← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 16066–16105 · переход к 16071.

стр. 16066

فصل: فإن قدم أضحيته للذبح فاضطربت في مكانها فانكسرت رجلها فذبحها مكانه أجزأت عند أبي حنيفة (١)، وإن كانت لا تستطيع، فإن انقلبت السكين فذبح عينها أجزأت عنده استحسانًا إذا كان في إرادته ذبحها، وهو قول صاحبيه. وقال مالك: يبدله (٢)، وقال الشافعي: إذا اشترى أضحية فلم يوجبها حتى أصابها ما لا تجوز معه بحضرة الذبح قبل أن يذبحها أو قبل ذلك لم تكن أضحية، ولو أوجبها سالمة ثم أصابها ذلك وبلغت أيام الأضحى فضحى بها أجزأت عنه (٣). فصل: فإن ذبحت ووجد في بطنها ولد ميت، فذكر أبو حنيفة عن حماد، عن إبراهيم أنه لا تكون ذكاة نفس ذكاة نفسين. قال محمد: إن الجنين لا يؤكل حتى تدرك ذكاته، وبه كان يأخذ أبو حنيفة. وقال مالك: إن خرج من بطن أمه ذبح، وإن لم يذبح مع أمه فلا أرى بأكله بأسًا إذا تم خلقه، وإن لم يتم خلقه فلا يؤكل، وقال: إذا كان ميتًا كله وإن لم يشعر إلا أن يقذره (٤) وبنحوه قاله الأوزاعي والحسن بن صالح والليث، إلا أنه قال: يستحب ذبحه ليخرج الدم من جوفه وذلك في جنين الأنعام والمواشي.

стр. 16067

وقال الشافعي: ذبح الجنين تنظيف وإن لم يفعل فلا شيء عليه (١)، وقد صح قوله ﷺ : "ذكاة الجنين ذكاة أمه" من حديث أبي سعيد الخدري، أخرجه أحمد، وصححه ابن حبان (٢)، وله عشر طرق أخرى هذا أمثلها. وأما الطحاوي فقال: لما اختلفوا في ذلك نظرنا هل روي عن رسول الله ﷺ فيه شيء أم لا؟ فوجدنا أبا سعيد روى عنه ﷺ من طريق ضعيف: "ذكاة الجنين ذكاة أمه" ولا نسلم له، ومن حديث جابر بن عبد الله مثله (٣)، وقد طعن فيه قوم، فنظرنا هل روي عن أحد من الصحابة في ذلك شيء؟ فوجدنا أبا إسحاق قد روى عن الحارث، عن علي ﵁؛ وأيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أنهما قالا ذلك، ولا نعلم عن أحد من الصحابة في ذلك خلافًا لما رويناه عنهما. وفي حديثهما: "إذا أشعر" (٤). فكان ذلك مما يعلم به قوم فرقوا بين حكمه إذا أشعر وإذا لم يشعر، ولم يكن للتفرقة بينهما وجه في القياس.

стр. 16068

فصل: عن أبي حنيفة وأبي يوسف في رجل تطوع على رجل، فذبح له ضحايا قد أوجبها عن أبيه وعن أمه، فذبح كل ضحية بها عن غير صاحبها فلا يجزئه، فإن جاء رجل فأخذ أضحية آخر بغير أمره فذبحها عن نفسه متعمدًا لذلك، فإن هذا لا يجزئ عن الذي كانت له، وإن لم يذبح ضمن الذابح قيمتها، فإن ضمن قيمتها، فإنها تجزئ عنه -يعني: الضامن- وقد تم في صنعه وعسى أن يجزئ عنه بالضمان. وسئل الثوري عن رجلين ذبح أحدهما أضحية صاحبه، قال: يضمنان ويستقبلان. وقال الشافعي: يذبح كل واحد منهما ما بين قيمته ما ذبح حيًّا ومذبوحًا، وأجزأ عن كل واحد منهما أضحيته وهديه (١). فصل: فإن أوجب أضحية فلم يذبحها حتى مضت أيام النحر ثم تصدق بها أجزأه، ولم يكن عليه شيء غير ذلك، قاله أبو حنيفة وأبو يوسف. وسئل مالك عن ذلك فقال: إن شاء ذبحها وإن شاء صنع بها ما شاء، قيل له: فإن كان موسرًا أيجب عليه أن يشتري مكانها في أيام النحر؟ قال: نعم، كذا في رواية ابن وهب. وفي رواية ابن القاسم: سئل مالك عن الرجل تهلك ضحيته فيجدها بعد ثلاث أترى أن يذبح؟ قال: إنما ذلك في البدن فأما في الضحايا فلا، وفي "الأسدية" لم أسمع من مالك في ذلك شيئًا، ولكن أقول: لا شيء عليه فيها، وهو رجل ترك الأضحى. وسئل الأوزاعي عن رجل اشترى أضحية فضلت

стр. 16069

فاشترى مكانها شاة، ثم وجدها بعد ما مضى الأجل قال: يذبحها فيأكل ويطعم. وقال الشافعي: لو ضلت أضحيته ثم وجدها، وقد مضت أيام النحر صنع بها كما يصنع في أيام النحر، كما لو أوجب أن يهديها العام فأخرها إلى قابل (١). فصل: وما أوجبه على نفسه لوقت ففات الوقت لم يبطل الإيجاب، فإن أوجب أضحية ثم مات قبل أن يذبحها أنها ميراث، قاله أبو حنيفة، وعن أبي يوسف لما أوجبها صارت كالوقف وخرجت من ماله، ووجب ذبحها عنه بَعد وفاته ولم تدخل في ميراثه، وقال مالك: تباع في ميراثه ولا تذبح عنه، ويخرج كلام الشافعي كذلك. فصل: وسئل أبو حنيفة وصاحباه هل ينتفع الرجل بجلد أضحيته يشتري بها متاعًا (للبيت؟) (٢) قال: لا بأس به، وبلغنا ذلك عن إبراهيم قيل: فإن باع جلدها بدرهم أو بما أشبهه قال: يتصدق بثمنه، وإنما يرخص له أن يبتاع به شيئًا من متاع البيت، وأما أن يبيعه لغير ذلك فلا. وقال مالك: جلود الهدايا والأضاحي بمنزلة لحمها يصنع بها ما يصنع باللحم. وقال الثوري والأوزاعي: لا يبيعه بدراهم، ولكن يتصدق به أو ينتفع به. قيل للأوزاعي: هل يبيعها ويتصدق بثمنها؟ قال: لا، ولكن إن شاء ابتاع بثمنها منخلًا أو غربالًا أو بعض أداة البيت. وسئل الليث عن

