← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 16031–16070 · переход к 16036.

стр. 16031

تعليق أبي الأحوص أخرجه أبو داود عن مسدد عنه (١) وأخرجه البخاري عن عثمان، ثنا جرير، عن منصور، عن الشعبي باللفظ الذي ذكر معلقًا عن أبي الأحوص: يا رسول الله إن عندنا عناقًا لنا جذعة (٢). الحديث. وتعليق ابن عون أخرجه النسائي عن عثمان بن عبد الله، عن عثمان، عن شعبة، عن ابن عون (٣). وتعليق (أيوب) (٤) أخرجه البخاري عن علي بن عبد الله، ثنا إسماعيل بن علية، عن أيوب (٥). والعلماء مجمعون على القول بظاهر هذا الحديث، وقد سلف الكلام فيه واضحًا، والعناق من المعز ابن خمسة أشهر أو نحوها، كما قاله ابن بطال؛ قال: وهي جذعة ولا يجوز في الضحايا بإجماع كما سلف، وإنما يجوز من المعز الثني فما فوقه، وهي ثني إذا تم له سنة ودخل في الثانية، قال: وإنما يجوز الجذع من الضأن فقط وهو ابن سبعة أشهر، قيل: إذا دخل فيها، وقيل: إذا أكملها، وعلامته أن يرقد صوف ظهره بعد قيامه وإذا كان كذلك قالت العرب إنه قد أجذع ولا يجوز من سائر الأزواج الثمانية من الأنعام إلا الثني فما فوق، فثني البقرة إذا كمل له سنتان ودخل في الثالثة، وثني الإبل إذا كمل له خمس سنين ودخل في السادسة (٦).

стр. 16032

فصل: قوله: (إِنَّ عِنْدِي دَاجِنًا جَذَعَةً مِنَ المَعَزِ) قال ابن السكيت: شاة في داجن وراجِن إذا ألفت البيوت واستأنست قال: ومن العرب من يقرأها بالهاء، وكذلك غير الشاة (١). وقوله: (عندي عناق لبن)، قدمنا عن الداودي أنه قال: العناق التي استحقت أن تحمل دون الثنية شيئًا، والذي ذكر أهل اللغة أنها الأنثى من ولد المعز. وقال الداودي: يطلق العناق على الذكر والأنثى، وبين بقوله: (لبن) أنها أنثى (من ولد المعز) (٢). فغلط الداودي في اللغة وفي تأويل الحديث؛ لأن معنى (عناق لبن): أي جذعة ترضع أمها لم يرد أنها ذاتِ لبن فتكون ثنية أو فوق ذلك. وقوله: (عَنَاقٌ جَذَعٌ) نحو قول الداودي: أن العناق تقع على الذكر إلا أن أهل اللغة على خلاف ذلك.

стр. 16033

٩ - باب مَنْ ذَبَحَ الأَضَاحِيَّ بِيَدِهِ ٥٥٥٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ، فَرَأَيْتُهُ وَاضِعًا قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا يُسَمِّي وَيُكَبِّرُ، فَذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ. [انظر: ٥٥٥٣ - مسلم: ١٩٦٦ - فتح ١٠/ ١٨] ذكر فيه حديث أَنَسٍ ﵁ قَالَ: ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ، فَرَأَيْتُهُ وَاضِعًا قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا يُسَمِّي وَيُكَبِّرُ، فَذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ. الشرح: الصفاح بكسر الصاد يعني جانبي وجهها، وعبارة الداودي: الصفاح جانب الوجه ففيه وضع القدم. وقال غيره: أراد صفح العنق أي ناحيته. وفيه: أن الاختيار والسنة للمرء أن يذبح أضحيته بيده، والعلماء على استحبابه فإن كان به عذر جاز أن يستنيب بغيره؛ لأن الأعذار تسقط معها أحكام الاختيار، فإن استناب مع القدرة أتى مكروهًا وأجزأه. قال ابن التين: وفيما علق عن الشيخ أبي حفص فإن ترك أو ذبح من غير ضرورة لم يجزه وأعاد. قلت: هو غريب، قال (أصحاب السبيعي) (١): كان أصحاب رسول الله ﷺ يذبحون ضحاياهم بأيديهم، قال مالك: وذلك من التواضع لله وأن رسوله كان يفعله فإن أمر (٢) بذلك مسلمًا أجزأته بما صنع وكذلك

стр. 16034

الهدي، وقد كان أبو موسى الأشعري يأمر بناته أن يذبحن نسائكهن بأيديهن (١). وروى الزهري: أنه ﷺ قال لعائشة أو لفاطمة: "اشهدي نسيكتك فإنه يغفر لك عند أول قطرة من دمها" (٢). فصل: وترجم له أيضًا باب وضع القدم على صفح الذبيحة، ومعنى ذلك -والله أعلم- ليقوى على الإجهاز عليها ويكون أسرع لموتها لقوله ﷺ : "إذا ذبحتم فأحسنوا الذبح وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته" (٣) وليس ذلك من تعذيبها المنهي عنه إذ لا يقدر على ذبحها إلا (بتفاقها) (٤). وقال ابن القاسم: الصواب أن يضجعها على شقها الأيسر على ذلك مضى عمل المسلمين فإن جهل فأضجعها على الشق الآخر لم يحرم أكلها. فصل: وترجم عليه أيضًا باب التكبير عند الذبح، قال المهلب: وهو مما أمر الله به لقوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ على مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] وهذا [على] (٥) الندب والاستنان، ومعناه إحضار النية لله لا لشيء من العبادات التي كانت الجاهلية تذبح لها، وكان الحسن البصري يقول

стр. 16035

عند ذبح أضحيته: بسم الله والله أكبر، هذا منك ولك، اللهم تقبل من فلان. وكره أبو حنيفة أن يذكر مع اسم الله غيره بأن يقول: اللهم تقبل من فلان عند الذبح، ولا بأس بذلك قبل التسمية وقبل الذبح. وقال ابن القاسم: ليقل الذابح: باسم الله والله أكبر، وليس بموضع صلاة على رسول الله ﷺ ولا تسبيح ولا يذكر هنا إلا الله وحده (١)، وهو قول الليث. وكان ابن عمر يقول: باسم الله والله أكبر. قال ابن القاسم: فإن سمى الله أجزأه وإن شاء قال: اللهم تقبل منى، وأنكر مالك قولهم: اللهم منك وإليك (٢). وقال الشافعي: التسمية على الذبيحة باسم الله فإن زاد بعد ذلك شيئًا من ذكر الله أو صلى على محمد ﷺ لم أكرهه، فإن قال: اللهم تقبل منى، فلا بأس (٣). وقال محمد بن الحسن: إن ذبح شاة فقال: الحمد لله أو قال: سبحان الله والله أكبر يريد بذلك التسمية فلا بأس به. وهذا كله تسمية وقال: وإن قال الحمد لله، يريد أن يحمده ولا يريد التسمية فلا يجزئ شيء عن التسمية ولا يؤكل، وبه قال أبو ثور. فرع: الأولى عندنا: أن المرأة تُوَكِّل ولا تباشر الذبح بنفسها ويجوز استنابة الذمي والمرأة الحائض. وفي "المدونة": أنه إذا استناب ذميًّا لم يجزه (٤)، وأجازه أشهب وقيل: رواه عن مالك.

