← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 16101–16140 · переход к 16106.

стр. 16101

قلت: لكن في "صحيح الحاكم" وقال: صحيح من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو" (١). وأخرجه أيضًا ابن حبان في "صحيحه" (٢)، وقبلهما أبو داود الطيالسي في "مسنده" (٣)، والظاهر أن هذِه الزيادة: "وإن دخل الجنة" إلى آخره من بقية كلامه ﷺ ، ولئن كانت من كلام الراوي فكذلك؛ لأنه أعلم بالمقال، فيقوي الاحتمال (السابق) (٤) وهو نسيانه له أو سلب شهوته. فصل: قد أسلفنا أن الإثم المراد بها هنا الخمر وهو أحد أسمائها، وحكاه الرازي قولًا بعد أن قال: الإثم هو الذنب والجرم، وقد حرم الله الإثم كما سلف، فإذا كان الإثم حرامًا فما حصل فيه الإثم فهو حرام، وسميت إثمًا لأنها سببت الإثم (٥). وأما أبو جعفر النحاس فقال في "ناسخه": وأما قول من قال: إن الخمر يقال لها: الإثم، فغير معروف من حديث ولا لغة (٦).

стр. 16102

قلت: لكن القزاز في "جامعه" وصاحب "الواعي" وآخرون صرحوا بأنه الخمر، قال أبو عبد الله: الإثم في هذِه الآية أكثر (الناس) (١) على أنه الخمر، وأنها أوجبت تحريمه. فصل: قد أسلفنا أن الرجس، ولا عين توصف بذلك، فإنها محرمة (٢). يدل على ذلك الميتة والدم والبول، والرجس قد ورد مرة، والمراد به: الكفر. قال تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] يعني: الكفر، ولا يصح أن يكون مرادًا هنا؛ لأن الأعيان لا تصح أن تكون إيمانًا ولا كفرًا، ولأن الخمر لو كانت كفرًا لوجب أن يكون العصير قبل أن يصير خمرًا إيمانًا، إذ الكفر والإيمان طريقهما الاعتقاد والقول. قال ابن عبد البر: الرجس ذكره الله تعالى مقرونًا بالميتة والدم وقال: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] وقال: فإنه رجس وهذا أقوى في التحريم وأوكد عند العلماء (٣). فصل: جاء في أحاديث أن الذي حرم شربها حرم بيعها فمن جوز بيعها لأهل الذمة فقد خالفها، روينا من حديث حماد بن أبي حنيفة، عن أبيه، عن محمد بن قيس، عن أبي عامر الثقفي: أنه كان يهدي

стр. 16103

لرسول الله كل عام راوية خمر فأهدى له راوية في العام الذي حرمت فيه الخمر، فقال له ﵇: "قد حرمت الخمر فلا حاجة في خمرك" فقال: أفأبيعها وأستعين بثمنها؟ فقال له ﵇: "إن الذي حرم شربها حرم بيعها" (١) وروي أن تميمًا هو المهدي، وفي آخره: "لعن الله اليهود" فذكر قصة الشحوم، والخمر حرام وثمنها حرام (٢). وبه إلى محمد بن قيس قال: سألت ابن عمر، أو سأله أبو كثير عن بيع الخمر، فقال: قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فحرموا أكلها، واستحلوا بيعها وأكل ثمنها وإن الذي حرم الخمر حرم بيعها وأكل ثمنها وروينا في "سنن أبي داود" من حديث جابر مرفوعًا: "إن الله حرم بيع الخمر والميتة" (٣).

стр. 16104

ومن حديث أبي هريرة أنه ﷺ حرم بيع الخمر وثمنها (١). وقال عمر بن الخطاب: لا تحل التجارة في شيء لا يحل أكله (٢)، وروينا في "الأوسط" للطبراني من حديث (عبد الله بن عمر) (٣)، عن زيد بن أبي أنيسة، عن أبي بكر بن حفص، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه أن رجلاً من ثقيف يكنى أبا تمام قال: يا رسول الله وذكر الخمر أستنفق بثمنها؟ فقال له النبي ﷺ "إن الذي حرم شربها حرم ثمنها" (٤) قال أبو موسى المديني في كتابه "معرفة الصحابة": يصحف هذا بأبي عامر أو لم يحدد الراوي كنيته. وروينا في "سنن أبي داود" من حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ لعن في الخمر عشرة منها: بائعها ومبتاعها (٥). وفي إسناده عبد الرحمن الغافقي، قال ابن معين: لا أعرفه (٦)، وذكره ابن يونس في "تاريخه" وأوضح أنه معروف، وذكره الحاكم في "مستدركه" شاهدًا لحديث ابن عباس مثله، ثم قال في حديث ابن عباس: إنه صحيح الإسناد (٧).

стр. 16105

وكذا صححه ابن حبان (١) وهو حجة على كراهة بيع العصير فيمن يتخذه خمرًا، وفيه حديث نص فيه ضعيف. قال ابن عبد البر: وروي عن أنس أنها لما حرمت جاء رجل إلى رسول الله، فقال: كان عندي مال ليتيم فاشتريت به خمرًا أفتأذن لي أن أبيعها فقال: "قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها" ولم يأذن له في بيع الخمر (٢). قال: والمسلم لا يثبت له على الخمر ملك لحال، كما لا يثبت على الميتة والدم والخنزير والصنم. وقوله: "إن الذي حرم شربها" فيه إجماع من المسلمين كافة عن كافة لا يحل لمسلم بيعها ولا التجارة فيها (٣)، روى عبد الله بن عمر أنه ﵇ قال: "الخمر حرام وبيعها وثمنها حرام" (٤). وعن ابن عباس: أن جبريل قال: يا محمد، إن الله لعن الخمر وبائعها ومبتاعها. الحديث (٥).

стр. 16106

فائدة: ينعطف على ما مضى في لبس الحرير في "مسند عبد بن حميد" من حديث شريك، عن جابر، عن خالته أم عثمان، عن الطفيل ابن أخي جويرية، عن جويرية، قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: "من لبس ثوبًا من حرير في الدنيا ألبسه الله ثوبًا من نار يوم القيامة" (١). فصل: [اختلف] (٢) أهل اللغة في اشتقاق اسم الخمر على ألفاظ قريبة (المعاني) (٣)، متداخلة كلها موجودة المعنى في الخمر إما لأنها تخمر العقل أي: تغطيه وتستره أو الدماغ، ومنه الخمار؛ لأنه يغطي الرأس، قال النحاس: وهو أصح ما فيه وأجله إسنادًا، قاله الفاروق على المنبر بحضرة الصحابة (٤). وفي "الأشربة" لأحمد عنه: ما خمرته وعتقته فهو خمر (٥). وفي لفظ: ما عتقت وخمرت فهي خمر، وإما لأنها صعد صفوها ورسب كدرها، (كما) (٦) قاله سعيد بن المسيب (٧)، وإما لأنها من المخامرة وهي المخالطة؛ لمخالطتها العقل، أو لأنها تركت حتى أدركت، يقال: خمر العجين إذا بلغ إدراكه.