стр. 16070

الرجل يغزل من صوف أضحيته جبة فيلبسها ثم يريد بيعها بعد ذلك، قال: لا أرى (له بيعها) (١). قلت: فجلود الضحايا؟ قال: لا تباع. وفي "صحيح الحاكم" مرفوعًا: "مَنْ باع جلد أضحيته فلا أضحية له" (٢)، وأخرجه أبو الشيخ من هذا الوجه من طريق أبي هريرة كذلك. ومن طريق أبي سعيد الخدري: نهى رسول الله ﷺ عن بيع مسوك الأضاحى وقال: "تصدقوا بها أو انتفعوا بها". قال ابن وهب: وسمعته وقيل له عن الرجل يهب جلد أضحيته لابن له صغير في حجره أو عنده، فأراد بيعه قال: لا يترك يبيعه؛ لأنه يملك ذلك عليهما، ولو كان ابنه كبيرًا يمول نفسه لم أر ببيعه إياه بأسًا. وقال الشافعي: الضحية نسك مأذون في أكله (وإطعامه) (٣) وادخاره، وأكره بيع شيء من ذلك والمبادلة به (٤). فصل: قال ابن حزم: ولا يلزم من نوى أن يضحي بحيوان أن يضحي به إن شاء، إلا أن ينذر ذلك فيلزمه الوفاء، حكي ذلك عن مجاهد وعطاء، وروينا عن علي والشعبي والحسن كراهة ذلك ولا نعلم لهم حجة (٥). فصل: قال ابن المنذر: اختلفوا في الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل

стр. 16071

بيته، فكان مالك (١) والليث والشافعي (٢) والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور يجيزون ذلك، وقد روي هذا المعنى عن أبي هريرة وابن عمر وذبح الشارع عن أمته، وكره ذلك الثوري وأبو حنيفة. فصل: صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أربع لا تجوز في الأضاحي العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها والكسيرة التي لا تُنْقي" أخرجه أصحاب السنن الأربعة من حديث عبيد بن فيروز قال: سألت البراء بن عازب ما لا يجوز في الأضاحي فقال: قام فينا رسول الله ﷺ فقال: "أربع" فذكره، قال: قلت: فإني أكره أن يكون في الشيء نقص. قال: ما كرهت فدعه ولا تحرمه على أحد (٣). قال الترمذي: حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث عبيد بن فيروز، عن البراء، وقال أحمد: ما أحسنه من حديث، وصححه ابن حبان أيضًا والحاكم وذكر له شواهد (٤)، وروى أحمد والأربعة والحاكم عن علي ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن وأن لا نضحي بمقابلة، ولا مدابرة، ولا شرقاء، ولا خرقاء (٥).

стр. 16072

قال الحاكم: إسناده صحيح، وقال الترمذي: حسن صحيح، وزاد: والمقابلة: ما قطع من طرف أذنها، والمدابرة: ما قطع من جانب أذنها، والشرقاء: المشقوقة، والخرقاء: المثقوبة، ومعنى يستشرف: يتأمل سلامتها من آفة. وقيل: الشرفة: وهي خيار المال، أمرنا أن نخير. فرع: تجوز التضحية بمكسورة القرن، قاله مالك (١) وأبو حنيفة والشافعي (٢)، وروي ذلك عن علي وعمار والحسن بن أبي الحسن وسعيد بن المسيب، وقال: إلا أن تدمى فلا تصلح. فرع: روينا عن الحسن والنخعي وعطاء أنهم كانوا لا يرون بأسًا أن يضحي بالخصي، وبه قال أبو ثور ومالك وأبو حنيفة والشافعي. فرع: روينا عن ابن عمر ﵄ أنه كان لا يرى بأسًا أن يضحى بالأبتر، وبه قال ابن المسيب والحسن وابن جبير والنخعي والحكم، وكره الليث أن يضحى بالأبتر ومقطوع الأذن، قال أبو عمر: وروي في الأبتر حديث مرفوع من حديث شعبة، عن جابر الجعفي، عن محمد بن قرظة، عن أبي سعيد أنه قال: اشتريت كبشًا فأكل الذئب من ذنبه، فسألت رسول الله ﷺ فقال: "ضح به" (٣).

стр. 16073

ثم قال: يحتمل أن يكون أكل من ذنبه اليسير، فإن كان كذلك فهو جائز عند العلماء، قال: ورواية مالك عن نافع، عن ابن عمر التي لم تُسِن (١) والتي نقص من خلقها (٢) أصح من رواية من روى عنه جواز الأضحية بالأبتر، قال: وهذا الحديث ليس إسناده بالقوي، وقيل: أنَّ ابن قرظة لم يسمع من أبي سعيد. قال ابن حزم: وروى ابن أرطاة عن بعض أنه ﷺ سُئل أنضحي بالبتراء؟ فقال: "لا بأس به" (٣). فصل: في "الاستذكار" لابن عبد البر روى قتادة، عن جُري بن كليب، عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى في الضحايا عن الأعضب الأذن والقرن. قال قتادة: سألت ابن المسيب: ما أعضب الأذن والقرن؟ قال: النصف أو أكثر (٤). قال أبو عمر: لا يوجد ذكر القرن في غير هذا الحديث، وبعض أصحاب قتادة لا يذكر فيه القرن ويقتصر على الأذن وحدها، كذا رواه هشام عن قتادة، وهو الذي عليه جماعة الفقهاء في القرن. وفي إجماعهم على إجازة التضحية بالجماء ما يُبين لك أن حديث القرن لا يثبت ولا يصح أو هو منسوخ؛ لأنه معلوم أن ذهاب القرنين

стр. 16074

أعظم من ذهاب بعض أحدهما (١). الذي رويناه في "سنن أبي داود" من حديث أبي حميد الرعيني أخبرني يزيد ذو مصر، عن عتبة بن عبدٍ السلمي: نهى النبي ﷺ عن المصفرة والمستأصلة والمشيعة والكسراء، أما المصفرة التي استأصل أذنها حتى يبدو صماخها، والمستأصلة التي ذهب قرنها من أصله، الحديث (٢). فهذا كما ترى ذكر القرن إن كان مرفوعًا أو من تفسير الصحابي، وكلاهما ذكر القرن. فصل: قام الإجماع على إباحة إطعام (فقراء) (٣) المسلمين من لحوم الأضاحي، واختلفوا في إطعام أهل الذمة منه، فرخص في ذلك الحسن كما أسلفناه في باب: ما يؤكل من لحوم الأضاحي وهو يشبه مذهب الكوفيين وبه قال أبو ثور، وقال مالك: غيرهم أحب إلينا، وكان يكره إعطاء النصراني جلد الضحية وكره ذلك الليث، فأما ما طبخ من لحوم الأضاحي وكانت الظئر وما أشبهها عند أهل البيت فأرجو أن لا يكون به بأس فيما يصيب معهم منه، ونص الشافعي في البويطي: لا يعطى منها لأهل الذمة، وهو نقل عزيز لم يقر به أصحابنا في كتبهم. وقال النووي وغيره: لم نره مسطورًا (٤).