стр. 16036

١٠ - باب مَنْ ذَبَحَ أضَحِيَّةَ غَيْرِهِ وَأَعَانَ رَجُلٌ ابن عُمَرَ فِي بَدَنَتِهِ. وَأَمَرَ أَبُو مُوسَى بَنَاتِهِ أَنْ يُضَحِّينَ بِأَيْدِيهِنَّ. ٥٥٥٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسَرِفَ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: «مَا لَكِ؟ أَنَفِسْتِ؟». قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ على بَنَاتِ آدَمَ، اقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ». وَضَحَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ. [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح ١٠/ ١٩] وأعان رجل ابن عمر في بدنته، وأمر أبو موسى بناته أن يضحين بأيديهن. ثم ذكر حديث عَائِشَةَ ﵂: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسَرِفَ … الحديث السالف، وفي آخره: وَضَحَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ. الشرح: فيه -كما قال المهلب- حجة لرواية ابن عبد الحكم، عن مالك: أنه من ذبح لرجل أضحيته بغير أمره من يقوم بخدمته مثل الولد أو بعض عياله وذبحها على وجه الكفاية أنها تجزئ عنه كما ذبح الشارع عن أزواجه بالبقر. قال الأبهري: إذا ذبحها من يقوم بأمره كالأخ والوكيل فيجوز؛ لأنه نائب عنه وذبح عنه. واختلفوا إن أمر بذبحها غير مسلم فكره ذلك علي وابن عباس وجابر، ومن التابعين ابن سيرين والحسن والشعبي وربيعة وقاله

стр. 16037

الليث، وقال مالك: أرى أن يبدلها بأخرى حتى يذبحها هو بنفسه صاغرًا؛ فإنَّ ذلك من التواضع، وكان ﷺ يذبح بنفسه وكره ذلك الثوري والشافعي والكوفيون، وأشهب صاحب مالك كما سلف، فإن وقع أجزأ ذلك عندهم وأجاز ذلك عطاء، وحجة هذِه المقالة أن الله أباح لنا ذبائحهم وإذا كان لنا أن نولي ذبائحنا من تحل لنا ذبيحته من المسلمين كان جميع من حلت لنا ذبيحته في معناه في أنه يقوم مقامه ولا فرق بين ذلك. قال ابن المنذر: ومن كرهه فإنما هو على وجه الاستحباب لا على وجه التحريم. قال مالك: فإن ذبحها مسلم أجنبي بغير أمره لم يجز عنه وهو ضامن لها، وأجاز ذلك أبو حنيفة والشافعي، وحجة من أجازها أن من أصولهم أن الضحية تجب عندهم بالشراء قياسًا على ما اتفقوا عليه من الهدي إذا بلغ محله فذبحه ذابح بغير أمره يجزئ عنه؛ لأنه شيء خرج من ماله لله، فكأن الذابح ذبحه للمساكين المستحقين له، وأما مالك فالهدي عنده مخالف للضحايا فصحت الضحايا عنده بالذبح لا بالشراء؛ لأنه يجيز للمضحي أن يبدل أضحيته بأفضل منها وأسمن فهي مفتقرة إلى نية، فكذلك لم يجز أن يذبحها أحد عنه بغير أمره. وقول مالك أولى بالحديث -والله تعالى أعلم- وليس لأحد عنده أن يبدل هديه. فصل: وأمرُ أبي موسى بناته بالتضحية ظاهر في جواز ذبيحة المرأة، هو ما في "المدونة" وكرهه عند محمد.

стр. 16038

١١ - باب الذَّبْحِ بَعْدَ الصَّلَاةِ ٥٥٦٠ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي زُبَيْدٌ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ، عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ فَقَالَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ مِنْ يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ هَذَا فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ نَحَرَ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ يُقَدِّمُهُ لأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ». فَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أُصَلِّيَ، وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ. فَقَالَ: «اجْعَلْهَا مَكَانَهَا، وَلَنْ تَجْزِيَ -أَوْ تُوفِىَ- عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ». [انظر: ٩٥١ - مسلم: ١٩٦١ - فتح ١٠/ ١٩] ذكر فيه حديث البَرَاءِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ فَقَالَ: "إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ فِي يَوْمِنَا هذا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ .. " الحديث، آخره: وَلَنْ تَجْزِيَ -أَوْ تُوفِيَ- عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ". ثم ترجم عليه:

стр. 16039

١٢ - باب مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَعَادَ ٥٥٦١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيُعِدْ». فَقَالَ رَجُلٌ: هَذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ -وَذَكَرَ مِنْ جِيرَانِهِ، فَكَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَذَرَهُ- وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْنِ. فَرَخَّصَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَا أَدْرِي بَلَغَتِ الرُّخْصَةُ أَمْ لَا، ثُمَّ انْكَفَأَ إِلَى كَبْشَيْنِ- يَعْنِي: فَذَبَحَهُمَا- ثُمَّ انْكَفَأَ النَّاسُ إِلَى غُنَيْمَةٍ فَذَبَحُوهَا. [انظر: ٩٥٤ - مسلم: ١٩٦٢ - فتح ١٠/ ٢٠] ٥٥٦٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ، سَمِعْتُ جُنْدَبَ بْنَ سُفْيَانَ الْبَجَلِيَّ قَالَ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُعِدْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ». [انظر: ٩٨٥ - مسلم: ١٩٦٠ - فتح ١٠/ ٢٠] ٥٥٦٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَالَ: «مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، فَلَا يَذْبَحْ حَتَّى يَنْصَرِفَ». فَقَامَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَعَلْتُ. فَقَالَ: «هُوَ شَيْءٌ عَجَّلْتَهُ». قَالَ: فَإِنَّ عِنْدِي جَذَعَةً هِيَ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّتَيْنِ، آذْبَحُهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، ثُمَّ لَا تَجْزِي عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ». قَالَ عَامِرٌ: هِيَ خَيْرُ نَسِيكَتِهِ. [انظر: ٩٥١ - مسلم: ١٩٦١ - فتح ١٠/ ٢٠] ثم ساقه فيه وساق حديث أنس السالف. وحديث جُنْدَبِ بْنٍ سُفْيَانَ البَجَلِيَّ قَالَ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ: "مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُعِدْ مَكَانَهَا أُخْرى، وَمَن لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ". ولا شك أن سنة الذبح بعد الصلاة، وأجمع العلماء أن من ذبح قبل الصلاة فعليه الإعادة؛ لأنه ذبح قبل وقته.

стр. 16040

واختلفوا في من ذبح بعد الصلاة وقبل ذبح الإمام، فذهب أبو حنيفة والثوري والليث إلى أنه يجوز ذلك، واحتجوا بحديث البراء ﵁ أنه ﷺ قال: "إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر"، وبقول جندب بن سفيان المرفوع: "مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَليُعِدْ". قالوا: فإذا حل للإمام الذبح بتمام الصلاة حل لغيره ولا معنى لانتظاره. وقال مالك والأوزاعي والشافعي: لا يجوز لأحد قبل الإمام -أي: أو مقدار الصلاة والخطبة كما سلف- لحديث ابن جريج عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ صلى يوم النحر بالمدينة فتقدم رجال فنحروا وظنوا أن النبي ﷺ قد نحر فأمرهم أن يعيدوا. (١) وقال الحسن في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] إنها نزلت في قوم نحروا قبل أن ينحر النبي ﷺ (٢). ودفع الطحاوي الحديث المذكور بأن قال: رواه حماد بن سلمة عن أبي الزبير، عن جابر أن رجلاً ذبح قبل أن يصلي رسول الله ﷺ فنهى رسول الله ﷺ أن يذبح أحد قبل الصلاة، ففي هذا الحديث أن النبي إنما قصد إلى الصلاة لا قبل ذبحه، ولا يجوز أن ينهاهم عن الذبح قبل أن يصلي وهو يريد إعلامهم إباحة الذبح لهم بعدما يصلي وإلا لم يكن لذكره الصلاة معنى، قالوا: ويشهد لهذا قوله ﷺ في حديث البراء: "إن أول نسكنا في يومنا هذا أن نبدأ بالصلاة ثم نرجع فننحر" فأخبر أن النسك يوم النحر إنما هو الصلاة ثم الذبح بعدها، فدل ذلك على أن ما يحل به الذبح هو الصلاة لا نحر الإمام الذي يكون بعدها، وأنَّ حكم النحر قبل الصلاة خلاف حكمه بعدها.