стр. 16107

فصل: وهي مؤنثة، وقد تذكر، ونعوتها موبقات كما قال الفراء، ولها أسماء كثيرة وكنى، ذكر ابن المعتز مائة وعشرة، وزاد عليه أبو القاسم اللغوي مائتين وأربعين اسمًا، وذكرت في "لغات المنهاج" منها مائة وتسعين لابن دحية، ومن كناها: أم ليلى، ومن أسمائها: الدم والسلان والمأذى والمزة وأم زنبق والساهرة والمفتاح والمنومة والديانة وعبد النور. وفي كتاب أبي حنيفة الدينوري من أسمائها: الفضيخ والطلاء والباذق ونصيف والبتع. فصل: قال ابن قتيبة في كتاب "الأشربة" (١): حرم الله بالكتاب الخمر وبالسنة السكر، وعوضًا منها صنوف الشراب من اللبن والعسل وحلال النبيذ، وليس في شيء مما وقع فيه الحظر والإطلاق شيء اختلف فيه الناس اختلافهم في الأشربة وكل ما حل فيها وما يحرم على قديم الأيام مع قرب العهد بالرسول ﷺ وعليه وتواتر الصحابة وكثرة العلماء المأخوذ عنهم المقتدى بهم، حتى يحتاج ابن سيرين مع بارع علمه وثاقب فهمه إلى أن يسأل عبيدة السلماني عن النبيذ، حتى يقول عبيدة -وقد لحق خيار الصحابة وعلماءهم منهم، علي وابن مسعود-: اختلف علينا في النبيذ. وفي رواية: أحدث الناس أشربة (كثيرة) (٢) فمالي شراب منذ عشرين سنة إلا لبن أو ماء وعسل (٣).

стр. 16108

وإن شيئًا وقع الاختلاف فيه في ذلك العصر بين أولئك الأئمة لحري أن يشكل على من بعدهم وتختلف فيه آراؤهم ويكثر فيه تنازعهم، وقد ثبت من مذاهب الناس وحجة كل فريق منهم لمذهبه وموضع الاختيار من ذلك السبب الذي أوجبه، والعلة التي غلبت عليه ما حضرنى بمبلغ العلم ومقدار الطاعة، فنقول: أجمع الناس على تحريم الخمر (١) إلا قومًا من مجان أصحاب الكلام وفساقهم ممن لا يعبأ الله بهم فإنهم، قالوا: ليست محرمة وإنما نهى الله عن شربها تأديبًا، كما أمر في الكتاب بأشياء ونهى فيه عن أشياء على جهة التأديب وليس منها ما هو فرض كقوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣] وقوله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] وكقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩]. قالوا: لو أراد تحريمها لقال: حرمت عليكم الخمر كما ذكر في الميتة وغيرها. وليس للشغل بهؤلاء وجه ولا تشقيق الكلام بالحجج عليهم معنى، إذ كانوا ممن لا يجعل حجة على إجماع، وإذ كان ما ذهبوا إليه لا يخيل على عاقل ولا جاهل؛ لأن الناس أجمعوا على أن ما غلى وقذف بالزبد من عصير العنب من غير أن تمسه النار خمر، وأنه لا يزال خمرًا حتى يصير خلًّا وأنها ليست محرمة العين كالخنزير، وإنما حرمت بعَرَضٍ دخلها، فإذا زايلها حلت كما كانت قبل الغليان حلالًا؛ كالمسك كان دمًا عبيطًا ثم جف، وحديث رائحته فيه خل وطاب، وكان جماعة من الصحابة يحرمونها على أنفسهم في الجاهلية لعلمهم بسوء مصرعها وكثرة جناياتها، قالت عائشة ﵂: ما شرب أبو بكر ﵁ خمرًا في جاهلية ولا إسلام. وقال عثمان ﵁ كذلك، وكان عبد الرحمن بن عوف ممن ترك

стр. 16109

شربها، وقيل للعباس بن مرداس في جاهليته: لما لا تشرب الخمر فإنها تزيد في جرأتك؟ قال: ما أنا بآخذ جهلي بيدي فأدخله في جوفي، وأصبح سيد قومي وأمسي سفيههم (١). وكان قيس بن عاصم يأتيه تاجر خمر فيشتري منه، فشرب يومًا فسكر سكرًا قبيحًا فجذب ابنته وتناول ثوبها ورأى القمر فتكلم (بشيء) (٢) ثم أنه أنهب ماله ومال الخمار وأنشأ شعرًا، فلما صحى خبرته ابنته مما صنع قال: لا أذوق الخمر أبدًا، وكان عثمان بن مظعون حرمها في الجاهلية وقال: لا أشرب شرابًا يذهب عقلي ويضحك بي من هو دوني، فبينا هو بالعوالي إذ أتاه آت فقال: أشعرت أن الخمر قد حرمت؟ وتلا عليه آية المائدة، فقال: تبًا لها لقد كان بصري فيها نافذًا. وذكر أبو إسحاق إبراهيم بن القاسم المعروف بالرقيق في كتاب "قطب السرور" جماعة كثيرة فعلت ذلك، تركناهم اختصارًا. فصل: وذكر أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي في كتابه "اختلاف العلماء": أن سفيان قال: أشرب العصير ما لم يغل، وغليانه أن يقذف بالزبد فإذا غلا فهو خمر، وكذلك قال أصحاب الرأي (٣)، وهو قول الشافعي (٤). ؤقال أحمد وإسحاق (٥): يشرب العصير ما لم يغل، أو يأتي عليه

стр. 16110

ثلاثة أيام، فإذا أتى عليه ثلاثة أيام ولم يشرب غلا أو لم يغل، واحتجوا بحديث ابن عمر ﵄: أشرب العصير ما لم يأخذ شيطانه قال: ومتى يأخذ شيطانه، قال في ثلاثة أيام (١). وقال الشافعي (٢): ما دام العصير حلوًا لم يشتد فهو حلال وسواء أتى عليه ثلاثة أيام أو أقل أو أكثر إذا لم يتغير عن حاله وكان حلوًا مثل أول عصره (٣). فصل: قال النحاس (٤): أوقع قوم شبهه فقالوا: الخمر هى المجمع عليها ولا يدخل فيها ما اختلف فيه وهذا ظلم من عظيم القول يجب على قائله [أن] (٥) لا يحرم شيئًا اختلف فيه، واحتجوا أيضًا بأن من قال: الخمر التي لا اختلاف فيها محلها كافر -كما مر- وليس كذلك غيرها. وهذان الاحتجاجان أشد ما لهما، فأما الأحاديث التي جاءوا بها فلا حجة فيها، لضعف أسانيدها، ولتأويله إياها على غير الحق. وقد قال ابن المبارك: ما صح تحليل النبيذ الذي يسكر كثيره عن أحد من الصحابة ولا التابعين إلا عن إبراهيم النخعي، فأما الاحتجاجان الأولان اللذان يعتمدون عليهما فقد بينا الرد في أحدهما وسنذكر الآخر، فالخمرة المحرمة تنقسم قسمين؛ مجمع عليه: وهي عصير

стр. 16111

العنب إذا رغا وأزبد فهذِه التي من أحلها كفر، والأخرى التي لا يكفر من أحلها، وهي التي جاء بها التوقيف عن رسول الله أنه الخمر، وعن أصحابه بالأسانيد التي لا يدفعها إلا حادٍ عن الحق أو جاهل، إذ [قد صح] (١) عنه تسميتها خمرًا وتحريمها، فمن ذلك حديث عائشة: سئل رسول الله ﷺ عن البتع (٢)؛ فقال: "كل شراب أسكر فهو حرام" (٣). قال أبو جعفر: فلو لم يكن في هذا الباب إلا هذا الحديث لكفى؛ لصحة إسناده واستقامة طريقه، وقد أجمع الجميع أن الآخر لا يسكر إلا بالأول فقد حرم الجميع بتوقيف الشارع، وفي هذا الباب بما لا يدفع حديث ابن عمر ﵄ يرفعه: "كل مسكر خمر وكل مسكر حرام" (٤). قال أحمد: هذا إسناد صحيح (٥). وعن أبي موسى وأبي هريرة مرفوعًا: "كل مسكر حرام" (٦)، قال أبو جعفر: فهذِه الأسانيد المتفق على صحتها. وفي حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" (٧) فهذا تحريم ما أسكر كثيره نصًا، بهذا الإسناد المستقيم.