стр. 16075

فرع: ثبت أن ابن عمر ﵄ كان لا يضحي عما في البطن (١)، وبه قال الشافعي (٢) وأبو ثور. فرع: وكان مالك يرى أن يضحى عن اليتيم يكون له ثلاثون دينارًا بالشاة بنصف دينار ونحوه، وقال أبو حنيفة: يضحى عنه من ماله، ولا يجوز ذلك في قول الشافعي. فرع: كان الحسن بن أبي الحسن يضحي عن أم ولده ورخص في ذلك الزهري ومالك والليث وهو على مذهب الكوفيين. وقال الشافعي: لست أحب للعبد ولا للمدبر ولا للمكاتب ولا لأم الولد أن يضحوا، ولا أجيز لهم ذلك (٣). فرع: قال ابن حزم: وفرض عليه أن يتصدق منها مما شاء قل أو كثر، ويباح له أن يطعم منها الغني والكافر، وأن يهدي منها إن شاء (٤). فرع: قال ولو وجد بها عيبًا بعد التضحية ولو لم يكن اشترط السلامة فله الرجوع ما بين قيمتها حية صحيحة وبين قيمتها معيبة، فإن كان اشترط

стр. 16076

السلامة فهي ميتة ويضمن مثلها للبائع ويسترد الثمن ولا تؤكل، وكذا من أخطأ فذبح أضحية غيره بغير أمره فهي ميتة لا تؤكل، وعليه ضمانها. فرع: في "الاستذكار" لابن عبد البر عن الزهري: لا يجوز في الضحايا مجدوعة ثلث الأذن، ولا تجوز المسلولة الأسنان ولا الصرماء ولا أي ضحية جداء الضرع ولا العجفاء ولا الجرباء ولا المصرمة الأطماء وهي المقطوعة حلمة الثدي ولا العرجاء ولا العوراء. قال أبو عمر: قول الزهري في هذا الباب هو المعمول به (١). فرع: تجزئ البدنة عندنا عن سبعة، وكذا البقرة. قال ابن عبد البر: احتج جماعة الفقهاء بحديث جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ أجاز البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة (٢)، وضعفوا حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم الذي فيه ما يدل على أن البدنة نحرت في الحديبية عن عشرة (٣)، قالوا: هو مرسل خالفه ما هو أثبت منه وأوضح وأصح، والمسور لم يشهد الحديث، ومروان لم ير رسول الله ﷺ -وقال بهذا القول أكثر الصحابة (٤). قلت: لم ينفرد به المسور فقد رواه أبو الشيخ من حديث أبي صالح، عن الليث، عن إسحاق بن بَزْرج، عن الحسن بن علي ﵄

стр. 16077

أن النبي ﷺ قال: "البقرة عن سبعة والبدنة عن عشرة". ومن حديث حذيفة: أشرك النبي ﷺ بين المسلمين الجزور عن عشرة، ومن حديث يزيد بن قسيط عن ابن المسيب أنه ﷺ قال: "الجزور عن عشرة". ومن حديث مسلمة بن علي، عن ابن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ مثل ذلك. ومن حديث عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن، عن عبد الله قال ﷺ : "الجزور في الأضحى عن عشرة" (١). لكن روى أبو الشيخ أيضًا من حديث ابن أبي ليلى عن أبي الزبير، عن جابر: أمر ﷺ أن يشترك السبعة في البدنة (٢)، وفي رواية أشعث، عن أبي الزبير، عن جابر يوم الحديبية. ورواه أيضًا من حديث ابن وهب، عن عمرة بن الحارث، عن أبي الزبير. ومن حديث الربيع بن صبيح، عن عطاء، عن جابر (قال) (٣): أشرك بيننا النبي ﷺ الجزور بين سبعة (٤). ومن حديث أبي سفيان، عن جابر، (قال) (٥): نحر رسول الله ﷺ يوم الحديبية سبعين بدنة البدنة عن سبعة. ومن حديث

стр. 16078

أنس: كان النبي ﷺ يشرك السبعة في البدنة يوم الحديبية. ومن حديث ابن مسعود ﵁ أنه ﷺ قال: البدنة عن سبعة. قال ابن عبد البر، وروي عن رافع بن خديج، عن رسول الله ﷺ : "البدنة عن عشرة" (١). ومن حديث ابن عباس مثله (٢). قال الترمذي حديث حسن غريب. وقال الطحاوي: قد اتفقوا على جوازها عن سبعة، واختلفوا فيما زاده ولا تثبت الزيادة إلا بتوقيف لا معارض له أو اتفاق (٣). قال أبو عمر: أي اتفاق يكون على جوازها عن سبعة، ومالك والليث يقولان: لا تجوز البدنة إلا عن واحدة والبقرة كذلك، إلا أن يذبحها الرجل عن أهل بيته فتجوز عن سبعة حينئذٍ وعن أقل وعن أكثر. قال: وسلفهما في ذلك حديث أبي أيوب أي المصحح عند الترمذي قال: كنا نضحي بالشاة الواحدة يذبحها الرجل عنه وعن أهل بيته (٤)، وكذا رواه الزهري، عن رجل، عن أبي هريرة ﵁ (٥)، ومن حديث أبي جابر البياضي (٦) وهو متروك عن ابن المسيب، عن عقبة بن

