصدق (٣). ولما خرج الحاكم حديثه مصححًا له، قال: قد احتج به مسلم. وقال الساجي: صدوق حدث عن ابن مهدي. قال ابن حزم: ثم لو صحت هذِه الأخبار كلها بالأسانيد التي لا مغمز فيها ما كان لهم في شيء منها حجة؛ لأن الأضحية كانت مباحة في كل ما كان من الأنعام بلا شك، وقد كان نزل حكمها -بلا شك من أحد- قبل قصة أبي بردة. (وصح قول أبي بردة) (٤) وقوم معه بيقين قبل أن يقول: "لا تجزئ جذعة عن أحد بعدك" فلو صحت هذِه الأخبار كلها لكان قوله ذلك ناسخًا لها بلا شك. وذكروا عن بعض السلف إجازة الجذع من الضأن، فذكروا عن جعفر ابن محمد، عن أبيه أن عليًّا ﵁ قال: يجزئ من الضأن الجذع، وعن حبة العُرَني عن علي مثله مع رواية جعفر بن محمد أن عليًّا قال: يجزئ من البدن ومن البقر ومن الماعز الثني فصاعدًا، وعن ابن عمر ﵄: لأن أضحي بجذعة سمينة أحب إلىَّ من أن أضحي بجدي.

стр. 15996

ومن طريق سعيد بن منصور، ثنا خالد بن عبد الله الطحان، عن عبد العزيز بن حكيم سمعت ابن عمر يقول: لأن أضحي بجذعة سمينة تجزئ في الصدقة أحب إليَّ من أن أضحي بجذع من المعز، مع قوله: لا تجزئ [إلا] (١) الثنية من الإبل والبقر. وعن أم سلمة: لأن أضحي بجذع من الضأن أحب إليَّ من أن أضحي بثني من البقر، وعن أبي هريرة ﵁: لا بأس بالجذع من الضأن في الضحية. وعن عمران بن حصين: إني لأضحي بالجذع من الضأن، فهؤلاء ستة من الصحابة، روينا إجازة الجذع من الضأن في الأضحية عن هلال بن يساف وكعب وعطاء وإبراهيم وطاوس وأبي رزين وسويد بن غفلة فهم سبعة من التابعين. وقال إبراهيم: لا يجزئ من الماعز إلا الثني فصاعدًا، وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي. ثم قال ابن حزم: كل هؤلاء لا حجة لهم فيه، أما الرواية عن علي فمنقطعة والأخرى واهية، ثم ليس فيها المنع من التضحية بالجذع من الماعز ولا من الإبل والبقر، ثم لو صحت لكنا قد روينا عنه خلافها كما قدمناه، وإذا وجد خلاف من الصحابة فالواجب الرد إلى القرآن والسنة، وأما أثر ابن عمر فلا حجة لهم فيه بل هو عليهم؛ لأنه ليس في هذِه الرواية عنه إلا اختيار الضأن على الماعز فقط، والمنع فيما دون الثني من الإبل والبقر فقط لا من الماعز، وقد روينا عنه قبل خلاف هذا، فهو اختلاف من قوله، وإذا جاء الاختلاف عن الصحابة وجب الرد إلى القرآن والسنة. وأما الرواية عن أم سلمة فإنما فيها

стр. 15997

اختيار الجذع من الضأن وليس فيها المنع من الجذع من غير الضأن، وكذلك سائر من ذكرنا من الصحابة، فكيف ولا حجة في قول أحد مع رسول الله ﷺ . وقد أجاز جماعة من الصحابة والتابعين أن يضحى بالجذع من الماعز وبالجذع من الإبل والبقر وجاءت بذلك آثار عن رسول الله ﷺ ليرى من نصح نفسه أنه لا حجة للحنفيين والشافعيين والمالكيين أصلاً في إجازتهم الجذع من الضأن ومنعهم من الجذع من الإبل والبقر والماعز، وروينا من طريق ابن أبي شيبة، ثنا محمد بن نمير، ثنا محمد بن إسحاق، عن عمارة -هو: ابن عبد الله بن طعمة- عن ابن المسيب، عن زيد بن خالد الجهني قال: قسم رسول الله ﷺ في أصحابه ضحايا فأعطاني عتودًا من المعز، فقلت لرسول الله ﷺ : إنه جذع فقال: "ضح به" (١). وعند البخاري عن عقبة بن عامر أنه ﷺ أعطاه غنمًا يقسمها بين أصحابه فبقي عتودًا فذكر لرسول الله ﷺ فقال له: "ضحِ أنت به" (٢). والعتود: هو الجذع من الماعز بلا خلاف (٣). قلت: قد قال ابن سيدَهْ: العتود: الجدي الذي استكرش، وقيل: هو الذي قد بلغ السِّفَاد (٤).