стр. 16112

قال البزار: وقد روي التحريم عن عائشة ﵂، قال يحيى بن معين فيما حكاه ابن عبد البر: هو أصح حديث روي عن رسول الله ﷺ في تحريم المسكر (١). وعن سعد بن أبي وقاص وجابر بن عبد الله وعمر وابنه وابن عباس وأنس وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عمرو وأبي هريرة وخَوَّات بن جبير وقرة بن إياس وأبي موسى الأشعري والديلم بن الهوسع وبريدة الأسلمي وأم سلمة وميمونة وقيس بن سعد. وحديث عائشة وابن عمر صحيح، وسائر الأحاديث يؤيد بعضها بعضًا (٢). قلت: وحديث ابن عباس إسناده في غاية الصحة، وحديث أبي هريرة على شرط الشيخين، ولفظ ابن أبي عاصم في حديث أم سلمة ﵂: نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر. وفي سنده شهر. وعند أحمد، قال جنادة: سألت عطاء بن أبي رباح عما أسكر أو خدَّر، قال: حرام (٣). ولفظ حديث قيس بن سعد بن عبادة من حديث ابن زحر، عن بكر ابن سوادة، عن قيس مرفوعًا: "إن الله حرم الخمرة والكوبه وإياكم والغبيراء فإنها ثلث خمر العالم" (٤).

стр. 16113

ولفظ حديث ديلم عند بن أبي عاصم: سألت النبي ﷺ عن نبيذ يتخذ من القمح، قال: "هل يسكر" قلت: نعم قال: "فاجتنبوه" فقلت: إن الناس غير تاركيه، قال: "إذا لم يتركوه فاقتلوهم" (١). قال أبو جعفر: وما تبين أن الخمر يكون من غير عصير العنب من لفظ رسول الله ﷺ وأصحابه ومن اللغة والاشتقاق ما رواه أبو هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : "الخمر من النخلة والعنب" وفي لفظ: "في هاتين الشجرتين النخلة والعنب" (٢)، وخالف ذلك قوم فقالوا: لا تكون إلا من العنب، ونقضوا قولهم فقالوا: نقيع التمر والزبيب خمر؛ لأنه لم يطبخ. وقد ذكر النسائي عن النعمان بن بشير يرفعه: "الخمر من خمسة من الحنطة والشعير والتمر والزبيب والعسل وما خمرته فهو خمر" (٣)، وكذا ذكره عمر بن الخطاب على المنبر (٤)، زاد الدارقطني في حديث النعمان: "وأنهاكم عن كل مسكر" (٥). وفي لفظ: "إن من التمر خمرًا، وإن من الزبيب خمرًا، وإن من التمر والشعير خمرًا، وإن من العسل خمرًا" (٦). قلت: وفي الباب أيضًا حديث أم حبيبة ابنة أبي سفيان وابن مسعود، وطلق بن علي وأبي قتادة ومعقل بن يسار وعبد الله بن مغفل ومعاذ بن

стр. 16114

جبل ذكرها أحمد في "الأشربة" (١)، ومعاوية بن أبي سفيان والأشج العصري وأبي وهب الجيشاني ووائل بن حجر وعلي بن أبي طالب وأبي بردة بن نيار والضحاك بن النعمان ذكرها ابن أبي عاصم في كتاب "الأشربة" بعضها مقوٍ لبعض. قال أبو جعفر (٢): وفي هذِه الأحاديث تصحيح قول من قال: إن ما أسكر كثيره فقليله حرام عن رسول الله ﷺ والصحابة. وعبارة أبي الليث السمرقندي في "التنبيه" أخبر ﵇ أن كل مسكر فهو حرام يعني: ما كان مطبوخًا أو غير مطبوخ وشارب المطبوخ أعظم ذنبًا وإثمًا من شارب الخمر؛ لأن من شرب الخمر يكون عاصيًا فاسقًا، ومن شرب المطبوخ يخاف أن يكون كافرًا؛ لأن شارب الخمر مقر بأنه حرام وشارب المطبوخ معتقد حله (٣). قال أبو جعفر: ثم كان الصحابة على ذلك وبه يفتون أشدهم فيه علي بن أبي طالب يخاطبهم بأن ما أسكر كثيره فقليله حرام. ثم أن ابن عمر لما سئل عن نبيذ ينبذ بالغداة ويشرب بالعشي فقال للسائل: أنهي عن قليل ما أسكر كثيره، وإني أشهد الله عليك، فإن أهل خيبر يشربون شرابًا يسمونه كذا وهي الخمر، وإن أهل فدك يشربون شرابًا يسمونه كذا فهي الخمر، وإن أهل مصر يشربون شرابًا من العسل يسمونه البتع وهي الخمر (٤)، ثم عائشة لما سئلت عن غير عصير العنب فقالت: صدق الله ورسوله سمعت رسول الله ﷺ يقول:

стр. 16115

"يشرب قوم الخمر يسمونها بغير اسمها" (١) فلم يزل الذين يروون هذِه الأحاديث يحملونها على هذا عصرًا بعد عصر، حتى عرض فيها قوم فقالوا: المحرم الشربة الأخيرة التي تسكر (٢). وقالوا: قد قالت اللغة: الخمر المشبع والماء المروي، فإن صح هذا في اللغة فهو عليهم لا لهم؛ لأنه لا يخلو أن يكون من أحد جهتين: إما أن يكون معناه للجنس كله، أي صفة ذلك كذلك فيكون هذا القليل الخمر وكثيره؛ لأنه جنس فكذا قليل ما يسكر، أو يكون الخمر المشبع فهو لا يشبع إلا بما كان قبله وكله مشبع، فكذا قليل المسكر وكثيره، وإن كانوا قد تأولوه على أن معنى المشبع هو الآخر الذي يشبع وكذا الماء الذي يروي. فيقال لهم: ما حد ذلك الماء المروي والماء الذي لا يروي؟ فإن قالوا: لا حد له فهو كله إذن مروي، إن حدوه قيل لهم: ما البرهان على ذلك وهل يمتنع الذي لا يروي مما حددتموه أن يكون يروي عصفورًا وما أشبهه؟ فبطل الحد، وصار القليل مما يسكر كثيره داخل في التحري. وعارضوا بأن المسكر بمنزلة القاتل لا يسمى مسكرًا حتى يسكر، كما لا يسمى القاتل قاتلًا حتى يقتل (٣). وهذا لا يشبه من هذا شيئًا؛ لأن المسكر جنس وليس كذا القاتل، ولو كان كما قالوا لوجب أن