стр. 16079

عامر: ضحيت بجذع عني وعن أهل بيتي، فسألت رسول الله ﷺ فقال: "قد أجزأ عنكم" (١). وفي "القنية" من كتب الحنفية: أربعة عشر نفرًا ضحوا ببعيرين مشتركتين ينبغي أن تجوز. فرع: لا يجوز التضحية بالشاة المرهونة. فروع: عند الحنفية لا يجوز التضحية بالشاة الخنثى؛ لأن لحمها لا ينضج والقطع في الأذنين (يمنع) (٢) عند الرازي ويمنع عند ابن سماعة، فإن سائر شعر الأضحية في غير وقته يجوز إذا كان لها نَقِي أي مخ، وقطع اللسان في الثور يمنع، وفي الشاة اختلاف، ثلاثة نفر ضحى كل واحد منهم بشاة فاختلط رءوسها فإذا بأحد الرءوس عيب مانع جواز الأضحية وكل واحد منهم يقول: ليس هذا برأس شاتي، لا تجوز التضحية عن واحد منهم، فإن اشترى شاة للأضحية فغصبها منه رجل ثم ذبحها بنية التضحية عن المالك يجزئه، ولا يحتاج إلى الإجازة، (فإن قالت المرأة لزوجها ضح عني كل عام من مهري الذي لي عليك كذا وكذا، فيه اختلاف) (٣) ولا يجوز التصدق بقيمة الأضحية بعد وقتها على الزوجة المعسرة ولا على الزوج المعسر عند أبي حنيفة خاصة ولا على أمه المعسرة، فإن تصدق بلحم الأضحية

стр. 16080

بغير نية الزكاة لا يجوز، وعن بعضهم يجزئه ولكنه يأثم؛ فإن اشترى بلحمها مأكولًا فأكله لا يلزمه التصدق بقيمة اللحم استحسانًا، فإن لم يجد أضحية في قريته أو بلده يلزمه المشي لطلبها إلى موضع يمشون إليه من بلده لشراء الشاة. آخر الضحايا والحمد لله رب العالمين

стр. 16081

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٧٤ - كِتابُ الأَشْرِبَةِ وَ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] . ٥٥٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا، حُرِمَهَا فِي الآخِرَةِ». [مسلم: ٢٠٠٣ - فتح ١٠/ ٣٠] ٥٥٧٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُتِيَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بِإِيلِيَاءَ بِقَدَحَيْنِ مِنْ خَمْرٍ، وَلَبَنٍ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا، ثُمَّ أَخَذَ اللَّبَنَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ، وَلَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ. تَابَعَهُ مَعْمَرٌ وَابْنُ الْهَادِ وَعُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ وَالزُّبَيْدِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ. [انظر: ٣٣٩٤ - مسلم: ١٦٨ - فتح ١٠/ ٣٠] ٥٥٧٧ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَدِيثًا لَا يُحَدِّثُكُمْ بِهِ غَيْرِي قَالَ: «مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَظْهَرَ الْجَهْلُ، وَيَقِلَّ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا، وَتُشْرَبَ الْخَمْرُ، وَيَقِلَّ

стр. 16082

الرِّجَالُ، وَيَكْثُرَ النِّسَاءُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً قَيِّمُهُنَّ رَجُلٌ وَاحِدٌ». [انظر: ٨٠ - مسلم: ٢٦٧١ - فتح ١٠/ ٣٠] ٥٥٧٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَابْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولَانِ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَزْنِي [الزَّانِي] حِينَ يَزْنِي وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهْوَ مُؤْمِنٌ». قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُحَدِّثُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ثُمَّ يَقُولُ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ يُلْحِقُ مَعَهُنَّ: «وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ، يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ أَبْصَارَهُمْ فِيهَا حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهْوَ مُؤْمِنٌ». [انظر: ٢٤٧٥ - مسلم: ٥٧ - فتح ١٠/ ٣٥] ثم ساق فيه أربعة أحاديث: أحدها: حديث ابن عمر ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا، حُرِمَهَا فِي الآخِرَةِ". ثانيها: حديث شعيب عن الزهري أَخْبَرَنِي سعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُتِيَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بِإِيلِيَاءَ بِقَدَحَيْنِ مِنْ خَمْرٍ، وَلَبَنٍ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا، ثُمَّ أَخَذَ اللَّبَنَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: الحَمْدُ لله الذِي هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ، وَلَوْ أَخَذْتَ الخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ. تَابَعَهُ مَعْمَرٌ وَابْنُ الهَادِي وَعُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ وَالزُّبَيْدِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ. قلت: وابن الهادي هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهادي، والزبيدي محمد بن الوليد. ثالثها: حديث أنس ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَدِيثاً لَا يُحَدِّثُكُمْ بِهِ

стр. 16083

غَيْرِي قَالَ: "مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَظْهَرَ الجَهْلُ، وَيَقِلَّ العِلْمُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا، وَتُشْرَبَ الخَمْرُ، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، وَيَكْثُرَ النِّسَاءُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً قيِّمُهُنَّ رَجُلٌ وَاحِدٌ". رابعها: حديث أبي هريرة ﵁: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا يَزْنِي [الزَّانِي] (١) حِينَ يَزْنِي وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهْوَ مُؤْمِنٌ". قَالَ ابن شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ المَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُحَدِّثُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ثُمَّ يَقُولُ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ يُلْحِقُ مَعَهُنَّ: "وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ، يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ أَبْصَارَهُمْ فِيهَا حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهْوَ مُؤْمِنٌ". الشرح: متابعة معمر أخرجها البخاري في أحاديث الأنبياء مسندة (٢). ومتابعة ابن الهادي، قال الحاكم: أراد حديث ابن الهادي، عن عبد الوهاب بن بخت، عن الزهري (٣)، قلت: وهي في النسائي (٤) (٥).

стр. 16084

ومتابعة الزبيدي أخرجها أيضًا عن كثير بن عبيد المذحجي ومحمد بن صدقة، عن محمد بن حرب، عن الزبيدي، عن الزهري (١). وأخرجه ابن حبان، عن محمد بن عبيد الله، عن كثير بن عبيد، عن ابن حرب (٢). وأخرجه البخاري في التفسير عن أحمد بن صالح عن عنبسة بن خالد عن يونس (٣).

стр. 16085

ومتابعة عثمان بن عمر أراد بها روايته عن يونس بن يزيد، عن الزهري، كما قاله الحاكم وغيره (١)، وقد سلف في الإسراء طرف من هذا، وأنه أتي بثلاثة أقداح (٢). وحديث ابن عمر أخرجه مالك عن نافع، ووقفه على عبد الله (٣)، والبخاري أخرجه من طريقه عنه عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا، وأخرجه مسلم والنسائي (٤). وله طريق آخر عن ابن عمر أخرجه ابن أي عاصم من حديث يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد عنه مرفوعًا: "من شرب الخمر فجعلها في بطنه لم تقبل له صلاة سبعًا، إن مات فيها مات كافرًا وإن أذهبت عقله عن شيء من الفرائض لم تقبل منه صلاة أربعين يومًا، فإن مات فيها مات كافرًا".