стр. 16041

وأما من طريق النظر فإنا رأينا الإمام لو لم ينحر أصلاً لم يكن ذلك بمسقط عن الناس النحر ولا مانع لهم منه ولو أن إمامًا تشاغل يوم النحر بقتال عدوٍ أو غيره فلم ينحر أن لغيره (١) ممن أراد التضحية أن يضحي، فإن قال: ليس له أن يضحي خرج من قول جميع الأمة وإن قال: لهم أن يضحوا بعد زوال الشمس لذهاب وقت الصلاة، فدل أن ما حل به النحر ما كان وقت صلاة العيد إنما هو الصلاة لا نحر الإمام، ألا ترى أن الإمام لو نحر قبل أن يصلي لم يجزه ذلك، وكذلك سائر الناس فكان حكم الإمام والناس في الذبح قبل الصلاة سواء في أن لا يجزئهم فالنظر على ذلك أن يكون الإمام وسائر الناس أيضًا سواء في الذبح بعد الصلاة أنه يجزئهم كلهم (٢). قال المهلب: إنما كره الذبح قبل الإمام -والله أعلم- لئلا يشتغل الناس عن الصلاة ويحرمها المساكين مع المشتغلين بالذبح، ألا ترى أنه ﷺ قد أمر بإخراج العواتق وغيرهن لشهود بركة دعوة المسلمين. واختلفوا في ذبح أهل البادية، فقال مالك: تحرى أقرب أئمة القرى إليهم فإن أخطأوا ونحروا قبله أجزأهم. وقال عطاء: يذبح أهل القرى بعد طلوع الشمس. وقال الشافعي: وقتها كما في حق أهل الحاضرة مقدار ركعتين وخطبتين كما سلف، وأما صلاة من بعده فليس فيها وقت، وبه قال أحمد وقال أبو حنيفة وأصحابه: من ذبح من أهل السواد بعد طلوع الفجر أجزأه؛ لأنه ليس عليهم صلاة العيد، وهو قول الثوري وإسحاق (٣).

стр. 16042

فصل: قوله في حديث البراء ﵁: (خير من مسنة). قال الداودي: هي التي أسقطت أسنانها للبدل ونحوه. قال الجوهري: الثني يلقي ثنيته، ويكون ذلك في الظلف والحافر في السنة الثالثة، وفي الخف في السادسة (١)، ونحوه. قال ابن حبيب: في الغنم الثني ابن سنتين ودخل في الثالثة. وقال ابن فارس: إذا دخل ولد الشاة في السنة الثالثة فهو ثني (٢). واختلف في الثني من البقر فقيل ابن ثلاث مثل ما تقدم عن الجوهري، وقال ابن حبيب: هو ماله أربع، وقال ابن مُزَين: هو ماله سنتان. وقوله: (ثُمَّ انْكَفَأَ إلى كَبْشَيْنِ) -يعني: فذبحهما- ثم انكفأ الناس)، فيه حجة لمالك أن الذبح إنما يكون بعد ذبح الإمام. وقوله: (فَإِنَّ عِنْدِي جَذَعَةً هِيَ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّتَيْنِ)، و (قال عامر: هي خير نسيكته). قال ابن التين: ذكر ذلك عن رسول الله ﷺ . واحتج به الشيخ أبو الحسن علَى أنَّ مَن ذبح قبل الصلاة لا يجوز له بيعها؛ لأنه سماه نسيكة، وهذا قد سلف عنه أيضًا، وجاء: "خير نسيكتك" (٣) ووجهه وإن كانت الأولى شاة لحم؛ لأنه نوى بها النسك وإن لم تجز عنه، والثانية أجزأت فكانت خيرهما. وفي رواية الشافعي عن عبد الوهاب، قال داود: أظن أنها ماعز، وقال الشافعي: هي ماعزة وإنما يقال للضانية: رَخِل (٤).

стр. 16043

١٣ - باب وَضْعِ الْقَدَمِ عَلَى صَفْحة الذَّبِيحَةِ . ٥٥٦٤ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ على صَفْحَتِهِمَا، وَيَذْبَحُهُمَا بِيَدِهِ. [انظر: ٥٥٥٣ - مسلم: ١٩٦٦ - فتح ١٠/ ٢٢] تقدم حديثه قريبًا، وكذا باب: التَّكْبِيرِ عِنْدَ الذَّبْحِ، تقدم بحديثه أيضًا.

стр. 16044

١٤ - باب التَّكْبِيرِ عِنْدَ الذَّبْحِ ٥٥٦٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا. [انظر: ٥٥٥٣ - مسلم: ١٩٦٦]

стр. 16045

١٥ - باب إِذَا بَعَثَ بِهَدْيِهِ لِيُذْبَحَ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ شَيْءٌ ٥٥٦٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ أَتَى عَائِشَةَ، فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ رَجُلاً يَبْعَثُ بِالْهَدْيِ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَيَجْلِسُ فِي الْمِصْرِ، فَيُوصِي أَنْ تُقَلَّدَ بَدَنَتُهُ، فَلَا يَزَالُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ مُحْرِمًا حَتَّى يَحِلَّ النَّاسُ. قَالَ: فَسَمِعْتُ تَصْفِيقَهَا مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ فَقَالَتْ: لَقَدْ كُنْتُ أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَيَبْعَثُ هَدْيَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مِمَّا حَلَّ لِلرِّجَالِ مِنْ أَهْلِهِ، حَتَّى يَرْجِعَ النَّاسُ. [انظر: ١٦٩٦ - مسلم: ١٣٢١ - فتح ١٠/ ٢٣] حدثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَا عَبْدُ اللهِ، أنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ أَتَى عَائِشَةَ، فَقَالَ: يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، إِنَّ رَجُلًا يَبْعَثُ بِالْهَدْيِ إِلَى الكَعْبَةِ، وَيَجْلِسُ في المِصْرِ، فَيُوصِي أَنْ تُقَلَّدَ بَدَنتُهُ، فَلَا يَزَالُ مِنْ ذَلِكَ اليَوْمِ مُحْرِمًا حَتَّى يَحِلَّ النَّاسُ. قَالَ: فَسَمِعْتُ تَصْفِيقَهَا مِنْ وَرَاءِ الحِجَابِ فَقَالَتْ: لَقَدْ كُنْتُ أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَيَبْعَثُ هَدْيَهُ إِلَى الكَعْبَةِ، فَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ شيء مِمَّا حَلَّ لِلرِّجلِ مِنْ أَهْلِهِ، حَتَّى يَرْجِعَ النَّاسُ. هذا الحديث فيه رد على من قال: أن من بعث بهديه إلى الكعبة لزمه إذا قلده الإحرام ويجتنب ما يجتنبه الحاج حتى ينحر هديه، وروي هذا عن ابن عباس وابن عمر، وهو قول عطاء بن أبي رباح وأئمة الفتوى على خلاف هذا القول، وقد تقدم بيان الحجة لهم في ذلك في كتاب الحج. قال ابن بطال: وهذا الحديث يرد ما روي عن أم سلمة ﵂ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من رأى منكم هلال ذي الحجة وأراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره وأظفاره حتى يضحي" (١).

стр. 16046

وقال بظاهر حديث أم سلمة سعيد بن المسيب وأحمد وإسحاق، وقال الليث: قد جاء هذا الحديث وأكثر الناس على خلافه. وقال الطحاوي: حديث عائشة أحسن مجيئًا من حديث أم سلمة؛ لأنه جاء مجيئًا متواترًا، وحديث أم سلمة قد طُعن في إسناده، وقيل: إنه موقوف على أم سلمة، رواه ابن وهب وعثمان بن عمر، عن مالك، عن عمر بن مسلم، عن سعيد بن المسيب، عن أم سلمة ولم يرفعه. وأما من طريق النظر فرأينا الإحرام يحظر أشياء مما كانت حلالًا قبله منها: الجماع والقبلة وقص الأظفار وحلق الشعر والصيد، فكل هذِه الأشياء تحرم بالإحرام وأحكامها مختلفة، وذلك أن الجماع يفسد الإحرام ولا يفسده ما سوى ذلك. ثم رأينا من دخلت عليه أيام العشر لا يحرم عليه الجماع وهو أغلظ ما يحرم به الإحرام، فكان أحرى أن لا يمنع ما دون ذلك (١). قلت: حديث أم سلمة أخرجه مسلم في "صحيحه" مرفوعًا، وقال الحاكم في "مستدركه": إنه على شرط الشيخين (٢). وذهب إليه مع من سلف: الشافعي وأبو ثور وأهل الظاهر، فمن دخل عليه عشر ذي الحجة وأراد أن يضحي فلا يمس من شعره ولا من أظفاره شيئًا. وفي رواية في مسلم: " فلا يمس من شعره وبشره شيئًا" (٣).