стр. 16116

لا يسمى الكثير من المسكر حتى يسكر فكان يجب أن يحلوه، وهذا خارج عن قول الجميع. وقالوا: معنى "كل مسكر حرام" على القدح الذي يسكر (١)، وهذا خطأ من جهة اللغة وكلام العرب؛ لأن كلا معناها العموم، فالقدح الذي يسكر مسكر والجنس كله مسكر، وقد حرم الشارع الكل ولا يجوز الاختصاص إلا بتوقيف، وشبه بعضهم هذا بالدواء والبنج (٢) الذي يحرم كثيره ويحل قليله، وهذا تشبيه بعيد؛ لأنه ﵇ قال: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" فالمسكر هو الجنس الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ﴾ الآية [المائدة: ٩١] وليس هذا في الدواء والبنج وإنما هذا في كل شراب هو هكذا، وعارضوا بأن قالوا: فليس ما أسكر كثيره بمنزلة الخمر في كل أحواله وهذِه مغالطة وتمويه على المنافع؛ لأنه لا يجب من هذا إباحة، وقد علمنا أنه ليس من قتل مسلمًا غير نبي بمنزلة من قتل نبيًا، فليس يجب إذا لم يكن بمنزلته في جميع الأحوال أن يكون مباحًا، كذا من شرب ما أسكر كثيره وإن لم يكن بمنزلة من شرب عصير العنب الذي قد نش فليس يجب من هذا أن يستباح له ما قد شرب ولكنه بمنزلته في أنه قد شرب محرمًا وشرب خمرًا، وأنه يحد في القليل منه كما يحد في القليل من الخمر، وهذا قول من لا يدفع قوله، منهم عمر وعلي. ومعنى: "كل مسكر خمر" يجوز أن يكون بمنزلته في التحريم، وأن يكون المسكر كله يسمى خمرًا كما سماه رسول الله ﷺ ومن ذكرنا من الصحابة والتابعين بالأسانيد الصحيحة، والعجب من معارضتهم بما

стр. 16117

لا يسوغ مما يذكر به بعد مع أحدهم بما رواه أبو فزارة زعموا عن أبي زيد، عن ابن مسعود حديث النبيذ (١)، وأبو زيد لا يعرف ولا ندري (٢) من أين هو (٣). (٤) وقد روى إبراهيم، عن علقمة، قال: سألت عبد الله هل كنت مع رسول الله ﷺ ليلة الجن فقال: لا (٥) (٦). ويحتجون بحديثٍ رووه عن أبي إسحاق، عن ابن ذي لعوة أن عمر حد رجلاً شرب من إداوته، فقال: أحدك على السكر. وهذا من عظيم ما جاءوا به، وابن ذي لعوة لا يعرف به (٧).

стр. 16118

قال أبو جعفر: وهكذا قول أبي بكر بن عياش لعبد الله بن إدريس، ثنا أبو إسحاق عن أصحابه: (أن) (١) ابن مسعود كان يشرب الشديد فقال له ابن إدريس: استجيب لك ما نسخ من أصحابه، وأبو إسحاق إذا سمى من حدث عنه، ولم يقل سمعت لم يكن حجة، وما هذا الشديد؟ أهو خل أم نبيذ؟ ولكن حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن ابن عمر وأبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "كل مسكر خمر وكل مسكر حرام". وحدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: "كل شراب أسكر فهو حرام" فأفحم أبو بكر بن عياش، وقال الأوزاعي: قلت للثوري: إن الله لا يسألني يوم القيامة لما لم تشرب النبيذ ويسألني: لما شربته فقال: لا أفتي به أبدًا، وقال أبو يوسف: في أنفسنا الفتيا به أمثال الجبال ولكن عادة البلد (٢). قال أبو عمر: عند أبي يوسف من قعد يريد السكر فالقدح الأول عليه حرام كما أن الزنا عليه حرام، والمشي إليه حرام وإن قعد وهو لا يريد السكر فلا بأس (٣). قال أبو جعفر: فأما الأحاديث التي احتجوا بها فما علمت أنها تخلوا من إحدى جهتين: إما أن تكون واهية الأسانيد، وإما أن تكون لا حجة لهم فيها إلا التمويه، فمن ذلك ما رواه أبو إسحاق عن عمرو بن ميمون، قال: شهدت عمر حين طعن، فجاءه الطبيب فقال:

стр. 16119

أي الشراب أحب إليك قال: النبيذ، فأتي بنبيذ فشربه فخرج من إحدى طعناته فكان يقول: إنما نشرب من هذا النبيذ لنقطع لحوم الإبل، قال عمرو: وشربت من نبيذه فكان كأشد النبيذ (١)، قال ابن حزم: هذا خبر صحيح ولا حجة لهم فيه؛ لأن النبيذ الحلو اللفيف الشديد للفته الذي لا يسكر يقطع لحوم الإبل في الجوف، وأيضًا فإن عمر لم يأت أنه شرب منه فآذاه فليس لذلك فلا متعلق لهم فيه أصلاً، قال: ولا يصح لهم إلا هذا الخبر وخبر عتبة بن فرقد، وحديث نبيذ الطائف ولا حجة لهم فيه (٢). وأما ما رده به أبو جعفر فغير جيد بيانه أنه قال: هذا حديث لا تقوم به حجة؛ لأن ابن إسحاق لم يقل: ثنا عمرو وهو مدلس فلا تقوم بحديثه حجة حتى يقول ثنا وما أشبهه (٣). قلت: قد سلف عن ابن حزم تصحيحه، فرجاله ثقات عدول متصل، ومنها حديث حبيب بن أبي ثابت، عن نافع بن علقمة قال: أتي عمر بنبيذ قد أخلف واشتد فشرب منه ثم قال: إن هذا الشديد ثم أمر بماء فصب عليه ثم شرب هو وأصحابه (٤)، وهذا الحديث فيه غير علة منها أن حبيبًا على محله لا تقوم بحديثه حجة لمذهبه، وكان مذهبه أنه قال: إذا قال حدثني رجل عنك بحديث ثم حدثت به عنك كنت صادقًا، ومن هذا أنه روى عن عمرة، عن عائشة ﵂ حديث القبلة (٥).

стр. 16120

وقال الشافعي: لا يثبت بهذا حجة لانفراد حبيب به، ومنها أن نافعًا ليس بمشهور بالرواية (١). قلت: بلى قد ذكره ابن عبد البر في "استيعابه" في جملة الصحابة، وقال: سمع رسول الله ﷺ قاله. وقيل: إن حديثه مرسل (٢). وفي كتاب ابن أبي حاتم يقال إنه سمع رسول الله ﷺ وسمعت أبي يقول: لا أعلم له صحبة (٣) وذكره المديني في "معرفة الصحابة" وقال: ذكره ابن شاهين، قال أبو جعفر: ولو صح عن عمر لما كان فيه حجة؛ لأن اشتداده قد يكون من حموضته. وقد اعترض بعضهم فقال: من أين لكم كان يمزجه كان يحمضه، إنما تقولونه ظنًا، والظن لا يغني من الحق شيئًا. فجوابه أن نافعًا مولى عبد الله قال: كان ذلك لتخلله، وقد روى عتبة بن فرقد قال: أتى عمر بِعُسّ من نبيذ قد كاد يكون خلًا. الحديث. فزال الظن بالتوقيف ممن شاهد عمر وهو من روايتهم، ثم رووا حديثًا إن كانت فيه حجة فهي عليهم. ثم رووا من حديث الأعمش عن إبراهيم، عن همام بن الحارث: أتي عمر بنبيذ فشرب منه فقطَّب، ثم قال: إنَّ نبيذ الطائف له عُرام ثم