стр. 16086

وخرجه الترمذي وحسنه (١)، وله طريق آخر من حديث أبي هريرة أخرجه النسائي من حديث [. . .] (٢) مرفوعًا: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربه في الآخرة ومن شرب في آنية المذهب والفضة لم يشرب بها في الآخرة" ثم قال رسول الله ﷺ : "لباس أهل الجنة وشرب أهل الجنة وآنية أهل الجنة" (٣) الذهب. وروى ابن أبي عاصم بإسناد جيد عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "مدمن الخمر كعابد وثن" (٤). قال ابن عدي في "كامله": تفرد به محمد بن سليمان الأصفهاني (٥)، وخالف سليمان بن بلال فرواه عن سهيل، عن محمد بن عبد الله، عن أبيه موقوفًا (٦). وقال أبو حاتم الرازي: هذا حديث خطأ (٧). ولابن عدي من

стр. 16087

حديث جابر بن عبد الله ﵄ مثله (١) وفيه ضعف. وفي التنفير عنه أحاديث أخر: حديث أصرم بن حوشب، ثنا فضيل أبو معاذ، عن أبي حريز عبد الله بن الحسين، عن أبي بردة، عن أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر وقاطع الرحم ومصدق بالسحر" أخرجه الأصفهاني في "ترغيبه" (٢)، ولابن سعد، قال أبو موسى: ما أبالي أشربت الخمر أم عبدت هذِه السارية من دون الله (٣). وعن عروة بن رويم قال ﷺ : "أول ما نهاني ربي عن شرب الخمر وعبادة الأوثان" (٤). ومن حديث أبي يعلي أحمد بن علي، ثنا موسى بن محمد بن حيان، ثنا عبد القدوس بن الحواري، ثنا أبو هدبة، عن أشعث (الحرازي) (٥)، عن أنس رفعه: "من فارق الدنيا وهو سكران دخل القبر وهو سكران، وبعث من قبره وهو سكران، وأمر به إلى النار وهو سكران إلى جبل يقال له سكران، فيه عين يجري منها القيح والدم وهو طعامهم

стр. 16088

وشرابهم ما دامت (السماوات) (١) والأرض" (٢). ومن حديث عطيه العوفي، عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "لا يدخل الجنة مدمن سكر" (٣) الحديث. وأخرجه ابن أبي عاصم في "الأشربة" من حديث يزيد بن أبي زياد، عن سالم بن أبي الجعد عنه بلفظ: "خمر" بدل من سكر. ومن حديث القاسم بن عبد الرحمن الشامي، عن أبي أمامة قال رسول الله ﷺ : "أربعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة عاق ولا منان ولا مدمن خمر ولا مكذب بقدر" (٤). ولابن أبي حاتم من حديث حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعًا: "من لقي الله وهو مدمن خمر كان كعابد وثن" (٥).

стр. 16089

وقد سلف من حديث أبي هريرة (١)، ولفظه عند أحمد: "مدمن الخمر إن مات لقي الله كعابد وثن" (٢). ومن حديث مجاهد، عن (زيد الجرشي) (٣): سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يدخل الجنة مدمن خمر" (٤) قال أبو حاتم: حديث منكر (٥). ولابن عدي في "كامله" من حديث عثمان بن عفان مرفوعًا: "لا يجمع الإيمان والإدمان في صدر رجل أبدًا يوشك أحدهما أن يخرج الآخر" أسنده عمر بن سعيد بن شريح، عن الزهري ووقفه يونس ومعمر وشعيب وغيرهم عنه (٦). قال أبو داود وهو الصواب.

стр. 16090

ولأحمد في كتاب "الأشربة" من حديث خَلْدَة بنت طلق، عن أبيها طلق مرفوعًا: "والذي نفسي بيده لا يشربها رجل ابتغاء لذة (سكره) (١) فيسقيه الله الخمر يوم القيامة" (٢). ولابن أبي عاصم من حديث سالم عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "ما من أحد يشرب الخمر فيقبل الله له صلاة أربعين يومًا وليلة، ولا يموت وفي مثانته منها شيء إلا حرم الله عليه الجنة، وإن مات في الأربعين مات ميتة جاهلية" (٣).

стр. 16091

ولابن عدي من حديث الحسن بن عمارة، عن أبيه، عن عبد الله بن أبي أوفى، يرفعه: "شارب الخمر كعابد اللات والعزى" قال: الذي يشربه ولا يستفيق منه؟ قال: لا، الذي يشربه كلما وجده ولو بعد حول (١). ولأبي الليث من حديث شهر عن أسماء بنت يزيد مرفوعًا: "من شرب الخمر كان حقًا على الله أن يسقيه من طينة الخبال" (٢). قال أبو الليث: إنما شبهها بعبادة الأوثان؛ لأن الله تعالى سماها رجسًا وأمرنا باجتنابها فقال: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]، وقال: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ (٣) مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]، وقد روي عن ابن مسعود: من شربها نهارًا أشرك بالله حتى يمسي، ومن شربها ليلاً أشرك به حتى يصبح، وإذا مات فانبشوا قبره فإن لم تجدوه مصروفًا عن القبلة فافعلوا ما أردتم (٤). فصل: حديث أبي هريرة له طريق آخر من حديث عائشة، وفي آخره: "إياكم إياكم" (٥) أخرجه ابن أبي عاصم بإسناد جيد.

стр. 16092

وأخرجه أيضًا من حديث ليث عن مدرك، عن ابن أبي أوفى مرفوعًا: "لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن" (١). وذكره ابن حزم من حديث ابن عباس مرفوعًا صحيحًا: "لا يزني العبد حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر" الحديث، وعائشة وأبي هريرة ثم قال: هو نقل متواتر يوجب صحة العلم (٢). فصل: تحريم الخمر قليلها وكثيرها معلوم من الدين بالضرورة، والإجماع قائم عليه، وشاربها مستحلًا كافر، أو غير مستحل فاسق إذا شربها في حال التكليف والاختيار، ولنذكر ما يتعلق بالكتاب والسنة فيه. أما الكتاب: فالآية التي افتتح بها البخاري ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآيتين، ويبين الله فيها عِلِّية تحريم الخمر بقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: ٩١] إلى قوله ﴿مُنْتَهُونَ﴾ وهاتان الآيتان تتضمن دلائل عدة على تحريمها، فمنها قوله تعالى ﴿رِجْسٌ﴾ يعني: نجسًا مبعدًا بدليل قوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. فبين في هذِه الآية الرجس المأمور باجتنابه في الآية الأخرى وإنه حرام بنص الله عليه، ثانيها: قوله: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠] ثالثها: قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] أي كونوا أجانب منه، وهذا أمر، لقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].