стр. 16047

ونقل ابن المنذر عن مالك والشافعي أنهما لا يرخصان في أخذ الشعر والأظفار لمن أراد أن يضحي ما لم يحرم، غير أنهما يستحبان الوقوف عن ذلك عند دخول العشر إذا أراد أن يضحي، ورأى الشافعي أن أمر رسول الله ﷺ أمر اختيار. وقال أبو ثور: هو إن أراد المرء أن يضحي. ورخص فيه الزهري لغير الحاج. قال ابن حزم: روي عن أم المؤمنين أم سلمة أنها أفتت بذلك، وكذا ذكره ابن أبي عروبة، عن يحيى بن أبي كثير أن يحيى بن يعمر كان يفتي به، قال سعيد: قال قتادة: فذكرت ذلك لابن المسيب فقال نعم؛ فقلت: عمن يا أبا محمد قال: عن أصحاب رسول الله ﷺ (١). قلت: قد أخرجه عن أم سلمة مرفوعًا كما ترى أخرجه عنه مسلم في "صحيحه"، وفي آخره: قيل لسفيان: فإن بعضهم لا يرفعه، قال: لكني أرفعه. قلت: ولم ينفرد بل توبع كما ستعلمه. وقال الدارقطني: الصحيح وقفه، وقال مسدد: ثنا المعتمر، عن أبيه، قال: كان ابن سيرين يكره إذا دخل العشر أن يأخذ الرجل من شعره حتى يكره أن يحلق الصبيان في العشر. قال ابن حزم: وخالف أبو حنيفة ومالك وما علمنا لهم حجة إلا أن بعضهم ذكر ما رواه مالك عن عمارة بن عبد الله بن صياد، عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يرى بأسًا بالإطلاء في العشر، قالوا: وهو راوي هذا الخبر. وما روينا من طريق عكرمة أنه ذكر له هذا الحديث فقال: فهلا اجتنبت النساء والطيب، وما يعلم لهم غير هذا أصلاً، وهذا كله

стр. 16048

لا شيء، أما الرواية عن سعيد فباطلة من وجوهٍ: أولها: أنه لا حجة في قوله؛ إنما الحجة في روايته. ثانيها: أنه قد صح عنه خلاف ذلك كما ذكرناه قبل. ثالثها: يتأول له في الإطلاء أنه بحكم سائر الشعر، وأن النهي إنما هو عن شعر الرأس فقط. رابعها: أنه يكون المراد بالعشر إنما هو عشر المحرم لا عشر ذي الحجة، وإلا فمن أين للمرء أنه أراد عشر ذي الحجة واسم العشر ينطلق عليهما. خامسها: أن يقول: لعل سعيدًا رأى ذلك لمن لا يريد أن يضحي وهذا صحيح. وأما قول عكرمة ففاسد؛ لأنه إنما هو منه قياس، والقياس كله باطل، ثم لو صح القياس لكان هذا منه (عين الباطل لأنه) (١) ليس إذا وجب ألا يمس الشعر والظفر بالنص الوارد في ذلك يجب أن يجتنب النساء والطيب، كما أنه إذا وجب اجتناب الجماع والطيب لم يجب بذلك اجتناب الشعر والظفر، هذا الصائم فرض عليه اجتناب النساء ولا يلزمه اجتناب الطيب ولا مس الشعر والظفر، وكذلك المعتكفة وهذِه المعتدة يحرم عليها الجماع والطيب ولا يلزمها اجتناب قص الشعر والأظفار، وما ذهب إليه صحت عن فتيا الصحابة ولا نعرف فيها مخالف لهم (٢).

стр. 16049

قال الطحاوي: كل من روى هذا الحديث عن مالك سوى شعبة يوقفه على أم سلمة ولا يرفعه عنها إلى رسول الله ﷺ ، وممن رواه عنه كذلك ابن وهب وعثمان بن عمر، وخالفا شعبة أيضًا في شيخ مالك الذي روى عنه هذا الحديث فقالا: عمر بن مسلم، وقال شعبة: عمرو، قال ابن وهب وعثمان بن عمر: هذا مجهول (١). قال الطحاوي: ولعله أن يكون كما قالا؛ لأن مالكًا لم يتركه إلى خلافه، وهو عنده عمرو لا سيما وقد رفعه ثم وقفنا بعد ذلك على حقيقة شيخ مالك ومن هو، وعلى ما بينا أن مالكًا لم يعمل بما أخذه عنه من أجله، إذ كان ليس بمرضي عنده. قال العلائي: ذكرت لابن معين حديث مالك هذا، فقال: يقولون: عُمر وعَمرو وعمار وهو ابن مسلم بن عبد الله بن أكيمة، وزعموا أنه كان خليفة محمد بن يوسف أخي الحجاج بن يوسف، وليس هو عمرو بن مسلم (الجندعي) (٢) هذا، روى عنه معمر وابن جريج وابن عيينة، وكأن مالكًا لما لم يرضه لم يدخله في "موطئه" ولم يعمل بما حدثه عنه، ووجدنا هذا الحديث من وجه آخر من حديث سفيان، عن عبد الرحمن بن حميد، عن ابن المسيب، عن أم سلمة مرفوعًا، ووجدنا غير ابن عيينة رواه عن عبد الرحمن فأوقفه على أم سلمة وهو أبو ضمرة الليثي. وروى ابن أبي ذئب عن يزيد بن عبد الله بن قسيط أن عطاء بن يسار وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وأبا بكر بن سليمان كانوا لا يرون

стр. 16050

بأسًا أن يأخذ الرجل من شعره ويقلم أظفاره في عشر ذي الحجة (١). وأخرجه مسلم من حديث شعبة عن مالك، عن عمر بن مسلم، عن سعيد، عن أم سلمة مرفوعًا. ومن حديث محمد بن عمرو الليثي عن عمر به مرفوعًا، ومن حديث ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن سعيد بن المسيب، عن أم سلمة مرفوعًا. ومن حديث محمد بن عمرو، أنا عمرو بن مسلم قال: كنا في الحمام قبيل الأضحى فاطلى فيه ناس، فقال بعض أهل الحمام: إن ابن المسيب يكره هذا أو ينهى عنه، فلقيت سعيد بن المسيب فذكرت ذلك له، فقال: يا ابن أخي هذا حديث قد نُسي وترك، حدثتني أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ بمعنى حديث معاذ عن محمد بن عمرو. ومن حديث سعيد بن أبي هلال، عن عمر بن مسلم أن ابن المسيب أخبر أن أم سلمة ﵂ زوج النبي ﷺ أخبرتهم وذكر النبي ﷺ بمعنى حديثهم (٢). ورواه أبو الشيخ في كتابه من حديث مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن ابن شهاب، عن سعيد، عن أم سلمة، عن النبي ﷺ يروى من حديث يزيد بن عياض بن جعدبة، عن عبد الرحمن بن حرملة ويحيى بن سعيد وعطاء بن الفارسي، عن ابن المسيب، عن أم سلمة، عن النبي ﷺ به. ومن حديث جنادة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ به. فهذِه متابعات لسفيان ولو ظفر بها ابن حزم لما شرع في التأويلات المذكورة.

стр. 16051

قال ابن عبد البر: ومما يدل على أن سعيد بن المسيب كان يقول بحديثه هذا عن أم سلمة عن رسول الله ﷺ ما ذكره أبو بكر، ثنا وكيع، عن شعبة وهشام، عن قتادة، عن سعيد قال: ضحى رسول الله ﷺ وليس عليك، وهذا أخذ منه بحديثه عن أم سلمة عن رسول الله ﷺ : "إذا دخل العشر .. " الحديث (١). فصل: قوله: (فَسَمِعْتُ تَسْفِيقَهَا) (٢) أي: تصفيقها وهو الضرب باليدين، يقال: ثوب سفيق وصفيق. فصل: ولما ذكر الداودي أن من أراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره إذا أهل هلال ذي الحجة، قال: روته ميمونة، كذا قال، قال: وقد يكون هذا منسوخًا أو ناسخًا لحديث عائشة. وهو عجيب، فإن عائشة إنما أنكرت أن يكون محرمًا يمنع مما يمتنع منه المحرم من الطيب وغيره، ولم تتكلم على ما يستحب في العشر خاصة من اجتناب ما ذكرناه، لكن عموم الحديث يدل على ذلك.