стр. 16121

ذكر شدة لا أحفظها، ثم دعا بماء فصب عليه ثم شرب (١) (٢). قال الأثرم في "ناسخه ومنسوخه": فسره عبد الله بن عمر العمري فقال: إنما كسره عمر من شدة حلاوته قال: ولذلك قال الأوزاعي قال: وأهل العلم أولى بالتفسير (٣). وقال أبو جعفر: هذا لعمري إسناد مستقيم، ولا حجة لهم فيه بل عليهم؛ لأنه إنما يقال: قطب لشدة حموضة الشيء أو معناه: خالطت بياضه حمرة مشتق من قطبت الشيء، أقطبه إذا خلطته (٤). قلت: (قال) (٥) أبو المعالي في "المنتهى": قطب بين عينيه قطوبًا أي: جمع وقطب وجهه تقطيبًا: عبس، وقطب الشراب وأقطبه إذا: مزجه فهو قاطب والشراب مقطوب. وفي "جامع القزاز": قطب الرجل يقطب قطبًا وقطوبًا: إذا جمع بين حاجبيه، وقطب تقطيبًا مثله، وقد قطب بين عينيه وقبط، وقطَّبت الخمر بالماء: إذا مزجتها، والقطيب هو المزج في كل الأشربة ليس في الخمر خاصة. وقال ابن سيده في "المحكم": قطب يقطب قطبًا وقطوبًا وقطب، زوى ما بين عينيه (٦) كذلك قال أبو جعفر. وروينا من حديث ابن إسحاق عن سعيد بن ذي حدان أو ابن ذي لعوة فذكر حديث الرجل الذي شرب من سطيحة عمر، وقول عمر:

стр. 16122

أنا أضربك على السكر؛ وهو من أقبح ما روي في الباب وعلته بينة لمن لم يتبع الهوى، فمنها أن ابن ذي لعوة لا يعرف -كما سبق (١) - ولم يرو عنه إلا هذا الحديث، ولم يرو عنه إلا أبو إسحاق، ولم يذكر أبو إسحاق فيه سماعًا، وهو مخالف لما نقله أهل العدالة عن عمر. ثم روي عن السائب، عن يزيد، أن عمر خرج عليهم، فقال: إني وجدت من فلان ريح شراب، وقد زعم أنه شرب الطلاء، وأنا سائل عنه، فإن كان يُسكر جلدته، قال: فجلده ثمانين، قال: فهذا إسناد لا مطعن فيه، وقال أبو عمر: هذا الإسناد أصح ما يروى من أخبار الآحاد، وفيه من الفقه وجوب الحد على من شرب مسكرًا، أسكر أو لم يسكر، خمرًا كان أو نبيذًا (٢). قال أبو عمر: والمحدود هو عبيد الله بن عمر، ذكره ابن عيينة وغيره. وروى علقمة أن عبد الله وجد من رجل ريح الخمر فحده، وكذا فعلته ميمونة أم المؤمنين وعبد الله بن الزبير. قال: وهذِه الآثار عن السلف تردُّ ما ذكره ابن قتيبة وغيره من أصحاب أبي حنيفة أن مالكًا تفرد برأيه في حد الذي يوجد منه ريح الخمر؛ وإنه ليس له في ذلك سلف، فهذا جهل واضح أو مكابرة (٣). قال أبو جعفر: والسائب رجل من الصحابة، فهل تعارض هذا بابن ذي لعوة؟

стр. 16123

قلت: قال الدارقطني: إنه حديث لا يثبت (١). وعمر يجيز بحضرة الصحابة أنه يجلد في الرائحة من غير سكر؛ لأنه لو كان سكرانًا لما احتاج أن يسأل عما يشرب، فرووا عن عمر ما لا يحل لأحد أن يحكيه عنه من غير جهة لوهاء الحديث، وإنه شرب من سطيحته، وإنه يحد على السكر وذلك ظلم؛ لأن السكر ليس من فعل الإنسان وإنما هو شيء يحدث عن الشراب وإنما الضرب على الشرب كما أن الحد في الزنا إنما هو على الفعل لا على اللذة، ولهذا قيل لهم: تحريم السكر محال؛ لأن الله تعالى إنما يأمر وينهى بما في الطاقة، وقد يشرب الإنسان يريد السكر فلا يسكر، ويريد أن لا يسكر فيسكر، لتباين طباع الناس. قال: ثم تعلقوا بما رويناه من حديث أبي نعيم عن مسعر، عن أبي عون، عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس، أنه قال: حرمت الخمر بعينها قليلها وكثيرها والسكر من كل شراب (٢)، وهذا الحديث رواه شعبة -على إتقانه وحفظه- على غير ملأ عن مسعر عن أبي عون، عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس: حرمت الخمر بعينها، والمسكر من كل شراب (٣)، أي بالميم.

стр. 16124

وصححه ابن حزم (١)، وفيه علة. قال الأصيلي: لم يسمع عبد الله هذا الحديث من ابن عباس قاله أحمد (٢)، وفيه: بينه هشيم فقال: أخبرني الثقة عن ابن عباس (٣)، ورواه ابن شبرمة، عن ابن شداد متابعًا لأبي نعيم وليس متصلًا. قال النسائي: لم يسمعه ابن شبرمة من ابن شداد (٤). ورواه ابن أبي عاصم، عن محمد بن بشر، عن مسعر كرواية أبي نعيم، قال ابن أبي عاصم ثبت عن ابن عباس، عن النبي ﷺ في تحريم السكر، ورواه عن ابن عباس جماعة من قوله أيضًا. ورواه أحمد في "الأشربة" عن إبراهيم بن أبي العباس، ثنا شريك، عن عباس العامري، عن ابن شداد، عن ابن عباس قال: الخمر حرام بعينها قليلها وكثيرها وما أسكر من كل شراب. قال أبو عبد الله: ربما حذف المسكر وربما حذف السكر (٥). ثنا محبوب، ثنا خالد عن عكرمة أن ابن عباس قال: حرمت الخمر

стр. 16125

وهو الفضيخ، وفي لفظ: حرمت يوم حرمت وما هي إلا فضيخكم هذا (١). وثنا أبو أحمد، ثنا سفيان عن علي بن بذيمة قال: حدثني قيس بن حبتر قال: قال ابن عباس، قال رسول الله ﷺ : "كل مسكر حرام" (٢)، وفي "مسند البزار": هذا أصح إسناد في هذا (٣). وفي "أحكام عبد الحق"، وقد روي عن أنس مرفوعًا وأبي سعيد وعلي وكلهم ما بين ضعيف ومجهول، والصحيح هو الموقوف (٤). وقال ابن حزم في "محلاه": شعبة بلا خلاف أضبط (وأحفظ) (٥) من أبي نعيم. وقد روى زيادة على رواية أبي نعيم وزيادة العدل لا يحل تركها وليس في رواية أبي نعيم ما يمنع من تحريم غير ما ذكر تحريمه إذا جاء بتحريمه نص صحيح، وقد صح من طريق ابن عباس تحريم المسكر كله وصح عنه كما ذكرنا من تحريم نبيذ البُسر (٦)، وعاب الحديث وضعفه بعلي بن بذيمة (٧) ولا يصلح ذلك؛ لأنه ممن اتفق

стр. 16126

عليه الشيخان (١)، ووثقه غير واحد، وإن سلمنا له قوله فقد رويناه عند أحمد من حديثه عن [زكريا بن عدي] (٢)، عن عبيد الله، [عن] (٣) عبد الكريم، عن قيس بن حبتر، عن ابن عباس بلفظ: أنه ﵇ قال: "إن الله حرم عليكم الخمر والميسر والكوبة، وكل مسكر حرام" (٤) وفي "سنن الدارقطني": قال موسى بن هارون الحمال: هذا هو الصواب عن ابن عباس، يعني: بالميم؛ لأنه روى عن رسول الله ﷺ : "كل مسكر حرام" وروي عن طاوس وعطاء ومجاهد: ما أسكر كثيره فقليله حرام (٥)، ولأبي داود: "كل مخمر فهو خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب مسكرًا بخس صلاته أربعين يومًا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد الرابعة كان حقًا على الله أن يسقيه من طينة الخبال، ومن سقاه صغيرًا لا يعرف حلاله من حرامه كان حقًا على الله أن يسقيه من طينة الخبال" (٦)، وهي صديد أهل النار.