стр. 16093

والأمر للوجوب، وحصل له الفلاح إن اجتنب ذلك، وذلك يفيد الوجوب أيضًا، وضد الفلاح الفساد، وكل شيء هو سبب لحصول العداوة والبغض بين الإخوان واجب اجتنابه وعكس ذلك ما يؤدي إلى الصلاح. وقوله: ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة وكل شيء يكون سببًا للصد عن هذين ففرض اجتنابه وواجب تركه، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٨، ١٩] ثم قال تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] وهو استفهام طريقه التوبيخ والردع والزجر، وهذِه اللفظة يقال إنها أبلغ لفظ للعرب في التكبر والمنع، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ﴾ [الأعراف: ٣٣] والمراد بالإثم: الخمر، قال الشاعر: شربت الإثم حتى زال عقلي … كذاك الإثم يذهب بالعقول وعزي إلى امرئ القيس. وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩] فلما جعل الغلبة للإثم علم أن ذلك محرم قال ابن عباس قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآية، ثم نزل ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] فكانوا لا يفعلونها عند الصلاة، فإذا صلوا العشاء فعلوها فلا يصبحون حتى تذهب عنهم، فإذا صلوا الصبح فعلوها فما يأتي الظهر حتى تذهب عنهم، ثم إن ناسًا شربوها فقاتل بعضهم بعضًا، وتكلموا بما لا يرضى الله فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآية. فحرم الخمر ونهى عنها وأمر باجتنابها كما أمر باجتناب الأوقات.

стр. 16094

وروي عن ابن عمر ﵄ لما نزلت: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] قال النبي ﷺ : "حرمت" (١). وقال عمر: انتهينا انتهينا إنها تذهب المال (٢). والمفسرون على أن المحرم لها هذا، وقال جماعة من الفقهاء: المحرم لها آيتان ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] والأخرى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ إلى ﴿وَالْإِثْمَ﴾ [الأعراف: ٣٣]. والميسر: القمار بالأزلام، كذا في "الصحاح" (٣)، والمفسرون يقولون: هو نحر الجزور، قاله ابن التين، وقد سلف في سورة المائدة واضحًا. والأنصاب: الأوثان، وقال النحاس في "ناسخه": قال جماعة من العلماء إن قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ ناسخة لما كان مباحًا من شربه. وقال آخرون: هي منسوخة بتحريمه بقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] فمن قال بهذا احتج بأن المنافع التي فيها إنما كانت قبل التحريم ثم نسخت، قاله الضحاك وعطاء، واحتج من قال أنها ناسخة بالأحاديث المتواترة التي فيها ثبات نزول تحريمها وبغير ذلك، فمن الحجج قول عمر ﵁: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] فقال: اللهم بين لنا، فنزلت ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] فقال: اللهم بين لنا في الخمر، فنزلت ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآية، فقال عمر: انتهينا انتهينا.

стр. 16095

وفي حديث سعد بن أبي وقاص: لما شرب وأخذ رجل بلحيته فأتيت النبي ﷺ وأخبرته فنزلت ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] وفي حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس: نزل تحريم الخمر في حيين من قبائل الأنصار، لما ثملوا شج بعضهم بعضًا، فنزلت ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] فهذا بين أن الآية ناسخة، والقول الأول جائز، وأبين منه أنها محرمة بقوله تعالى ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] فإذا نهى الله عن شيء فهو محرم، وقد يجمع بين هذا الاختلاف أن عمر سأل بيانًا شافيًا ولم يقل فنزلت، فيجوز أن يكون سؤال عمر وافق ما كان من سعد ومن الخبر وائتلفت الأحاديث (١). ﴿وَالْأَزْلَامُ﴾ فيما قاله قتادة وغيره: قداح يكتب في أحدها: تأمرني بالخروج، وعلى الآخر: لا تأمرني، والآخر منها لا يكتب عليه شيء، فيجيلها، فإن خرج الأول خرج، وإن خرج الثاني لم يخرج، وإن خرج الثالث رجع فأجالها (٢). فصل: وهذِه الأحاديث المذكورة في الباب وغيرها دالة على تحريمها؛ لشدة الوعيد فيها حيث يحرمونها في الآخرة. ومعناه عند أهل السنة: إن أنفذ عليه الوعيد، وكذا قوله: (غوت أمتك) فإن الغي محرم، وفي هذا دليل على أن الأقدار عند الله بشروط، متى وقعت الشروط وقعت الأقدار، ومتى لم تقع لم يوقع على ما سبق من هدايته لغيره إلى تلك الشروط ولغيرها من الأقدار التي أراد أن يعقدها عليه من هدى أو ضلال.

стр. 16096

وقوله: "أن يظهر الزنا وتشرب الخمر" ففرق بينهما في الرتبة، فكذلك هما في التحريم. وأما قوله: "لا يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر وهو مؤمن" فهو أشد ما جاء في شارب الخمر وقد تعلق بظاهره الخوارج، وكذا المعتزلة: أن الفاسق المسلم لا يسمى مؤمنًا، فكفروا المؤمنين بالذنوب، والذي عليه أهل السنة وعلماء الأمة أن المراد مستكمل الإيمان؛ لأنهما أنقص حالاً ممن لم يأت شيئًا منها لا محالة؛ لا أنه كافر بذلك، وسأتقصى مذاهب العلماء في تأويله في الحدود إن شاء الله، وأبعد من حمله على الفعل مستحلًا أو عظم ذنبه حتى قارب الكفر أو لا يكون آمنًا من العذاب. قال ابن حزم: روينا من حديث أبي هريرة ﵁ مسندًا: يخلع منه الإيمان كما يخلع سرباله، وإذا رجع رجع إليه الإيمان (١). وفي حديث ابن عباس أنه سئل عن ذلك فشبك بين أصابعه ثم زايلها، وفي لفظ عنه: لا يزني الزاني إلا خلع الله ربقة الإيمان منه فإن شاء أن يرده إليه رده وإن شاء أن يمنعه منعه (٢). وفي حديث أبي هريرة: "ينتزع منه الإيمان ما دام على خطيئة فإذا فارقها رجع إليه" وفي رواية عنه: "زال الإيمان كالظل" (٣). وعن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد مرفوعًا مثله (٤).