стр. 16052

١٦ - باب مَا يُؤْكَلُ مِنْ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ وَمَا يُتَزَوَّدُ مِنْهَا ٥٥٦٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرٌو: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ -قَالَ: كُنَّا نَتَزَوَّدُ لُحُومَ الأَضَاحِيِّ على عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَالَ غَيْرَ مَرَّةٍ: لُحُومَ الْهَدْيِ. [انظر: ١٧١٩ - مسلم: ١٩٧٢ - فتح ١٠/ ٢٣] ٥٥٦٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، أَنَّ ابْنَ خَبَّابٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ يُحَدِّثُ أَنَّهُ كَانَ غَائِبًا، فَقَدِمَ فَقُدِّمَ إِلَيْهِ لَحْمٌ. قَالَ: وَهَذَا مِنْ لَحْمِ ضَحَايَانَا. فَقَالَ: أَخِّرُوهُ، لَا أَذُوقُهُ. قَالَ: ثُمَّ قُمْتُ فَخَرَجْتُ حَتَّى آتِيَ أَخِي أبا (١) قَتَادَةَ -وَكَانَ أَخَاهُ لأُمِّهِ، وَكَانَ بَدْرِيًّا - فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ حَدَثَ بَعْدَكَ أَمْرٌ. [انظر: ٣٩٩٧ - فتح ١٠/ ٢٣] ٥٥٦٩ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ ضَحَّى مِنْكُمْ فَلَا يُصْبِحَنَّ بَعْدَ ثَالِثَةٍ وَفِي بَيْتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ». فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، نَفْعَلُ كَمَا فَعَلْنَا عَامَ الْمَاضِي؟ قَالَ: «كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا، فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَامَ كَانَ بِالنَّاسِ جَهْدٌ فَأَرَدْتُ أَنْ تُعِينُوا فِيهَا». [مسلم: ١٩٧٤ - فتح ١٠/ ٢٤] ٥٥٧٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتِ: الضَّحِيَّةُ كُنَّا نُمَلِّحُ مِنْهُ، فَنَقْدَمُ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ: «لَا تَأْكُلُوا إِلاَّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ». وَلَيْسَتْ بِعَزِيمَةٍ، وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يُطْعِمَ مِنْهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. [انظر: ٥٤٢٣ - فتح ١٠/ ٢٤] ٥٥٧١ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدٍ -مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ- أَنَّهُ شَهِدَ الْعِيدَ يَوْمَ الأَضْحَى مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، فَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ

стр. 16053

رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ نَهَاكُمْ عَنْ صِيَامِ هَذَيْنِ الْعِيدَيْنِ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَيَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَأَمَّا الآخَرُ فَيَوْمٌ تَأْكُلُونَ نُسُكَكُمْ. [انظر: ١٩٩٠ - مسلم: ١١٣٧ - فتح ١٠/ ٢٤] ٥٥٧٢ - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: ثُمَّ شَهِدْتُ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هَذَا يَوْمٌ قَدِ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِيهِ عِيدَانِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْتَظِرَ الْجُمُعَةَ مِنْ أَهْلِ الْعَوَالِي فَلْيَنْتَظِرْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ فَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ. [فتح ١٠/ ٢٤] ٥٥٧٣ - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: ثُمَّ شَهِدْتُهُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَاكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا لُحُومَ نُسُكِكُمْ فَوْقَ ثَلَاثٍ. وَعَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ نَحْوَهُ. [مسلم: ١٩٦٩ - فتح ١٠/ ٢٤] ٥٥٧٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كُلُوا مِنَ الأَضَاحِيِّ ثَلَاثًا». وَكَانَ عَبْدُ اللهِ يَأْكُلُ بِالزَّيْتِ حِينَ يَنْفِرُ مِنْ مِنًى، مِنْ أَجْلِ لُحُومِ الْهَدْي. [مسلم: ١٩٧٠ - فتح ١٠/ ٢٤]. ذكر فيه أحاديث: أحدها: حديث جابر: كُنَّا نَتَزَوَّدُ لُحُومَ الأَضَاحِيِّ عَلَى عَهْدِ رسول الله ﷺ إِلَى المَدِينَةِ، وَقَالَ مَرَّةً: مِنْ لُحُومِ الهَدْيِ. ثانيها: حديث القَاسِمِ، أَنَّ ابن خَبَّابٍ واسمه عبد الله بن خبَّاب أخو مسلم بن خباب، وبنو خبَّاب أصحاب المقصورة موالي فاطمة بنت عبيد بن ربيعة أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ يُحَدِّثُ أَنَّهُ كَانَ غَائِبًا، فَقَدَّمَ إِلَيْهِ لَحْمٌ. فَقَالُوا: هذا مِنْ لَحْمِ ضَحَايَانَا. قَالَ: أَخِّرُوهُ، لَا أَذُوقُهُ. قَالَ: ثُمَّ قُمْتُ فَخَرَجْتُ حَتَّى آَتِيَ أَخِي قَتَادَةَ بن النعمان الظفري

стр. 16054

-قَالَ: وَكَانَ أَخَاهُ لِأُمِّهِ وَكَانَ بَدْرِيًّا- فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ حَدَثَ بَعْدَكَ أَمْرٌ. ثالثها: حديث سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ ضَحَّى مِنْكُمْ فَلَا يُصْبِحَنَّ بَعْدَ ثَالِثَةٍ في بَيتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ". فَلَمَّا كَانَ العَامُ المُقْبلُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، نَفْعَلُ كَمَا فَعَلْنَا في العام المَاضِي؟ قَالَ: "كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا، فَإِنَّ ذَلِكَ العَامَ كَانَ بِالنَّاسِ جَهْدٌ فَأَرَدْتُ أَنْ تُعِينُوا فِيهَا". رابعها: حديث عَائِشَةَ ﵂ -قَالَتِ: الضَّحِيَّةُ كُنَّا نُمَلِّحُ مِنْهُ، فَنَقْدَمُ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ: "لَا تَأْكُلُوا إِلَّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ". وَلَيْسَتْ بِعَزِيمَةٍ، ولكن أَرَادَ أَنْ يُطْعِمَ مِنْهُ، والله أَعْلَمُ. خامسها: حديث أَبي عُبَيْدٍ -مَوْلَى ابن أَزْهَرَ- أَنَّهُ شَهِدَ العِيدَ يَوْمَ الأَضْحَى مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، فَصَلَّى قَبْلَ الخُطْبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ نَهَاكُمْ عَنْ صِيَامِ هَذَيْنِ العِيدَيْنِ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَيَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَأَمَّا الآخَرُ فَيَوْمٌ تَأْكُلُونَ فيه من نُسُكِكُمْ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: ثُمَّ شَهِدْتُ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ جُمُعَةِ، فَصَلَّى قَبْلَ الخُطْبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هذا يَوْمٌ قَدِ اجْتَمَعَ فِيهِ عِيدَانِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْتَظِرَ الجُمُعَةَ مِنْ أَهْلِ العَوَالِي فَلْيَنْتَظِرْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ فَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: ثُمَّ شَهِدْتُهُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَصَلَّى قَبْلَ الخُطْبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَاكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا لُحُومَ نُسُكِكُمْ فَوْقَ

стр. 16055

ثَلَاثٍ. وَعَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ نَحْوَهُ. سادسها: حديث ابن عُمَرَ ﵄ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كُلُوا مِنَ الأَضَاحِيِّ ثَلَاثًا". وَكَانَ عَبْدُ اللهِ يَأكُلُ بِالزَّيْتِ حِينَ يَنْفِرُ مِنْ مِنًى، مِنْ أَجْلِ لُحُومِ الهَدْي. الشرح: اختلف العلماء في هذا الباب فذهب قوم إلى تحريم لحوم الأضاحي بعد ثلاث، واحتجوا بحديث علي وابن عمر ﵁ في الباب وإليه ذهب ابن عمر، وخالفهم في ذلك آخرون ولم يروا بأكلها وادخارها بأسًا، وعليه الجمهور، واحتجوا بحديث جابر وحديث أبي سعيد الخدري وبحديث سلمة وقالوا: أحاديث الإباحة ناسخة للنهي في ذلك، هذا قول الطحاوي (١). وقال المهلب: الذي يصح عندي أنه ليس فيها ناسخ ولا منسوخ، وقد فسر ذلك في الحديث بقوله: إنما كان ذلك من أجل الجهد ومن أجل الدافة، فكان نظرًا منه لمعنى فإذا زال المعنى سقط الحكم، وإذا ثبت المعنى ورأى ذلك الإمام عهد بمثل ما عهد به الشارع توسعه على المحتاجين. وقول عائشة: (ليس بعزيمة، ولكنه أراد أن يطعم منه) تبين أنه ليس بمنسوخ ولا النهي عن ذلك بمعنى التحريم، وأن للإمام والعالم أن يأمر بمثل هذا ويحض عليه إذا نزل بالناس حاجة. وروى إسرائيل عن أبي إسحاق، عن عابس بن ربيعة قال: أتيت عائشة فقلت: يا أم المؤمنين، أكان ﷺ يحرم لحوم الأضاحي فوق