стр. 16127

ولما ذكره أبو حاتم في "علله " قال: هذا حديث منكر (١). فصل: وقد استدل بعض من جوز شرب النبيذ بأحاديث: أحدها: حديث النسائي: عن الحسن بن إسماعيل بن سليمان، عن يحيى بن يمان، عن سفيان عن منصور، عن خالد بن سعد مولى أبي مسعود الأنصاري، قال: عطش النبي ﷺ حول الكعبة فاستسقى، فأتي بنبيذ من نبيذ السقاية فشمه فقطب فصب عليه من ماء زمزم ثم شربه، فقال رجل: أحرام هو؟ قال: "لا". وهو حديث ضعيف باتفاق الحفاظ. قال النسائي: خبر ضعيف، انفرد به يحيى بن يمان دون أصحاب سفيان، ويحيى لا يحتج به؛ لسوء حفظه وكثرة خطئه (٢). وقال أبو القاسم بن عساكر: رواه الأشجعي وغيره عن سفيان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن المطلب، قال: أتي النبي ﷺ بنبيذ، نحر هذا. وقال يحيى بن سعيد عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن خالد بن سعد، عن أبي مسعود، فعله. قال منصور: ثم حدثني خالد بن سعد، يعني به. وقال الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، عن أبي مسعود نقله. وقال أبو جعفر النحاس: هذا الحديث لا يحل لأحد من أهل العلم أن يحتج به؛ لأن ابن يمان انفرد به عن الثوري دون أصحابه وليس

стр. 16128

بحجة، وأصل هذا الحديث أنه من رواية الكلبي، فغلط يحيى، فنقل متن حديث إلى حديث آخر، وقد سكت العلماء عن كل ما رواه الكلبي، فلم يحتجوا بشيء منه (١). والشراب الذي بمكة لم يزل في الجاهلية والإسلام لا يطبخ بنار، وقد أجمع العلماء، منهم أبو حنيفة وصاحباه (٢) أن ما نقع ولم يطبخ بالنار وكان كثيره مسكرًا؛ فهو خمر، والخمر إذا صب فيها الماء أو صبت على الماء، فلا اختلاف بين المسلمين أنها قد نجست الماء إذا كان قليلاً، فقد صار هذا حكم الخمر إذا أسكر كثيره فقليله حرام بالإجماع فزالت الحجة به لو صح (٣). ولما رواه ابن أبي عاصم بلفظ: فقال رجل: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: "بل حلال". قال: لا خلاف بين أهل الحديث والمعرفة أن هذا حديث منكر، ثم خالد بن سعد مجهول عندي لا يروي عنه إلا منصور ومن لم يرو عنه إلا واحد فهو مجهول، حدث عن أبي مسعود في النهاية، وعن أم ولد لأبي مسعود أنها كانت تنبذ له في جر أخضر، ولم يقل: سمعت أبا مسعود، ولا: ثنا، فأراني أن يكون بينهما إنسان، فيوقف حتى يصرح بالتحديث. وقد ذكروا أن الثوري رواه عن أبان، عن الضحاك، عن ابن عباس. وقالوا: الوهم من ابن يمان، ولا اختلاف بين المسلمين في أن نبيذ السقاية زبيب ينقع، ونقيع الزبيب عند من أحل المسكر إذا صار في هذِه الحالة فهو مسكر، ولا اختلاف بينهم في أن الخمر لا يحلها المزاج بالماء قل أو كثر.

стр. 16129

قلت: وروى أحمد عن أبي عبد الرحمن الحنفي: شهدت عطاء سُئل عن النبيذ، فقال: قال رسول الله ﷺ : "كل مسكر حرام" فقلت: يا ابن أبي رباح إن هؤلاء يسقون في المسجد نبيذًا شديدًا، فقال لهم: والله لقد أدركتها وإن الرجل ليشرب منها فتلتزق شفتاه من حلاوتها (١). وروى أحمد أيضًا في كتاب "الأشربة" من حديث الحسن عن نافع، عن أم إياس بنت عمرو بن سبرة أنها سألت عائشة ﵂ فقالت: إن أهلي ينتبذون لي في جرٍ غدوة فأشربه عشية، وينتبذون لي عشية فأشربه غدوة، فقالت: حلوه وحامضه حرام (٢). وفي رواية عن عبد الله بن الأحمر العبدي عن امرأة منهم، فذكره (٣)، وقال ابن عبد البر: آثار أهل الحجاز في تحريم المسكر أصح مخرجًا وأكثر تواترًا عن رسول الله ﷺ ، وأكثر أصحابه (٤). وقال النسائي: أول من أحل المسكر إبراهيم، قال ابن عبد البر: يصحح هذا قول ابن سيرين: لقيت بخباء أصحاب ابن مسعود علقمة وشريحًا ومسروقًا وعبيدة، فلم أرهم يشربون نبيذًا بجرٍ فلا أدري أين غاص هؤلاء على هذا الحديث (٥)؟ قلت: وقول ابن أبي عاصم: خالد بن سعد مجهول، لم يرو عنه غير منصور؛ ليس كما ذكر، فقد روى عنه إبراهيم النخعي وأبو حصين

стр. 16130

عثمان بن عاصم، ووثقه ابن معين وابن حبان (١) واحتج به البخاري مع قوله في "تاريخه الأوسط": وقال يحيى بن يمان عن سفيان، عن منصور، عن خالد بن سعد، عن أبي مسعود: أنه ﵇ أتي بنبيذ فصب عليه الماء. ولا يصح (٢)، وقال أبو أحمد الجرجاني: الذي ينكر على خالد حديث النبيذ، وحديث "لا يتم على عبد نعمة إلا بالجنة". وفي موضع آخر: يروى عن أبي مسعود في النبيذ، ولا يصح، هو موقوف (٣)، وقال الدارقطني: هذا الحديث معروف بيحيى بن يمان، ويقال: انقلب عليه الإسناد واختلط عليه، بحديث الكلبي عن أبي صالح، وهذا سلف، قال: ورواه اليسع بن إسماعيل عن زيد بن حباب عن الثوري، واليسع ضعيف، ولا يصح عن زيد (٤). قال ابن أبي حاتم في "علله": قال أبو زرعة: هذا إسناد باطل عن الثوري، عن منصور، ووهم فيه يحيى، وإنما ذاكرهم سفيان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن المطلب بن أبي وداعة، مرسل، ولعل الثوري إنما ذكره تعجبًا من الكلبي حين حدث بهذا الحديث، ومنكرًا عليه. قال: وقال أبي: أخطأ ابن يمان في إسناده، والذي عندي أن يحيى دخل له حديث في حديث رواية الثوري عن منصور عن خالد مولى أبي مسعود أنه كان يشرب نبيذ الجر، وعن الكلبي عن أبي صالح عن