стр. 16097

وفي آخره: هذا نهي يقول حين هو مؤمن فلا يفعل حتى يفعل هذِه الأمور ويلزم من قال: الإيمان (المزيل) (١) للشارب في حال شربه أو الزاني، وما في الحديث أنه التصديق أن يقول: إن الشارب وشبهه قد يبطل تصديقهم، ومن بطل فهو كافر ويلزمه أن تجري عليه أحوال الكفار وهو خلاف إجماع من يعتد به وُيعرف بضرورة الحسن أو من واقع شيئًا من الذنوب أن تصديقه ما زال حتى يصح أن الزائل هو الطاعة فقط، وهذا أمر مشاهد بيقين؛ لأن هذِه الأمور ليس شيء منها طاعة فليست إيمانًا، وهذا الحديث من الحجج القاطعة على أن الطاعات كلها إيمان وأن ترك الطاعة ليس إيمانًا (٢). فصل: وإنما أدخل البخاري هذِه الأحاديث في هذا الباب -والله أعلم- بالوعيد والتشديد في الخمر ليكون عوضًا من حديث ابن عمر في الباب في مسلم، أنه ﷺ قال: "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها [و] (٣) لم يتب منها لم يشربها في الآخرة" (٤). وفي رواية له: "كل مسكر خمر وكل خمر حرام" (٥). قال ابن بطال: وإنما لم يخرجه في صحيحه؛ لأنه يروى موقوفًا

стр. 16098

فلذلك تركه (١)، وسيأتي بعد الخوض في ذلك. فصل: قال الطبري: وفي قوله ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ﴾ الآية [المائدة: ٩١] الدلالة على تحريم الله على عباده المؤمنين أن يعادي بعضهم بعضًا، والأمر منه لهم بالألفة والتآخي والتواصل، ودلت الآية على أن تحريم الخمر إنما كان من أجل إيجابه لشاربه العداوة والبغضاء في الخمر والميسر بين عباده أن المعنى الذي حرم ذلك من أجله أوكد في التحريم وأبعد من التحليل، والعداوة والبغضاء إذًا بين المؤمنين أشد وأعظم عند الله بدلالة هذِه الآية من شرب الخمر والقمار، وكذلك التفريط في الصلاة وتضييع وقتها أعظم عند الله من شرب الخمر والقمار. وفي ذلك دليل أن عداوة المؤمن للمؤمن عدل بتضييع وقت الصلاة والتفريط فيها وفي ذكر الله؛ لأن الله جمع بين جميع ذلك في تحريمه السبب الذي يوجب لأهله ذلك، فحرم الله الخمر والميسر لمصلحة خلقه (٢). فصل: أُوِّلَ أيضًا بمعنى حرمها في الآخرة أنه في وقت دون غيره كقوله: "نساء كاسيات عاريات" الحديث (٣)؛ لأنه لو حرمها في الجنة أبدًا كانت عقوبة شربها تتبعه في الجنة، وكل من دخلها فهو مغفور له، ذكره ابن التين، قال: وقيل: فينساها فلا تجري له على بال، وقيل: تسلب شهوتها.

стр. 16099

وقال القرطبي: ظاهر الحديث تأييد التحريم، وإن دخل الجنة فيشرب من جميع أشربتها إلا الخمر، ومع ذلك فلا يتألم لعدم شربها، ولا يحد من شربها، ويكون حاله كحال أصحاب المنازل في الخفض والرفعة، فكما لا يشتهي منزلة من هو أرفع منه وليس ذلك بعقوبة له، قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا﴾ [الحجر: ٤٧] وقيل: إنه يعذب في النار فإذا خرج منها بالرحمة أو الشفاعة ودخل الجنة لم يحرم شيئًا، وكذا قولنا في لبس الحرير والشرب في آنية الذهب والفضة (١). فصل: أشراط الساعة: علاماتها، واحدها شَرَط بفتح الشين والراء. وقوله: "حتى يكون خمسين امرأة قيمهن رجل واحد" يحتمل أن يريد نساء وسراري، وأن يريدهما وذوات محارم معهما، ذكره ابن التين والظاهر أنه كناية عن كثرة النساء وقلة الرجال. فصل: قال ابن عبد البر: في هذا الحديث دليل على تحريم الخمر، وأن شربها من الكبائر؛ لأن هذا وعيد شديد يدل على حرمان دخولها؛ لأن الله تعالى أخبر أن الجنة فيها أنهار من خمر، والظاهر أن من دخلها لا بد له من شرب خمرها، ولا يخلو من حرمها في الجنة ولم يشربها فيها وقد دخلها من أن يكون يعلم أن فيها خمرًا لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وإنه حرمها عقوبة أو لا يكون يعلم بها، فإن يكن لا يعلم فليس في هذا شيء من الوعيد؛ لأنه إذا لم يعلم بها ولم يذكرها ولا رآها لم يجد ألم فقدها، فأي عقوبة في هذا؟!

стр. 16100

ويستحيل أن يخاطب الله ورسوله بما لا معنى له، وإن كان عالمًا بها وبموضعها ثم حرمها عقوبة إذا لم يتب قبل الموت وعلى هذا جاء الحديث، فإن كان كذا فقد لحقه حينئذ حزن وغم وهم لما حرم من شربها هو ويرى غيره شربها والجنة دار لا حزن فيها ولا غم، قال الله تعالى ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] وقال: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾ [الزخرف: ٧١] وقال: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾ [الحجر: ٤٨] ولهذا والله أعلم قال بعض من تقدم: إن من شرب الخمر ولم يتب منها لم يدخل الجنة. وهو مذهب غير مرضٍ عندنا إذا كان على القطع في إبعاد الوعيد، ومحمله عندنا أنه لا يدخل الجنة إلا أن يغفر الله له إذا مات غير تائب منها، كسائر الكبائر. وكذلك قولهم: لم يشربها في الآخرة، معناه عندنا إلا أن يغفر الله له فيدخل الجنة ويشربها، وهو عندنا في المشيئة؛ إن شاء غفر له وإن شاء عذبه بذنبه، فإن عذبه بذنبه ثم أدخله الجنة برحمته لم يحرمها إن شاء الله، وإن غفر له فهو أحرى أن لا يحرمها. وعلى هذا التأويل يكون معنى حرمها في الآخرة أي: جزاؤه وعقوبته أن يحرمها في الآخرة، ولله جل وعز أن يجازي عبده المذنب على ذنبه وأن يعفو عنه فهو أهله، قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وهذا الذي عليه عقد أهل السنة، أن الله تعالى يغفر لمن يشاء ما عدا الشرك ولا ينفذ الوعيد على أحد من أهل القبلة، وجائز أن يدخل الجنة إذا غمر الله له فلا يشرب فيها خمرًا ولا كرهًا ولا يراها ولا تشتهيها نفسه (١).