стр. 16056

ثلاثة؟ فقالت: لا، ولكنه لم يكن يضحي منهم إلا قليل ففعل ذلك ليطعم من ضحى منهم ومن لم يضح، ولقد رأيتنا نخبئ الكراع ثم نأكلها بعد ثلاث، رواه الطحاوي عن فهد، عن أبي غسان، عن إسرائيل (١). فإن قيل: قد روى عبد الوارث، عن علي بن زيد قال: حدثني النابغة، عن مخارق بن سليم، عن أبيه، عن علي أنه ﷺ قال: "إني قد كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي أن تدخروها فوق ثلاث، فادخروها ما بدا لكم" (٢) وهذا يعارض ما روي عن علي ﵁ أنه خطب الناس وعثمان محصور في الدار فقال: لا تأكلوا من لحوم أضاحيكم بعد ثلاثة أيام فإن رسول الله ﷺ كان يأمرنا بذلك (٣)، فدل هذا على أنه ﷺ قد كان نهى عن ذلك بعد ما أباحه حتى تتفق معاني ما روي عن علي في ذلك، ولا يتضاد. قيل: قد جاء في الحديث بيان هذا، وذلك أنه ﷺ نهى عنها لشدة كان الناس فيها، ثم ارتفعت فأباح لهم ذلك، ثم عاد مثل ذلك في وقت ما خطب علي بالناس فأمرهم بما كان ﷺ أمرهم به في مثل ذلك، والدليل على ذلك حديث سلمة بن الأكوع في الباب، وقال: "إنما كنت نهيتكم لأجل الدافة التي دفت" (٤) فدل أن هذا النهي للعارض المذكور، فلما ارتفع أباح لهم ما كان حظر عليهم، وكذلك ما فعل علي في زمن عثمان وأمر به الناس بعد علمه بما أباحه الشارع ما قد نهاهم عنه، إنما كان لضيق بدا فيه مثل ما كان في زمن رسول الله ﷺ

стр. 16057

في الوقت الذي نهاهم فيه. وبإباحة لحوم الأضاحي وتزودها قال الكوفيون ومالك والشافعي وجمهور الأمة: وعبارة ابن التين اختلفت في هذا النهي فقيل على التحريم ثم طرأ النسخ بإباحته، وقيل للكراهة فيحمل بنسخها وعدمه أن يكون المنع من الادخار ثبت لعلة وارتفع لعدمها، يوضحه قوله: وكان بالناس ذلك العام جهد. فصل: فإن قيل فقوله ﷺ : "كُلُوا وَأَطْعِمُوا" هل فيه دلالة على وجوب الأكل منها وهل هو كقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٢٨]؟. قلت: معناهما واحد كما قال الطبري وهو أمر بمعنى الإطلاق والإذن للأكل، لا بمعنى الإيجاب وأمر بعد حظر، وذلك أنه لا خلاف بين سلف الأمة وخلفها أنَّ المضحي غير حرج بتركه الأكل من أضحيته ولا آثم، فدل إجماعهم على ذلك أن الأمر بالأكل بمعنى الإذن والإطلاق، وقد سئل مجاهد وعطاء عن الذي لا يأكل من أضحيته قالا: إن شاء لم يأكل منها، قال تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] أرأيت إن لم يصطد (١). وقال إبراهيم: كان المشركون لا يأكلون من ذبائحهم فرخص للمسلمين فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل. وقال سفيان: لا بأس أن يأكل منها ويطعمها كلها. قال الطبري: وهو قول جميع أئمة الأمصار. وقال ابن التين: لم يختلف المذهب أن الأكل غير واجب خلاف ما ذكره القاضي أبو محمد عن بعض الناس أنه واجب،

стр. 16058

وخالف ابن حزم فقال: فرض على كل مضح أن يأكل من أضحيته ولو لقمة فصاعدًا (١). قلت: وروى أبو هريرة مرفوعًا: "من ضحى فليأكل من أضحيته" (٢) قال أبو حاتم عن عطاء مرسل (٣). وفي كتاب "الضحية" لأبي محمد القاسم بن عساكر؛ قال عباس بن محمد الدوري: ما حدَّث بهذا الحديث إلا شاذان، فإن قيل فهل روي عن أحد من السلف أنه كان يطعم منها غنيًّا أو من ليس بمسلم؛ قيل: نعم قد روى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: كان عمر يبعث إليها في فضول الأضاحي بالرءوس والأكارع (٤). وقال: لا بأس أن تطعم من أضحيتك جارك اليهودي والنصراني والمجوسي. قال: ويستحب التصدق بالثلث وأكل الثلث وإطعام الجيران الثلث؛ لأن ذلك كان يفعله بعض السلف، قلت: وقيل يأكل نصفها ويتصدق بنصف، وهو أحد قولي الشافعي، ونقل ابن عبد البر عن الشافعي أنه كان يستحب أن يأكل ثلثًا ويتصدق بثلث ويدخر ثلثها؛ لقوله ﷺ : "كلوا وتصدقوا وادخروا" وكان غيره يستحب أن يأكل نصفها ويطعم نصفها؛ لقوله تعالى في الهدايا: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ (٥) [الحج: ٣٦]

стр. 16059

قلت: هو قول الشافعي كما علمت، وكان مالك لا يحد في ذلك حدًّا. والدليل على أن هذا استحباب لا إيجاب حديث ثوبان قال: ذبح رسول الله ﷺ ضحيته، ثم قال يا ثوبان: "أصلح لحم هذِه الأضحية" فلم أزل أطعمه منها حتى قدم المدينة (١)، وعندنا: الأفضل التصدق بكلها إلا لقمًا يتبرك بها. قال الطبري: وينبغي أن لا يقتصر على أقل من نصفه اقتداءً بالشارع، حيث أمر أن يطبخ من كل بدنه التي نحرها ببضعة فأكل منها وتحسى من مرقها (٢). وروي عن علي أنه ذبح أضحيته فشوى كبدها وتصدق بسائرها ثم أخذ رغيفًا وكبدًا بيده الأخرى فأكل. وقال سفيان الثوري: إن أراد أن لا يتصدق من أضحيته بشيء، قال: لا ينبغي له، ولكن إن تصدق بلقمة أجزأه. وقال ابن التين: اختلف قول مالك هل الأفضل الصدقة بجميعها، قاله عنه محمد أو يأكل منها، قاله عنه ابن حبيب، وقال: إن لم يأكل منها شيئًا فهو مخطئ. وأما قوله: ("وَأَطْعِمُوا") فعلى الاستحباب؛ لأن الفقهاء لم يختلفوا في ذلك أنه واجب؛ لأن لفظة "أَطْعِمُوا" أمر وهو يقتضي غير الوجوب (أو الندب، فإذا دل الإجماع على انتفاء الوجوب ففي الندب، وحينئذٍ قال ابن حبيب: لا حد مما يأكل ويطعم) (٣) ويجزئ ما قل وكثر.