стр. 16131

المطلب عن رسول الله ﷺ : أنه كان يطوف بالبيت .. الحديث (١). فسقط عنه [إسناد] (٢) الكلبي وجعل إسناده منصور عن خالد، عن أبي مسعود لمتن حديث الكلبي (٣). وقال الدارقطني: متروك وأبو صالح اسمه باذان وهو ضعيف (٤). وقال الأثرم في "ناسخه ومنسوخه": هذا حديث يحتج به من لا فهم له في العلم ولا معرفة له بأصوله، وقد سمعت من أبي عبد الله و (من) (٥) غيره من أئمة الحديث كلامًا كثيراً وبعضهم سيزيد على بعض في (تفسير) (٦) قصته، فقال بعضهم: هذا حديث لا أصل له ولا فرع، قال: وإنما أصله الكلبي وهو متروك. وكان ابن يمان عندهم ممن لا يحفظ الحديث ولا يكتبه، فكان يحدث من حفظه بإعادته وهذا من أنكر ما روي، وإنما الذي رواه عنه فقد غير عليه ما هو أعظم من الغلط مما قدكتبنا عنه لصعوبته وسماجة ذكره. وفي الحديث بيان عند أهل المعرفة أجمعين لضعفه؛ لأنه زعم أنه شرب من نبيذ السقاية نبيذًا شديدًا فجعلوه حجة في تحليل السكر وإنه لا يقطب إلا من شدة وإنه لا يكون شديدًا غير مسكر، فرجعوا إلى الأخذ بالتأويل فيما تشابه، فيقال لهم: أيكون من النقيع ما يشتد وهو حلو قبل غليانه؟ فيقولان له: لا، فيقال لهم: أرأيتم نبيذ السقاية أنقيع هو أو مطبوخ؟ فيقولون: نقيع فإذا هم قد تكلموا بالكفر أو شبهه

стр. 16132

حين زعموا أنه ﵇ شرب نقيعًا شديدًا وإنه لا يشتد حتى يغلي وإنه إذا غلا النقيع فهو خمر، فهم يرون بأنه خمر ويزعمون بأنه ﵇ قد شربه، ثم يحتجون بذلك في غيره ولا يأخذون به بعينه، وتفسير هذا الكلام أنهم احتجوا بشرب الشارع، زعموا أن النقيع الشديد في تحليل المسكر الممزوج ولا يرون شرب المسكر الشديد من النقيع، فأي معاندة للعلم أبين من هذِه (١)؟ وقال ابن حزم: رواه يحيى بن يمان وعبد العزيز بن أبان وكلاهما متفق على ضعفه (٢)، قلت: يحيى قال فيه: يحيى ليس به بأس. وقال ابن المديني: صدوق. وقال يعقوب بن شيبة في "مسنده": ثقة، أحد أصحاب سفيان، ولما ذكره ابن شاهين في "ثقاته" قال: قال عثمان بن أبي شيبة: كان صدوقًا ثقة (٣)، وقال الخليلي: ثقة (٤)، وذكره ابن حبان في "ثقاته" (٥)، وقال العجلي: كان ثقة جائز الحديث معروفًا بالحديث صدوقًا (٦). الحديث الثاني: حديث ابن عباس ﵁، قال ﷺ : "الظروف لا تحل شيئًا ولا تحرمه ولا لتسكروا" قال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله فما قولك: "كل مسكر حرام" قال: "اشرب فإذا خفت فدع" (٧).

стр. 16133

قال ابن حزم: هو من طريق المشمعل بن ملحان وهو مجهول، عن النضر بن عبد الرحمن أبي النضري، وهو منكر الحديث ضعفه البخاري وغيره، وقال يحيى بن معين: لا تحل الرواية عنه، ولو صح لم تكن فيه حجة؛ لأن فيه النهي عن السكر، ويكون قوله: "فإذا خفت فدع" أي: إذا خفت أن يكون مسكرًا فسقط التعلق به (١). قلت: حكمه بالجهالة على ابن ملحان ليس بجيد. قال ابن الجنيد: سألت ابن معين عنه، فقال: كان ها هنا ما أرى به بأسًا. وقال ابن أبي حاتم: سُئل أبو زرعة عنه، فقال: كوفي لين إلى الصدق ما هو (٢). وذكر ابن شاهين في "ثقاته" وقال: قال يحيى: إنه صالح الحديث إلا أن ابن إياس بصري ثقة أوثق منه كثيراً (٣). وأخرجه الدارقطني من حديث القاسم بن مهران، ثنا عمرو بن دينار، عن ابن عباس: مر النبي ﷺ على قوم بالمدينة فعرضوا عليه شرابهم، فلما قربه من فيه قطب فقال للذي جاء به: أهرقه، فقال: يا رسول الله هذا شرابنا إن كان حرامًا لم نشربه، فدعا به فأخذه، ثم دعا بماء فشنَّه عليه ثم شرب وسقى، وقال: "إذا كان هكذا فاصنعوا به هكذا". تفرد به ابن بهرام، وابن حبان يقول فيه: لا يجوز الاحتجاج به بحال.

стр. 16134

وأخرجه ابن أبي شيبة من حديث يزيد بن أبي زياد، عن عكرمة، عنه أنه ﵇ أتى بقدح من نبيذ السقاية فقطب فقال: "هلموا بماء" فصبه عليه ثم قال: "زد فيه" مرتين أو ثلاثًا ثم قال: "إذا أصابكم هذا فاصنعوا به كذا" (١). وعند ابن حزم قال رسول الله ﷺ : "كل مسكر حرام"، فقال له رجلان: هذا الشراب إذا أكثرنا منه سكرنا، قال: "ليس كذلك إذا شربت تسعة ولم تسكر لا بأس، وإذا شربت العاشر فسكرت فذاك حرام" ثم قال: هذا الحديث فضيحة الدهر موضوع بلا شك، رواه أبو بكر بن عياش عن الكلبي الكذاب، عن أبي صالح الهالك (٢). الحديث الثالث: حديث أبي موسى ﵁ عن رسول الله ﷺ : "اشربا ولا تسكرا" (٣). قال ابن حزم: لا يصح، وروي أيضًا بلفظ: "اشربوا في الظروف ولا تسكروا" ولا يصح أيضًا؛ لأنه من رواية سماك عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي بردة، عن أبي موسى، ثم لو صح لما كانت لهم فيه حجة؛ لأنه إنما فيه النهي عن السكر وليس فيه مانع من تحريم ما يصح تحريمه بما لم يذكر في هذا الخبر (٤). وقال الأثرم في "ناسخه": له علل بينة، وقد طعن فيه أهل العلم قديمًا، فبلغني أن شعبة طعن فيه، وسمعت أبا عبد الله يذكر أن هذا الحديث إنما رواه سماك عن القاسم، عن ابن بريدة، عن أبيه

стр. 16135

مرفوعًا: "كنت نهيتكم عن ثلاث" (١) الحديث، قال: فدرس كتاب أبي الأحوص فلقنوه الإسناد والكلام، فقلب الإسناد والكلام، ولم يكن أبو الأحوص يقول أبو بردة بن نيار وكان يقول: أبو بردة، وإنما هو ابن بريدة، فلقنوه أبا بردة بن نيار فقاله، وقد سمعت سليمان بن داود الهاشمي يذكر أنه قال لأبي الأحوص: من أبو بردة؟ فقال: أظنه، ثم قال: يقولون: ابن نيار فقال: ثم جاءت الأحاديث بمثل ذلك على أبي بريدة، فلو لم يجيء هذا الحديث معارض من كتاب الله وسنة نبيه؛ لم يكن هذا مما يصح لبيان ضعفه (٢). وقال أبو عمر في "استذكاره": هذِه اللفظة تعني: ولا تسكر، إنما رواها شريك وحده، والذي روى غيره "ولا تشربوا مسكرًا" (٣). وقال ابن أبي حاتم في "علله": سألت أبا زرعة عن حديث أبي الأحوص، عن [سماك] (٤)، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي بردة يرفعه: "اشربوا في الظروف ولا تسكروا"، فقال: وهم أبو الأحوص فقال: عن سماك، عن القاسم، عن أبيه، عن أبي بردة، قلب في الإسناد موضعًا وصحف في موضع، أما القلب فقوله: عن أبي بردة، وإنما هو ابن بريدة، عن أبيه، فقلب الإسناد بأسره وأفحش في الخطأ، وأفحش من ذلك وأشنع تصحيفه في متنه: "اشربوا في الظروف ولا تسكروا".