стр. 16101

قلت: لكن في "صحيح الحاكم" وقال: صحيح من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو" (١). وأخرجه أيضًا ابن حبان في "صحيحه" (٢)، وقبلهما أبو داود الطيالسي في "مسنده" (٣)، والظاهر أن هذِه الزيادة: "وإن دخل الجنة" إلى آخره من بقية كلامه ﷺ ، ولئن كانت من كلام الراوي فكذلك؛ لأنه أعلم بالمقال، فيقوي الاحتمال (السابق) (٤) وهو نسيانه له أو سلب شهوته. فصل: قد أسلفنا أن الإثم المراد بها هنا الخمر وهو أحد أسمائها، وحكاه الرازي قولًا بعد أن قال: الإثم هو الذنب والجرم، وقد حرم الله الإثم كما سلف، فإذا كان الإثم حرامًا فما حصل فيه الإثم فهو حرام، وسميت إثمًا لأنها سببت الإثم (٥). وأما أبو جعفر النحاس فقال في "ناسخه": وأما قول من قال: إن الخمر يقال لها: الإثم، فغير معروف من حديث ولا لغة (٦).

стр. 16102

قلت: لكن القزاز في "جامعه" وصاحب "الواعي" وآخرون صرحوا بأنه الخمر، قال أبو عبد الله: الإثم في هذِه الآية أكثر (الناس) (١) على أنه الخمر، وأنها أوجبت تحريمه. فصل: قد أسلفنا أن الرجس، ولا عين توصف بذلك، فإنها محرمة (٢). يدل على ذلك الميتة والدم والبول، والرجس قد ورد مرة، والمراد به: الكفر. قال تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] يعني: الكفر، ولا يصح أن يكون مرادًا هنا؛ لأن الأعيان لا تصح أن تكون إيمانًا ولا كفرًا، ولأن الخمر لو كانت كفرًا لوجب أن يكون العصير قبل أن يصير خمرًا إيمانًا، إذ الكفر والإيمان طريقهما الاعتقاد والقول. قال ابن عبد البر: الرجس ذكره الله تعالى مقرونًا بالميتة والدم وقال: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] وقال: فإنه رجس وهذا أقوى في التحريم وأوكد عند العلماء (٣). فصل: جاء في أحاديث أن الذي حرم شربها حرم بيعها فمن جوز بيعها لأهل الذمة فقد خالفها، روينا من حديث حماد بن أبي حنيفة، عن أبيه، عن محمد بن قيس، عن أبي عامر الثقفي: أنه كان يهدي

стр. 16103

لرسول الله كل عام راوية خمر فأهدى له راوية في العام الذي حرمت فيه الخمر، فقال له ﵇: "قد حرمت الخمر فلا حاجة في خمرك" فقال: أفأبيعها وأستعين بثمنها؟ فقال له ﵇: "إن الذي حرم شربها حرم بيعها" (١) وروي أن تميمًا هو المهدي، وفي آخره: "لعن الله اليهود" فذكر قصة الشحوم، والخمر حرام وثمنها حرام (٢). وبه إلى محمد بن قيس قال: سألت ابن عمر، أو سأله أبو كثير عن بيع الخمر، فقال: قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فحرموا أكلها، واستحلوا بيعها وأكل ثمنها وإن الذي حرم الخمر حرم بيعها وأكل ثمنها وروينا في "سنن أبي داود" من حديث جابر مرفوعًا: "إن الله حرم بيع الخمر والميتة" (٣).

стр. 16104

ومن حديث أبي هريرة أنه ﷺ حرم بيع الخمر وثمنها (١). وقال عمر بن الخطاب: لا تحل التجارة في شيء لا يحل أكله (٢)، وروينا في "الأوسط" للطبراني من حديث (عبد الله بن عمر) (٣)، عن زيد بن أبي أنيسة، عن أبي بكر بن حفص، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه أن رجلاً من ثقيف يكنى أبا تمام قال: يا رسول الله وذكر الخمر أستنفق بثمنها؟ فقال له النبي ﷺ "إن الذي حرم شربها حرم ثمنها" (٤) قال أبو موسى المديني في كتابه "معرفة الصحابة": يصحف هذا بأبي عامر أو لم يحدد الراوي كنيته. وروينا في "سنن أبي داود" من حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ لعن في الخمر عشرة منها: بائعها ومبتاعها (٥). وفي إسناده عبد الرحمن الغافقي، قال ابن معين: لا أعرفه (٦)، وذكره ابن يونس في "تاريخه" وأوضح أنه معروف، وذكره الحاكم في "مستدركه" شاهدًا لحديث ابن عباس مثله، ثم قال في حديث ابن عباس: إنه صحيح الإسناد (٧).

стр. 16105

وكذا صححه ابن حبان (١) وهو حجة على كراهة بيع العصير فيمن يتخذه خمرًا، وفيه حديث نص فيه ضعيف. قال ابن عبد البر: وروي عن أنس أنها لما حرمت جاء رجل إلى رسول الله، فقال: كان عندي مال ليتيم فاشتريت به خمرًا أفتأذن لي أن أبيعها فقال: "قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها" ولم يأذن له في بيع الخمر (٢). قال: والمسلم لا يثبت له على الخمر ملك لحال، كما لا يثبت على الميتة والدم والخنزير والصنم. وقوله: "إن الذي حرم شربها" فيه إجماع من المسلمين كافة عن كافة لا يحل لمسلم بيعها ولا التجارة فيها (٣)، روى عبد الله بن عمر أنه ﵇ قال: "الخمر حرام وبيعها وثمنها حرام" (٤). وعن ابن عباس: أن جبريل قال: يا محمد، إن الله لعن الخمر وبائعها ومبتاعها. الحديث (٥).
следующие страницы →