стр. 16060

وقال ابن الجلاب: الاختيار أن يأكل الأقل ويقسم الأكثر، ولو قيل: يأكل الثلث ويقسم الثلثين لكان حسنًا. فصل: قوله: (حَتَّى آتِيَ أَخِي قَتَادَةَ) هذا هو الصواب ووقع في نسخة أبي محمد [و] (١) القابسي من رواية أبي زيد وأبي أحمد أخي أبا قتادة، كما نبه عليه الجياني (٢)، ومشى عليها ابن بطال في "شرحه" (٣) وقد سلف في باب عدة من شهد بدرًا على الصواب (٤). وخرجه مسلم من حديث عبد الأعلى: حدثني (يحيى بن سعيد) (٥)، عن أبي نضرة عن أبي سعيد (٦). وعند أبي أحمد الجلودي والكسائي، حدثنا ابن مثنى، ثنا عبد الأعلى، أخبرنا سعيد، عن قتادة، عن أبي نضرة، زاد في الإسناد قتادة قال أبو علي: والصواب عندي الأولى رواية ابن ماهان، عن ابن المثنى، ثنا عبد الأعلى كما سلف، وكذا ذكره أبو مسعود الدمشقي في "أطرافه" (٧). ولأبي الشيخ من حديث أبي نضرة، عن أبي سعيد قال ﷺ : "لا تأكلوا لحوم الأضاحي فوق ثلاث" فشكوا إليه فقالوا: عيالنا، فقال: "كلوا وأطعموا وأحسنوا".

стр. 16061

فصل: قوله: (فَقال: إِنَّهُ قَدْ حَدَثَ بَعْدَكَ أمر) يعني: الإباحة. فصل: يستحب أن يكون فطره على كبد أضحيته، كما أوضحناه في الفروع. وقول عائشة ﵂: (الضحية كنا نملح منه) هو بفتح الضاد. وقولها: (وليست بعزيمة ولكن أراد أن يطعم منه)، بين ذلك في "الموطأ" بقوله: "إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت عليكم فكلوا وتصدقوا وادخروا" (١) يعني بالدافة: مساكين قدموا المدينة، وكذلك هو في حديث سلمة بن الأكوع. والإباحة إذا وقعت بعد الحظر فهي نص (٢)، قال هذا سائر الفقهاء (٣) سوى ما ذُكر هنا عن علي وابن عمر من ظاهر إيرادهما أن حكم ذلك باق لم ينسخ. فصل: قول عثمان ﵁: (من أحب أن يرجع فقد أذنت له)، أخذ به مالك مرة، والأشهر عنه أن حضورهم العيد لا يضيع عنهم حضور الجمعة وإنه لم يأخذ بإذن عثمان غير الداودي، ويحتمل أنه إنما كانوا يأتون العيد والجمعة من مواضع لا يجب عليهم المجيء منها فأخبر بما لهم في ذلك، وهذا خلاف تأويل مالك وعندنا لأهل السواد تركها.

стр. 16062

فصل: أبو عبيد هو: مولى بن عوف وابن أزهر. فصل: ورد النهي أيضًا من حديث الزبير (١) وابن عمر أيضًا، روى ابن شاهين من حديث ابن إسحاق، ثنا أبو عبد الله بن عطاء بن إبراهيم مولى الزبير، عن أبيه وجدته أم عطاء أن الزبير بن العوام قال: نهى رسول الله ﷺ المسلمين أن يأكلوا من لحم نسكهم فوق ثلاث فلا تأكلوه. قلت: بأبي أنت فكيف نصنع ما أهدي لنا، قال: "أما ما أهدي لكم فشأنكم به". ومن حديث عمار بن مطر، ثنا ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ كان رسول الله ﷺ لا يأكل من بدنته ولا من أضحيته فوق ثلاثة أيام (٢). فصل: وروى الرخصة في تركها بعد ثلاث: بريدة بن الحصيب، وجابر بن عبد الله، وابن مسعود وأبو قتادة ونُبيشة وثوبان عند أبي الشيخ بأسانيد جيدة. قال الحازمي: ومن ذهب إلى هذا -يعني المنع اليوم (٣) -: علي والزبير وعبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر، وخالفهم في ذلك جماهير العلماء (٤).

стр. 16063

قال ابن حزم: حديث أبي عبيد عن علي كان عام حصر عثمان، وكان أهل البوادي ألجأتهم الفتنة إلى المدينة، وأصابهم جهد فأمر علي بذلك كما أمر الشارع حين دفت الدافة (١). وذكر القاسم بن عساكر في كتاب "الضحية" من حديث ابن فضيل عن يزيد، عن مجاهد، عن عائشة ﵂ قالت: إنما نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث؛ لأنه كان من يضحي قليلاً ومن لا يضحي كثيراً، فلما الناس رأتني أرفع العَرق بعد عاشره. فصل: وقول البخاري: (وعن معمر عن الزهري، عن أبي عبيد نحوه)، يعني قوله: أنه ﷺ نهاكم أن تأكلوا لحم نسككم فوق ثلاث، رواه الشافعي في "الأم"، فقال: حدثنا الثقة عن معمر فذكره (٢). قال الشافعي: لم يبلغ النهي علي بن أبي طالب ولا عبد الله بن واقد ولو بلغهما ما حدثا بالنهي، والنهي منسوخ، فإذا دفت الدافة ثبت النهي عن إمساك لحوم الأضاحي بعد ثلاث، وإذا لم تدف الدافة فالرخصة ثابتة بالأكل والتزود والادخار، ويحمل أن يكون النهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث منسوخًا في كل حال فيمسك الإنسان من ضحيته ما شاء (٣).

стр. 16064

فصول ملحقة بالأضحية والذبائح فصل: قال أبو حنيفة: لما قيل: الرجل يجز صوف أضحيته قبل أن يذبحها وينتفع به قال: أكره ذلك، قيل: فهل يكره أن يحلبها؟ قال: نعم، وكذا قال مالك (١) والشافعي (٢). فصل: فإن ولدت عنده أيذبحها وولدها؟ جوزه أبو حنيفة، قيل له: فينبغي له أن لا يذبح أولادها، قال: أرأيت لو باع ولدها وذبحها، أيتصدق بثمنه؟ قال: نعم. وقال مالك: إني لأستحسن أن يذبح ولد الأضحية مع أمه، وإن تركه لم أره عليه واجبًا؛ لأن عليه بدل أمه إن هلكت. وقال الثوري والأوزاعي والشافعي (٣): اذبحها وولدها. قال الطحاوي: وجدنا أنه ﷺ أمر بركوب البدنة، فكان حكم ولدها كذلك على موجبها. فصل: ضابط عيب الأضحية عندنا ما ينقص اللحم، فلو خُلقت بلا آذان أجزأت عند أبي حنيفة بخلاف العمى وذهاب العين. وعن أبي يوسف: الشاة السكاء إن كان لها آذان فتجزئ وإن كان صغيرة الأذن، وإن لم يكن لها أذن لا تجزئ. وسئل مالك عن الشاة تخلق خلقًا ناقصًا، قال: لا تجزئ إلا أن تكون جلحاء أو سكاء وهي التي

стр. 16065

لها أذنان صغيرتان. قال ابن القاسم: ونحن نسميها الصمعاء (١). قال ابن خالويه في كتابه: ليس لأحد أن يقول سكاكة صغيرة الأذن، إنما المسموع أسك وسكاء إلا ابن الأعرابي فإنه روى في "نوادره": رجل سكاكة، وهذا غريب. والسكك: صغر الأذن، ورجل أسك وامرأة سكاء، والجمع منهما: سك؛ وكل الطير سك: صغير الأذن. وقال الشافعي في مكسورة القرن تدمى أو لا تدمى، أو جلحاء: تجزئ (٢). وإذا خلقت لها أذن ما كانت أجزأت، وإن خلقت لا أذن لها لم تجز، وكذا لو جدعت (٣). فصل: وسئل أبو حنيفة عن الشاة تذبح من قبل قفاها هل تؤكل؟ فقال: إن كانت الشاة لم تمت حتى وصل إلى الأوداج فقطعها فلا بأس بأكلها، وإن كانت ماتت قبل أن تصل إلى الأوداج فهي ميتة لا خير في أكلها، قيل: أفيكره ذلك الصنع؟ قال: نعم، وهو قول صاحبيه، ومالك يقول: إذا أخطأ فذبح من العنق أو القفا فلا تؤكل. وقال الثوري: إن ذبحت من قبل القفا فبلغ الذبح المذبح فسميت فكل، ولا يتعمد ذلك، وقال الأوزاعي وعبيد الله بن الحسن والحسن ابن صالح: لا بأس، وعن الشافعي: إن تحركت قبل قطع رأسها أكلت وإلا فلا (٤).