стр. 15998

وحديث عقبة الذي عزاه للبخاري أهمل منه: فصاب لي جذعة فقلت: يا رسول الله صارت لي جذعة قال: "ضح بها" كذا في أكثر النسخ. ثم قال ابن حزم: وهذان خبران في غاية الصحة، وقد أجاز التضحية بالجذع من الماعز فيهما اثنان من الصحابة: عقبة بن عامر وزيد بن خالد، وذكرنا قبل عن أم سلمة وابن عمر جواز التضحية بالجذع من المعز، وإن كان غيره خيرًا منه، فإن قالوا: هذا منسوخ بخبر البراء، قلنا: خبر البراء لا دليل فيه على تخصيص الجذع من الماعز دون الجذع من الضأن والإبل والبقر بالمنع إلا بدعوى غير صحيحة. وأما الآثار التي فيها إباحة التضحية بالجذع جملة من كل شيء، فروينا عن عبد الرزاق، عن سفيان بن سعيد، عن عاصم بن كليب، عن أبيه قال: كنا مع رجل من الصحابة يقال له: مجاشع من بني سليم فأمر مناديًا ينادي أن رسول الله ﷺ قال: "الجذع يوفي بما يوفي منه الثني" (١). ومن طريق أبي الجهم [نا] (٢) يوسف بن يعقوب القاضي، ثنا أبو الربيع الزهراني، ثنا حبان بن علي، عن عاصم بن كليب، عن أبيه قال: أُمر علينا رجل من الصحابة من الأنصار فقال: إني شهدت مع رسول الله ﷺ النحر فطلبنا المسن فغلت علينا، فقال ﷺ : "إن الجذع يفي بما يفي منه المسن" ثم قال ابن حزم: الخبر الأول في غاية الصحة ورواته كلهم ثقات، والآخر خبر صحيح (٣).

стр. 15999

قلت: حبان تكلموا فيه: ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم وغيرهم. وروينا من طريق معمر عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن عمران بن الحصين قال: لأن أضحي بجذع أحب إليَّ من أن أضحي بهرم، وأحبهن إليَّ أن أضحي به، وفي خبر ابن عمر عموم الجذع. ومن طريق وكيع ويحيى بن سعيد القطان، ثنا علي بن المبارك، عن أبي السوية التميمي: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: عليَّ بدنة أتجزئ عني جذعة؟ قال: نعم. وفي رواية وكيع: جذعة من الإبل؟ قال: نعم. ومن طريقه أيضًا: ثنا عمر بن ذر: قلت لطاوس: إنا ندخل السوق فنجد الجذع من البقر السمين العظيم فنختار الثني لسنه؟ فقال طاوس: أحبها إليَّ أسمنها وأعظمها. ومن طريق عبد الرزاق عن معمر، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه: يجزئ الثني من المعز، والجذع من الضأن، والجذع من الإبل والبقر، يعني: في الأضاحي. ومن طريق وكيع، ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: يجزئ الجذع عن سبعة. ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج، عن عطاء قال: يجزئ من الإبل الجذع فصاعدًا. ومن طريق ابن أبي شيبة، ثنا ابن علية، عن يونس، عن الحسن أنه كان يقول: يضحي بالجذع من الإبل والبقر عن ثلاثة، وما دون الجذع من الإبل عن واحد. فهذِه أسانيد في غاية الصحة عن طاوس وعطاء والحسن في جواز الجذع من الإبل في الأضاحي. وعن ابن عباس جواز الجذع من الإبل في البدن، فإن قيل: قد روي عن عطاء كراهة ذلك. قلنا: رواه الحجاج بن أرطاة، وهو ساقط ولا يعارض به ابن جريج إلا جاهل.

стр. 16000

قال: والناسخ لهذا كله قوله ﷺ : "لا تجزئ جذعة عن أحدٍ بعدك" ثم إنهم لم يجدوا في النهي عن الجذع من الإبل والبقر خبرًا أصلاً إلا هذا اللفظ، فمن أين خصوا به جذاع الإبل والبقر دون جذاع الضأن؟ فإن قالوا: قسنا جذاع الإبل والبقر على جذاع المعز. قلنا: وهلا قستموها على جذاع الضأن. ويقولون أيضًا: إن ولدت الأضحية الشاة أو الماعز أو البقرة أو الناقة ضحى بولدها معها، فهذا كما ترى أجازوا في التضحية الصغير جدًا، فإن قالوا: إنما هو تبع. قلنا: هذا لا معنى له، إن قالوا: هو بعضها فليس بصحيح هو ذكر وهي أنثى، وإن كان غيرها فهو قولنا ولا فضل في ذلك (١). فصل: قال ابن عبد البر (٢): أجمعوا أن من ذبح قبل الصلاة وكان ساكن مصر من الأمصار أنه لا يجزئه ذبحه ذلك. واختلفوا في وقت ذبح أهل البادية، فقال مالك: يذبحون إذا ذبح أقرب أئمة أهل القرى إليهم فينحرون بعده، فإن لم يفعلوا وأخطأوا فنحروا قبله أجزأهم. وقال الشافعي: وقت الذبح وقت صلاة رسول الله ﷺ من حين حلت الصلاة وقدر خطبتين، وأما صلاة من بعده فليس فيها وقت (٣)، وبه قال أحمد والطبري.
следующие страницы →