стр. 16136

وقد روى الحديث عن ابن بريدة أبو سنان ضرار بن مرة (١) وزبيد اليامي [عن] (٢) محارب بن دثار وسماك (٣) والمغيرة بن سُبيع (٤) وعلقمة بن مرثد (٥) والزبير بن عدي (٦)، وعطاء الخراساني (٧)، وسلمة بن كهيل (٨)، كلهم عن ابن بريدة، عن أبيه مرفوعًا: "نهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء فأشربوا في الأسقية ولا تشربوا مسكرًا" (٩). وفي حديث بعضهم: "واجتنبوا كل مسكر" ولم يقل أحد منهم ولا تسكروا، فقد بان وهم حديث أبي الأحوص من اتفاق هؤلاء المسمين على ما ذكرنا من خلافه. قال أبو زرعة: سمعت أحمد بن حنبل يقول: حديث أبي الأحوص خطأ في الإسناد والكلام، فأما الإسناد فإن شريكًا وأيوب ومحمد [ابني] (١٠) جابر رووه عن سماك، عن القاسم، عن ابن بريدة، عن أبيه

стр. 16137

مرفوعًا كما رواه الناس: "فانتبذوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكرًا" قال أبو زرعة: وكذا أقول (١). وقال ابن أبي عاصم: لا اختلاف فيه أنه خطأ وهم فيه أبو الأحوص، وقد رواه شريك. عن سماك، عن القاسم، عن أبيه، عن [ابن] (٢) بريدة، عن أبيه وقال: "اجتنبوا ما أسكر وكل مسكر حرام" وقال الدارقطني: قال يحيى بن يحيى النيسابوري -وهو إمام- عن محمد بن جابر فقال فيه: "ولا تشربوا مسكرًا"، هذا هو الصواب (٣)، وعند أحمد في "الأشربة" من حديث بلال بن أبي بردة، عن أبيه وعمه عن سرية لأبي موسى قالت: قال أبو موسى: ما يسرني أن أشرب نبيذ الجر ولي السواد سنين (٤). وله بإسناد جيد: "كل مسكر حرام" (٥). وفي رواية قلت: يا رسول الله إن لأهل اليمن شرابًا يسمونه البتع من العسل والمزر من الشعير فما تأمرني فيها؟ قال: "أنهاكم عن كل مسكر" (٦) وللنسائي: قال معاذ: يا رسول الله إنك تبعث بنا -يعني: هو وأبا موسى- إلى بلد كثير شراب أهله، فما نشرب؟ قال: "اشرب ولا تشرب مسكرًا" (٧).

стр. 16138

قال أبو جعفر النحاس: هذا هو الصحيح في حديث أبي موسى، والذي رواه شريك، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة عنه: بعثني رسول الله ﷺ أنا ومعاذ إلى اليمن. الحديث، وفيه فقال: "اشربا ولا تسكرا" أتى من قبل شريك في الحرف الذي بيناه قبل (١). ولابن أبي عاصم من حديث محمد بن أبي موسى، عن أبيه قال: أتيت النبي ﷺ بنبيذ فقال: "اضرب بهذا الحائط فإنه شراب من لا يؤمن بالله واليوم الآخر". ومن حديث عمرو بن شعيب، عن أبي موسى: لما بعث رسول الله ﷺ إلى اليمن فقال: إن قومي يصيبون من شراب من الذرة يقال له المزر، فقال رسول الله: "يسكر؟ " قال: نعم، قال: "فانههم عنه"، قال: ثم رجع إليه فسأله فقال: "انههم عنه" ثم سأله الثالثة فقال: قد نهيتهم عنه فلم ينتهوا، فقال: "من لم ينته فاقتله". ولأحمد في "الأشربة الصغير" من حديث ابن لهيعة عن درَّاج، عن عمر بن الحكم، عن أم حبيبة: أن أناسًا من اليمن قدموا على رسول الله فسألوه عن شراب يصنع من القمح والشعير، قال: "الغبيراء؟ " (قال) (٢): نعم، قال: "لا تطعموه" ثم لمَّا أرادوا أن ينطلقوا سألوه عنها، فقال: "لا تطعموه" قالوا: فإنهم لا يدعونها، قال: "من لم يتركها فاضربوا عنقه" (٣). الحديث الرابع: حديث سوار بن مصعب وسعيد بن عمارة، قال سوار: عن عطية، عن أبي سعيد، وقال سعيد: عن الحارث بن

стр. 16139

النعمان، عن أنس قالا عن رسول الله ﷺ : "حرمت الخمر بعينها قليلها وكثيرها والسكر من كل شراب" (١). قال ابن حزم: سوار مذكور بالكذب، وعطية هالك، وسعيد والحارث مجهولان لا ندري من هما (٢). قلت: تجهيله الحارث عجيب، فقد روى عنه ثابت بن محمد ويزيد بن عمارة وأبو النضر الأكفاني. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: ليس بقوي في الحديث، وعرفه غير واحد بأنه ابن أخت سعيد بن جبير (٣)، وذكره ابن حبان في "ثقاته" (٤)، وقد ضعفه ابن حزم في موضع آخر (٥)، ورميه سوار بالكذب غريب. وقال ابن سعد -في عطية-: كان ثقة إن شاء الله، وله أحاديث صالحة (٦). وقال ابن عدي: يكتب حديثه (٧)، وكذا قال أبو حاتم (٨)، وخرَّج الحاكم حديثه في "مستدركه" (٩)، وذكره ابن شاهين في "ثقاته" (١٠).

стр. 16140

وقال البزار: روى عنه جلة الناس نحو من أربعين، منهم نحو من ثلاثين جليلاً، وتجهيله سعيد بن عمارة ليس كما ذكر، فقد روى عنه جماعة: بقية بن الوليد ومسلم بن بشير وعلي بن عياش وغيرهم. قال ابن عساكر: وكان جده صفوان الكلاعي على عمل لعبد الملك بن مروان. وقال ابن الجوزي: الحديث موقوف، ولا يتصل إلى أبي سعيد (١)، قلت: قد عرفته متصلًا بما فيه. ولأحمد بإسناد لا بأس به، عن أبي سعيد مرفوعاً: "نهيتكم عن النبيذ ولا أحل مسكرًا" (٢). الحديث الخامس: حديث أخرجه ابن أبي شيبة، عن ملازم بن عمرو، عن عجيبة بن عبد الحميد، عن عمه قيس بن طلق، عن أبيه طلق، عن رسول الله ﷺ أنه قال لوفد عبد القيس: "اشربوا ما طاب لكم" (٣) قال ابن أبي عاصم: هذا من الأسانيد التي لا تتشاغل بها. وقال ابن حزم: هذا لا حجة فيه؛ لوجوه: أولها: أنه من رواية عجيبة وهو مجهول لا أدري من هو، ثم لو صح لما كانت فيه حجة؛ لأن ما طاب لنا هو ما حل لنا كما قال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ (٤) [النساء: ٣].
следующие страницы →