стр. 16066

فصل: فإن قدم أضحيته للذبح فاضطربت في مكانها فانكسرت رجلها فذبحها مكانه أجزأت عند أبي حنيفة (١)، وإن كانت لا تستطيع، فإن انقلبت السكين فذبح عينها أجزأت عنده استحسانًا إذا كان في إرادته ذبحها، وهو قول صاحبيه. وقال مالك: يبدله (٢)، وقال الشافعي: إذا اشترى أضحية فلم يوجبها حتى أصابها ما لا تجوز معه بحضرة الذبح قبل أن يذبحها أو قبل ذلك لم تكن أضحية، ولو أوجبها سالمة ثم أصابها ذلك وبلغت أيام الأضحى فضحى بها أجزأت عنه (٣). فصل: فإن ذبحت ووجد في بطنها ولد ميت، فذكر أبو حنيفة عن حماد، عن إبراهيم أنه لا تكون ذكاة نفس ذكاة نفسين. قال محمد: إن الجنين لا يؤكل حتى تدرك ذكاته، وبه كان يأخذ أبو حنيفة. وقال مالك: إن خرج من بطن أمه ذبح، وإن لم يذبح مع أمه فلا أرى بأكله بأسًا إذا تم خلقه، وإن لم يتم خلقه فلا يؤكل، وقال: إذا كان ميتًا كله وإن لم يشعر إلا أن يقذره (٤) وبنحوه قاله الأوزاعي والحسن بن صالح والليث، إلا أنه قال: يستحب ذبحه ليخرج الدم من جوفه وذلك في جنين الأنعام والمواشي.

стр. 16067

وقال الشافعي: ذبح الجنين تنظيف وإن لم يفعل فلا شيء عليه (١)، وقد صح قوله ﷺ : "ذكاة الجنين ذكاة أمه" من حديث أبي سعيد الخدري، أخرجه أحمد، وصححه ابن حبان (٢)، وله عشر طرق أخرى هذا أمثلها. وأما الطحاوي فقال: لما اختلفوا في ذلك نظرنا هل روي عن رسول الله ﷺ فيه شيء أم لا؟ فوجدنا أبا سعيد روى عنه ﷺ من طريق ضعيف: "ذكاة الجنين ذكاة أمه" ولا نسلم له، ومن حديث جابر بن عبد الله مثله (٣)، وقد طعن فيه قوم، فنظرنا هل روي عن أحد من الصحابة في ذلك شيء؟ فوجدنا أبا إسحاق قد روى عن الحارث، عن علي ﵁؛ وأيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أنهما قالا ذلك، ولا نعلم عن أحد من الصحابة في ذلك خلافًا لما رويناه عنهما. وفي حديثهما: "إذا أشعر" (٤). فكان ذلك مما يعلم به قوم فرقوا بين حكمه إذا أشعر وإذا لم يشعر، ولم يكن للتفرقة بينهما وجه في القياس.

стр. 16068

فصل: عن أبي حنيفة وأبي يوسف في رجل تطوع على رجل، فذبح له ضحايا قد أوجبها عن أبيه وعن أمه، فذبح كل ضحية بها عن غير صاحبها فلا يجزئه، فإن جاء رجل فأخذ أضحية آخر بغير أمره فذبحها عن نفسه متعمدًا لذلك، فإن هذا لا يجزئ عن الذي كانت له، وإن لم يذبح ضمن الذابح قيمتها، فإن ضمن قيمتها، فإنها تجزئ عنه -يعني: الضامن- وقد تم في صنعه وعسى أن يجزئ عنه بالضمان. وسئل الثوري عن رجلين ذبح أحدهما أضحية صاحبه، قال: يضمنان ويستقبلان. وقال الشافعي: يذبح كل واحد منهما ما بين قيمته ما ذبح حيًّا ومذبوحًا، وأجزأ عن كل واحد منهما أضحيته وهديه (١). فصل: فإن أوجب أضحية فلم يذبحها حتى مضت أيام النحر ثم تصدق بها أجزأه، ولم يكن عليه شيء غير ذلك، قاله أبو حنيفة وأبو يوسف. وسئل مالك عن ذلك فقال: إن شاء ذبحها وإن شاء صنع بها ما شاء، قيل له: فإن كان موسرًا أيجب عليه أن يشتري مكانها في أيام النحر؟ قال: نعم، كذا في رواية ابن وهب. وفي رواية ابن القاسم: سئل مالك عن الرجل تهلك ضحيته فيجدها بعد ثلاث أترى أن يذبح؟ قال: إنما ذلك في البدن فأما في الضحايا فلا، وفي "الأسدية" لم أسمع من مالك في ذلك شيئًا، ولكن أقول: لا شيء عليه فيها، وهو رجل ترك الأضحى. وسئل الأوزاعي عن رجل اشترى أضحية فضلت

стр. 16069

فاشترى مكانها شاة، ثم وجدها بعد ما مضى الأجل قال: يذبحها فيأكل ويطعم. وقال الشافعي: لو ضلت أضحيته ثم وجدها، وقد مضت أيام النحر صنع بها كما يصنع في أيام النحر، كما لو أوجب أن يهديها العام فأخرها إلى قابل (١). فصل: وما أوجبه على نفسه لوقت ففات الوقت لم يبطل الإيجاب، فإن أوجب أضحية ثم مات قبل أن يذبحها أنها ميراث، قاله أبو حنيفة، وعن أبي يوسف لما أوجبها صارت كالوقف وخرجت من ماله، ووجب ذبحها عنه بَعد وفاته ولم تدخل في ميراثه، وقال مالك: تباع في ميراثه ولا تذبح عنه، ويخرج كلام الشافعي كذلك. فصل: وسئل أبو حنيفة وصاحباه هل ينتفع الرجل بجلد أضحيته يشتري بها متاعًا (للبيت؟) (٢) قال: لا بأس به، وبلغنا ذلك عن إبراهيم قيل: فإن باع جلدها بدرهم أو بما أشبهه قال: يتصدق بثمنه، وإنما يرخص له أن يبتاع به شيئًا من متاع البيت، وأما أن يبيعه لغير ذلك فلا. وقال مالك: جلود الهدايا والأضاحي بمنزلة لحمها يصنع بها ما يصنع باللحم. وقال الثوري والأوزاعي: لا يبيعه بدراهم، ولكن يتصدق به أو ينتفع به. قيل للأوزاعي: هل يبيعها ويتصدق بثمنها؟ قال: لا، ولكن إن شاء ابتاع بثمنها منخلًا أو غربالًا أو بعض أداة البيت. وسئل الليث عن

стр. 16070

الرجل يغزل من صوف أضحيته جبة فيلبسها ثم يريد بيعها بعد ذلك، قال: لا أرى (له بيعها) (١). قلت: فجلود الضحايا؟ قال: لا تباع. وفي "صحيح الحاكم" مرفوعًا: "مَنْ باع جلد أضحيته فلا أضحية له" (٢)، وأخرجه أبو الشيخ من هذا الوجه من طريق أبي هريرة كذلك. ومن طريق أبي سعيد الخدري: نهى رسول الله ﷺ عن بيع مسوك الأضاحى وقال: "تصدقوا بها أو انتفعوا بها". قال ابن وهب: وسمعته وقيل له عن الرجل يهب جلد أضحيته لابن له صغير في حجره أو عنده، فأراد بيعه قال: لا يترك يبيعه؛ لأنه يملك ذلك عليهما، ولو كان ابنه كبيرًا يمول نفسه لم أر ببيعه إياه بأسًا. وقال الشافعي: الضحية نسك مأذون في أكله (وإطعامه) (٣) وادخاره، وأكره بيع شيء من ذلك والمبادلة به (٤). فصل: قال ابن حزم: ولا يلزم من نوى أن يضحي بحيوان أن يضحي به إن شاء، إلا أن ينذر ذلك فيلزمه الوفاء، حكي ذلك عن مجاهد وعطاء، وروينا عن علي والشعبي والحسن كراهة ذلك ولا نعلم لهم حجة (٥). فصل: قال ابن المنذر: اختلفوا في الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل
следующие страницы →